40x400x40

لاحظت تعلقي بمعادلة لم أكتشف مكوناتها سوى مؤخرًا. كشخص يحبذ القراءة والكتابة وممارسة الرياضة، وجدت نفسي متعلقة بهم تعلقًا غير مشروط بتقدير أو اعتلاء مناصب أعلى. هو الفعل لأجل الفعل لا أكثر، لكن حتى هذا الفعل الغير مقيد يتطلب مجهودًا من قِبلي حتى ينتابني الإحساس بالكمال وإن كان ناقصًا. هي أرقام برزت من خلال ممارستي لتلك الهوايات الثلاثة نتج عنها تكرار متوالي مرتبط بعلاقة طردية مع الشعور بالإنجاز.

القراءة:

هنالك علاقة معينة بين القارئ وكتابه يصعب الاندماج فيها حتى يشغل حيزًا من العقل لفترة طويلة خلال اليوم، جاعلًا ذلك الصباح (أو أي كانت فترة قراءة الكتاب) ممتلئة بالدهشة والتخمة الحميدة. وجدت أن العدد 40 يعد ملائمًا لحالتي، فبعد هذا الرقم تبلغ السعة الاحتمالية الخاصة بشهيتي القرائية في أعلى مستوياتها، وإن كان أقل من هذا العدد أحسست بعدم وجود ارتباطِ وثيق مع الكتاب المقروء. أعلم أن هناك العديد من أنواع الكتب التي تختلف في طريقة قراءتها، فقد يسهل تعداد الصفحات في الرواية في حين أن العداد يبدأ بالتناقص ما أن يتم قراءة كتابِ علمي أو تاريخي، لكن لا يمنع أن هذا الرقم أوجد التوازن في علاقتي مع كافة الكتب، فربما يزيد كثيرًا أن كان ذو قراءة سهلة أو يقل بعدد لا يذكر أن كان ذو محتوى ثقيل. 

الرياضة:

تحريك الجسد بأي طريقة كانت لتزداد معها نبضات القلب يعد من الأمور المبهجة للنفس، علاقتي مع الرياضة تمتد طويلًا، وفي كل مرة تتجدد تلك العلاقة أجد نفسي أتساءل لماذا ابتعدت عنها. لكن هنالك لحظات تصبح فيها ممارسة الرياضة ثقيلة نوعًا ما، خصوصًا مع تطبيق حركات معينة وإعادة تنفيذها مرات مختلفة. لذا كان لا بد من عمل خلطة خاصة بي تحافظ على روح المتعة الموجودة في الرياضة دون الإغفال عن الأساسيات المتبعة في عالمها. الرقم 40 يبرز مرة أخرى ولا أعلم ما هي الصدف التي جمعت بين الأول والثاني ولكن حتمًا الرقم 4 له مفتاح سحري لروحي. 40 دقيقة من ممارسة الرياضة اليومية. هنا يشعر الجسد بأداء مجهود مرضي ولكن غير متعب، وتلك الأربعين دقيقة ليس بالضرورة أن تكون متصلة، فقد تُجزأ إلى جزأين كممارسة اليوغا لعشر دقائق في الصباح و المشي لنصف ساعة أو أكثر في المساء، أو دمج الرياضة بكافة أنواعها في لعب التنس لمدة ساعة كاملة، هنا تصبح معادلة الجسد مكتملة عند الوصول لآخر دقائق محسوبة داخل اليوم.

الكتابة:

الكتابة، ذلك الفعل الملتصق بشدة بالقراءة، من الصعب أن تحتفظ بهواية القراءة دون تفعيلها بالكتابة، وأقصد هنا بكتابة الكلمات المكتظة بداخلك دون إلزامها بالنشر في أي مكان أردت. هذا لايقلل أبدًا من فعل النشر لما تكتب، لكن الغرض الأساسي هو تفريغ الطاقة الكلامية، والتي من الممكن أن تؤدي إلى انفجارات غير حميدة تتساءل أنت فيما بعد عن مصدرها. أكتب عن أحداث حصلت في ذاك اليوم، عن قصة استغربت أحداثها وأردت بشدة توثيقها بالكلمات حتى لا تختطف مني، أكتب عن مراجعات لكتب أسرتني لتتملكني بعدها رغبة شديدة بتوثيق تلك المشاعر وإيصالها لأكبر عدد من المعارف، لتصنع بعدها جدالاً داخل روح شخص آخر يتساءل عن مدى حماقة هذا الكتاب فكيف وثِق بذوق ذلك القارئ (أليس هذا الهدف الأساسي من المراجعات). 400 كلمة في اليوم تعد كافية بالنسبة لي لتفريغ ما يتراكم من حروف بداخلي، فبعد هذا العدد أشعر بأن الفعل يصبح إلزاميًا، وتبرز بعدها محاولات مستميتة للبحث عن كلمات من هنا وهناك لأشعر بعدها في ندرة ما كان قبل لحظات ممتلأً.  

كالوصفة الدقيقة لخبز الكعكة والتي تبدو سهلةً حين تنفيذها، وفي أسوأ الاحتمالات حتما ستظهر الكعكة في النهاية، إلا أن هناك لمسة بسيطة لمقادير معينة ودرجة حرارة فرن موزونة تجعل تلك الكعكة الألذ على الإطلاق، وتلك المعادلة ذو تأثير مشابه على روحي فقد تختلف الأرقام صعودًا أو نزولًا لكن حتمًا الشعور يكمن خلف تلك الأرقام الثلاثة 40x400x40. 

وأنتم هل اكتشفتم بعد معادلاتكم الخاصة؟

كتاب “رحّالة”

هنالك دومًا عناوين جذابة ترمز لمواضيع تُشبع فضولًا كبيرًا لدى الإنسان، ودائمًا ما نجد أن الرحلة ومشتقاتها الاسمية تبرز في المقدمة و بمسافة كبيرة عن أقرب منافسيها، إذًا كان من السهل علي أن انجذب لكتابِ يحمل عنوان “الرحالة”.

بعبارة شيقة طُبعت بأناقة على غلاف الكتاب قائلةً “الكتاب الحائز على جائزة مان بوكر والكاتبة الحاصلة على جائزة نوبل”، ازداد معها ارتفاع سقف التوقعات ناحية الرواية، وعادةً ما يرتبط سقف التوقعات بعلاقة عكسية مع مدى الرضا عن المنتج أي كان صيغته. 

وجدت نفسي بعد قراءة الصفحات الأولى من الكتاب أمام قطعِ قصصية لا رابط بينها بالمعنى الحرفي، إلا أن هنالك وِثاق خفي تشعر به عند قرائتها. مثل هذه الكتب القادرة على إيصال شعور يصعب وصفه هي حتمًا كتبُ عظيمة، ولعل هذا الكتاب إحداها. لا أُخفي على الجميع تذكري لإدواردو غاليانو وظهور روحه نوعًا ما داخل صفحات الرواية، إلا أن الاختلاف الوحيد بينهما، أن هناك كان لدينا إدواردو غاليانو واحد أما هنا فنحن أمام قبيلة من إدواردو غاليانو. هنالك أيضًا استراتيجية متبعة في الكتاب، فهناك قصص قصيرة تبدأ وتظن أنها أنتهت لتتفاجئ مع تقدم الصفحات بإكمالها بصيغة قد تكون مختلفة، أو بإسناد المهمة لراوي آخر. وهنالك أيضاً قصصٌ تاريخية حدثت بالفعل لكنها رُويت بطريقة سردية خيالية.

 هذا الكتاب كُتب بلغة عصرنا، عصر السرعة. والذي يعد التنقل فيه من موضوع إلى آخر أسهل من رمشة العين، ناهيك عن اهتماماتنا المختلفة جذريًا عن بعضها البعض ومع ذلك نجد لها متسعًا داخل أرواحنا، هذا الكتاب هو الوصفة التعريفية لطريقة عمل عقول أبناء هذا العصر، أبناء القرن الحادي والعشرين والمرتبط كليًا بإشارات الأنترنت الهوائية. الأمر أشبه بالتنقل من مقطع فيديو داخل يوتيوب لمقطع فيديو آخر لا علاقة واضحة تربط بينهما، لتظل مستمرًا في التنقل من مقطع إلى آخر حتى تجد نفسك وقد أُنهكت برحلة افتراضية أشبعت فضولًا داخلك ظل مشتعلًا لزمن بسيط.

قد يذكر البعض أن الأمر مشتت نوعًا ما فما ان اندمج مع أحداث قصة حتى أجد نفسي قد انتقلت على متن بساط ريح لزمنِ مختلف ومكان متخيل لن يتسنى لي الوصول له بوسائل النقل التقليدية المعلوم مواعيد انطلاقها ووصولها. إلا أن الأمر كان ممتعًا، فتلك الوقفات الاضطرارية العديدة كانت قادرة على شحن روحي بطاقة جديدة مكنتني من إكمال رحلة الخيال والواقع دون ملل يذكر.

كتاب “الرحالة” للكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك سيبقى من أروع الكتب التي قرأت ولا أعلم كم من الزمن سينقضي حتى يتبادر إلى ذهني اسمه عند ذكر “ما هو أروع كتابًا قد قرأته”، لكن أنا متأكدة بأنه سيظل زمنًا طويلاً ضاربًا بقوانين سرعة عصرنا عرض الحائط، ليحتل تلك المكانة فترة أطول من رمشة عين.

بقرة السيدة أوليري

في إحدى ليالي شهر أكتوبر الباردة، وفي مرعى السيدة أوليري، كانت إحدى البقرات تعاني ألمًا حادًا داخل جسدها. وبطبيعتها الحيوانية لم يكن منها ألا أن تقاوم هذا الألم بالتحرك يمينًا و يسارًا، مع محاولات حثيثة في رفع باطن القدم إلى الأعلى في آملًا منها في ركل شخص متخيل تجسد لها في صورة الألم. بالطبع لم تصب تلك الركلات المسبب الحقيقي لتلك الأوجاع التي تأن منها، لكنها في المقابل أصابت فانوسًا مشتعلًا كان قد وُضع بالقرب منها. فما كان من هذا الفانوس إلا أن لبى مطالب البقرة معلنًا نشوب حريق ألتهم كل ما يصبو أمام عينيه. 

ظلت مدينة شيكاغو مضاءة ليومين متتاليين في حادثةِ قلما ظهرت. لم تكن تلك هي الإضاءة المنشودة والتي يرغب سكان مدينة الرياح في قدومها حتى تملأ لياليهم بالدفء، بل على العكس تمامًا كانت قد اتصفت بكونها مدمرة ومهلكة لكل ما يملكونه من أماكن إيواء، وعتاد مخزن. وبعد انطفاء الحريق أُهلكت أرواح أو ذبُل بريقها.

36 ساعة كانت كافية لتغير مظهر المدينة الصاعدة لتتحول بعدها إلى خشب مكوم وأجساد ملقاة وطرقٌ قُطعت أوصالها حتى ما عادت تفي بالغرض الرئيسي من تشييدها. عُمم اللون الأسود على كافة أرجاء المدينة بشكل قسري ومن دون استشارة لقاطنيها ومعها خيم الحزن على جميع ساكنيها.

كان لا بد من إلقاء اللوم على أحد وجعله المسبب الرئيسي للكارثة، صحيحٌ أن المدينة ظلت معرضة بشكل متواصل لحرائق متفرقة، حيث تم تسجيل ثلاثة حرائق في الأسبوع الذي سبق الكارثة، إلا أن أحدًا منها لم يصل للنتائج البشعة التي توصل لها حريق شهر أكتوبر. نُقلت الأحاديث بين الأفراد عن إصابة السيدة أوليري بالاكتئاب الشديد نتيجة إحساسها بالذنب لما فعلته بقرتها داخل المزرعة والذي عُد ضمنيًا الشرارة الأولى للحريق الهائل. كان هذا الفعل كافيًا لإلقاء اللوم الكامل على السيدة متناسين الفوضى التي تعم المدينة من أكوام الخشب الملقاة والمستعدة دومًا لأن تخدم أي حريق مفتعل مهما كان بسيطًا. لكن كعادة بني البشر حين تتملكهم الرغبة في جمع كل الأسباب وتكويمها على هيئة كرةً ثقيلة وإلقائها على ظهر الشخص الأول ومن تشير إليه أصابع الظنون.

بدأت العقول تصطنع قصصًا حول حقيقة ما جرى تلك الليلة لتتمكن بعدها من محاكمة السيدة أوليري، فأحدهم ذكر أن السيدة كانت هي المسؤولة عن إلقاء الفانوس على الأرض بسبب حالتها الغير مستقرة نظر احتساءها كميات كبيرة من الكحول، ومتحدث آخر يجزم أنها أخفت جميع الأدلة التي تربط تورطها بتلك الحادثة. أحد الجيران ادعى أنه رأى الدليل القاطع على إحداث ذلك الحريق والذي كان الفانوس المحطم لكنه أقسم أنه سُرق بواسطة رجال آخرين.

ومن أجل الدفاع عن نفسها و لتزيح عن كاهلها ذلك الحمل الثقيل، أوضحت السيدة أوليري أن الحريق قد يكون مفتعلًا لكن ليس من قِبل بقرتها بل بواسطة جماعة إرهابية مرتبطة بكومونة باريس حتى أن قصيدة نُشرت في صحيفة الفضائح النيويورك بوست تدعي اعتراف ذلك الشخص بافتعال الحريق الضخم:

خرج هذا الطائر من رماد باريس

ليحلق بقمة مشتعلة فوق المحيط

آتيًا بالبلاء لملكة الغرب.

 

في العام 1997 تم تبرئة السيدة أوليري من الذنب الملصق بها حول افتعال بقرتها حريق شيكاغو العظيم، لكن لا السيدة أوليري ولا بقرتها كانا من ضمن حضور جلسة التبرئة في مجلس مدينة شيكاغو.

ما الكون؟

Island Universe by William Hays

“نأتي إلى هذا الكون من دون أن نختار ذلك. وللحظات عابرة، وكأننا يراعات كونية، نسافر برفقة غيرنا من البشر، مع آبائنا و أشقائنا و أبناءنا و أصدقائنا وأعدائنا. كما نسافر مع أشكال الحياة الأخرى، من البكتيريا إلى البابون، ومع الصخور والمحيطات وأضواء الشفق، ومع الأقمار والشهب والكواكب والنجوم، ومع كثير وكثير من الفضاء الخاوي. إن الموكب ثري وصاخب ومتنافر وغامض، ورغم أننا نحن البشر سنتركه في النهاية لا محالة، فسيستمر الموكب في طريقه. وفي النهاية سيتلاشى الموكب، وبعد مليارات لا تحصى من الأعوام، سيخبو وكأنه شبح طلع عليه الفجر ويتحلل في محيط الطاقة التي ظهر منها في بادئ الأمر”

تثيرنا نحن البشر قصص البدايات، نطرح التساؤلات حولها وعن من ابتدعها، من كانت له الأسبقية وكيف تحقق ذلك. في حكايات معينة نجد الأجوبة الوافية وفي أخرى نصاب بالضياع من الإجابات المتداولة، وبين هذه وتلك يبرز لنا نوع آخر من القصص تحاط بالغموض مع تساؤلات مطروحة أكثر بكثير من الإجابات الموثقة، وتلك الإجابات نادرًا ما تجد أذنًا صاغية ومطيعة حيث تظل مجالًا خصبًا للتشكيك وإعلان محاربتها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. 

قبل سنوات مضت، أُصدر كتاب “العاقل” وفي الأشهر التي تلت هذا الحدث، برزت ضجة كبيرة بين أوساط القُراء كونه تناول موضوعًا مثيرًا للشخص العادي. يطرح الكتاب بداياتنا نحن البشر على هذا الكوكب و مراحل تطورنا وتقدمنا مع النتائج الجانبية لتلك العملية ببناء الحضارات والامبراطوريات والدول العظمى، دون الإغفال طبعًا عن المسببات الرئيسية لتلك السيطرة وما لازمها من إنشاء الإقتصاد والأنظمة التي تحكم البشر. كتاب “قصة الأصل” للكاتب ديفيد كريستيان يتناول قصة البدايات لكن هذه المرة من منظور مختلف، فقصة كريستيان تبدأ من بداية تكون هذا الكون بنجومه وكواكبه وثقبه الأسود، وبدء ظهور المعالم الأولى للحياة على كوكبنا (وربما في كوكب آخر) وقدوم الإنسان وما تلى ذلك من أحداث. الكتاب لا يتوقف هنا بل يستمر في السرد واضعًا فرضية لما سيكون عليه المستقبل، مع وضع حلول افتراضية للمشاكل التي من الممكن تفاديها.

يصنف ديفيد كريستيان نفسه كأحد مؤسسي التاريخ الجامع وقد عبر من منظوره بأن إذا أردت أن تفهم تاريخ البشرية عليك أن تفهم كيف تطور هذا النوع العجيب، مما يعني معرفة تطور الحياة على كوكب الأرض وما حولها من نجوم وكواكب وأقمار، دون الإغفال عن الحاضن الرئيسي لهم جميعًا “الكون”. ويعتقد كريستيان أيضًا أننا نعيش في زمن تقدمت فيه القدرات العلمية القادرة على إعطائنا الإجابات الدقيقة إلى حد كبير، فلابد من سرد القصة كاملةً من خلال جميع الأبطال الأحياء والغير أحياء وكنتيجة لذلك خرج لنا كتاب “قصة الأصل”.

قُسم الكتاب لأربعة أجزاء، و بإمكاني وضعها داخل جزئين، جُزء يوضح الوضع قبل مقدمنا نحن البشر وجزء يتحدث بإسهاب عن التغيرات التي حدثت بعد أن ظهرنا على المشهد. في الجزء الأول يبدأ السرد من اللحظة الوليدة، المحطة الأولى لانطلاق هذا العالم “الأنفجار العظيم” وما تلاها من أحداث لمدة مليارات من الأعوام لتأتي بعدها قصة تكون النجوم وما قدمته لنا أثناء احتضارها من هبة العناصر، من جزئية العناصر لفت انتباهي ان عالمنا كان مليئًا بعنصري الهيدروجين والهيليوم فقط، هذه الصورة الدرامية وصلت لي على هيئة وحدة شديدة لا بد أن يكون العنصريين قد أصيبا بها، إلى أن اتى الفرج على هيئة أشقاء آخرين من عائلة العناصر المختلفة لتزيد معها التعقيدات ويصبح الكون أكثر تطورًا. أشهر تلك العناصر الجديدة كان عنصر الأكسجين والذي ظل مصاحبًا للفظ الحياة بقدرته الهائلة على توفير الغاز لعملية التنفس الضرورية في استمرار حياتنا على هذا الكوكب، إلا أن الحقائق أذهلتني مرة أخرى حين ذكرت أن بدايات هذا العنصر لم تكن مرتبطة بالحياة كثيرًا قدر ارتباطه في التدمير، فقد كان المسبب الأساسي لاختفاء الحياة نسبيًا عن كوكبنا بمنعه لتكوين جزيئات أساسية مثل الأحماض الأمينية والتي بدورها تتألف منها جميع البروتينات والنيوكليوتيدات التي تتكون منها المادة الوراثية وغيرها الكثير. تضاد عجيب في جعل هذا الغاز المعطي للحياة صفات تدميرية كان من الممكن أن تهلك عالمنا البدائي، إذ لعله كان مفيدًا وصوله في وقت متأخر.

ظهر الإنسان وظهرت معاها الحكايات والقصص المروية لنا طوال القرون الماضية، والتي ظل أسلافنا يتداولونها من جيل إلى جيل كلٌ على طريقته. بدأ كريستيان هنا في ذكر المعلومات العلمية عن من أين أتينا وكيف تطورنا، مع الإسهاب في تبين طريقة تحولنا من مجتمعات صيد جامعة إلى مجتمعات زراعية وما تبعها من انطلاق الأشكال الحضارية كالمدن والأمبراطوريات وما إلى ذلك. في هذا الجزء لم تذكر معلومات جديدة أو بالأحرى لم تكن مشوقة وموضوعية كحال القسم الأول، تنتابك لحظات أنك تعيد قراءة كتاب “العاقل” وهو أمر ليس بالمستغرب فالجميع يستقصي المعلومات من المصادر نفسها تقريبًا إلا أن طريقة السرد في “العاقل” كانت ممتعة بشكل أكبر مما عليه الحال في “قصة الأصل”. 

عند نهايتك من قراءة الكتاب ستصيبك بعض التساؤلات المحقة، و تقارن ما أنهيته بما كان لديك من معرفة سابقة، ستصدق بعضه وتنفي بعضه الآخر لكن في النهاية هذا هو الغرض الحقيقي من القراءة، الاطلاع على وجهات نظر متعددة ليتشكل معها رأيك الخاص والفريد من نوعه.

ثلاث نخلات

من نافذة المقهى تقف ثلاث نخلات على التوالي، يبلغ طول كل واحدةٍ منهم مترين أعلى من سطح المنزل المحتضن لهم، حتمًا عندما ابتاع صاحب المنزل تلك النخلات الثلاث لم يدرك تلك الحقيقة العلمية البحتة، بأن تلك النخلات تنتمي لتصنيف المخلوقات الحية والتي يزداد حجمها مع مرور الزمن إلى أن تقرر أن لا جدوى من التضخم معلنةً رحيلها عن هذا العالم.

كانت أقلهم حظًا من اتخذت جهة اليمين، فملامح الجفاف تبدو عليها بدرجة اكبر مما يظهر على شقيقاتها، فعلى ما يبدو أنها فقدت جميع سعفها في منظر يكاد أن يكون غريبًا على نخلة، لكن ظروف الحياة لم تكن على الشكل الذي رغبت به، وكل خططها وأحلامها تبخرت عندما اجتاحها الجفاف. الوسطى بخير، إن قارناها بمن حولها، فهي مصابة أيضًا ببعض الجفاف لكن على الأقل ما زالت محتفظة بالسعف المتيبس على رأسها، تحمد الله كثيرًا ان مصيبتها أهون بكثير من غيرها وهذا من شأنه أن يبث الطمأنينة بداخلها لتترك معها المحاولات الجادة في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من الجسد المتشبث على هذه الأرض. النخلة اليسرى تبدو مختلفة قليلًا عن الأخريات ومتمردة نوعًا ما، فالمسافة التي تفصل بينها وبين زميلاتها في السكن أطول مما هي عليه الحال، فعلى ما يبدو أنها تحبذ الاختلاء بنفسها لتتمكن من صقل شخصيتها بعيدا عن أعين الأشباه. حالتها الصحية تبدو مستقرة فجميع أجزائها على قيد الحياة لكن المشكلة التي تعصف بهم جميعًا متواجدة بوضوح على هيئتها. 

الجفاف، بدأ في التوغل داخل جسد كل واحدة منهن منذ اليوم الأول لمجيئهم، لا تسعفهم الذاكرة كثيرًا في مسألة أين كانوا وكيف أصبحوا هنا، لكن تظهر بعض الصور القادمة من الذاكرة حاملةً معها مكانًا ذو طقس مختلف، مع الكثير والكثير من الأمطار والمزيد من الحرارة، وكنتيجة حتمية لتلك الظواهر تبرز الرطوبة العالية كوصف دقيق لما كان عليه الحال في ذلك المسكن البعيد.

نصيب تلك النخلات الثلاث حنين لمكان لم يعد موجودًا رغم الشعور به، هذا الحنين عادةً ما يؤدي لحزن لا يُعرف له علاج، فهذا المكان الغريب لا يعطي النخلات الثلاث ما اعتادت على أخذه داخل وطنهم الغامض. تتملكهم الرغبة بالمغادرة وتحدي كل المستحيلات العديدة والتي تبدأ بعدم قدرتهم على الحركة وتنتهي بعدم معرفة خط الوجهة. مع بدء النية بخوض تلك المغامرة، تهب رياح عاصفة محملة بالأتربة لتزيد من منظر الحاجة الملحة للماء بشكل أكبر على محيا النخلات الثلاث وتثقل كاهلهم بصعوبة المهمة المرغوبة. 

اليأس، بدأ بالتوغل بداخلهم، كانت اليمنى أكثر من شعرت به نظرًا لكثرة ما تراكم عليها من مصائب والتي لا تنفك أن تظهر إحداها حتى تستدعي الأخرى. المتمردة اليسرى ما زالت عزيمتها ظاهرة رغم هذا العارض المفاجئ والذي ظهر من دون سابق إنذار. الوسطى ما زالت حائرة لا هي في موقف صاحبة اليمين ولا في موقف صاحبة اليسار تشعر بعدم رغبتها في المغادرة في ذات الحين التي تجد نفسها مصممة على التحليق بعيدًا عن هذا المكان.

 اهتزازات خفيفة يفصل بينها ثواني معدودة قبل أن تعاود الحدوث مرة أخرى، وفي كل مرة تزداد شدتها لتعلن معها الرغبة الملحة لصاحب المنزل في تعجيل الأمر والانتهاء منه في أقرب فرصة. الرغبة لدى النخلات الثلاث مرتفعة من أجل المقاومة، لكن الإمكانات التي بحوزتهم لا تسعفهم إلا بالقليل الذي لا يمكنه مجابهة هذا التغير الكبير.بدأت الثلاث نخلات بالشعور شيئًا فشيئًا بالخدر ومعها بدأت الأمور تتضح أكثر، فالحياة التي لم تعجبهم بتاتًا على استعداد تام لطردهم جميعًا منها. على الرغم من الرغبة في التوديع المرغوب به لهذا المكان إلا أنه لم تتصور واحدة منهن أن يكون بهذا الشكل البشع.

هذا الفيلم ليس من اختياري

أحببت منذ زمن ليس بالقريب مشاهدة الأفلام المختلفة، الأمريكية منها تأتي دومًا في المقدمة دون منافس يذكر لها، لتلحقها على خجل بمسافة ليست بالقريبة الأفلام الأوروبية. كانت تصلني تلك الأفلام بأشكال عدة، في البداية اتخذت هيئة أشرطة فيديو يتم عرضها على شاشة التلفاز أو أفلام تبث عن طريق بعض القنوات والتي كانت لا تتعدى أصابع اليدين، مرورًا بالمرحلة الأعظم الانترنت وعالم تورنت لتصبح شاشة الكمبيوتر السينما الفعلية لي، لنصل معها إلى آخر ما توصل إليه هذا العالم مع منصات البث الرقمية.

كنت طوال تلك الأعوام أكبر وتكبر معها ذائقتي الفنية، لتتشكل معها شخصية تتذوق نوعًا معينًا من الأفلام، فبعد مشاهدات عديدة لإنتاجات مختلفة أصبحت على دراية نوعًا ما بالفيلم المثير للأهتمام بالنسبة لي، أو لنقل مثلًا مخرج أو كاتب لفتتني أعماله مرات عدة، سأكون على ثقة أن المرة القادمة سأعجب بفيلمه حتى وأن لم ينل الدعاية اللازمة أو التواجد على ساحات السينما القريبة.إذاً لا وجود هنا لعمل فرض علي، أنا أبحث عن ما أريد واستمتع بالمشاهدة.

كعادة سنوية، أجهز قائمة في بداية كل عام بالأفلام المتوقع أن تلفت انتباهي، شبيهة بنقاط أهداف العام المنسية بعد بضعة أشهر، ألتقطها من أماكن مختلفة: مواقع، مدونات سينمائية، أشخاص تتبعتهم على تويتر يملكون أفضلية مشاهدة الأعمال قبل الجميع، أُناس أتوق لرؤية أعمالهم، وهكذا إلى أن أجد نفسي مع قائمة تزيد عن سبعين فيلم بعد مرور شهرين. كان عالم تورنت جميلًا حيث لا حدود فيه، فمتى ما رغبت في رؤية فيلم قديمًا كان أم حديثًا ومن أي بقعة جغرافية ينتمي لها كنت ستجده حتمًا، أستطيع القول بأنه مارد سحري في كل مرة يطرح ذات التساؤل عن ما تريد لتجيبه بالأفلام المطلوبة، لكن الفرق هنا ان لا حدود لعدد الأمنيات. أنا هنا لا أُرغب بعالم السرقة الفكرية، لكن يجب الأخذ بالاعتبار أن تلك الفترة كانت من دون سينما بالجوار ولا لوجود لأعمال تصل لمكتبات الفيديو اليتيمة داخل المدينة. 

مع هذا العالم تشكلت شخصيتي السينمائية بعيدة عن التدخلات، كنت أنا المسؤولة وحدي عن اختيار ما يعجبني وما لا أريده، لينتهي بي المطاف في نهاية الأمر بشعور السعادة الذي يرغب به الجميع. مع تقدم السنين بدأت منصات البث الرقمي في الظهور والبداية كانت مع نتفليكس، اتذكر جيدًا حين كثُر الحديث عنها وترغيب ممن هم حولي بالاشتراك بها، رددت بشكل قاطع بعلامة نفي كبيرة، معللةً ذلك الخيار بأن ليس لدي الرغبة بحصر مشاهداتي بالأفلام الموجودة على تلك المنصة فقط. إجابة معقولة لشخصية تشكلت مع تراكم السنين واعتادت على حرية الاختيار دون فرض ما لا تريده. قدِمت بعدها قاعات السينما في بلدنا لتصبح الخيارات الصحيحة والقانونية متوفرة بشكل أكبر، بالطبع كانت لحظات سعيدة تخللها عدم وصول كافة الأفلام التي أرغب في مشاهدتها والتي تستريح طويلًا على قوائمي السنوية. بدأ عالم تورنت يصبح موحشًا وغير مرغوب فيه من قِبلي، فالأسباب التي كانت تدعم قيامي بتلك الأمور بدات في التلاشي ليصبح معها النية فقط باستعماله محرمًا في معجم القوانين الخاصة بي. 

مع ضيق الخيارات اتجهت للأشتراك بنتفليكس أخيرًا، لتظهر معها مكتبة أفلام ومسلسلات مهولة لا حصر لها، معظمها كنت قد شاهدتها فيما مضى، أتحدث هنا عن الأفلام التي ليست من إنتاج المنصة، أما الجديدة علي فقد تكفلت نتفليكس بكافة مراحل إنتاجها. أُعجبت ببعضها وكرهت بعضها الآخر كما هو الحال مع أي مشاهد لتلك الأعمال الفنية، لكن مراحل تعرفي على تلك الأعمال كان مختلفًا. في البداية كان المسمى يظهر على الشاشة بشكل كبير وجذاب لافتًا انتباهي لهذا الفيلم، لأقوم بعدها بالبحث عنه في موقع IMDB المتخصص بتقييم الأعمال حتى اتمكن من تحديد ملائمته لي من عدمه. قد لا تكون صفحة التقييم مشجعة لكن الرغبة الملحة في مشاهدة فيلم الآن تجعلني أضغط على زر المشاهدة، ففي النهاية لا يعد هذا أسوأ قرار قد تتخذه في حياتك. تبدأ معها المشاهدة ويبدأ معها مرور الوقت بشكل بطيء، وتزداد معها الرغبة في الانتهاء منه سريعًا لكن دائمًا يحضر الأمل بأن القادم أجمل، ومع حرقِ كبير للأحداث لا يأتي الأجمل. أصبحت دائمة التواجد في محطة الأنتظار  للقادم الذي سيأتي،  من دون ضمانات لحضوره في القريب العاجل أو البعيد المستبعد، وهذا أمر لم اعتد عليه. أنا هنا لا أحدد إذا ما كان العمل جميلًا أو قبيحًا، فطالما آمنت أن الأعمال الفنية وجدت للمتعة الممزوجة أحيانًا بفائدة على المستوى النفسي أو المعلوماتي، فالعمل الذي أُعجب به قد يعتبر قبيحًا عند آخر والعكس صحيح، انا هنا اتحدث عما يعجبني واختاره بنفسي دون تدخل لوغاريتمات نتفليكس. منصات البث الرقمي قد لا تكون هي المشكلة لكن مكتباتها في محيط الشرق الأوسط هي المعضلة الحقيقة، فتنوع الخيارات وتواجدها كاملة عند دول العالم الغربي يؤكد كلامي جيدًا.

مؤخرًا اطلعت على قائمة الأفلام التي ستنال على اعجابي من العام الماضي لأبحث عن أمكنة بثها داخل مختلف المنصات، القليل جدًا منها وصل لمحطة متجر آبل لبيع وتأجير الأفلام أما الكثير منها فكان لا يتواجد في أي مكان قريب واقعيًا كان أم افتراضيًا. الحياة تتغير وتتغير معها خيارات الشخص لكن ما يسع قوله هو أن يحاول بشتى الطرق أن يظل متمسكًا بروحه وشخصيته والتي حتمًا هي أغلى ما يملك والمسؤول الوحيد عن سعادته.

كونت مونت كريستو وجمعية الصداقة والسلام

Processed with VSCO with hb1 preset

-يقدم الرجل نفسه باعتباره رجلًا خيرًا. حتى أن قداسة البابا نصبه فارسًا للمسيح وهو منصب لا يتكرم به إلا على الأمراء لما أسدوه من خدمات جليلة لمسيحي الشرق؛ وكذلك يملك خمسة أوشحة أو ستة حصل عليها بفضل ما أسداه من خدمات إلى أمراءِ أو دول.

-ويحملها؟

-كلا، لكنه فخور بها، ويقول أنه يفضل المكافآت التي يحصل عليها المحسنون إلى الإنسانية على تلك التي يحصل عليها مدمرو البشر.

-صاحبنا إذًا من الكويكرز؟

-تمامًا، إنه من الكويكرز، غير أنه بالطبع لا يلبس قبعتهم الكبيرة وزيهم البني.

هذا حوار من رواية ألكسندر دوما “كونت مونت كريستو” لرجلين يتحدثان فيها عن شخصية مونت كريستو نفسه، وفيها استنتج المتحاوران انتماء مونت كريستو لجماعة الكويكرز لأنه ببساطة شخص يعشق السلام.

روبنز المختلف

عاش روبنز في القرن الثامن عشر في إنجلترا ويمكن اعتباره مثالًا يحتذى به في تكوين نفسه بنفسه أو ما يعرف بمصطلح الشخص العصامي، كانت الوسائل المتاحة له والتي تمكنه من الالتحاق بالجامعة محدودة، فقرر استبدال ذلك بالتعليم الذاتي في تخصص الرياضيات حتى أصبح متمكنًا منها. ذاع صيته وما لبث أن حاز على شهرة كمعلم خصوصي لها، تلك النجاحات لفتت انتباه الجمعية الملكية البريطانية لتنتخبه عضوًا فيها وهو ما يزال في الحادية والعشرين من العمر. 

أول إنجازات روبنز وإبداعه كان في الرياضيات والتي مكنته من حل مشكلات تتعلق بدقة المدفعية، عندما استخدم المعادلات التفاضلية من أجل تقديم أول توصيف حقيقي لتأثير مقاومة الهواء في مسار القذائف ذات السرعات العالية (وهي مشكلة عجز غاليليو عن حلها). نشر روبنز ملاحظاته الدقيقة في كتاب أسماه “مبادئ جديدة للمدفعية” لتتزايد معها دقة تصويب المدفعيات ولينال معها تعيينه في شركة الهند الشرقية البريطانية كضابط مدفعية ومهندسًا عسكريًا. أمر الملك فريدريك الكبير حاكم بروسيا بعد مرور ثلاث سنوات من إصدار كتابه بالترجمة الألمانية وقام المترجم ليونارد يولر بإضافة تحسينات من خلال ملحق شامل من الجداول التي تحدد السرعة والمدى والارتفاع الأقصى ووقت الطيران بالنسبة إلى قذيفة أُطلقت بسرعة وزاوية معلومة من فوهة المدفع. وتم إلحاق الترجمة الألمانية بترجمة فرنسية لتتمكن من الظهور في العام 1751، ومع تطبيقها أعطت الغرب سلاحًا قاتلًا بالفعل: المدفعية دقيقة التصويب.

جورج فوكس:

عاش جورج فوكس في القرن السابع عشر وترعرع وأحداث حرب أهلية داخل بلاده إنجلترا تحدث تحت ناظريه، تلك الحرب المروعة التي راح ضحيتها العديد من المواطنين بما فيهم رأس الملك تشارلز الأول خلفت ندبات واضحة في روحه جعلت منه باحثًا عن الطمأنينة والسكون. قرر اعتزال عائلته ومغادرة بلدته والذهاب من أجل البحث عن تلك الطمأنينة. ظل مرتحلًا في أنحاء البلاد في مهمته الروحية، مع الأخذ بالاعتبار أن تلك الفترة شهدت اضطرابات دينية داخل إنجلترا فالجميع أراد إصلاح الكنيسة الإنجليزية أو تأسيس كنائس منافسة لها. على مدار رحلته ألتقى فوكس مع العديد من الباحثين عن تجاربهم الروحية ليصل معها إلى خلاصة مفادها أن الله موجود داخل كل إنسان ولا حاجة للكنائس من أجل التواصل معه على حسب اعتقاده. أسس حركة عُرفت بجمعية الأصدقاء الدينية والتي سميت لاحقًا بالكويكرز، تؤكد تلك الجمعية على رفض الطقوس الخارجية والخدمة الكهنوتية ، مع الحث على العمل النشط من أجل السلام ومقاومة الحرب. 

كسب فوكس أتباعًا في مقاطعات ليك ديستريكت في ويستمورلاند و لانكشاير وبعد ذلك في يوركشاير ولندن ومناطق أخرى. عانى هو ورفاقه من العداء العام والقيود الرسمية، وغالبًا ما تم القبض على فوكس ورفاقه وسجنهم. في الواقع ، تم إيداع فوكس في السجن في الفترة الواقعة بين عامي 1649 و 1673.

أدت استعادة الملكية في عام 1660 إلى تشريع خاص ضد الكويكرز واتخاذ إجراءات واسعة النطاق ضدهم. شجع جورج فوكس مجموعات الكويكرز المحلية على تنظيم اجتماعات عمل شهرية وربع سنوية منتظمة إلى أن تم تخفيف الضغط المستمر عليهم بشكل متقطع حتى أُصدر قانون التسامح في العام 1689، قبل وقت قصير من وفاة فوكس ، ومع ذلك القانون أعطيت الراحة للكويكرز. تأثير جورج فوكس وصل إلى الطبقة الأرستقراطية الإنجليزية فإبن الأدميرال  السير ويليام بن  أعتنق تلك المبادئ التي ينادي بها جماعة الكويكرز، وبالطبع كان هناك غضب من ناحية الوالد تجاه تلك الخطوة لكن الأب توفي تاركًا ثروة هائلة للأبن ويليام بن من ضمنها ديون يدين بها الملك تشارلز الثاني لوالده. كمعتنق لفكر جديد ولرغبته بممارسة الشعائر بحرية في أرض جديدة بعيدة عن أعين الكنيسة الإنجليزية خطرت على ويليام بن الأبن فكرة والتي عرضها بدوره على الملك تشارلز الثاني، تتضمن الفكرة أن تعطى له أرض في المستعمرات الإنجليزية داخل أراضي القارة الأميركية، دون مزايا كبيرة لها، فلا يوجد بداخلها ميناء يصلها بالمحيط، بل على العكس تمامًا ستكون أرضًا داخلية مليئة بالغابات. سعد الملك تشارلز الثاني بالفكرة فطالما كان معانيًا من كثرة الديون التي خلفتها الأوضاع السيئة في إنجلترا في العقود الماضية، وأن يتخلص من جزء بسيط منها بتلك الطريقة السهلة إضافة إلى ابتعاد جماعة الكويكرز عن أنظاره لهو انتصار لم يحلم به. تحقق الحلم لويليام بن ليؤسس مستعمرته بنسلفانيا (والمأخوذة من كلمة لاتينية معناها غابات بن). وكعضو في جماعة كويكرز برز اختلاف واضح في تعامله مع السكان المحليين مقارنة بنظرائه من البريطانيين المستعمرين في تلك الأراضي، ففي البداية وقع على معاهدة معهم وطلب الإذن منهم لبناء المدينة التي كان يرغب في بنائها والتي تعرف اليوم بفيلادلفيا والقادمة من كلمة يونانية معناها مدينة المحبة الأخوية. أسس بن لقوانين تدعو إلى الحرية الدينية، تلك الأفعال مرتبطة فعليًا بالكويكرز والذي تعبر دومًا معتقداتها عن رفض الممارسات الإجبارية للآخرين تحت أي ذريعة سواءً كانت بالسلاح أو بالأجبار على الدخول في تلك الجماعة.

قصة تأسيس مستعمرة بنسلفانيا تبين مدى تأثير جماعة الكويكرز في أفعال معتنقيها لكن هل فعلًا كان أتباعها محبين للسلام رافضين لجميع أشكال الحروب؟

دعونا نعود إلى روبنز صاحب اختراع المدفعية دقيقة التصويب وخلفيته التي ظلت ملازمة له،  سنجد أمرًا مثيرًا للاهتمام كونه قد ولد في أسرة تنتمي إلى الكويكرز وظل معتنقًا لمبادئها والتي عرفت بشعاراتها المنادية بالصداقة والسلام، والرفض التام لخوض الحروب، لكن هل تطوير عمل المدفعية لتكون أكثر دقة والتي عكف عليها وكُتب لها النجاح وكنتيجة لذلك استعملت في الحروب التي ظلت تقام طوال العقود القادمة داخل الأراضي الأوربية تتناسب فعلًا مع تلك المعتقدات؟

مونت كريستو بطل روايتنا الشهيرة والذي عُرف بفعل الانتقام لكل من تسبب في سجنه، وهو في طريقه لتحقيق ذلك ذهب العديد من الضحايا قصدًا أو من غير قصد، تلك النتائج لا تتلائم مع ذلك المعتقد والذي يبدو لوهلة خيال محض يصعب تحقيقه في عالم تسوده الصراعات والشرور والتي يجد كل طرف مبررًا صالحًا لها ليتولد منها انتقامات لا تقل فظاعة عن ما حدث.

اللقاء الأول

تخيل معي لو قدمت الكائنات الفضائية، بعد كل تلك التساؤلات عن وجودها من عدمه. تلك الصور المتخيلة لهيئتهم، طريقة تحدثهم، والأسئلة الملحة التي تنتظر الإجابة: هل يملكون عقولاً كما نملك، هل يعيشون وفق أنظمة وبلدان كما هو الحال لدينا؟ ماذا عن مواردهم الطبيعية التي تغذيهم وتمدهم بالطاقة وتمتد حسناتها لتخلق مخترعات تدفع بعجلتهم التنموية سريعًا. 

أحد الطرفين سيكون متقدمًا على الطرف الآخر بسنين عديدة لمميزات توفرت له ولم تتوفر للآخر، جاعلة منه فريسة سهلة يمكن القضاء عليها. لكن هل من الضروري أن يكون التقاء الطرفين حلبة صراع ليبرهن أحدهما قوته وليكتب له الانتصار وتطمئن ذاته بفوقيته. أم أن اللقاء سيكون لطيفًا وودوداً نتبادل فيه خبرات بعضنا البعض ويعجب كل أحد بالآخر وبمدى روعة انجازاته ليصبح التقدير فيما بيننا هو الانطباع السائد لذلك اللقاء.

لندع الخيال العلمي جانبًا ونعود لنغوص في قصصنا نحن في كوكب الأرض فمنذ 500 سنة، كان هنالك قصة شبيهة بقصتنا المتخيلة مع الكائنات الفضائية، قصة التقاء عالمين مختلفين لم يتسنى لهما رؤية الآخر من قبل رغم التواجد في نفس الزمان و تحت نفس السماء. لماذا تأخر هذا اللقاء؟ أحد الأسباب الرئيسية وجود محيط شاسع يفصل بين يابستين، فلا طرق برية يمكن السير عليها، فأن طالت المسافة سيظل الإنسان مطمئنًا لوجود أرض صلبة يطأ عليها بدلاً من قطعة مياه تمتاز بسيولتها مهددةً ثباته ليقع غريقًا داخل عالمها الغامض. دون الإغفال عن  الحاجة الملحة لصنع مركبات نقل تستطيع تحمل السير داخل تلك المياه.

تمكن هذا الإنسان الأول والذي وطأت قدماه تلك الأرض البعيدة من مفاجأة من كانوا يسكنون العالم الجديد. أولًا بسبب اختلاف الهيئة، فذلك الرجل أبيض بشعر أشقر و بلحى طويلة عكس ما اعتادوا على رؤيته. فهم يمتازون بنفس درجة اللون الحنطية وشعر داكن يمتاز بسواده، والمؤكد هو عدم وجود شعيرات كثيفة في وجوههم. يوجد قبائل منهم يعتبرون أنفسهم مختلفين فيما بينهم لكن في الحقيقة هم يحملون نفس السمات الرئيسية. ذلك الضيف الغامض كان مختلفًا واثقًا من نفسه لم تمسه الرهبة من مقابلة هؤلاء المحليين يحمل أدوات غريبة ويرتدي أثقالاً لا يُعرف كيف أمكنه من تحملها. يحمل معه شيئًا لامعًا يضعه حول خصره ويمتطي حيوانًا غريب الشكل.

 “أتراه آلهة، نصف إنسان ونصف حيوان” ظلوا السكان الأصليين يتهامسون فيما بينهم بتلك الأحاديث مضيفين “قد يكون هو الآلهة المخلصة والتي ننتظر قدومها منذ زمن”. على الجانب الآخر ظل الأوروبيين يتسائلون عن ماهية أولئك البشر، في البدء حاولوا إثبات انتمائهم لفئة العقلاء وبالتالي يصبحون أناسًا مهيئين لاعتناق الديانة المراد لها من قِبلهم، ثم تحاوروا بشكل أكبر حول عاداتهم الغريبة فهم يقدمون بعضًا منهم قربانًا للآلهة تقربًا لها وأثاروا بعض الظنون حول قدرتهم على أكل لحوم البشر.  “مستحيل، هؤلاء لا يستحقون البقاء على قيد الحياة أو على الأقل لنستعبدهم”، أقاويل من هنا وأقاويل من هناك رسمت صورًا متخيلة ممزوجةً ببعض الحقيقة وبعض الريبة جعلت كل طرف يتبنى أفعالاً بناءً عليها، النتيجة النهائية كانت انتصارًا كبيرًا لصالح الأوربيين ضد السكان المحليين أو من عُرفوا بالهنود الحمر.

وجد كل من كولومبوس ،و كورتيز ،وبيزارو نفسهم في اللقاء الأول، فمن مهمات للبحث عن خيرات العالم الجديد وتبادل الخبرات لتتحول بعدها إلى قادة مستعمرين امتلكوا الأرض بمن عليها. لماذا حصل هذا التغير؟ تتكرر دائمًا على مسامعنا مقولة العالم قبل حدث ما (بإمكانك وضع ما تراه مناسبًا) ليس هو العالم بعد هذا الحدث، العام 1492 سيتخذ لنفسه موقعًا ملائمًا داخل تلك العبارة.

فبعد أن وطأت أقدام كولمبوس الأرض الجديدة، والتي لا يُعرف موقعها بالضبط في يومنا هذا، اتخذت حياة السكان المحليين منحى آخر لم يتسنى لهم التنبؤ به. فإن كانوا يمتلكون كورة سحرية لتريهم ماذا سيحدث في المستقبل، ستذكر لهم قتل، أمراض، واستعباد وتصرح لهم علانية “ستكونون أقلية في بلادكم ولن تعودوا أصحاب الأرض”.

دخل كورتيز على حاكم الأزتك كضيف مرحب به، ليطمع في مدينة يوكاتان ويدبر الخطط للانقلاب على الحاكم وتحقق له ما أراد. بيزارو الآخر تم إرشاده داخل الطرق الجبلية الوعرة من قِبل سكان محليين ليتمكن في النهاية بالإطاحة بـ مملكتهم، حاضرة الإنكا. كولومبوس الشخص الأول و المسؤول الأكبر عن كل تلك الأحداث ابتدع فكرة استعباد السكان المحليين، لكن السؤال الذي يصرخ عاليًا في هذه اللحظات هو ماذا استفاد الأوروبيون من كل هذا؟ 

رواية البرازيل الحمراء تبدأ أحداثها بعد وصول كولمبوس بستين عامًا ، ولكن هذه المرة في مكان معلوم عند شواطئ ريو دي جانيرو في البرازيل، عندما كانت أرضًا معزولة وخالية من مظاهر الحياة. الأبطال فرنسيون، مع عددٍا لا بأس به من المرتزقة المتعددة الجنسيات، فبعد سنوات من سيطرة الإسبان والبرتغاليين على أتربة العالم الجديد أراد شعب النورماندي تجريب حظه في تلك الأراضي والظفر بقطعة الكعك الشهية وما تخبئه من مفاجئات بداخلها. فيلوغانيون قائد يريد أن يكتب مجده أسوة بمن سبقوه في هذا المجال، كان كورتيز أحد أبطاله الذي أراد أن يتشبه به ويفعل مع فرنسا ما فعله هو مع الإمبراطورية الإسبانية. 

من أبطال هذه القصة أطفال أُخذوا من الميتم ليتمكنوا من اقتباس لغة السكان الأصليين بسرعة ويساهمون في بناء المستعمرة من خلال العمل كمترجمين، من بينهم أخ وأخته تم إقناعهم بالذهاب في هذه الحملة للبحث عن والدهم المختفي منذ سنوات، بسبب سريان إشاعة عن ذهابه هناك للظفر بالكنوز المتوفرة في تلك البلاد البعيدة. 

مع هذه الأحداث الحقيقية والممزوجة ببعض الخيال ولدت لنا قصة ذات تشعبات عديدة، فلا يمكن حصرها أبدًا داخل تلك الشخصيات، فهناك قبائل السكان الأصليين مع عاداتهم المستنكرة ومحاولة التأقلم مع القادم الغريب، وهناك أيضًا صراعات دينية انتقلت من أوروبا لتلتهم تلك المساحة الصغيرة في الأرض الجديدة بين الكاثوليك والبروتستانت، فعلى ما يبدو كل طرف كان يدعي أحقيته في حمل لواء التبشير بين مقيمي تلك الغابات. 

الاستنكار والغربة والخشية من الآخر وظهور العديد من العلامات على جنون أفعال البعض وسمو خُلق البعض المضاد. كل تلك المحصلة تجعل من قصص اكتشاف العالم الجديد ممتعة وشيقة، ومبرزة لهوية الصراعات بين البشر. تجعلك تتفكر في هذا الإنسان وقدراته العجائبية والغرائبية في آن واحد لتحتار في صف من ستنحاز وهل هنالك حقًا من رابح؟

______________________________________________________________

في الماضي وكعادة طفولية في التعلق بأفلام الكرتون، أُعجبت بشدة بمسلسل “الأحلام الذهبية” وقصة رحلة استبيان مع أصدقائه للبحث عن الذهب في أراضي العالم الجديد. لن أدعي فهمي للخلفيات التاريخية والتي بُني عليها هذا المسلسل فقد كُنت ما أزال طفلة لا تعي كثيرًا ما حدث ويحدث في هذا العالم، لكن الأجواء شدتني وأحداثها علقت في ذهني طويلًا. هذا التعلق ظل كامنًا بداخلي إلى أن نما فجأة منذ سنوات بالاهتمام الشديد بقراءة كتب تاريخية متعلقة بتلك الحُقبة، فمن “A Land so Strange” إلى وثائقيات مايكل وود ومنها إلى رواية “ما رواه المغربي” والتي تعتبر سرد شبه خيالي لأحداث تاريخية ذُكرت في كتاب “A Land so Strange” عن طريق الشخصية المنسية من الناجين الأربعة داخل أراضي السكان الأصليين وانتهاءًا برواية “البرازيل الحمراء”. أنا متأكدة من أن رحلة البحث والتنقيب عن قصص ذلك العالم لن تنتهي عند هذا الحد بل على الأرجح أنني ما زلت في بدايتها، وقد تم ايقاد هذه الرحلة الطويلة بفضول وشغف تجاه الكلمات المعبرة والقصص المروية  لذلك الزمان.

العيش في زمن مختلف

تنتابني أحلام يقظة مختلفة من حين إلى آخر متخيلةً نفسي أعيش في زمن مختلف وفي بقعة جغرافية أخرى، غالبًا ما تنتمي لزمان قديم ذو عنوان يشير بسهامه ناحية أوروبا. بالطبع هنالك محفزات مختلفة لتلك التأويلات; من أحدها قراءة كتاب يغدق بالكثير من تلك التلميحات أو مشاهدة فيلم يصور تلك الحياة البعيدة، اما المحفز الحقيقي لكتابة التدوينة والبوح بهذه الأفكار والتي تظل تحوم داخل رأسي هو قراءة لقصة قصيرة حدثت لغوته خلال إقامته خارج مسقط رأسه ألمانيا داخل أجواء إيطالية. لم يكن غوته حاضرًا في حياتي القرائية سوى أن اسمه ظل مألوفًا وحتى لو لم أطلع على أعماله، لكن حظر في ذهني مؤخرًا بعد قرائتي للسيرة الذاتية الخاصة بالمستكشف فون هومبولت وعن الصداقة العجيبة التي جمعتهم، نظرًا لمدى تشابه أرواحهم، رغم اختلاف أعمارهم، فقد اجتمعوا على حب الحياة و الاكتشاف والمغامرات والطبيعة والمتعة القادمة من وراء تلك الأمور والتي ظل كل واحد منهم يصبو للسير خلفها. 

عندما أتم غوته عامه السادس والثلاثين وبعد أن حقق العديد من الإنجازات الشخصية على مستوى الكتابة، ظن أن الوقت قد حان لخوض مغامرة لطالما حلُم بها، ترتكز كليًا على الذهاب والتوجه لإيطاليا وحيدًا ليكون بذلك مبتعدًا كل البعد عما اعتاد عليه من أُناس وطبيعة جغرافية ظل طوال سنواته معاشرًا لها. وهو فعلًا ما تحقق له فبعد تخطيط وإعداد وقراءة بعض المراجع حزم حقائبه وما أحتاج إليه من معدات تلائم عزلته الجديدة ليطلق بعدها لقدميه العنان. 

بلد جديد ذو ثقافة غريبة ولغة تواصل مختلفة كلها كانت تحديات أمام غوته ورغم ذلك ظل متحمسًا لها، وأراد أن يظل اجتماعيًا وأن يتواصل مع أكبر قدر من البشر، فإيطاليا مليئة بالمسافرين و الذين يشبهونه في خوض مغامراتهم الخاصة بهم هناك دون إغفال تنوع الجنسيات والذي مكن غوته من التعرف على أصدقاء جدد من غير الجنسية الالمانية. 

مرت الأشهر وطاب لغوته الأقامة هناك وكل ما أعتقد زملاؤه في أرض الوطن عودته أطال مكوثه أكثر، وظل غوته متحاشيًا خوض مغامرات عاطفية لاعتقاده الجازم بأنها ستؤثر بشكل كبير على حسه الإبداعي وتعيقه عن مهمة كتابة مسرحيات جديدة والتي كانت الدافع الأساسي لرحلته تلك، لكن الإنسان يظل غير مسؤول عن ما يعتري قلبه من مشاعر أن أراد لها القدير الظهور في لحظة ما، وكان هذا ما حصل في شهر أكتوبر بعد إكماله العام على إقامته في روما ومن أجل التمتع بعطلة إيطالية خريفية، قبِل دعوة ثري إنجليزي يملك قصرًا في ضواحي روما ويملك العديد من التحف واللوحات الفنية والتي حتمًا ستكون مفاتيح لأحاديث مع غرباء عدة من مختلف الجنسيات الأوروبية. 

في محاولة له للاندماج مع المدعوين لقصر الثري الإنجليزي لمح غوته سيدة إيطالية مع ابنتها كان قد عرفهما من خلال تواجدهم بالقرب من سكنه في روما إلا أنه لم تتح له الفرصة أبدًا للتواصل معهما إلا الآن في هذا الريف البعيد عن ضجيج العاصمة، ليطيب له الجلوس وقضاء الأمسيات معهم ومع صديقة أخرى قادمة من ميلان والتي تم دعوتها بسبب عمل شقيقها مع ذلك السير الإنجليزي. غوته طاب له الحديث مع تلك النسوة ومع شقيق الميلانية وبدأ في تجاذب الأحاديث عن كل شيء يثير اهتمامه ويطيب لهم الأستماع إليه ولما لا المشاركة فيه، لكن ولأن الأمور السعيدة دائمًا ما تنغص ببعض التوافه التي لا تخطر على البال، قامت والدة الشابة القادمة من روما بعقد محادثات مع غوته حول ما طبيعة العلاقة التي يرغب غوته في تكوينها مع ابنتها، فقد يجهل هذا الشاب الألماني أن الأمور في هذه البلاد قد تكون مختلفة عما هي عليه الحال في بلاده، فبمجرد ما تزداد أحاديثك مع فتاة عزباء يجب على الشاب أن يقدم على الخطوة الجدية ليتمكن من إطالة الجلوس معها والحديث بأريحية أمام الملأ. تلك الحادثة العرضية فتحت عين غوته عن مشاعره الداخلية والتي ظلت محبوسة بإرادته الشخصية رغبةً منه بعدم الأرتباط في علاقات جدية، وأحس أنه أمام الأختيار بين الفتاتين، ومن دون تردد وجد غوته نفسه معلنًا القرار النهائي، والذي أرشده له قلبه بالطبع، بأن الفتاة الميلانية كانت من يطيب خاطره بها وأنه حتمًا يستمتع بالتواجد بقربها للحديث عن مختلف الأمور. تلك الفتاة كانت محبة للأطلاع والمعرفة بكافة التفاصيل التي تحدث من حولها على الرغم من قلة تعليمها كونها حُرمت على حد قولها من الحق في التعليم، كون ذلك الزمان ينظر للمرأة بنظرة مختلفة عما اعتدنا عليه في زماننا الحالية، فما الهدف على حد زعمهم من تعليم المرأة الكتابة؟  لتكتب رسائل غرام للحبيب المحرم،  وما الفائدة أيضًا من تعليمها القراءة؟ فما الذي يجب أن يُقرأ غير التراتيل التي نتلوها في الكنائس. بتلك الجمل الغاضبة عبرت تلك الفتاة لغوته عما يعتري بداخلها لكن هذا الأمر لم يكن ليصيبها بكآبة ذو غمامة سوداء تجعلها مبتعدة تمامًا عن الحياة والتمتع بها، بل على العكس ظلت راغبة بأن تتعلم وأن تشارك من سبقوها في هذا المجال لتتمكن من مجاراتهم. أحد تلك الأمور التي ظلت تشغلها هو اللغة الأنجليزية، فكما هو معروف من يقطنون في ضيافة مضيف إنجليزي، يتجادل الضيوف معه بلغته وأن اختلفت أعراقهم، فما كان من غوته إلا أن هب لمساعدتها لتعليمها تلك اللغة العصية عليها، كونه يمتلك امتياز التحدث باللغتين الإيطالية المفهومة لدى تلك الفتاة والإنجليزية المرغوبة من قِبل نفس الفتاة. 

مرت الليالي الجميلة وظل غوته معلمًا وفيًا للفتاة الإيطالية، ولكن مرة أخرى وكعادة الحياة ما أن تعلن فتحها بابًا من أجلك تركض مسرعةً لغلق نافذةً أخرى، وصدفة وجد غوته نفسه يستمع لحديث نساء عن فتاة تستعد من أجل زواجها وكيفية الأجراءات المتبعة من قِبلها لهذا الحدث الكبير، وأن الزوج متحمس للغاية وقد أعد الكثير والكثير من الأمور لتلك الليلة المهمة في حياته، إلى أن وجد غوته نفسه متسائلًا عن هوية تلك الفتاة ليتفاجأ بأنها التلميذة المجتهدة والتي تتعلم اللغة الإنجليزية على يديه. 

أصبح غوته بعدها متحاشيًا الحديث المنفرد معها دون قطيعة كبرى بينهما بحيث تصبح أمسياتهم ممتلئة بأُناس من حولهم حتى لا يضفي عليها بعض الحميمة والتي لم تظهر حتى قبل تلك الصدمة ولكن قلبه ظل محدثًا له عن مشاعر عديدة كلها لا تصب في صالح أنها مجرد فتاة عادية، لكن عزاؤه الوحيد أنه لم يقم بإطلاق وعود لتلك الفتاة مؤملًا لها بأماني قد لا يكتب لها الحدوث. 

مرت الأيام وعاد كل منهما لمكان إقامته لتأتي بعدها أعياد الميلاد بكل أجوائها الاحتفالية ليتلقى غوته أخبارًا أقلقت مضجعه، فقد تم تبليغه بأن الفتاة الميلانية أصابتها الحمى لتجعلها ملازمةً الفراش، وحدث ذلك بعد أن تم هجرها من قِبل خطيبها. كان غوته يأمل بشدة أن لا يكون لهذا الموضوع صلة به; فقد مضى على وقت تعارفهم مدة ليست بالبسيطة مما يؤكد عدم ربط الحادثتين مع بعضهما البعض.

تلك القصة المتكاملة الأركان من خوض مغامرة في بلاد غريبة واتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالقلب وفكرة الحب المستحيل تجعل منها رواية ملائمة لفيلم أكثر من كونها قصة حقيقة دونها غوته في مراسلاته لأصدقائه والتي نُشرت في كتاب “رحلة إيطالية”. هذا الأمر يجعلني أعيد رسم أحلام اليقظة مرة أخرى في أمنيتي أن أنتمي لذلك العصر وبقعته الجغرافية، لكن سرعان ما أتراجع عندما أتذكر المشاكل الصحية الكثيرة المتعلقة بالرعاية الطبية السيئة في ذلك العصر، وصعوبة التنقل بسهولة من مكان إلى آخر دون أن اغفل عن المعيق الأساسي الأول وهو أن تلك المغامرات محصورة على فئة قليلة من المجتمع لا تزيد نسبتهم عن الثلاثة بالمئة من مجموع الشعب. فها أنا هنا أطرد تلك الأحلام لأعيش الواقع الصعب لكن المقبول نوعًا ما على حسب معاييري الخاصة.

العيش في الظل

فان غوخ لم يكن معروفًا أثناء عيشه، ظل متخبطًا في حياته وفي حاجة ماسة للآخرين من أجل دعمه. الكثير منهم أعتقد بعدم أهمية ما يقدمه من فن، بل تم نعته بأقبح الألفاظ حين تم تقيم أعماله من قِبل أناس مختصة. هذا الأمر كان له التأثير الجلل على روح فان غوخ، فظلت الكآبة رفيقة له في درب الحياة التي عاشها. عاشر فان غوخ الكثير من الأناس المحرومين والذي ظلوا يغذونه بالمزيد والمزيد من النظرة السوداوية رغم واقعيتها على حد زعمه. تلك الضبابية نتجت عنها أعمال حين يراها المرء للوهلة الأولى وتحت تأثير الألوان الزاهية سيتلمس شيء من السرور والسعادة، على الأقل بالنسبة لي. تلك المعادلة المتناقضة تمثل تعقيدات الحياة التي نعيشها فحرمان شخص هو إبداع يجلب الفرح لمتذوقه، وتلك القصيدة والتي حُرم كاتبها من رؤية عشيقته هي حلقة الوصل بين محبوب وصاحبته في الليالي المقفرة. السؤال المشروع هنا، هل لو عايش فان جوخ تلك الشهرة التي حصدها بعد وفاته ستتغير معها طبائعه ليعدل عن قراره و الذي  اتخذه  بإنهاء حياته؟

بيزيل براون منقب انجليزي تم استدعائه من قبل سيدة أرملة تمتلك العديد من الأراضي، إحداها أرضُ ظلت منذ الصغر وبمعية والدها الراحل تعتقد بأهميتها التاريخية، سَخِر براون قليلًا منها، فالحدس لا يعتد به كأداة في التنقيب فهناك العديد من الأمور التي يترتب عليها الشروع في البدء عن تنقيب تلك الآثار المزمع إيجادها. مرت الأيام والأسابيع ليتم تأكيد شعور السيدة بريتي، ليخرج معها حطام سفينة انجلوساكسونية من القرن السابع الميلادي أو ما يعرف سابقًا بالعصور المظلمة، ليكتب لهذا الأكتشاف النجاح الباهر كونه أحدث نقلة كبيرة في قراءة التاريخ الإنجليزي لتلك الحقبة. القصة لم تكن وردية على الأطلاق فمع حدوث اكتشاف بهذا الحجم كان من الضروري تدخل المتحف البريطاني لتبني ذلك الركام، نظرًا لأهميته القصوى للشعب الأنجليزي كافة، فمن غير المعقول أن يظل حبيس متحف محلي والذي ينتمي إليه المنقب براون، مكتشف تلك السفينة. تم الأمر فعلًا بعد قرار من السيدة بريتي والتي اعتقدت بأهمية رؤية ذلك الحطام لكافة الجمهور والذي يسهل توفيره من خلال المتحف البريطاني. النتيجة كانت متوقعة بطمس اسم المنقب براون وربط الاكتشاف بعلماء آثار ومنقبين متمرسين، على عكس مكتشفنا والذي كان هاويًا. من المؤكد أن براون لم يكن سعيدًا بتلك التطورات وأن أمور عديدة حالت بينه وبين سلم المجد والشهرة، لعل اهمها أن ممارسته للتنقيب لم تكن يومًا مبنيةً على دراسة مختصة بل كهواية ظل مطورًا لها بالقراءة والعديد من الرحلات مع والده الخبير بأنواع التربة. 

النظرة المسبقة ذلك الحائط الصلب والذي يصلب على أحدى جانبيه طموحات العديد من أصحاب المواهب والاكتشافات، ففان غوخ ظل قابعًا في داخلها نطرًا لأعماله المختلفة عما هو سائد و عدم انتمائه لمدرسة الرسامين المتخصصين و الذين امتهنوا الرسم من خلال الدراسة وداخل الأبواب المغلقة، فرسامنا كان مغايرًا لذلك وجعله ذلك الاختلاف بعيدًا عن مجتمع الفنانين العظام خلال حياته، براون الآخر حُرم من إنجازه كونه اتى مغايرًا لمواصفات أُعدت من قِبل أشخاص آخرين لم ترق لهم سيرته الذاتية، فهي حتمًا لا تلائم أكتشافًا يعد مؤثرًا في التاريخ الإنجليزي فيصعب معها أن تربط بهاوي تنقيب أمتهنها من خلال ذهابه في رحلات عديدة مع والده.

الشخصية الثالثة والتي سأتناولها في هذه المقالة عايشت ظروفًا معاكسة لما اختبره كلًا من براون وفان غوخ. المستكشف ألكساندر فون هومبولت عاش حياة مليئة بالمغامرة والتطلع لاكتساب معلومات جديدة حول حقيقة المخلوقات الحية من حولنا وعن تلك الأرض التي نسكنها،  فقام بتسلق جبال لم يجرؤ احدًا من قبل على الأقتراب منها، وحدد مناخات ملائمة لنباتات مختلفة حتى أنه توصل لفكرة أن قارة أمريكا الجنوبية كانت متصلة بالقارة الأفريقية، تلك النظرية التي أُكدت حديثًا، فكم يعد جنونًا أن يؤمن شخصُ بها في ذلك الزمان ومع قلة الأجهزة والمعدات الدقيقة. كل تلك الروعة والتي كانت تغلف وجوده في هذا الكون ذهبت أدراج الرياح بعد وفاته فبعد أكثر من مئة سنة لم يعد أحد يذكر فون هومبولت ولم يصبح ذلك الشخص الذي يشار له بالبنان والتطوير في مجال العلوم بل أصبح منسيًا، ولعل من الأمور المضحكة في قصته أن نابليون كان على معرفة كبيرة به وظل مترصدًا لتحركاته نظرًا لما يمتلكه من علاقات مع مختلف الأطياف والأعراق، وإذا صح لنا القول فقد كان نوعًا ما يصاب بالغيرة ناحيته نظرًا لرغبته الجامحة في امتلاك كل من حوله لينال نصيبًا عاليًا من المديح والثناء كما كان يتلقى فون هومبولت بنفسه، لكن في زماننا الحاضر أصبح نابليون معروفًا بشكل أكبر للعامة من فون هومبولت فالسنين كانت كفيلة بإبراز أحدهما مع الإطاحة بالآخر.

ملاحظة تلك الشخصيات الثلاثة برزت لي من خلال قراءة كتابي “اكتشاف الطبيعة” و “فنسنت فان غوخ: الرواية الكلاسيكية لحياة عاشها بين الشهوة والحرمان” ومشاهدة فيلم “The Dig”، قد تكون الصدفة المحضة في قرب الفترة الزمنية لرؤية وقراءة تلك الأعمال جعلتني اربط فيما بينهم، وقد يتواجد هناك فيما بينهم بعضًا من التشابه يجعل حياتهم قريبة إلى حد ما. أم من الممكن استنتاج أنها الحياة بتعقيداتها وتناقضاتها الكبيرة والتي ظهرت جلية في حياة أولئك الثلاثة ليصح القول معها أنها بارزة في جميع حيوات البشر.