مسبح مهجور

وقف الأب المنتشي بقرب نهاية منجزه الأعظم، والذي لم يكن الأوحد، بافتخار كبير ناحية ما صنعته يداه مجازًا. فبعد مرور ثلاثين عام لنشأة عائلته، لازمته خلالها هواجيس بناء المنزل وتملكه كاملًا، محتلة بذلك كافة تفاصيل حياته اليومية وخيالات عز الظهيرة. تلك الملحمة مرت عبر مراحل، بدأت تتشابك خيوطها عند لحظة اختيار الموقع لتتم معها عملية شراء الأرض البكر. صحيحُ أن تلك اللحظة  كانت سابقة لأوانها، فلم يراد بها أن تؤدي إلى بناء منزل الاستقرار لكن شاءت الصدف وضع تلك الأرض أمام ناظريه بعد أن عرضها زميل له في العمل أدعى أن الأراضي الآن تعد في أسعارِ لا مثيل لها ولا يمكن أن تعاد تلك الفرصة مرة أخرى، فالوضع العام لا ينم عن استتباب، بالأخص مع دق طبول الحرب. “اشتريها الآن لأقوم ببيعها لاحقًا” نطق بتلك العبارة داخل جوفه لتتخذ معها تلك الأرض موقعًا على خارطة المستقبل تجاه ما يعتزم رسمه في ذلك العالم. رغب في إلقاء نظرة على تلك الأرض، دله الزميل لمسار تلك الرحلة، عجل في اتباع الخطوات إلى أن وصل للنقطة المنشودة، تفحص بناظريه المكان رغم تشابه اللوح المحيطة بالموقع. اراضي صحراوية لم تخطط بعد، مليئة بصخور ذات تراكيب مبعثرة لا ترمز لشيء ذو قيمة. هبت رياح أواخر الصيف اللاهبة على وجنتيه كعادتها في تلك البقعة بعد إطالته للحظة الوقوف، غمره احساس برسوخ تلك اللقطة، رغم عدم كماليتها، آمن بشدة أن تلك الأرض لن تمر مرورًا عابرًا في حياته. هي حتمًا ستصبح مسكنه الدائم.

الاستمرارية، كلمة مُحيت تمامًا من قاموسه. أصبح هاجس الاستقرار بعيد المنال بالنسبة له، فمنذ الصغر لم يعرف مسكنًا يليق بمصطلح “منزل”، يذكر أحيانًا أماكن طينية ضيقة عديمة الضوء داخل بلدة نائية لا ذكر لها في الخرائط. ظلت والدته تردد على مسمعه عن ضرورة مغادرة هذا المكان وإلا تم لهم الفناء. تبرز الفرص في البلدة المجاورة لذا يستلزم الرحيل عن تلك الحفرة. حمل هو ووالدته الأمتعة القليلة مرتحلين صوب تلك البلدة العظيمة. لم تتغير الحال كثيرًا في البدايات فقد ظلت تلك المساكن الطينية تبزغ حينًا بعد حين، ألا أنه بعد ما أشتد عوده تمكن هو من تأسيس عائلته، لتنزح معها فكرة المنزل الأمثل ومحاولاته الدؤوبة معهم في إحداث تلك المعجزة. ظل هو وعائلته التي تتوسع مع مرور الأعوام يتنقلون من منزل إلى آخر كلما تقدم بهم العمر. شقة صغيرة في عمارة تابعة لمقر عمله تعد متنفسًا مثاليًا لعملية ادخار الأموال نحو البيت الأمثل. ومن تلك الشقة تنتقل العائلة ناحية شقة شبيهة بها لكن في عمارة مختلفة، إلا أن هذا الأختلاف لم يُلحظ أبدًا حتى في رؤية الصور الملتقطة من تلك المرحلتين بعمق. تشابه غريب لا يميز تلك الفترات المختلفة بأي سمة سوى ببعض الحوادث المفتعلة من قبل الأطفال/المراهقين على جدران تلك الشقتين، فمن خلالها تمكن الأب من التمييز بين معالم المنزليين. “كم هي رتيبة تلك المناظر” لم يجد تعليقًا أفضل من ذلك لوصف ما التقطته عيناه عبر تلك الصور. 

استحوذ تصميم المنزل على معظم يومه، فتراه متنقلًا بين مكتب مهندس وآخر بحثًا عن التصميم الأمثل. والذي عُد إيجاده صعبًا في ذلك الزمان داخل مدينته، هو أمرُ يشبه إلى حد كبير استخراج الذهب في أرض افتقرت لها منذ عقود. هو في رحلة دائمة لاستقصاء الكمال، لكن ظل الكمال دومًا مبتعدًا عنه. منزل بطابقين رفقة قبو تتمكن فيه العائلة الممتدة في ذلك الحين من إقامة احتفالاتها ونجاحات أفرادها. “مسبح، لا بد من وضع المسبح” رغم رفاهية تلك الفكرة ومع الوضع المالي المحكوم بأطر وقيود قادرة على منعه من التفكير في تلك المتع. رغم كل هذا أصر على طرح هذا المقترح على مسمع المهندس المكلف لتلك المهمة. 

بدأت العائلة في زيارة موقع المنزل رغم عدم اكتماله بعد، فبعد مرور ستة أعوام على بدء عمليات البناء، وستة أعوام تسبقها منذ شراء الأرض. باتت معالم اللحظة الختامية تتضح أكثر وأكثر لتبرز معها ملامح المنزل السعيد. رغم اختفاء بعض أعضاء المنزل نظير انتقالهم لمنازل أصغر في رحلة تكوين عائلاتهم الخاصة، إلا أن المشهد كان فاتنًا بالنسبة للأب، فكل شيء وضع في موقعه الصحيح والذي يليق به. تم الانتقال بسرعة بالغة مقارنةً بما مر به المنزل من عمليات تشكيل انتقيت بعناية فائقة، لم تتبلور تلك اللحظة كما أرادها الأب فالأبناء المشاركين في تلك الرحلة لم يشعروا بفارق يذكر ناحية تغير مسكنهم، فعملية النوم مرت بسلام كما كان معتادًا في المنزل السابق. أحبط الأب قليلًا إلا أن هذا الأمر لم يهبط من عزيمته في الفرحة الكبرى المتمثلة في الانتقال لمسكن دائم. 

المسبح، منذ تبديل عنوان السكن لم يقم الأب بملء حوض السباحة المبني بإصرار منه رغم اعتراض المهندس على هذا المقترح، ناهيك عن المواصفات التي اتخذها لشكل المسبح. كان عميقًا لدرجة يصعب معها السباحة بداخله إلا من قِبل محترفين بتلك الرياضة أو على دراية بسيطة بها وهو ما كان مفقودًا لدى ما تبقى من أبنائه. “لن أسمح بحدوث هذا الأمر أتريد أن أفقد أحدهم داخل تلك البركة العميقة” ظلت الزوجة عازمة على رأيها والذي بني على خوف وقلق يليق بأم جل ما تحسنه في هذه الحياة حماية أطفالها وأن بلغوا من الكبر عتيًا. لم يكترث لتهديداتها عاقدًا العزم على ملء المسبح، لتبدأ معها جولات الترويح التي طالما تخيلها منذ بدايات تشييد هذا المنزل ولحظة رسم المخططات الورقية له. أصبح الصيف، أو بالأصح الفصل السابق للصيف، أيامًا ممتعة لا نظير لها ينزع الجميع فيها غطاء الاحترام المصطنع لتنتشر بذلك عفوية لا تؤدي لضرر ظل تصور قدومه ملازمًا لمخيلة كبار العائلة.

مرت السنون البسيطة لتزداد معها عمليات الخروج من بوابة المنزل، ليستبدلوا بأحفاد تقل مدة مكوثهم داخل المنزل على نقيض آبائهم المتواجدين خلال ساعات اليوم كاملة. تم مضاعفة القلق القابع داخل صدر الأم على جميع الأبناء ناحية أطفالهم، خصوصًا الإناث منهم. صراخ وعويل رفقة تهديد للاحفاد بعدم الاقتراب من المسبح، والعمل على إغلاق الباب المؤدي له حتى لا يسقط أحدهم عند قدومهم في أيام العطل. بدأت ملامح المسبح تبهت ليس في أوقات تقلب الطقس ناحية البرودة بل امتد ناحية الأشهر المفضلة للقيام بالسباحة. فرِغ من الماء وأصبح مجمعًا لحبات الرمل المتطايرة بين الحين والآخر. تتكفل الجدة بمهمة تنظيف ما يعلق بداخله رغم عدم عقد النية في ملئه بالماء مجددًا، صار موقعًا أثريًا رغم عدم اكتمال الشروط اللازمة لتحويله لذلك. 

يستيقظ الجد من نومه فزعًا، يرتب حاجياته الأساسية داخل حقيبة اليد المعدنية. يصرخ مناديًا الجدة بسرعة إخبار السائق بتجهيز السيارة حتى يتمكنوا من الذهاب لمنزلهم. فهذا المسكن يشعره بالغربة، لم يعد مألوفًا بالنسبة له. يستغرب تلك التصاميم والسلالم القريبة من باب غرفته. غرفته التي بات الوصول إليها صعبًا وغريبًا، فمن هو الغبي الذي قام بوضعه داخل هذا الموقع تحديدًا، حيث يصعب الوصول إليه في رحلة الذهاب من مدخل المنزل صوبه. لما بذل كل تلك المشقة لقطع المسافة الطويلة في حين كان بالإمكان وضعه بالقرب من المدخل.  ترد الجدة في ضجر بعد تكرار حدوث ذلك الأمر مرات عديدة، ألا أنها هذه المرة قررت مواجهته بطرح سؤال يشغل بالها قائلةً: “عن أي منزل تتحدث، هذا هو منزلنا ولا نملك غيره”. ينظر إليها باستغراب، متسائلُا عن امتلاكها كل تلك الثقة للرد عليه بأن ما يقف بداخله الآن هو “منزلنا”. فهذا المبنى لا يعلم  عنه شيء. كأنه اقتلع من أرضه المألوفة جهة تلك التربة العجيبة. أيعقل أن يبني شخص داخل مسكنه مسبح بهذا العمق، ومن أين أتته فكرة المسبح فهي لا تلائم نمط حياته ولا حتى وضعه المادي. من هو الغريب الذي أدخل هذا الدخيل داخل أرضِ تجزم شريكته أنها ملكه.

أحلام اليقظة 3

نفس الوقت المعتاد، ذات المقعد القابع في آخر المقهى بجانب تلك النافذة الكبيرة و الملتقطة لمنظر حديقة الحي رفقة أطفال يلعبون بلا كلل ولا ملل لحين غروب الشمس، عندها تخبو كل طاقتهم معلنةً العودة لتلك المنازل المعلبة صحبة الأجهزة الإلكترونية القادرة على تكيفهم داخل عوالم افتراضية يرغبون بشدة في العيش داخلها. كل ذلك لا يهم طالما توفر الهدوء هنا في المقهى، رفقة موسيقى غربية تصيح هامسة عبر سماعات مثبتة في السقف. رائحة المخبوزات تملأ المكان مضيفةً طاقة لا تُكتسب عن طريق قضمها، بل سيتكفل الدخان الصاعد من فوقها بإتمام تلك المهمة. 

تُخرج جهازها المحمول ليستقر في موقعه على الطاولة القريبة من الفتحة الكهربائية لغرض التزود بالوقود حتى تتمكن من العمل. ذلك الجهاز المصاب ببضع إعاقات تراكمت عليه بمرور السنين، اعوجاج بسيط في الركن الأيمن، قطعة خُلعت من مكانها لتنتقل صوب مكان غير معلوم، خدوش تنتشر في أصقاع مختلفة ضمن حدود الجهاز. إلا أن كل هذا لم يهبط من عزيمتها ناحية روعة هذه الآلة، ومدى فعاليتها طوال السنين التي مضت، هو حتمًا درع تتكئ عليه في إنجاز المهام اليومية والتي ترغب بشدة في إتمامها. 

يجمع ذلك المقهى العديد من أشباهها، أُناس تتسمر أعينهم صوب شاشات الأجهزة المحمولة واللوحية، وأخرون ينغمسون داخل أحرف كتاب تلتقطه أيديهم. من شأن كل هذا أن يكون مشهدًا واقعيًا تأنس له الروح في بحثها الدؤوب عن المسليات، وهو ما حدث لها بالفعل، إلا أن مرأى تراءى لها أكثر من مرة عدته مألوفًا ويجب أن يبرز في يومها. ففي كل مرة تحط قدماها داخل المقهى تجد ذات الصورة بكافة تفاصيلها حاضرة المرة تلو المرة. زياراتها للمقهى عديدة لكن لا يمكن اعتبارها روتين يومي يستلزم حضوره عند كل شروق للشمس، إلا أن تلك اللقطة فُرضت في كل مرة جلست فيها على ذلك المقعد الطويل المواجه لطاولة مربعة ثقيلة يصعب معها التحريك إن رغبت بذلك. ذلك الثبات جعل تلك الصورة تبرز على الدوام داخل مدى الرؤية الممكنة للعين، رجل يصعب من مكانها تحديد الفئة العمرية المنتمي إليها إلا أن شعر رأسه يشير لمرحلة مبكرة من العمر، فما زالت البصيلات قادرة على أن تشق طريقها بخيلاء للأعلى دون أن تأبه لفترة الرحيل المبكر. عدا ذلك فقد يكون من المحظوظين الذين حباهم الله بجينات لا تكترث كثيرًا بتقدم العمر لتعطي أقصى ما تملك من خصلات الشعر طوال فترة إقامة عائلها داخل هذه الحياة. الصورة تعد ناقصة كون أن الملتقط يشير بظهره ناحية المصورة، لم تتمكن من التقاط تعابير وجهه تجاه ما يقرأ، وهو الفعل الذي ما دأب أن غادره منذ تجليه لها في ساعات التواجد داخل المقهى. تسنح لها بين الفينة والأخرى رؤية غلاف الكتاب عند دخولها وهي متوجهة ناحية المقعد الوثير، تغمرها الفرحة أن رأت كتابًا قد قرأته فيما مضى رغم عدم حدوث تواصل لفظي يرتكز على مجريات الرواية أو فلسفة الكاتب تجاه الحياة. تلك الحياة التي جمعتهما من دون قصد، أو بقصد، في ذات الوقت والمكان مرات عدة، كأنها بتلك الطريقة تفرض رؤية مختلفة لما اعتادته أرواحهم مخبرةً إياهم بضرورة التواجد معًا داخل ذات الأطار.

ظلت الشكوك تزأر تباعًا ناحية خيالها المتعجل، فهي امرأة ولم تخلق المرأة إلا لغرض وحيد سامي يتمثل في بث الشكوك في محيطها ومحيط من يقبع بقربها. أول رسالة تلقتها كانت على هيئة أن التسمر أمام التلفاز ومشاهدة العديد من الأفلام ذات الطابع الرومانسي لوثت العقل بما لا يتلائم مع الواقع المحيط بها. أما ثانيها فتم طرحه كتساؤل مشروع عن الثقة العالية من ناحيتها تجاه تماثل رغبتها مع رغبة من يجلس قبالها، “من أين أتيتِ بها؟.” 

طالت مدة التواجد في ذات المكان، إلا أن ذات يوم غير من هيئة حضوره داخل المقهى، فبدل الكتاب المصاحب أصبح هنالك جهاز محمول فُتح قبل وصولها، ومعه تم الانغماس في إجراء أعمال مجهولة. لم يكتفي بتعديل واحد ناحية تلك اللوحة المرسومة، فما لبث أن أظهر صوته بشكل أوضح خلال مكالمات عديدة واحدة تلو الأخرى لتظهر معها صورة شخص مجادل يُكثر من طرح الأسئلة والتي يستلزم حضور ردات فعل مقنعة تمكنه من إنهاء تلك المحادثة والتي نادرًا ما حلت.  ذلك التغير فاجأها رغم رغبتها العامرة في تحولات تمكنها من إحداث تحول لا تعلم صيغته النهائية غير أن التقدم ناحية الأمام أي كان اتجاه أما للأعلى أو للأسفل لازمها منذ مدة ليست بالبسيطة. ذلك التبدل لم يكن حصريًا له، فقد لاحظت تواجد ضيف جديدة للمنظر المكرر والملتقط من خلال النافذة الزجاجية. فالمنزل القابع أمام الشارع القاطع لمسكن المقهى وبمعيته تلك النخلات الثلاث اليائسات من أي مظهر من مظاهر الحياة، بدرجة اصفرار شديدة مع حبيبات رمل محمولة بثقل على ما تبقى من سعفها، ما لبثت أن غيرت من مظهرها بعد أن حل بالقرب منهن ضيف جديد، ولعلها رغبة صاحب المنزل في تجميل الصورة الأمامية لغرض إضافة حياة اختفت معالمها عن محيا النخلات الثلاث. شجرة قصيرة مكتنزة توحي بقصر عمرها على هذه المعمورة، واللون الأخضر الزاهي يشع من بين أغصانها لتضيف غرابة أكبر على ما عُد عجيبًا فيما سبق. “لا أعلم من أصبح الدخيل الآن، الشجرة أم النخلات الثلاث” قالتها وهي تشيح ببصرها عن سحنة تلك اللقطة الهجينة.

برز صوته المجادل مرة أخرى، ومعها لم تستطع أن تركز على ما تريد إنجازه لتتحول المهمة صوب الحديث المسموع. كانت الإنجليزية هي اللغة المحكية، والذي عدته متقنًا للغاية لدرجة تلائم قاطني المباني المجاورة لنهر التايمز. طال الحديث مدةً قد تلائم شوط مباراة لكرة القدم إلا أنها لم تشعر بمرور كل هذا الوقت، عندها حلت لحظة إنهاء المكالمة. صمت قصير تلاها التفاتة منه صوب الزاوية المحتلة من قِبلها ليعتذر لها بشدة عن الإزعاج الذي من الممكن أن يكون قد تسبب فيه جراء تلك المكالمة. ألح في اعتذاره مرة أخرى والذي وجدته غير مبرر سوى لإطالة مدة الحديث، الحديث الذي لم يتجاوز كلمتين ظلت تكرر هما بغية إضفاء الراحة النفسية لتلك النفس المذنبة بذنب لا يعد من الكبائر، “لا بأس، لم انزعج”. انقضت تلك الثواني والتي برزت كلقطة رئيسية من فيلم وصل لنهاية المقدمات الكليشيه، إلا أن الأحداث التي كان من المرجح أن ترتفع لقمتها هبطت لقاع لم ترده مطلقًا. ظلت الدقائق المعدودة بعدها مجمدة داخل أحشاء آلة التبريد العملاقه، معلنةً عدم الامتثال لقانون الطبيعة الأول والمتمثل في الحركة الدائمة لجزئيات ذلك الجسد طالما تعرضت لحرارة  المحيط والمحبوسة بداخله. برزت لحظة قطعية لإنهاء ذلك المشهد فما كان منها إلا أن نهضت لتغادر موقع تصوير تلك اللقطة لتختم معها أحداث القصة بنهاية مفتوحة لم تعل عليها كثيرًا في إضفاء سعادة أبدية على ما ترغب فيه مخيلتها. 

قدِم اليوم التالي حاملًا معه آمال عريضة بلقاء آخر تكون فيه أجرأ في فتح حديث تتمنى أن يعد شيقًا ولا تصاب فيه عضلة لسانها بتشنج يمنعها من إطلاق كلمات مفهومة ذات وزن يليق بتلك اللحظة. دخلت المقهى لتفاجأ بخلو المقعد المحجوز دومًا من قِبله، استغربت قليلًا ألا أنها ظنت أن الصورة ستتعدل إلى ما اعتادت عليه بعد دقائق قليلة. مر الوقت بثقل دونما تغير يذكر، انتاب عقلها عجز منعها من أداء المهام الاعتيادية والتي ظلت  تتدفق بسهولة في أوضاع أخرى لا ترتبط مطلقًا مع ما تعيشه في تلك اللحظات. لا يخفى عليها أن كدرًا اصاب روحها عكر جميع الأمزجة المسجونة بداخلها، لتبزغ معها تلك الكآبة عاليًا حاجبة جميع أوجه العيش لتصيب تلك النفس بخمول تعجز معه الحواس عن التعبير. كل ما رغبت فيه في تلك اللحظة مغادرة المكان المألوف والذي انقلب لمكان يضيق بالنفس. عجيب أمر التحولات المفاجئة في جعل مكان معتاد تغمره الراحة إلى موضعِ موحش مقفر يعلق المرء كمحتجز بداخله، عادًا الثواني الطوال لحين الخلاص منه.

لم ينقطع أملها. ظلت على الدوام مواظبة على فعل الظهور هناك في وقت معلوم لمدة معلومة، وفي كل مرة يزداد سمك الغيمة السوداء المحلقة فوق رأسها، والتي نشأت بعد عدم تحقق ما تصبو إليه. تراءى لها كميات قليلة من الأبخرة المعروفة بالضباب، لتحيط كامل جسدها حاجبةً عنها رؤية ما تود أن تلتقطه. تلك الأصوات المألوفة عُدت غريبة، ذلك المنظر المعتاد أصبح دخيلًا. تملكتها الغيرة من تلك الشجرة المكتنزة الراغبة في الحياة والدخيلة على أقربائها من أشجار النخيل. فهي ما تزال متلهفة تجاه المكان الجديد، تستأنس بكامل تفاصيله، لا تستنكر فعلًا أو يختل منظر تألف قربه. بات الأمر شبيهًا بتلك النخلات الثلاثة كل ما توده أن يتكفل الوقت باقتلاعها من ذلك المقام.

أخيلة حقيقية (1)

طليطلة-أسبانيا، أبريل العام 1528

على تل مرتفع تكسوه الخضرة وتغلفه سُحب مثقلة بحبات المطر تقبع مدينة طليطلة. ذلك الأسم الذي يشير إلى وجهة بعيدة لا تنتمي للغة ساكني تلك الأرض، ولكنها تذكر بعابرين قد استقروا فترة طويلة من الزمن وبات وجودهم لا يذكر. 

أعلن المالك الجديد لتلك الأرض الإمبراطور شارل الخامس إقامة استقبال ضخم في قصره المشيد حديثًا على أنقاض قصر آخر كان قد شُيد حديثًا في زمن مضى، وكله رغبة في التعرف على قادة ووجهاء المجتمع الإسباني، واختيار المناسب من أفعالهم واللتي يجب أن تلتقي مع تطلعاته الشخصية للأمور المرتقب حدوثها مستقبلًا. عُين امبراطورًا حاميًا لمعظم أراضي أوروبا، وهو نتاج تزاوج بين ابنة ملك إسبانيا وابن ملك النمسا، وترعرع في بلجيكا. تشكلت على لسانه لغات مختلفة نظرًا للأعراق المتحدة والممزوجة داخل دمه والأراضي التي نشأ بها والأرض المملوكة له حديثًا. سيكون لزامًا عليه اتخاذ الإسبانية كلغة تخاطب في هذا المساء لكن قد يكون الأمر مربكًا إلى حد ما، بسبب بعد مفرداتها عن لسانه وأذنه لفترة طويلة من الزمن. 

بخطوات مرتبكة وعينان تملأهما الرغبة في إقناع الإمبراطور، وصل فرانسيسكو بيزارو إلى صالة الأستقبال ليمعن النظر في الحضور المهيب من رجال ونساء. لوهلة ظن أن جميع سكان أسبانيا في شبة الجزيرة والعالم الجديد قد تم دعوتهم بمعيته. 

“اللعنة، لن يكون هنالك وقت كافي من أجل التحدث مع الملك كارلوس” (هو ذات الأمبراطور لكن في إسبانيا يلقب بهذا الاسم ليصبح أكثر قربًا من أهل البلد عن طريق تقليد أسمائهم). أصيب فرانسيسكو بالإحباط وهو الرجل الملتحي بشعيرات غزاها الشيب بمقدار سنواته الطويلة التي قضاها في خدمة الأمة الأسبانية عن طريق امتلاك أراضي جديدة في العالم الحديث المتواجد غرب الأطلسي، والتي ينوي إكمال تلك المسيرة هذه الليلة من خلال إلقاء خطبة يتمنى أن تؤثر في نفس الأمبراطور حتى ينال شرف الدعم المالي لخلق مستعمرات جديدة داخل البيرو. تلك الحماسة تصيبها شكوك من شائعات كانت قد تنامت إلى مسمعه عن رغبة الملك كارلوس في التخلي عن انشاء مدنًا جديدة لامبراطوريته مترامية الأطراف في الهند الغربية، فعلى ما يبدو أن روح الأمبراطور لم تعد مستقرة وأصبحت مملوءة بالذنب تجاه ما يحدث من استعمارِ لأراضيِ يمتلكها أُناس آخرون، متوحشون نعم، لكنهم هم السكان الأصليون لتلك الأرض، ومن الواجب على الحاكم أن يتحلى بالعدل في كل أفعاله ولعل فكرة احتلال موطن وإحلال شعب بشعب آخر لا تتماشى مع تلك الصفة إطلاقًا. 

على الرغم من كل هذا ظل بيزارو متفائلًا حول مجريات اللقاء المرتقب بينه وبين الملك، فمع عبور كل دقيقة تمضي بالجميع نحو المستقبل، يتحرى فرانسيسكو اللحظة المناسبة لبدء الحديث مع الإمبراطور المقدس. 

“هل أطلعت على الهدايا التي جلبتها من المكسيك”

كان وقع تلك الكلمات سريعًا كخطوات الناطق بها والذى ما انقضت جملته حتى انتصب أمام فرانسيسكو حاملًا معه سلاسل ذهبية ضخمة لم تكن عيني فرانسيسكو قد التقطتها من قبل. “كورتيز” قالها بيزارو بصوت يشوبه قلة الحماسة مع خليط من حسد تجاه هذا الشاب المنتشي بانتصاراته الأخيرة، والذي أصبح محور حديث الجميع، فمن هارب من خدمة الملك إلى مؤسس لمستعمرة جديدة على أنقاض إمبراطورية الأزتك، كل تلك الأفعال جعلت منه شخصًا عظيمًا يهابه الجميع، ولعل عين بانفيلو دي نارفياس المفقودة تعلم جيدًا جنون هذا الشخص. 

“أرى أنك قد تكبدت عناء السفر تاركًا مستعمرتك الجديدة بلا قائد يقودها” 

أراد بيزارو من خلال طرح هذا التساؤل أن يهبط قليلًا من حماسة كورتيز المتقدة، فهو على ما يبدو سيصبح منافسًا شرسًا لتطلعاته القادمة كون أن القائدين مشتركان في ذات الرؤى. 

“لا عليك، تركت المكسيك برجال يهابون كورتيز وكأنه متواجد بينهم، حتى وأن كان جسدي يحضر في هذه اللحظة داخل شبه الجزيرة الإيبيرية”

توالت الكلمات الخارجة من فم كورتيز لتصل لأذن بيزارو الغير مبالية بعنجهية هذا الشخص الماثل أمامه، وكأنه بهذه الطريقة ينال عقابًا على ذنب كان قد ارتكبه فيما مضى ليحاول صابرًا ومحتسبًا أن تنقضي تلك الدقائق بسرعة. المستغرب أن كِلا الرجلين ينتمي لمدينة تتواجد كل منها بالقرب من الأخرى. فلا مسافة تذكر بين مديين و تروخيو، حيث تتشابه معالمهما وحالتهما الطقسية وسجلاتهم التاريخية بطريقة يصعب معها التفريق فيما بينهم، لكن على ما يبدو أن العالم الجديد صنع شخصيات مختلفة لا صلة لها بتلك المتواجدة على الأراضي الإسبانية، ومن المؤكد أن الصراع على السلطة وامتلاك أكبر قد من الأراضي هو على رأس أولوياتها. 

بعد الانتهاء من سماع الخطبة العصماء الملقاة على مسمعه، أراد فرانسيسكو أن يبتعد قدر الإمكان عن هذا المتحذلق والاقتراب أكثر من الملك الموقر ليبدأ معه في فتح المحادثة المصحوبة بطلب شخصي يتمنى غاية المنى ان يرق لقلب جلالته حتى يتمكن من الإبحار مرة أخرى إلى البيرو وبدأ عملية الاكتشاف داخل أراضيها الوعرة والتي يعلم شديد العلم انها تحمل الكثير من المفاجآت على الصعيدين البشري والموارد الملازمة لها. بحديث باسم انطلقت معها ضحكات الإمبراطور شارل صحبة مجموعة أخرى من القهقهات المنطلقة من أفواه المجتمعين حوله، أقترب بيزارو أكثر ليساهم في إعلاء صوت الضحك ويُقدِم بعدها على بدء خلق الكلمات المعنية بموضوعه المستعجل. 

 “جلالة الإمبراطور، خادمكم المطيع فرانسيسكو بيزارو في أراضيكم المقدسة داخل العالم الجديد” 

نطقها بيزارو بجسمِ منحني باتجاه الملك لكن هذا الانحناء زاد من انحناء ظهره المتواجد مسبقًا لينتج عنها قوسًا محدبًا تحدق به النظرات المختلفة باستغراب عن ماهية هذا الجسد. 

“بالطبع، بالطبع أيها القائد بيزارو. كلي معرفة بأفعالك الجزيلة والتي نذرت نفسك في فعلها من أجل خدمة الرب والإمبراطور، كن على ثقة أنِ أحمل لك الكثير من التقدير والإجلال والذي أنوي أن أرده لك من خلال أي متطلبات تريدها”

 أُصيب بيزارو بالدهشة لسرعة ردة فعل الإمبراطور ناحية الخوض في الموضوع سريعًا، بل كان مستغربًا أكثر بأن الأمبراطور على معرفة بما ينوي بيزارو طرحه امامه. 

“بالطبع مولاي فأنت تعلم أن العالم الجديد غني بالموارد الطبيعية مثل الذهب والتي من شأنها أن تثري الإمبراطورية الإسبانية وتجعلها متسعة بشكل أكبر مما هي عليه الآن، ليتحقق لها السيطرة التامة على معظم أراضي كوكبنا ويتسنى لنا خدمة نشر رسالة الرب الحقة وننال معها شرف هذا الفعل المجيد”

 بعد أن أنهى بيزارو من سرد تلك المفردات، أحس بنشوة المنتصر، كل ذلك القلق السابق لتلك اللحظة تلاشى على عجل بخفة سقوط رمش العين الغير ملاحظ اختفائها. تهافتت على نفسه رغبة ملحة بأن يمتطي السفينة المغادرة إلى أعماق المحيط الأطلسي لتلقي به في أحد الأراضي المحاذية له دون التمعن في أي بقعة كانت، لأن بعدها يعلم جيدًا أي طريقِ سيتخذه للوصول إلى دهاليز البيرو. 

“اعلم جيدًا رغبتك الملحة في انجاز ما تأمل إليه، وأنا أؤكد على مسمعك بتشابه ما ترغب به مع ما أطمح إلى تحقيقه في مملكة إسبانيا، ولكن هنالك أولويات يجب علي الالتفات لها أولاً حتى يتسنى لنا تقنين المصارف المبذولة في عالم اكتشاف الأراضي الجديدة دون أن نجد أنفسنا مصابين بهدر لا معقول ينتج عنها غضب شعبي في الداخل القريب، والذي على ما يبدو أن العديد منكم كان قد تناسى وجودهم”

أحس بيزارو بشلل في استخراج الحروف ليشكل معها كلمات مناسبة لوضع رد مقنع تجاه الرأي الملتف حول حقيقة أن لا رغبة لدى الملك في خوض المزيد من المغامرات في العالم الجديد، وفي ذات اللحظة أقتربت من عينيه صورة كورتيز الماثل في الخلف وهو محاط بالعديد من الوجهاء، غالبيتهم من النساء، وهم يستمعون بحماس لحديثه المتكلف حول مغامرات فتح الأزتك و الإطاحة بالقائد مونتيزوما. للحظات عابرة كان يرى نفسه في مكان كورتيز، فهو يؤمن أشد الإيمان أنه أفضل منه في القيادة العسكرية، وملتزم أشد الالتزام بالفضائل الأخلاقية ناهيك عن الفارق العمري الذي يرجح كفته، فللأقدمية أهمية كبيرة عند فتح الأحاديث أمام الملوك. لكن كل تلك التفضيلات تأرجحت ناحية الحافة تاركةً بيزارو وحيدًا وصامتًا أمام الملك. 

“هل لديك ما تضيفه أيها القائد بيزارو” 

قاطع الملك خيالات فرانسيسكو المحلقة بعيدًا عن جنبات القصر. أمن المحتمل أن يُخيب بيزارو ظن المستكشفين الذين وعدهم قبل مغادرته بنما بأن يجلب أموالًا تمكنهم من العودة مرة أخرى للإبحار جنوبًا والغوص أكثر في المدن الرائعة والتي مروا بمحاذاتها العام الفائت. أيكون الإقدام على فعل عصيان أمر حاكم بنما بالعودة من جزيرة الديك، والتي أصاب فيها الجوع والمرض رجالات بيزارو حتى أرسلوا نداءات استغاثة للحاكم من أجل أن ينقذهم من هذا المتهور، غير أن هذا المغامر لم يأبه بأمر الحاكم راسمًا خطًا رمليًا على شاطئ الجزيرة ليعلن فيها اعلانًا للناجين مفاده أن لا بد من أن يختاروا مصيرهم، الشجاع حتمًا هو من سيختار التواجد بجانبه والذي سيلوذ بالفرار كالقط إلى الجانب الآخر سيتسم بالجبن طيلة حياته، (يبدو أنها عادة لدى القادة العسكريين المتمركزين بالقرب من سواحل البحار والمحيطات رسم خطوط مفصلية وتهديد الجنود المنهكين).

“لا أعلم أن كنت قد أطلعت على الأحداث الحاصلة في الأراضي الجديدة، لكن أؤكد لك أني تركت خلفي رجالاً شجعان لن توقفهم أية مخاوف، جميعهم خاضوا أمورًا كان من الممكن أن تودي بحياتهم، لكن ها هم باقون ومصرون على خوض غمار الأكتشاف العظيم، فأنا على ثقة بأن ما حصل في المكسيك مع القائد المبجل كورتيز ما هو إلا البداية لانتصارات أعظم بكثير سيكتب لها الحدوث على يدي بعد أن أنال مباركتكم ودعمكم السخي يا صاحب الجلالة”  

“الحقيقة أن كورتيز قد يكون العائق الوحيد لتلبية رغباتك، فقط اعطيته وعدًا بدعمِ ماليِ سخي لرغبته الملحة بالتوسع أكثر ناحية الأراضي الغربية”

 صمت آخر أصاب القائد الطموح العجوز مرة اخرى، لم يكن يعلم بيزارو الحقيقة الكاملة خلف تلك القصة المحكية من قِبل الملك، أكان يريد أن يدخل القائدين داخل ساحة معركة مفتعلة حتى يقضي أحدهما على الآخر، وبالتالي تتقلص المساحات المراد التوسع داخلها في الأراضي الجديدة ليفضي الأمر إلى تحقيق رغبة الأمبراطور المخفية من دون بذل أي مجهود من ناحيته، أو أنه من الملائم لفرانسيسكو أن يتقبل أن الملك يفضل كورتيز عليه، لأسباب يجهلها او يعلمها ولا ينوي الاعتراف بها، ويثق ثقةً عمياء بأن الأموال المرصودة له ستعود بالنفع للإمبراطور وللأمة الإسبانية. 

ارتئ بيزارو التنحي جانبًا بعد أن ألقى كلمات الشكر والثناء على مسامع الملك، وبذلك يضمن التفكير بهدوء في خبايا الحوار الذي دار بينه وبين جلالة الإمبراطور فلعله بتلك الطريقة يلتقط قشة ضئيلة تتيح له العودة لنيل مباركة جلالته. لكن من الصعب على المرء الاختلاء في مكان مكتظ كهذا، ليجد بيزارو نفسه مرة أخرى وقد حُشر مع كورتيز وقادة عسكريون آخرون. كانت محاور النقاش المطروحة تدور في فلك العالم الجديد وكمية الثروات الغير مقدرة المراد تحصيلها، دون الإغفال عن الجانب الروحاني بإرشاد تلك الأرواح التائهة للطريق الصحيح. 

“ما الذي تنوي تحقيقه أيها القائد بيزارو والذي جعلك تطيل في الحديث مع الملك؟” 

قذف كورتيز بالتساؤل مأملًا أن يجعل المتلقي بيزارو طريحًا عاجزًا عن الإجابة.

“لعلك على معرفة تامة بمجرى الحديث الدائر بيني وبين جلالة الإمبراطور فمثلك لابد أن يكون حاضرًا في جميع الأحاديث المتعلقة بالعالم الجديد” 

 قالها بيزارو بصيغة تهكمية حتى وأن كان المعنى المراد لتلك الكلمات يدل على عكس ذلك. 

“أنا” قالها كورتيز بتعجب شديد تبعتها ضحكات مصطنعة، “الجميع هنا على علم بأني لم أبرح هذا المكان لمدة طويلة، فجسدي ظل واقفًا في محاولة مني لتسلية من هم حولي وأنا على ثقة بأني قد أديت المهمة على أكمل وجه، أليس كذلك؟” 

طرح كورتيز التساؤل الأخير في نفس اللحظة التي بدأت فيها رقبته بالالتفاف على المتجمهرين من حوله رغبةً في حشد تأييد متوقع في اللحظات القادمة. لم يطق بيزارو ذلك المتعالي منذ البداية، لكنه رغب في تحاشي خلق صراع لا مبرر له، حتى لا يتبادر إلى ذهن كورتيز أن الغيرة والحسد تفتك به لشدة إعجابه بما حصل عليه في العالم الجديد ونيل رضا الملك ودعمه السخي المقرون حتمًا بالتقدير ناحيته. 

“لقد عزمت على نيل رضا الملك لدعمي في ما أنوي القيام به وهو التوسع داخل أراضي البيرو، بعد أن تجاهل حاكم بنما طلباتي المتكررة حول ذات الغرض. اعلم أن الأموال لا يمكن لها أن تخرج من خزينة الدولة دون تقديم ضمانات بعودتها مضاعفة حتى لا تصاب بلدنا المباركة بإفلاس على المدى البعيد. وهذا بالطبع يعد عاملًا مساعدًا كون البيرو ثرية بالموارد الطبيعية من الذهب والفضة والتي من شأنها جعل خزينة البلاد فائضة لسنوات عديدة قادمة” 

أراد بيزارو أن يجعل الثقة سمةً بارزة له، وأنه لا يوجد ما يؤرق نفسه تجاه تلبية متطلباته. في المقابل كان كورتيز يعلم أن الملك وعده بالدعم السخي لحملته التوسعية القادمة باتجاه الغرب، ويعلم أيضًا أن جلالته لن يهدر اموالًا اخرى على حملةِ مجهولة في أراضي تحيط بها قلة المعرفة بطرقها وتضاريسها لتصبح مغامرة متهورة لا طائل من خوضها. أراد من بيزارو أن يستشعر هذا الأمر وألا يعلق آمالًا واهنة بحيازة ثقة الملك لاستكشافه الغامض. هو يعلم أنه قادر على تأدية هذا الدور، فطالما كان المحطم لمن هم حوله حتى يتسنى له تسلق سلم المجد وحيدًا لينال مبتغاه في النهاية. ألم يخون قائده ووالده الروحي دييغو فيلاسكيز دي كويار بالإبحار بالسفن ناحية المكسيك دون علمه، وهو الذي اقتلع عين حامل رسالة الملك بالقبض عليه لكونه خارجًا عن القانون بعد فعلته الحمقاء بتحريك الأسطول من دون قائدها الفعلي، ذات الملك الذي يغدقه اليوم بالرضا والألقاب المبجلة وتعينه حاكمًا لأسبانيا الجديدة في الهند الغربية. كل تلك الأحداث خلقت من كورتيز رجلًا لا يقهر، وينظر لنفسه بنظرة المتساوي في الإجلال والتقدير مع الملك. هذا الغرور المبرر جعلت أقواله أفعالًا تحدث دون حتى الخوض في غمار كيفيتها، إذن كان من الجلي قبول الملك لعرضه المقترح بشأن التوسع أكثر في الأراضي الغربية من المكسيك واعتباره أمرًا مسلمًا بنجاحه. 

تقلص أعداد الحاضرين وبدأت علية القوم يتسللون داخل أروقة القصر متشبثين بمكانتهم وحسن معشرهم لدى الملك، رافضين المغادرة المبكرة والتي لا تليق بمكانتهم. انخفضت الأصوات وخفت الجدالات وبدأ الجميع في مراقبة تحركات الملك الأخيرة أملاً في نطق حروف من شأنها أن تعد كلمة الختام لهذا العرض المسرحي الباهت، لكنها لم تحضر. على النقيض استدعى الإمبراطور شارل القائد فرانسيسكو بيزارو للحديث معه صحبة الأمبراطورة ليبتعد المتحدثون بمسافة لا بأس بها تعد كافية لعدم اختلاس الحديث من قِبل آذان المتربصين. 

“قد تحدثت في أمرك مع جلالتها، وأرشدتني لبعض المنافع التي غابت عن ذهني والمتعلقة بإنشاء مدنًا اسبانية داخل البيرو. أؤكد لك أنك ستنال الدعم المالي اللازم لتلك الحملة ناهيك عن المرسوم الملكي والآمر بتعينك حاكمًا للبيرو دون الإغفال عن إلقاء حزمة المطالب على السكان المتواجدين داخل الأراضي التي تنوي إنشاء مدنًا إسبانية داخلها. سأغادر طليطلة يوم الغد سأترك مهمة تنفيذ تلك الأوامر لجلالة الأمبراطورة، أرجو منك التريث لحين إكتمال الأمور والبقاء داخل المدينة دون الخروج منها إلا عند الضرورة القصوى مع الإبلاغ عن هذا الأمر للعاملين بالقصر، ستبصح بعدها حرًا في الإبحار إلى الهند الغربية حين يحين موعد تسليم الوثيقة “

كان كورتيز مراقبًا من بعيد ويصعب عليه من مكان تواجده قراءة الكلمات المتلية على مسمع بيزارو، لكن بإمكانه النظر جيدًا في ردة فعل فرانسيسكو المبتهجة، والتي يحاول مرارًا كبح جماحها. ظن كورتيز أنه رأى أجنحة ضخمة مثبتة على ظهر بيزارو تحلق به بعيدًا نحو أمجاده المرتقبة في العالم الجديد. أجنحة ظن هيرنان أنه المالك الحصري لها غير أن المنظر المتمثل أمامه أثبت عكس ذلك جاعلًا أشخاصًا آخرون يحملون ذات المجد الذي سُطر من أجله.

40x400x40

لاحظت تعلقي بمعادلة لم أكتشف مكوناتها سوى مؤخرًا. كشخص يحبذ القراءة والكتابة وممارسة الرياضة، وجدت نفسي متعلقة بهم تعلقًا غير مشروط بتقدير أو اعتلاء مناصب أعلى. هو الفعل لأجل الفعل لا أكثر، لكن حتى هذا الفعل الغير مقيد يتطلب مجهودًا من قِبلي حتى ينتابني الإحساس بالكمال وإن كان ناقصًا. هي أرقام برزت من خلال ممارستي لتلك الهوايات الثلاثة نتج عنها تكرار متوالي مرتبط بعلاقة طردية مع الشعور بالإنجاز.

القراءة:

هنالك علاقة معينة بين القارئ وكتابه يصعب الاندماج فيها حتى يشغل حيزًا من العقل لفترة طويلة خلال اليوم، جاعلًا ذلك الصباح (أو أي كانت فترة قراءة الكتاب) ممتلئة بالدهشة والتخمة الحميدة. وجدت أن العدد 40 يعد ملائمًا لحالتي، فبعد هذا الرقم تبلغ السعة الاحتمالية الخاصة بشهيتي القرائية في أعلى مستوياتها، وإن كان أقل من هذا العدد أحسست بعدم وجود ارتباطِ وثيق مع الكتاب المقروء. أعلم أن هناك العديد من أنواع الكتب التي تختلف في طريقة قراءتها، فقد يسهل تعداد الصفحات في الرواية في حين أن العداد يبدأ بالتناقص ما أن يتم قراءة كتابِ علمي أو تاريخي، لكن لا يمنع أن هذا الرقم أوجد التوازن في علاقتي مع كافة الكتب، فربما يزيد كثيرًا أن كان ذو قراءة سهلة أو يقل بعدد لا يذكر أن كان ذو محتوى ثقيل. 

الرياضة:

تحريك الجسد بأي طريقة كانت لتزداد معها نبضات القلب يعد من الأمور المبهجة للنفس، علاقتي مع الرياضة تمتد طويلًا، وفي كل مرة تتجدد تلك العلاقة أجد نفسي أتساءل لماذا ابتعدت عنها. لكن هنالك لحظات تصبح فيها ممارسة الرياضة ثقيلة نوعًا ما، خصوصًا مع تطبيق حركات معينة وإعادة تنفيذها مرات مختلفة. لذا كان لا بد من عمل خلطة خاصة بي تحافظ على روح المتعة الموجودة في الرياضة دون الإغفال عن الأساسيات المتبعة في عالمها. الرقم 40 يبرز مرة أخرى ولا أعلم ما هي الصدف التي جمعت بين الأول والثاني ولكن حتمًا الرقم 4 له مفتاح سحري لروحي. 40 دقيقة من ممارسة الرياضة اليومية. هنا يشعر الجسد بأداء مجهود مرضي ولكن غير متعب، وتلك الأربعين دقيقة ليس بالضرورة أن تكون متصلة، فقد تُجزأ إلى جزأين كممارسة اليوغا لعشر دقائق في الصباح و المشي لنصف ساعة أو أكثر في المساء، أو دمج الرياضة بكافة أنواعها في لعب التنس لمدة ساعة كاملة، هنا تصبح معادلة الجسد مكتملة عند الوصول لآخر دقائق محسوبة داخل اليوم.

الكتابة:

الكتابة، ذلك الفعل الملتصق بشدة بالقراءة، من الصعب أن تحتفظ بهواية القراءة دون تفعيلها بالكتابة، وأقصد هنا بكتابة الكلمات المكتظة بداخلك دون إلزامها بالنشر في أي مكان أردت. هذا لايقلل أبدًا من فعل النشر لما تكتب، لكن الغرض الأساسي هو تفريغ الطاقة الكلامية، والتي من الممكن أن تؤدي إلى انفجارات غير حميدة تتساءل أنت فيما بعد عن مصدرها. أكتب عن أحداث حصلت في ذاك اليوم، عن قصة استغربت أحداثها وأردت بشدة توثيقها بالكلمات حتى لا تختطف مني، أكتب عن مراجعات لكتب أسرتني لتتملكني بعدها رغبة شديدة بتوثيق تلك المشاعر وإيصالها لأكبر عدد من المعارف، لتصنع بعدها جدالاً داخل روح شخص آخر يتساءل عن مدى حماقة هذا الكتاب فكيف وثِق بذوق ذلك القارئ (أليس هذا الهدف الأساسي من المراجعات). 400 كلمة في اليوم تعد كافية بالنسبة لي لتفريغ ما يتراكم من حروف بداخلي، فبعد هذا العدد أشعر بأن الفعل يصبح إلزاميًا، وتبرز بعدها محاولات مستميتة للبحث عن كلمات من هنا وهناك لأشعر بعدها في ندرة ما كان قبل لحظات ممتلأً.  

كالوصفة الدقيقة لخبز الكعكة والتي تبدو سهلةً حين تنفيذها، وفي أسوأ الاحتمالات حتما ستظهر الكعكة في النهاية، إلا أن هناك لمسة بسيطة لمقادير معينة ودرجة حرارة فرن موزونة تجعل تلك الكعكة الألذ على الإطلاق، وتلك المعادلة ذو تأثير مشابه على روحي فقد تختلف الأرقام صعودًا أو نزولًا لكن حتمًا الشعور يكمن خلف تلك الأرقام الثلاثة 40x400x40. 

وأنتم هل اكتشفتم بعد معادلاتكم الخاصة؟

كتاب “رحّالة”

هنالك دومًا عناوين جذابة ترمز لمواضيع تُشبع فضولًا كبيرًا لدى الإنسان، ودائمًا ما نجد أن الرحلة ومشتقاتها الاسمية تبرز في المقدمة و بمسافة كبيرة عن أقرب منافسيها، إذًا كان من السهل علي أن انجذب لكتابِ يحمل عنوان “الرحالة”.

بعبارة شيقة طُبعت بأناقة على غلاف الكتاب قائلةً “الكتاب الحائز على جائزة مان بوكر والكاتبة الحاصلة على جائزة نوبل”، ازداد معها ارتفاع سقف التوقعات ناحية الرواية، وعادةً ما يرتبط سقف التوقعات بعلاقة عكسية مع مدى الرضا عن المنتج أي كان صيغته. 

وجدت نفسي بعد قراءة الصفحات الأولى من الكتاب أمام قطعِ قصصية لا رابط بينها بالمعنى الحرفي، إلا أن هنالك وِثاق خفي تشعر به عند قرائتها. مثل هذه الكتب القادرة على إيصال شعور يصعب وصفه هي حتمًا كتبُ عظيمة، ولعل هذا الكتاب إحداها. لا أُخفي على الجميع تذكري لإدواردو غاليانو وظهور روحه نوعًا ما داخل صفحات الرواية، إلا أن الاختلاف الوحيد بينهما، أن هناك كان لدينا إدواردو غاليانو واحد أما هنا فنحن أمام قبيلة من إدواردو غاليانو. هنالك أيضًا استراتيجية متبعة في الكتاب، فهناك قصص قصيرة تبدأ وتظن أنها أنتهت لتتفاجئ مع تقدم الصفحات بإكمالها بصيغة قد تكون مختلفة، أو بإسناد المهمة لراوي آخر. وهنالك أيضاً قصصٌ تاريخية حدثت بالفعل لكنها رُويت بطريقة سردية خيالية.

 هذا الكتاب كُتب بلغة عصرنا، عصر السرعة. والذي يعد التنقل فيه من موضوع إلى آخر أسهل من رمشة العين، ناهيك عن اهتماماتنا المختلفة جذريًا عن بعضها البعض ومع ذلك نجد لها متسعًا داخل أرواحنا، هذا الكتاب هو الوصفة التعريفية لطريقة عمل عقول أبناء هذا العصر، أبناء القرن الحادي والعشرين والمرتبط كليًا بإشارات الأنترنت الهوائية. الأمر أشبه بالتنقل من مقطع فيديو داخل يوتيوب لمقطع فيديو آخر لا علاقة واضحة تربط بينهما، لتظل مستمرًا في التنقل من مقطع إلى آخر حتى تجد نفسك وقد أُنهكت برحلة افتراضية أشبعت فضولًا داخلك ظل مشتعلًا لزمن بسيط.

قد يذكر البعض أن الأمر مشتت نوعًا ما فما ان اندمج مع أحداث قصة حتى أجد نفسي قد انتقلت على متن بساط ريح لزمنِ مختلف ومكان متخيل لن يتسنى لي الوصول له بوسائل النقل التقليدية المعلوم مواعيد انطلاقها ووصولها. إلا أن الأمر كان ممتعًا، فتلك الوقفات الاضطرارية العديدة كانت قادرة على شحن روحي بطاقة جديدة مكنتني من إكمال رحلة الخيال والواقع دون ملل يذكر.

كتاب “الرحالة” للكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك سيبقى من أروع الكتب التي قرأت ولا أعلم كم من الزمن سينقضي حتى يتبادر إلى ذهني اسمه عند ذكر “ما هو أروع كتابًا قد قرأته”، لكن أنا متأكدة بأنه سيظل زمنًا طويلاً ضاربًا بقوانين سرعة عصرنا عرض الحائط، ليحتل تلك المكانة فترة أطول من رمشة عين.

بقرة السيدة أوليري

في إحدى ليالي شهر أكتوبر الباردة، وفي مرعى السيدة أوليري، كانت إحدى البقرات تعاني ألمًا حادًا داخل جسدها. وبطبيعتها الحيوانية لم يكن منها ألا أن تقاوم هذا الألم بالتحرك يمينًا و يسارًا، مع محاولات حثيثة في رفع باطن القدم إلى الأعلى في آملًا منها في ركل شخص متخيل تجسد لها في صورة الألم. بالطبع لم تصب تلك الركلات المسبب الحقيقي لتلك الأوجاع التي تأن منها، لكنها في المقابل أصابت فانوسًا مشتعلًا كان قد وُضع بالقرب منها. فما كان من هذا الفانوس إلا أن لبى مطالب البقرة معلنًا نشوب حريق ألتهم كل ما يصبو أمام عينيه. 

ظلت مدينة شيكاغو مضاءة ليومين متتاليين في حادثةِ قلما ظهرت. لم تكن تلك هي الإضاءة المنشودة والتي يرغب سكان مدينة الرياح في قدومها حتى تملأ لياليهم بالدفء، بل على العكس تمامًا كانت قد اتصفت بكونها مدمرة ومهلكة لكل ما يملكونه من أماكن إيواء، وعتاد مخزن. وبعد انطفاء الحريق أُهلكت أرواح أو ذبُل بريقها.

36 ساعة كانت كافية لتغير مظهر المدينة الصاعدة لتتحول بعدها إلى خشب مكوم وأجساد ملقاة وطرقٌ قُطعت أوصالها حتى ما عادت تفي بالغرض الرئيسي من تشييدها. عُمم اللون الأسود على كافة أرجاء المدينة بشكل قسري ومن دون استشارة لقاطنيها ومعها خيم الحزن على جميع ساكنيها.

كان لا بد من إلقاء اللوم على أحد وجعله المسبب الرئيسي للكارثة، صحيحٌ أن المدينة ظلت معرضة بشكل متواصل لحرائق متفرقة، حيث تم تسجيل ثلاثة حرائق في الأسبوع الذي سبق الكارثة، إلا أن أحدًا منها لم يصل للنتائج البشعة التي توصل لها حريق شهر أكتوبر. نُقلت الأحاديث بين الأفراد عن إصابة السيدة أوليري بالاكتئاب الشديد نتيجة إحساسها بالذنب لما فعلته بقرتها داخل المزرعة والذي عُد ضمنيًا الشرارة الأولى للحريق الهائل. كان هذا الفعل كافيًا لإلقاء اللوم الكامل على السيدة متناسين الفوضى التي تعم المدينة من أكوام الخشب الملقاة والمستعدة دومًا لأن تخدم أي حريق مفتعل مهما كان بسيطًا. لكن كعادة بني البشر حين تتملكهم الرغبة في جمع كل الأسباب وتكويمها على هيئة كرةً ثقيلة وإلقائها على ظهر الشخص الأول ومن تشير إليه أصابع الظنون.

بدأت العقول تصطنع قصصًا حول حقيقة ما جرى تلك الليلة لتتمكن بعدها من محاكمة السيدة أوليري، فأحدهم ذكر أن السيدة كانت هي المسؤولة عن إلقاء الفانوس على الأرض بسبب حالتها الغير مستقرة نظر احتساءها كميات كبيرة من الكحول، ومتحدث آخر يجزم أنها أخفت جميع الأدلة التي تربط تورطها بتلك الحادثة. أحد الجيران ادعى أنه رأى الدليل القاطع على إحداث ذلك الحريق والذي كان الفانوس المحطم لكنه أقسم أنه سُرق بواسطة رجال آخرين.

ومن أجل الدفاع عن نفسها و لتزيح عن كاهلها ذلك الحمل الثقيل، أوضحت السيدة أوليري أن الحريق قد يكون مفتعلًا لكن ليس من قِبل بقرتها بل بواسطة جماعة إرهابية مرتبطة بكومونة باريس حتى أن قصيدة نُشرت في صحيفة الفضائح النيويورك بوست تدعي اعتراف ذلك الشخص بافتعال الحريق الضخم:

خرج هذا الطائر من رماد باريس

ليحلق بقمة مشتعلة فوق المحيط

آتيًا بالبلاء لملكة الغرب.

 

في العام 1997 تم تبرئة السيدة أوليري من الذنب الملصق بها حول افتعال بقرتها حريق شيكاغو العظيم، لكن لا السيدة أوليري ولا بقرتها كانا من ضمن حضور جلسة التبرئة في مجلس مدينة شيكاغو.

ما الكون؟

Island Universe by William Hays

“نأتي إلى هذا الكون من دون أن نختار ذلك. وللحظات عابرة، وكأننا يراعات كونية، نسافر برفقة غيرنا من البشر، مع آبائنا و أشقائنا و أبناءنا و أصدقائنا وأعدائنا. كما نسافر مع أشكال الحياة الأخرى، من البكتيريا إلى البابون، ومع الصخور والمحيطات وأضواء الشفق، ومع الأقمار والشهب والكواكب والنجوم، ومع كثير وكثير من الفضاء الخاوي. إن الموكب ثري وصاخب ومتنافر وغامض، ورغم أننا نحن البشر سنتركه في النهاية لا محالة، فسيستمر الموكب في طريقه. وفي النهاية سيتلاشى الموكب، وبعد مليارات لا تحصى من الأعوام، سيخبو وكأنه شبح طلع عليه الفجر ويتحلل في محيط الطاقة التي ظهر منها في بادئ الأمر”

تثيرنا نحن البشر قصص البدايات، نطرح التساؤلات حولها وعن من ابتدعها، من كانت له الأسبقية وكيف تحقق ذلك. في حكايات معينة نجد الأجوبة الوافية وفي أخرى نصاب بالضياع من الإجابات المتداولة، وبين هذه وتلك يبرز لنا نوع آخر من القصص تحاط بالغموض مع تساؤلات مطروحة أكثر بكثير من الإجابات الموثقة، وتلك الإجابات نادرًا ما تجد أذنًا صاغية ومطيعة حيث تظل مجالًا خصبًا للتشكيك وإعلان محاربتها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. 

قبل سنوات مضت، أُصدر كتاب “العاقل” وفي الأشهر التي تلت هذا الحدث، برزت ضجة كبيرة بين أوساط القُراء كونه تناول موضوعًا مثيرًا للشخص العادي. يطرح الكتاب بداياتنا نحن البشر على هذا الكوكب و مراحل تطورنا وتقدمنا مع النتائج الجانبية لتلك العملية ببناء الحضارات والامبراطوريات والدول العظمى، دون الإغفال طبعًا عن المسببات الرئيسية لتلك السيطرة وما لازمها من إنشاء الإقتصاد والأنظمة التي تحكم البشر. كتاب “قصة الأصل” للكاتب ديفيد كريستيان يتناول قصة البدايات لكن هذه المرة من منظور مختلف، فقصة كريستيان تبدأ من بداية تكون هذا الكون بنجومه وكواكبه وثقبه الأسود، وبدء ظهور المعالم الأولى للحياة على كوكبنا (وربما في كوكب آخر) وقدوم الإنسان وما تلى ذلك من أحداث. الكتاب لا يتوقف هنا بل يستمر في السرد واضعًا فرضية لما سيكون عليه المستقبل، مع وضع حلول افتراضية للمشاكل التي من الممكن تفاديها.

يصنف ديفيد كريستيان نفسه كأحد مؤسسي التاريخ الجامع وقد عبر من منظوره بأن إذا أردت أن تفهم تاريخ البشرية عليك أن تفهم كيف تطور هذا النوع العجيب، مما يعني معرفة تطور الحياة على كوكب الأرض وما حولها من نجوم وكواكب وأقمار، دون الإغفال عن الحاضن الرئيسي لهم جميعًا “الكون”. ويعتقد كريستيان أيضًا أننا نعيش في زمن تقدمت فيه القدرات العلمية القادرة على إعطائنا الإجابات الدقيقة إلى حد كبير، فلابد من سرد القصة كاملةً من خلال جميع الأبطال الأحياء والغير أحياء وكنتيجة لذلك خرج لنا كتاب “قصة الأصل”.

قُسم الكتاب لأربعة أجزاء، و بإمكاني وضعها داخل جزئين، جُزء يوضح الوضع قبل مقدمنا نحن البشر وجزء يتحدث بإسهاب عن التغيرات التي حدثت بعد أن ظهرنا على المشهد. في الجزء الأول يبدأ السرد من اللحظة الوليدة، المحطة الأولى لانطلاق هذا العالم “الأنفجار العظيم” وما تلاها من أحداث لمدة مليارات من الأعوام لتأتي بعدها قصة تكون النجوم وما قدمته لنا أثناء احتضارها من هبة العناصر، من جزئية العناصر لفت انتباهي ان عالمنا كان مليئًا بعنصري الهيدروجين والهيليوم فقط، هذه الصورة الدرامية وصلت لي على هيئة وحدة شديدة لا بد أن يكون العنصريين قد أصيبا بها، إلى أن اتى الفرج على هيئة أشقاء آخرين من عائلة العناصر المختلفة لتزيد معها التعقيدات ويصبح الكون أكثر تطورًا. أشهر تلك العناصر الجديدة كان عنصر الأكسجين والذي ظل مصاحبًا للفظ الحياة بقدرته الهائلة على توفير الغاز لعملية التنفس الضرورية في استمرار حياتنا على هذا الكوكب، إلا أن الحقائق أذهلتني مرة أخرى حين ذكرت أن بدايات هذا العنصر لم تكن مرتبطة بالحياة كثيرًا قدر ارتباطه في التدمير، فقد كان المسبب الأساسي لاختفاء الحياة نسبيًا عن كوكبنا بمنعه لتكوين جزيئات أساسية مثل الأحماض الأمينية والتي بدورها تتألف منها جميع البروتينات والنيوكليوتيدات التي تتكون منها المادة الوراثية وغيرها الكثير. تضاد عجيب في جعل هذا الغاز المعطي للحياة صفات تدميرية كان من الممكن أن تهلك عالمنا البدائي، إذ لعله كان مفيدًا وصوله في وقت متأخر.

ظهر الإنسان وظهرت معاها الحكايات والقصص المروية لنا طوال القرون الماضية، والتي ظل أسلافنا يتداولونها من جيل إلى جيل كلٌ على طريقته. بدأ كريستيان هنا في ذكر المعلومات العلمية عن من أين أتينا وكيف تطورنا، مع الإسهاب في تبين طريقة تحولنا من مجتمعات صيد جامعة إلى مجتمعات زراعية وما تبعها من انطلاق الأشكال الحضارية كالمدن والأمبراطوريات وما إلى ذلك. في هذا الجزء لم تذكر معلومات جديدة أو بالأحرى لم تكن مشوقة وموضوعية كحال القسم الأول، تنتابك لحظات أنك تعيد قراءة كتاب “العاقل” وهو أمر ليس بالمستغرب فالجميع يستقصي المعلومات من المصادر نفسها تقريبًا إلا أن طريقة السرد في “العاقل” كانت ممتعة بشكل أكبر مما عليه الحال في “قصة الأصل”. 

عند نهايتك من قراءة الكتاب ستصيبك بعض التساؤلات المحقة، و تقارن ما أنهيته بما كان لديك من معرفة سابقة، ستصدق بعضه وتنفي بعضه الآخر لكن في النهاية هذا هو الغرض الحقيقي من القراءة، الاطلاع على وجهات نظر متعددة ليتشكل معها رأيك الخاص والفريد من نوعه.

ثلاث نخلات

من نافذة المقهى تقف ثلاث نخلات على التوالي، يبلغ طول كل واحدةٍ منهم مترين أعلى من سطح المنزل المحتضن لهم، حتمًا عندما ابتاع صاحب المنزل تلك النخلات الثلاث لم يدرك تلك الحقيقة العلمية البحتة، بأن تلك النخلات تنتمي لتصنيف المخلوقات الحية والتي يزداد حجمها مع مرور الزمن إلى أن تقرر أن لا جدوى من التضخم معلنةً رحيلها عن هذا العالم.

كانت أقلهم حظًا من اتخذت جهة اليمين، فملامح الجفاف تبدو عليها بدرجة اكبر مما يظهر على شقيقاتها، فعلى ما يبدو أنها فقدت جميع سعفها في منظر يكاد أن يكون غريبًا على نخلة، لكن ظروف الحياة لم تكن على الشكل الذي رغبت به، وكل خططها وأحلامها تبخرت عندما اجتاحها الجفاف. الوسطى بخير، إن قارناها بمن حولها، فهي مصابة أيضًا ببعض الجفاف لكن على الأقل ما زالت محتفظة بالسعف المتيبس على رأسها، تحمد الله كثيرًا ان مصيبتها أهون بكثير من غيرها وهذا من شأنه أن يبث الطمأنينة بداخلها لتترك معها المحاولات الجادة في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من الجسد المتشبث على هذه الأرض. النخلة اليسرى تبدو مختلفة قليلًا عن الأخريات ومتمردة نوعًا ما، فالمسافة التي تفصل بينها وبين زميلاتها في السكن أطول مما هي عليه الحال، فعلى ما يبدو أنها تحبذ الاختلاء بنفسها لتتمكن من صقل شخصيتها بعيدا عن أعين الأشباه. حالتها الصحية تبدو مستقرة فجميع أجزائها على قيد الحياة لكن المشكلة التي تعصف بهم جميعًا متواجدة بوضوح على هيئتها. 

الجفاف، بدأ في التوغل داخل جسد كل واحدة منهن منذ اليوم الأول لمجيئهم، لا تسعفهم الذاكرة كثيرًا في مسألة أين كانوا وكيف أصبحوا هنا، لكن تظهر بعض الصور القادمة من الذاكرة حاملةً معها مكانًا ذو طقس مختلف، مع الكثير والكثير من الأمطار والمزيد من الحرارة، وكنتيجة حتمية لتلك الظواهر تبرز الرطوبة العالية كوصف دقيق لما كان عليه الحال في ذلك المسكن البعيد.

نصيب تلك النخلات الثلاث حنين لمكان لم يعد موجودًا رغم الشعور به، هذا الحنين عادةً ما يؤدي لحزن لا يُعرف له علاج، فهذا المكان الغريب لا يعطي النخلات الثلاث ما اعتادت على أخذه داخل وطنهم الغامض. تتملكهم الرغبة بالمغادرة وتحدي كل المستحيلات العديدة والتي تبدأ بعدم قدرتهم على الحركة وتنتهي بعدم معرفة خط الوجهة. مع بدء النية بخوض تلك المغامرة، تهب رياح عاصفة محملة بالأتربة لتزيد من منظر الحاجة الملحة للماء بشكل أكبر على محيا النخلات الثلاث وتثقل كاهلهم بصعوبة المهمة المرغوبة. 

اليأس، بدأ بالتوغل بداخلهم، كانت اليمنى أكثر من شعرت به نظرًا لكثرة ما تراكم عليها من مصائب والتي لا تنفك أن تظهر إحداها حتى تستدعي الأخرى. المتمردة اليسرى ما زالت عزيمتها ظاهرة رغم هذا العارض المفاجئ والذي ظهر من دون سابق إنذار. الوسطى ما زالت حائرة لا هي في موقف صاحبة اليمين ولا في موقف صاحبة اليسار تشعر بعدم رغبتها في المغادرة في ذات الحين التي تجد نفسها مصممة على التحليق بعيدًا عن هذا المكان.

 اهتزازات خفيفة يفصل بينها ثواني معدودة قبل أن تعاود الحدوث مرة أخرى، وفي كل مرة تزداد شدتها لتعلن معها الرغبة الملحة لصاحب المنزل في تعجيل الأمر والانتهاء منه في أقرب فرصة. الرغبة لدى النخلات الثلاث مرتفعة من أجل المقاومة، لكن الإمكانات التي بحوزتهم لا تسعفهم إلا بالقليل الذي لا يمكنه مجابهة هذا التغير الكبير.بدأت الثلاث نخلات بالشعور شيئًا فشيئًا بالخدر ومعها بدأت الأمور تتضح أكثر، فالحياة التي لم تعجبهم بتاتًا على استعداد تام لطردهم جميعًا منها. على الرغم من الرغبة في التوديع المرغوب به لهذا المكان إلا أنه لم تتصور واحدة منهن أن يكون بهذا الشكل البشع.

هذا الفيلم ليس من اختياري

أحببت منذ زمن ليس بالقريب مشاهدة الأفلام المختلفة، الأمريكية منها تأتي دومًا في المقدمة دون منافس يذكر لها، لتلحقها على خجل بمسافة ليست بالقريبة الأفلام الأوروبية. كانت تصلني تلك الأفلام بأشكال عدة، في البداية اتخذت هيئة أشرطة فيديو يتم عرضها على شاشة التلفاز أو أفلام تبث عن طريق بعض القنوات والتي كانت لا تتعدى أصابع اليدين، مرورًا بالمرحلة الأعظم الانترنت وعالم تورنت لتصبح شاشة الكمبيوتر السينما الفعلية لي، لنصل معها إلى آخر ما توصل إليه هذا العالم مع منصات البث الرقمية.

كنت طوال تلك الأعوام أكبر وتكبر معها ذائقتي الفنية، لتتشكل معها شخصية تتذوق نوعًا معينًا من الأفلام، فبعد مشاهدات عديدة لإنتاجات مختلفة أصبحت على دراية نوعًا ما بالفيلم المثير للأهتمام بالنسبة لي، أو لنقل مثلًا مخرج أو كاتب لفتتني أعماله مرات عدة، سأكون على ثقة أن المرة القادمة سأعجب بفيلمه حتى وأن لم ينل الدعاية اللازمة أو التواجد على ساحات السينما القريبة.إذاً لا وجود هنا لعمل فرض علي، أنا أبحث عن ما أريد واستمتع بالمشاهدة.

كعادة سنوية، أجهز قائمة في بداية كل عام بالأفلام المتوقع أن تلفت انتباهي، شبيهة بنقاط أهداف العام المنسية بعد بضعة أشهر، ألتقطها من أماكن مختلفة: مواقع، مدونات سينمائية، أشخاص تتبعتهم على تويتر يملكون أفضلية مشاهدة الأعمال قبل الجميع، أُناس أتوق لرؤية أعمالهم، وهكذا إلى أن أجد نفسي مع قائمة تزيد عن سبعين فيلم بعد مرور شهرين. كان عالم تورنت جميلًا حيث لا حدود فيه، فمتى ما رغبت في رؤية فيلم قديمًا كان أم حديثًا ومن أي بقعة جغرافية ينتمي لها كنت ستجده حتمًا، أستطيع القول بأنه مارد سحري في كل مرة يطرح ذات التساؤل عن ما تريد لتجيبه بالأفلام المطلوبة، لكن الفرق هنا ان لا حدود لعدد الأمنيات. أنا هنا لا أُرغب بعالم السرقة الفكرية، لكن يجب الأخذ بالاعتبار أن تلك الفترة كانت من دون سينما بالجوار ولا لوجود لأعمال تصل لمكتبات الفيديو اليتيمة داخل المدينة. 

مع هذا العالم تشكلت شخصيتي السينمائية بعيدة عن التدخلات، كنت أنا المسؤولة وحدي عن اختيار ما يعجبني وما لا أريده، لينتهي بي المطاف في نهاية الأمر بشعور السعادة الذي يرغب به الجميع. مع تقدم السنين بدأت منصات البث الرقمي في الظهور والبداية كانت مع نتفليكس، اتذكر جيدًا حين كثُر الحديث عنها وترغيب ممن هم حولي بالاشتراك بها، رددت بشكل قاطع بعلامة نفي كبيرة، معللةً ذلك الخيار بأن ليس لدي الرغبة بحصر مشاهداتي بالأفلام الموجودة على تلك المنصة فقط. إجابة معقولة لشخصية تشكلت مع تراكم السنين واعتادت على حرية الاختيار دون فرض ما لا تريده. قدِمت بعدها قاعات السينما في بلدنا لتصبح الخيارات الصحيحة والقانونية متوفرة بشكل أكبر، بالطبع كانت لحظات سعيدة تخللها عدم وصول كافة الأفلام التي أرغب في مشاهدتها والتي تستريح طويلًا على قوائمي السنوية. بدأ عالم تورنت يصبح موحشًا وغير مرغوب فيه من قِبلي، فالأسباب التي كانت تدعم قيامي بتلك الأمور بدات في التلاشي ليصبح معها النية فقط باستعماله محرمًا في معجم القوانين الخاصة بي. 

مع ضيق الخيارات اتجهت للأشتراك بنتفليكس أخيرًا، لتظهر معها مكتبة أفلام ومسلسلات مهولة لا حصر لها، معظمها كنت قد شاهدتها فيما مضى، أتحدث هنا عن الأفلام التي ليست من إنتاج المنصة، أما الجديدة علي فقد تكفلت نتفليكس بكافة مراحل إنتاجها. أُعجبت ببعضها وكرهت بعضها الآخر كما هو الحال مع أي مشاهد لتلك الأعمال الفنية، لكن مراحل تعرفي على تلك الأعمال كان مختلفًا. في البداية كان المسمى يظهر على الشاشة بشكل كبير وجذاب لافتًا انتباهي لهذا الفيلم، لأقوم بعدها بالبحث عنه في موقع IMDB المتخصص بتقييم الأعمال حتى اتمكن من تحديد ملائمته لي من عدمه. قد لا تكون صفحة التقييم مشجعة لكن الرغبة الملحة في مشاهدة فيلم الآن تجعلني أضغط على زر المشاهدة، ففي النهاية لا يعد هذا أسوأ قرار قد تتخذه في حياتك. تبدأ معها المشاهدة ويبدأ معها مرور الوقت بشكل بطيء، وتزداد معها الرغبة في الانتهاء منه سريعًا لكن دائمًا يحضر الأمل بأن القادم أجمل، ومع حرقِ كبير للأحداث لا يأتي الأجمل. أصبحت دائمة التواجد في محطة الأنتظار  للقادم الذي سيأتي،  من دون ضمانات لحضوره في القريب العاجل أو البعيد المستبعد، وهذا أمر لم اعتد عليه. أنا هنا لا أحدد إذا ما كان العمل جميلًا أو قبيحًا، فطالما آمنت أن الأعمال الفنية وجدت للمتعة الممزوجة أحيانًا بفائدة على المستوى النفسي أو المعلوماتي، فالعمل الذي أُعجب به قد يعتبر قبيحًا عند آخر والعكس صحيح، انا هنا اتحدث عما يعجبني واختاره بنفسي دون تدخل لوغاريتمات نتفليكس. منصات البث الرقمي قد لا تكون هي المشكلة لكن مكتباتها في محيط الشرق الأوسط هي المعضلة الحقيقة، فتنوع الخيارات وتواجدها كاملة عند دول العالم الغربي يؤكد كلامي جيدًا.

مؤخرًا اطلعت على قائمة الأفلام التي ستنال على اعجابي من العام الماضي لأبحث عن أمكنة بثها داخل مختلف المنصات، القليل جدًا منها وصل لمحطة متجر آبل لبيع وتأجير الأفلام أما الكثير منها فكان لا يتواجد في أي مكان قريب واقعيًا كان أم افتراضيًا. الحياة تتغير وتتغير معها خيارات الشخص لكن ما يسع قوله هو أن يحاول بشتى الطرق أن يظل متمسكًا بروحه وشخصيته والتي حتمًا هي أغلى ما يملك والمسؤول الوحيد عن سعادته.

كونت مونت كريستو وجمعية الصداقة والسلام

Processed with VSCO with hb1 preset

-يقدم الرجل نفسه باعتباره رجلًا خيرًا. حتى أن قداسة البابا نصبه فارسًا للمسيح وهو منصب لا يتكرم به إلا على الأمراء لما أسدوه من خدمات جليلة لمسيحي الشرق؛ وكذلك يملك خمسة أوشحة أو ستة حصل عليها بفضل ما أسداه من خدمات إلى أمراءِ أو دول.

-ويحملها؟

-كلا، لكنه فخور بها، ويقول أنه يفضل المكافآت التي يحصل عليها المحسنون إلى الإنسانية على تلك التي يحصل عليها مدمرو البشر.

-صاحبنا إذًا من الكويكرز؟

-تمامًا، إنه من الكويكرز، غير أنه بالطبع لا يلبس قبعتهم الكبيرة وزيهم البني.

هذا حوار من رواية ألكسندر دوما “كونت مونت كريستو” لرجلين يتحدثان فيها عن شخصية مونت كريستو نفسه، وفيها استنتج المتحاوران انتماء مونت كريستو لجماعة الكويكرز لأنه ببساطة شخص يعشق السلام.

روبنز المختلف

عاش روبنز في القرن الثامن عشر في إنجلترا ويمكن اعتباره مثالًا يحتذى به في تكوين نفسه بنفسه أو ما يعرف بمصطلح الشخص العصامي، كانت الوسائل المتاحة له والتي تمكنه من الالتحاق بالجامعة محدودة، فقرر استبدال ذلك بالتعليم الذاتي في تخصص الرياضيات حتى أصبح متمكنًا منها. ذاع صيته وما لبث أن حاز على شهرة كمعلم خصوصي لها، تلك النجاحات لفتت انتباه الجمعية الملكية البريطانية لتنتخبه عضوًا فيها وهو ما يزال في الحادية والعشرين من العمر. 

أول إنجازات روبنز وإبداعه كان في الرياضيات والتي مكنته من حل مشكلات تتعلق بدقة المدفعية، عندما استخدم المعادلات التفاضلية من أجل تقديم أول توصيف حقيقي لتأثير مقاومة الهواء في مسار القذائف ذات السرعات العالية (وهي مشكلة عجز غاليليو عن حلها). نشر روبنز ملاحظاته الدقيقة في كتاب أسماه “مبادئ جديدة للمدفعية” لتتزايد معها دقة تصويب المدفعيات ولينال معها تعيينه في شركة الهند الشرقية البريطانية كضابط مدفعية ومهندسًا عسكريًا. أمر الملك فريدريك الكبير حاكم بروسيا بعد مرور ثلاث سنوات من إصدار كتابه بالترجمة الألمانية وقام المترجم ليونارد يولر بإضافة تحسينات من خلال ملحق شامل من الجداول التي تحدد السرعة والمدى والارتفاع الأقصى ووقت الطيران بالنسبة إلى قذيفة أُطلقت بسرعة وزاوية معلومة من فوهة المدفع. وتم إلحاق الترجمة الألمانية بترجمة فرنسية لتتمكن من الظهور في العام 1751، ومع تطبيقها أعطت الغرب سلاحًا قاتلًا بالفعل: المدفعية دقيقة التصويب.

جورج فوكس:

عاش جورج فوكس في القرن السابع عشر وترعرع وأحداث حرب أهلية داخل بلاده إنجلترا تحدث تحت ناظريه، تلك الحرب المروعة التي راح ضحيتها العديد من المواطنين بما فيهم رأس الملك تشارلز الأول خلفت ندبات واضحة في روحه جعلت منه باحثًا عن الطمأنينة والسكون. قرر اعتزال عائلته ومغادرة بلدته والذهاب من أجل البحث عن تلك الطمأنينة. ظل مرتحلًا في أنحاء البلاد في مهمته الروحية، مع الأخذ بالاعتبار أن تلك الفترة شهدت اضطرابات دينية داخل إنجلترا فالجميع أراد إصلاح الكنيسة الإنجليزية أو تأسيس كنائس منافسة لها. على مدار رحلته ألتقى فوكس مع العديد من الباحثين عن تجاربهم الروحية ليصل معها إلى خلاصة مفادها أن الله موجود داخل كل إنسان ولا حاجة للكنائس من أجل التواصل معه على حسب اعتقاده. أسس حركة عُرفت بجمعية الأصدقاء الدينية والتي سميت لاحقًا بالكويكرز، تؤكد تلك الجمعية على رفض الطقوس الخارجية والخدمة الكهنوتية ، مع الحث على العمل النشط من أجل السلام ومقاومة الحرب. 

كسب فوكس أتباعًا في مقاطعات ليك ديستريكت في ويستمورلاند و لانكشاير وبعد ذلك في يوركشاير ولندن ومناطق أخرى. عانى هو ورفاقه من العداء العام والقيود الرسمية، وغالبًا ما تم القبض على فوكس ورفاقه وسجنهم. في الواقع ، تم إيداع فوكس في السجن في الفترة الواقعة بين عامي 1649 و 1673.

أدت استعادة الملكية في عام 1660 إلى تشريع خاص ضد الكويكرز واتخاذ إجراءات واسعة النطاق ضدهم. شجع جورج فوكس مجموعات الكويكرز المحلية على تنظيم اجتماعات عمل شهرية وربع سنوية منتظمة إلى أن تم تخفيف الضغط المستمر عليهم بشكل متقطع حتى أُصدر قانون التسامح في العام 1689، قبل وقت قصير من وفاة فوكس ، ومع ذلك القانون أعطيت الراحة للكويكرز. تأثير جورج فوكس وصل إلى الطبقة الأرستقراطية الإنجليزية فإبن الأدميرال  السير ويليام بن  أعتنق تلك المبادئ التي ينادي بها جماعة الكويكرز، وبالطبع كان هناك غضب من ناحية الوالد تجاه تلك الخطوة لكن الأب توفي تاركًا ثروة هائلة للأبن ويليام بن من ضمنها ديون يدين بها الملك تشارلز الثاني لوالده. كمعتنق لفكر جديد ولرغبته بممارسة الشعائر بحرية في أرض جديدة بعيدة عن أعين الكنيسة الإنجليزية خطرت على ويليام بن الأبن فكرة والتي عرضها بدوره على الملك تشارلز الثاني، تتضمن الفكرة أن تعطى له أرض في المستعمرات الإنجليزية داخل أراضي القارة الأميركية، دون مزايا كبيرة لها، فلا يوجد بداخلها ميناء يصلها بالمحيط، بل على العكس تمامًا ستكون أرضًا داخلية مليئة بالغابات. سعد الملك تشارلز الثاني بالفكرة فطالما كان معانيًا من كثرة الديون التي خلفتها الأوضاع السيئة في إنجلترا في العقود الماضية، وأن يتخلص من جزء بسيط منها بتلك الطريقة السهلة إضافة إلى ابتعاد جماعة الكويكرز عن أنظاره لهو انتصار لم يحلم به. تحقق الحلم لويليام بن ليؤسس مستعمرته بنسلفانيا (والمأخوذة من كلمة لاتينية معناها غابات بن). وكعضو في جماعة كويكرز برز اختلاف واضح في تعامله مع السكان المحليين مقارنة بنظرائه من البريطانيين المستعمرين في تلك الأراضي، ففي البداية وقع على معاهدة معهم وطلب الإذن منهم لبناء المدينة التي كان يرغب في بنائها والتي تعرف اليوم بفيلادلفيا والقادمة من كلمة يونانية معناها مدينة المحبة الأخوية. أسس بن لقوانين تدعو إلى الحرية الدينية، تلك الأفعال مرتبطة فعليًا بالكويكرز والذي تعبر دومًا معتقداتها عن رفض الممارسات الإجبارية للآخرين تحت أي ذريعة سواءً كانت بالسلاح أو بالأجبار على الدخول في تلك الجماعة.

قصة تأسيس مستعمرة بنسلفانيا تبين مدى تأثير جماعة الكويكرز في أفعال معتنقيها لكن هل فعلًا كان أتباعها محبين للسلام رافضين لجميع أشكال الحروب؟

دعونا نعود إلى روبنز صاحب اختراع المدفعية دقيقة التصويب وخلفيته التي ظلت ملازمة له،  سنجد أمرًا مثيرًا للاهتمام كونه قد ولد في أسرة تنتمي إلى الكويكرز وظل معتنقًا لمبادئها والتي عرفت بشعاراتها المنادية بالصداقة والسلام، والرفض التام لخوض الحروب، لكن هل تطوير عمل المدفعية لتكون أكثر دقة والتي عكف عليها وكُتب لها النجاح وكنتيجة لذلك استعملت في الحروب التي ظلت تقام طوال العقود القادمة داخل الأراضي الأوربية تتناسب فعلًا مع تلك المعتقدات؟

مونت كريستو بطل روايتنا الشهيرة والذي عُرف بفعل الانتقام لكل من تسبب في سجنه، وهو في طريقه لتحقيق ذلك ذهب العديد من الضحايا قصدًا أو من غير قصد، تلك النتائج لا تتلائم مع ذلك المعتقد والذي يبدو لوهلة خيال محض يصعب تحقيقه في عالم تسوده الصراعات والشرور والتي يجد كل طرف مبررًا صالحًا لها ليتولد منها انتقامات لا تقل فظاعة عن ما حدث.