جو وإدّ

جو

أراقب خطواته، ينتابني خوف لرؤية هذا الرجل. أو ربما خيال هذا الرجل. أحاول طرد تلك الأفكار من رأسي. لحظات ولحظات من النزهات الصامتة التي يقضيها داخل المنزل، من الرواق إلى المرسم وإلى المطبخ. ساعات وساعات من الأفكار السوداء. أرغب بشدة في الذهاب إلى المطبخ إلا أنه قام برسم حدود داخل الشقة الصغيرة، قسم الأرضية لمناطق عدم عبور، يحرم علي التواجد بداخلها. أمكث هناك حبيسة في الخلف، ويتمثل أمامي كتفا إدوارد العريضة.

أصبحت تصرفاته موبوءة، يقوم بفعل إحداها حتى تتفشى التبعات في كافة أرجاء الشقة. تلك الشقة الضيقة والتي ما زلت أتساءل عن سبب استئجاره لها في هذا الطابق المرتفع دون أدنى مقومات العيش الأساسية. كل ذلك رغبةً في تلك الإطلالة الساحرة، حتى يتسنى للإلهام أن يغدق عليه بتلك الأفكار الباهرة والقادرة على التلون لتغدو لوحة فنية.

أتذكر جيدًا رعشة قلبي للقياه بعد سنوات عديدة من الفراق، غير المقصود، والتي تعد كفيلة بإخماد ذلك الشعور تجاهه. إلا أنه عندما شقت عيناي الطريق نحوه، في أول أجزاء تلك اللحظة، تدفقت تلك المشاعر من جديد. قادمةً من ذات الينبوع الذي جزمت بنضوبه. أقترب مني بجذعه الضخم، وطوله الفارع والذي ما انفك أن يزداد كل ما اقترب أكثر. حياني بأفضل منطوقاً لحروف اسمي “جو”. هو يعشق نُطقه مختصرًا، فلا طائل من ذكره كاملًا خشية أن يعطي إيحاءًا بالحشمة. عندها لم أتمالك نفسي لاقتطاع أسمه بذات الطريقة، أخرجته مشذبًا بعناية بهيئة حرفين متلاصقين “إدّ”. كُنت متقدة وآخرا ما أتمناه أن اتسم بالحياء، أو لعل الحياء ظل هاربًا مني على الدوام.

ما بك جوزفين، هذا الشخص هو ما تعلقت به روحك قبل أكثر من عشرين عامًا، حينما جزمتي بأن الوحدة ستكون ملاذك الأزلي، قدِم هو منتشلًا إياكي من تلك الهوة، لتنعمي بعدها بأيامِ ظننتي استحالة حدوثها. كنتي تسيرين خلفها لاهثة في جري محموم وكلما اقتربتي من خط النهاية أدركتي مسارًا جديدًا.

لكن لماذا لم أنتبه لصمته المهيب، ونظرة عينية الصارمة تجاه ساعة الحائط. كدت أجن من الغيرة من تلك الساعة. فأنا أن جمعت عُشر نظراته لها غلبتني في جل لحظات التقاء أعيننا. امتهنت من حيث لا أدري، كيف أتحول من شخص إلى آخر. تنكرت لهويتي حتى بت أتوق لها في فترات متباعدة. قد نسيت بأني “جوزفين” ذات الجسد الضئيل. غديت امرأة شقراء طويلة في لوحته “New York Movie”، واتقنت فن الاغراء بالرقص داخل عمله “Girlie Show”. أجد نفسي محتشمة في أحيان، ومتعرية بالكامل في أحيان كثيرة. أضحيت ظلالًا لشخوص نساء لا أقوى على مجاراتهم في الحيز الملموس. عندما أتمعن في الأمر أكثر أجد أن إدوارد تمتع في تشكيلي حسب رغبته وبما تملي عليه شهوته. لعله بتلك الطريقة أراد إيصال أمر لم يقو على النطق به، في لحظات صمته الطويلة، صدى صوته في القول بأنه ما عاد راغب بي. يطبع تهيؤات على تلك الأقمشة لمن أراد المكوث معهم في الحقيقة.

حيرني إدوارد باتخاذ الوحدة رمزًا للوحاته. أتُراه يلمح دون وعي منه عن المشاعر المترسبة فيما بيننا. ألم نكن سعيدين في بداية زواجنا. كيف لرجل مرتبط بامرأة أن يصرح علنًا بأنه وحيد. تلك الحالة لا تحمل إلا تفسيرًا واحدًا، أنه لا يرغب بالبقاء إلى جوارها. وعلى ما يبدو أن ذات الشعور بدأ يتسلل إلي.

إدّ

بت لا أطيق صوتها، أصاب بالحيرة عندما لا يضنيها التعب جراء التحدث دون توقف. من أين أتت بكل تلك الكلمات؟ تهم بإطلاق بعض الجمل البسيطة لتستمر معها رحلة لا نهائية يستحيل فيها إغلاق العضو المسؤول عن كل تلك الضوضاء. ذلك الفم، وددت لو امتلكت قوة خارقة لاقتلاعه من موقعه حتى يتسنى لي التركيز فيما أنوي القيام به. العالم على شفا الانهيار وحرب مجنونة تدق أبوابها بالقرب من نيويورك وهي حزينة بأني ما عدت أتواصل معها بالشكل الكافي. ألا ترى انكبابي على رسم تلك اللوحة اللعينة العالقة في غباب عالم مجهول لم أتمكن من استقصائه. حتى الرغبة المتكررة في رسمها داخل اللوحة لم تقدِم إلي هذه المرة، لن تكون ضمن الشخصيات المتواجدة بداخلها.

تؤلمني قدماي من كثرة الصعود والهبوط عبر تلك السلالم جالبًا الفحم حتى نمنح الشقة بعض الدفء. تلك الشقة التي بُهرت بها وبنافذتها الواسعة المطلة على ميدان واشنطن. إطلالة تجعلني أتحمل بعض المساوئ الجلية من عدم احتوائها على حمام أو حتى ثلاجة، لكن من عساه أن ينشغل بهما في خضم إنتاج عمله الإبداعي. كم هي باردة نيويورك، أحبها لكن ما تفتأ أن تجلب لي المتاعب كلما حل الشتاء. تلك البرودة القارسة القادرة على تجميد كل طرف متصل بجسدي وأهمها تلك اليدين.

أذكر اللقاء الأول لي مع جو. حين كنا مجرد فتيان يافعين نخطو خطواتنا الأولى في هذه الحياة. وبسبب جرأتها غير المعهودة في ذلك الوقت، اختارها الأستاذ روبرت هنري في مدرسة نيويورك للفنون لتكون العارضة من أجل تطبيق رسم البورتريه. لن أنسى نظرتها الثابتة والتي تضيء بعزيمة قوية، وثوبها المنزلق من كتفها. بالطبع لم أجرؤ على الحديث معها أو حتى الاقتراب منها ألا إن دروبنا تقاطعت في وقت ظن كل واحد منا أن الوحدة ستكون ظله الملاصق والرافض للانفصال عنه حتى وإن احتجب الضوء المسبب في وجوده.

الخوف من الوحدة، أظنه الدافع الرئيسي لارتباطي بها، لم يكن حب ذو طوفان من مشاعر ترغب في الالتصاق بالشخص الآخر دون ترك فرصة تمنحه القدرة على التنفس. صدفة، لا يُفهم مغزاها، جمعتنا في ذات المكان. ألقيت نظرتي الأولى لأتعرف عليها على الفور رغم مرور العديد من السنوات عن آخر لقاء لنا. في الحقيقة كان لقاءً يتيمًا بعد ما حدث داخل غرفة الصف في مدرسة الفنون. إن حسبتها رِيَاضِيًّا ستكون ثلاثة لقاءات بالمجمل. ذلك العدد كان كافيًا لاتخاذ قرار الارتباط والتي قبلت به جو على الفور.

أراها الآن عبر المرآة، وهي تتلصص علي في غمرة انحنائي تجاه اللوحة. لن أنكر تنامي الرغبة بداخلي في استدعائها حتى يتسنى لي إكمال هذه اللوحة من خلال رسمها. سأجد لها مكانًا داخل هذا المقهى، أجلسها بجانب الرجل الممسك بالسيجارة وأجعلها ترتدي الفستان الأحمر. لن يتبادلا أطراف الحديث كون الغرض الأساسي من اللوحة هو شعور كل فرد منهم بالوحدة حتى وإن وجدوا في موقعِ ينبئ بعكس ذلك.

مقهى في أورلاندو

عندما تلتصق بك عادة، يصعب عليك الانفصال عنها. تجد نفسك قاطعًا ما أنت مستمتع به لتنفيذ ما اعتدت عليه. داخل مدينة أورلاندو، تلك المدينة الغرائبية، والتي أصفها بتلك الصفة لا تعبيرًا عن ابهار يشد الناظر إليها، بل استغرابًا من هوية مفقودة تتكبد الكثير من العناء في بحثِ دؤوب عنها. شُيدت المدينة لغرض واحد، هو الترفيه لا غير. في خطة محكمة لجذب رؤوس الأموال الممكنة لإضفاء ازدهار ممنهج يجعل منها قوة جذب لنشاطات إنسانية أخرى. اُختير الموقع بدقة، فهو ينبئ بأحوال طقس ملائمة طوال العام، ضامنةً بذلك توافد السياح دون انقطاع يُنضب محفظة المدينة المالية. مدن ترفيهية تنقلك لعالم ظننت وجوده في كتب الخيال، غالبًا طفولية، فمن مثل الأطفال في إقناع الآباء المكلومين أحقيتهم بتلك الأموال. أردت الابتعاد عن كل تلك الملهيات لأجد نفسي متوجهة صوب ضاحية وينتر بارك. وهي منطقة أراد من خلالها السكان نسيان مدينة أورلاندو، وهو فعلًا ما تم لهم. حدائق شاسعة تمدها أشجار عالية بظلال لا حدود لها، لتمتهن مهنة أخرى خفية تتمثل في وضع حاجز بين البلدة وبين الضاحية. سكان تلك الضاحية يمارسون الركض في كل الأوقات. فالطرق غير مزدحمة، ومرصوصة بحجارة صغيرة تذكرك بتلك الأزقة لبلدة أوربية مطلة على البحر الأبيض المتوسط. مشهد يبدو دخيلًا بعض الشيء إلا أنه أضاف رونقًا جعل الكل مغمورًا بطاقة تم تحويلها للحركية منها متمثلةً في الهرولة. توجد سكة حديد لقطار لا يقطع مسافات طويلة، فما أن ينوي الرحيل حتى يعود مسرعًا لنقطة الانطلاق، لا أعلم الغاية المرجوة منه، إلا أنه أضفى خلفية جميلة لصورة الضاحية. 

تترامى على جنبات وينتر بارك العديد من المقاهي. اتخذت إحداها ملجئًا لي، في إستمرارِ لفعلِ لا أقوى على محوه. صُمم المقهى بأبسط التصاميم ، فالمناظر الخارجية رفقة الكائنات الحية كفيلة بأن تجعل من كل مبنى شُيد على عجل جميلًا وأن لم يحاول في أن يكون كذلك، كل هذا دون تكلف يعقد من منظر المبنى. أخرجت اللابتوب لتبدأ معها رحلة الكتابة في أي شيء. أمعن النظر في الشاشة واشيح ببصري بين الفينة والأخرى صوب اتجاهات مختلفة، أُناس ملفتة، غيمة طافية، شجرة منحنية، أو حشرة تصيبني بالحيرة عن ماهيتها ودرجة الألوان المصطبغة على ظهرها. وبين هذه وتلك أحسست بدنو شخص من الخلف، بيد أني حاولت التنكر لهذا الأمر بالأخذ بعين الاعتبار أن مساحة المقهى صغيرة تحتم اقتراب الأشخاص دون قصد منهم. إلا أنه سرعان ما تبددت تلك الفكرة بعد استماعي لكلمات تخرج من فمه حُملت بواسطة هواء مشبع، سارت على عجل ناحية أذني، وكرد فعل طبيعي لما حدث التفتُ لألتقي بمن احدث كل تلك الضوضاء. شاب طويل اشقر بلحية مبعثرة غير مهملة تعلوها خصلات ذهبية بدأت في التحول تدريجيًا ناحية اللون البني. “مرحبا، اسمي مايكل”. لوهلة انتابني حدس يشير بأن هذا الشخص مألوف لدي، أو لعل السبب يكمن في الأسم ذاته. فأسم مايكل يتم تداوله بشدة بين من يتبنون اللغة الإنجليزية مرفأً لهم، شبيهة بمعضلة اسم محمد في ديارنا. فأسماء الذكور لدينا مكررة بشكل كبير، وما أن تنوي الواحدة منا تجاوز أحدهم يظهر مسرعًا داخل تفاصيل حياتها اليومية؛ اسم شارع، شخصية في مسلسل تهم في متابعته أو اسم يبرز على شاشة الهاتف ينتمي لشقيقها الأكبر يلح في السؤال عن أحوالها وتوبيخها بلطف لقلة تواصلها معه وعدم التفاعل مع ما يتم إرساله داخل قروب العائلة في الواتساب. لابد من إحداث ثورة في أسماء الذكور كما هو الحال مع الإناث حيث لا تنفك تلك الأسماء بالتطور والاختزال في أقل عدد ممكن من الحروف. فما عاد هنالك أسماء مكررة تحتاج فيها لذكر الاسم الثاني أو الثالث، هي المرة الأولى التي تستمع فيها لهذا الاسم وهي الأخيرة حتمًا. بينما على النقيض تمامًا، هو يحمل اسم جده وجده يحمل اسم عمه وعمه سُمي على عابر طريق أحدث موقفًا رجوليًا نال من خلاله شرف تسمية ابن من قدم له يد العون ويا للمصادفة هذا الاسم يحمله جاره.

بالعودة لمايكل، في البدء لم أستغرب فعلته. فالرجل ينتمي للجنسية الأمريكية ومن أُسس تلك الهوية هو الحديث مع الغرباء، بل أكاد أجزم بأن من أفتعل هذا الفعل وجعله عُرفًا يتجنبه البعض ويستحسنه الآخرون هم الأمريكيون ذاتهم. رددت عليه التحية بشكل مقتضب رغبةً مني في إنهاء الحديث سريعًا فلا طاقة لي بأن أناقش أحوال الطبقة العاملة في بلدان أوروبا الشرقية. استرسل في نسج الكلمات معبرًا عن الطقس وعن جماليته في فلوريدا ومنافعه التي أدت لتحسين حالته النفسية، فقد قدِم من ولايات الشمال الشرقي، تحديدًا بنسلفانيا، حيث البرودة الشديدة والقاتلة لكل رغبة في الحياة. في المقابل كنت ثابتة على الكرسي دون حراك يذكر، وما من دلالات أبعثها تفيد باستلاطفي لهذا الحوار. لم أنطق بشيء يستدعي انتباهه، كل ما بدر مني كان كلمات بسيطة غالبًا مؤيدة لما يقوله، إلى أن بدأت في ملاحظة تغيير في مجرى الحديث والذي أخذ منعطفًا آخر، منعطف تعجبت من جرأة مايكل على طرحه، “أن كانت لديك الرغبة في الانضمام لنا، فنحن مجموعة من الأشخاص نمر جميعًا في ذات التيه والبحث عن حصادنا الأول لبذور زرعناها منذ زمن. بيد أنها تأبى في أن تنبت”. 

حلت علي برهة من الزمن أضعت فيها جسدي، فما عدت قادرة على تحسسه في محاولة مستميتة مني لإنكار ما استمعت إليه، لماذا نطق بكل تلك الترهات وما الحافز الخفي وراءها. رددت عليه بحنق “وما الذي جعلك تجزم بأني كذلك”. عدل من وقفته كمن أراد أن يلتقط نفسًا لمحاولة اقناع شخص عنيد لا ينوي الاعتراف بغلطته “تسنى لي رؤيتك ساعة قدومك للمقهى والبدء في النقر على لوحة المفاتيح لكتابة ما ترغبين في كتابته، إلا أنكِ ظللت فترات طويلة تهربين من أداء تلك المهمة بعمل أي شيء يسحب البساط من أداء الغرض الأساسي لقدومك إلى المقهى. دون أن أغفل عن علامات الاستياء الكبيرة والبارزة للعيان تجاه ما تكتبينه”.

أردت الوقوف لمواجهته فقد أغدق علي بملاحظات لم أطق سماعها ناهيك عن جرأته واعتداده بنفسه وأن ما ينطق به هو الصحيح المطلق وغيره من الأقوال محض كذب وافتراء. بيد أني قد تمالكت نفسي في رسم ابتسامة صغيرة في محاولة بائسة لقبول آراء مناقضة لما أؤمن به. “لكن أليس الفعل الأول للكاتب هو كره ما يكتب” رجوت بذكري لتلك العبارة أن أوجه ضربة قاضية لمايكل رغبة مني في البحث عن ظفر متأخر، غير أنه رد بشكل لم أتوقع وتيرته ليردف قائلًا “صحيح لكن في العادة تكون فكرة مستحسنة أن كان الفاعل كاتبًا له نتاج ملموس يجعله في خضم مقارنات بين ما فات وما هو قادم. لكن في حالتك الوضع معاكس”.

 مرة أخرى يجزم بأمر يخصني لا علم له به، ويدعي معرفته ببواطن الأمور. تلك النوعية من البشر تحترف استقراء الغرباء مع رمي إدعاءات قد تصيب وقد تخطئ. هدفهم الأساسي إبهار متعمد يجذب المتلقي ناحية التفاصيل الصغيرة التي أثبتت صحتها مع التغافل عن الأخطاء الكبيرة في تلك الرواية المحكية. وجدت نفسي وكلي رغبة في إغلاق جهاز اللابتوب والابتعاد بأكبر قدر ممكن من الأميال عن المدعو مايكل والذي أحس بدوره في رغبتي الجامحة في الإنسحاب. “لن أثقل عليكِ بالحديث، لكن لدي فضول في معرفة تاريخ ميلادك. أهوى كثيرًا ربط أحداث حصلت عند قدوم الشخص وبين ما يحصل معه في الوقت الحاضر” . لاح لي تفسير واضح لكل ما بدر منه، هو ممن يؤمنون بشدة بعلم الكونيات، كان علي أن استنتج ذلك منذ البداية، تنبؤاته التي ظل يلقيها على مسمعي، هدوءه القاتل والذي ينبأ بشخص روحاني يُعنى بعلم الماورائيات. بُحت له بتوقيت قدومي لهذا العالم، عن طريق ذكر جميع الأرقام التي تشير لتلك اللحظة؛ اليوم، الشهر، السنة. سكت قليلًا،سكت كمن أراد أن يربط بعض الأمور بعضها ببعض أو رغبة في التأكد قليلًا من أمر جلل. أخيرًا نطق لسانه ببعض الكلمات بعد هذا الصمت المريب “أتعلمين أنه ذات اليوم الذي ظهر فيها مذنب هالي؟”. أنا على علم بإسم هذا المذنب لكن تخفى علي بقية التفاصيل المتعلقة بمواعيد ظهوره وما يترتب عليه من أمور قد تصيب سكان الكرة الأرضية، ناهيك عن أنه مجرد جرم محلق في الفضاء قد يصطدم يومًا ما بكوكبنا أن حد عن المسار. “وهل تعتبره أمرًا حسنًا أم هو نذير شؤم” “لا يمكنني الجزم بإطلاق حكم مطلق، لكن قد يساعدكِ هذا الأمر أن اعتليتِ منصب قائدة جيش وقررتِ خوض حربًا ضد شعب آخر”.

عائدة إلى الفندق، ظل اسم مذنب هالي يتردد داخل رأسي. لم أستطع مقاومة إغراء النقر على الهاتف المحمول والدخول على صفحة جوجل والسؤال عنه، إلا أنه تملكتني لحظة ضعف أن يكون هنالك تفسير لا يروق لي أو أمر يجعلني نافرة على نحو لا يطاق. صحيح أن التطير ليس في حساباتي، أن استثنيت منها توجسي من شهري سبتمبر ومارس نظرًا لحدوث أمور جلل داخل نطاق أيامهما، غير أني أردت إشباع فضول لا أكثر والشعور بالأهمية كوني مشاركة في حدث كوني. كتبت العبارة المطلوبة ليظهر على وجه السرعة اقتراح بتحويلي إلى موقع اليوتيوب لمشاهدة أغنية بيلي إيليش – مذنب هالي. ارتحت كثيرًا لرؤية هذا الاقتراح لأغلق بعدها صفحة البحث وانطلق مسرعة للتجول داخل كوكب الأرض.

فصل التيار

تود بشدة فصل التيار الكهربائي الموصل بجهاز العرض والمتمركز داخل دماغها، والذي ما انفك مقلقًا سكينتها من خلال تشغيل مقاطع مصورة لا ترغب في رؤيتها. بيد أنه يأبى ألا أن يجبرها على المشاهدة الكاملة. يصيبها الضيق في كثير من الأوقات، والحماسة المعيبة في أحيانِ أقل. كان له ميعاد ثابت، أو بالأصح ميعادان. يبدأ في البث عند الخلود للنوم مع إعادة ما تم عرضه، رفقة مشاهد إضافية، عند الاستيقاظ منه. مذكرًا إياها بالواقع الذي لم يحصل، نسمة الحياة التي تفتقدها أن استيقظت. كانت تلك اللقطات الواردة هي وحدها المصدر المحفز لخلقها. فتلك الآلة لم تكن سوى عبد مطيع لما تأمر به رغباتها. 

تجد نفسها تارةً وقد اضطجعت على كرسي وثير داخل شقة تقبع في مدينةِ مختلفة عن المدينة التي تقطنها. والباعث لذلك المشهد هو حالة الانسحاب الملازمة لها دومًا والتي تتنامى لها في جميع الحالات. لا يهم أن كانت سعيدة أم لا، فرغبة الانسحاب تقتات على أحلام يقظتها بالكامل. هنالك متعة تعتريها عندما تتخيل مرحلة البدء من جديد، هي بارعة في فترة البدايات مخفقة في إيجاد خَاتِمَات

ضربت موعدًا الليلة لقتل المسبب الأول لتلك الحالة، الخيال. اختارت الليل لاصطباغه بالعبوس. يصعب عليها تخيل عملية قتل تحدث في وضح النهار رفقة حزمة ضوء مشعة تعبر النافذة الزجاجية فاضحة أفعالها المشينة. ذلك أمر مستبعد. دون الإغفال عن ميزة قلة الشهود المتواجدين بالقرب من مسرح الجريمة، غرفتها، والذي من شأنه أن يوقع بها عن طريق سرد الأحاديث لعملية القتل كاملةً إلى ضابط الشرطة المناوب تلك الليلة، لتجد نفسها وقد سُحبت لساحة الإعدام.

جهزت السلاح، مسدس. كانت تلك المرة الأولى التي تتلمس فيه تلك الآلة، لم تختبر بعد مدى صلاحيته. ظنت أن إبطال حركة الهدف يفي بالغرض. وجدته مهجورًا في غرفة والدها الراحل، والذي طالما تباهى بخبراته المتعددة في الأسلحة النارية، حربية كانت أم مخصصة لصيد بعض الحيوانات السائرة. تلت دعاءًا بالرحمة لوالدها. رغم غرابة حضوره. ألا أنها أرادت أن تثبت لروحها مدى نقاء سريرتها. وحتى تطرد الشؤم الحائم حولها، والذي تولد لاإراديًا رفقة الظروف الراهنة.

 قبل حلول منتصف الليل، شرعت قدماها في جر الجسد المنهك ناحية السرير. انضمت يداها في عملية الانخراط نحو الانسلاخ من عالم اليقظة، وذلك عندما باشرت في التحليق ناحية المفتاح الكهربائي. انطفأ ضوء الغرفة لتلتحق بهم العينان في عملية التحول. وجدت نفسها متأهبةً للغوص في أعماق النوم. قلقت من أن يحدث خلل في الخطة المرسومة بدقة. أعادت سرد تلك الخطوات واحدة تلو الأخرى، في تسلسل شبيه بقطع دومينو صُفت بعناية في انتظار لحظة السقوط الأولى. تلك الهنيهة تخشى أن تفلت من قبضتها. تذكرت براعته في التخفي، فهو لم يتجسد لها من قبل. جل ما يصله منها تهيؤات يزرعها داخل العقل. 

بدأت الشحنات الكهربائية في التوافد لمعقلها المعتاد، منذرةً بوصول الهدف المنشود. تحت اللحاف، كانت يداها قابضة بشدة على المسدس. تحاول أن تبقى متيقظة رغم جرها رُوَيْدًا رُوَيْدًا ناحية ذلك الشريط المصور، والذي يتعين عليها مشاهدته. تخشى أن يجرها هذا الأمر لرؤيته كاملًا مما يعني تجلي النهار وتبدد خطتها المرسومة. لا ترغب في خوض محاولات أخرى لإنهاء تلك المهمة، هي هذه المرة لا غير “أما أنا أو هو”. 

أدركت خطواته المتأرجحة داخل الغرفة، هي المرة الأولى التي تستمع فيها لوقع تلك الخطوات، تلك حتمًا بركة الدعاء في تحقيق المعجزات. حاولت جاهدةً فتح عينيها حتى تتمكن من رؤيته إلا أنهم تمنعوا فيّ الانصياع للأوامر. في خطوة واضحة لإعلان التمرد والانضمام لصفوف العدو. لم تبالِ بتلك الاضطرابات المزعزعة لاستقرار الخطة. أحست بأنها لا تزال المسيطرة على أهم عضو في تلك العملية، يداها. بيد أن رعشة بدأت تسري في عروقها البارزة عند الكفين، حركة لا إرادية يصعب التحكم بها قد تؤدي لعواقب وخيمة في دقة تصويب الهدف المنشود. تمالكت نفسها لتجد قبضة اليد قد اشتدت متحركة صوب وجهة معلومة. لم تقاومها، على الأرجح لم تتمكن من ذلك فهي عند تلك اللحظة قد بدأت في الانتقال لعالم آخر لم تكن اليقظة مرادفًا لها.

أيقظتها صوت الطلقة. صوت قوي كاد أن يخترق طبلة أذنها. حاولت أن تنهض من السرير، قاومت بشدة قوة مضادة لم ترد لها النهوض. أبى جسدها أن يستيقظ. تاهت عيناها في بحث دؤوب عن الجثة، لم تجدها. لمحت المسدس بالقرب من السرير محاطًا بدماء قريبة منها. تتبعت مجرى ذلك السيلان، بطريقة معاكسة، حتى تصل للمصدر. كل لقطة تقربها أكثر فأكثر ناحية جسدها. كانت قد نسيت بأن الخيال يقبع داخل رأسها، وأن قتله هو حتمًا يعني قتلها.

هيدروجين وهيليوم

في البدء مُلئ الكون الفسيح بعنصري الهيدروجين والهيليوم. لم يستفرد الهيدروجين بالكون لوحده بل أراد أن يستأنس رفقة عنصر آخر يشابهه إلى حد ما في العديد من الصفات. شجع هذا الأمر غاز الهيليوم ليقدِم على الخطوة الأولى، دون أن يفرض نفسه، بعد علمه برغبة الطرف الآخر المندفع إليه. قَدِم كمؤنس لوحدة الهيدروجين مفتخرًا بما سيحظى به من مكانة عزيزة داخل أعماق ذرته. أقاما معًا سنين عدة دون أن يشاركهما أحد، كل ذلك الفضاء الفسيح فُرغ لغاية إحداث التقارب فيما بينهم. ألا إن هذه الخلوة لم تدم طويلًا بعد قدوم أشقاء آخرين من بقية العناصر المختلفة، إحداها كان غاز الأكسجين والذي لم يتوارى عن إظهار عظمته في إعطاء معنى للحياة، ظل الخليلان غير قادرين على توريدها. 

تصل إلى المطعم لتجد طاولات مربعة الشكل وأن طالت قليلًا ستصنف كشكل هندسي يعد مستطيلًا. من الواجب ملء أبعاد هذين الشكلين بمقاعد تضفي فائدة على الجماد ذي القوائم الأربعة، هذه المقاعد تأتي مصاحبة لنظير لها أما ملاصق أو محملق بها دون أن يرمش في الجهة المقابلة منه. تخدر أطرافك في عملية البحث عن مقاعد ذات عدد فردي فإن وجدتها ستتيقن من وجود خلل ما عن طريق تحريك هذا المقعد الشاذ بواسطة أحد الزبائن ليلائم عدد الرفقة المصاحبين له. تبزغ بعض النوادر عن تلك الصورة المرسومة من خلال تواجد بعض الطاولات الدائرية والتي تسمح بتواجد عدد فردي. بيد إن كُتب لأحدى هذه المقاعد الوحدة وجب نقلها صوب رفيق متواجد على طاولة أخرى يترقب قدومه ليسَيِّر معه الوقت لحين انتهاء وجبة الطعام لقاطنيهم.

رغبت في حضور مسرحية غنائية. قمت بالإطلاع على موقع حجز التذاكر لتحيلك بدورها إلى صفحة اختيار المقاعد. تم اختيار الصف المرغوب به، والذي كان خاليًا. تُفاجئ برفض إكمال العملية بسبب مقعدِ خاوي تراءى بينك وبين مقاعد أخرى مُلئت بواسطة أشخاص آخرين. تتساءل مُتَعَجِبًا عن الذنب الذي اقترفته حتى تضطر لشراء هذا المقعد الشاغر لتستلم بعدها تذاكر المسرحية، وما المشكلة في خلو مقعد في صفك. أيعد مستحيلًا أن يشغله شخص ينوي شراء تذكرة واحدة، وما المعضلة في أن يظل المقعد وحيدًا.

تعود بعد انتهاء يومك الطويل لذات الغرفة التي غادرتها صباحًا. تحاول أن تستلقي على السرير المخصص لشخصين ألا أنه شُغل بك وحدك. تتساءل هل سيُقبل الهيليوم عليك كما فعل مع الهيدروجين لغاية تعديل المعادلة. تلك المعادلة التي ما انفكت تسطع أمامك في كل لحظة من تفاصيل يومك على شكل عدد زوجي، في تذكير مستمر لعقب أخيل الملتصق بك. يتردد صدى مجهول المصدر بنبرة يعتريها الكثير من لوم النفس قائلًا “أنت المسؤول وحدك عن تلك الوحدة، لا تنتظر قدوم الهيليوم بل أسرع أنت ناحيته”. يطيل هذا الصوت في إلحاحه ما وطد العزم عليه. تمسك مسرعًا بالقشة المنجية لك بعد تذكرك لمَقدم الأكسجين والذي من شأنه أن ينغص عليك خلوتك مع الهيليوم، إذن فلا داعي لاستعجال حضوره.

مناخ استوائي

أصبح خوان بونثي دي ليون على قرار كان قد تمخض داخل رأسه طيلة الليلة السابقة، سيبلغ الملك بهدف حملته راجيًا منه أن يوفر المال الكافي لسفن تلك الرحلة، هو يملك المال الوفير وبمقدوره أن يقوم بالأمر من تلقاء نفسه لكن رغبة ملحة تتغلغل بداخله في تلقي دعم الملك ومباركته.

 “البحث عن ينبوع الشباب” ستكون تلك العبارة مفتاحًا لجذب انتباه الملك لعلها تحلق بخياله بعيدًا داخل حلم يقظة يرى الملك نفسه وقد غدا شابًا من جديد. تلك الأسطورة المتناقلة عبر الأجيال والتي ظل الأوروبيين لقرون يرددونها طويلًا أملًا في الالتقاء بماء الحياة، ألا أنها ما فتأت أن تضمحل لعدم ثبوت صحتها في كل الرحلات المنجزة لذلك الغرض والتي ابتليت بالفشل في عدم حدوث أي أمر يذكر داخل تلك الينابيع المستكشفة. إلا أن الأسطورة عادت للبروز مع اكتشاف العالم الجديد، بسبب همسات السكان الأصليين أمام المستعمرين الأسبان عن تواجد ينبوع يحمل ذات الصفات المتعارف عليها بما تقدمه من خدمة جليلة للبشرية بالإبقاء على نسلهم شابًا للأبد. قد تصدق تلك الأحاديث وقد تخطئ، فمن يعلم قد تكون لعبة أراد السكان الأصليون لعبها مع أولئك الغزاة لإصابتهم بالإعياء نتيجة التوهان داخل القارة الجديدة. ألا أن الأمر الغريب الذي يبرز هو تعلق خوان بونثي دي ليون بذلك الينبوع وفي إشتهاء طعم تلك القطرات المجددة للجسد والتي لا تتواءم كليًا مع فكرة أنه قد بلغ للتو عامه الأربعين. لماذا الهوس في أن يعود شابًا وهو لم يبتعد كثيرًا عن تلك المرحلة. لعلها رؤية مستقبلية تم استبصارها عن قرب رحيله والذي سُجل في عامه السابع والأربعين. 

رست سفينة دي ليون في 27 مارس من العام 1513 على شواطئ أرض لم تطأها قدم أوربي من قبل، رغم أن الأولويات باتت غير ذي أهمية نظرًا لتضخم عدد الأقدام المغروسة في تلك الأراضي، ألا أن هذه الأرض ينظر لها دي ليون نظرة المتعطش لرشفة ماء من فم الينبوع المنتظر، ولم لا رفقة القليل من الذهب. قبل أن يبدأ في مهمة البحث، تفكر دي ليون في إسم يلائم هذه البقعة، تفحص الظروف المحيطة ليتذكر وقوع هذه الأيام ضمن الأسابيع المقدسة والمصادفة لعيد الفصح، وبالنسبة لدي ليون والأسبان المرافقين له تترسخ صفة التدين والرغبة الملحة في القيام بأفعال مرتبطة بالدين في كل شؤونهم اليومية، فما كان من القائد دي ليون إلا أن اختار اسمًا دينيًا يتلاءم مع هذا الحدث. وبلغة إسبانية هي جل ما ينطق به لسانه أطلق على تلك الأرض مسمى “La Pascua de las Flores”  وهو المصطلح الذي اعتاد الأسبان تسميته على أسبوع عيد الفصح والذي يعني مهرجان الزهور، ألا أن دي ليون أردته صفعة خيبة أمل من “فلوريدا” فلا ينبوع حياة قد وجد ولا التماع قليل من ذهب يساهم في إضفاء بريق على تلك الرحلة الخائبة. 

بعد خمسمائة عام وبضع سنين وطأت قدمِي بلدة سانت أوغسطين في فلوريدا داخل  كاستيلو دي سان ماركوس أو قلعة القديس ماركوس. في مكان ليس ببعيد عن آثار أقدام المخفق في تحقيق هدف إطالة الشباب المستكشف دي ليون، لا أعلم يقينًا أين حط لكن المصادر تشير إلى البلدة المتواجدة بها والتي أُنشئت بعد رحيله بخمسين عامًا. أحمل المنشور التوضيحي وشمس حارقة ترسل أشعتها بسرعة هائلة لتتمركز داخل رأسي جاعلةً من رؤية الكلمات المطبوعة على المنشور ضبابية يصعب التقاطها، هي حتمًا إعلان تم إرساله من قِبل جسدي عن احتمالية الإصابة بضربة شمس. من المثير للرثاء أنِ قد قدمت من مكان تسطع فيه الشمس بكامل طاقتها طيلة أيام السنة ولم تدون ذاكرتي أية إصابة باعتلال في توازني ضريبة التعرض المباشر لها، وهأنذا في منطقة تعد أقل توهجًا في إشعاعها الشمسي بيد أن الجسد بدأت تخور قواه في محاولة بائسة منه لإضفاء صفة عدم الاعتياد على الحرارة العالية. نتج عن هذا الوضع خطأ في انتقالي بين قاعات القلعة والمدون بداخلها الخط الزمني لحكامها وما أعقبها من أحداث، فعلى ما يبدو أنِ قد سلكت الطريق الخطأ. تلك الغرف لم تكن مرتبة على التوالي كما افترضت، بل عليك أن تسير في خطوط أفقية للقاعة ونظيرتها المواجهة لها، لأجد نفسي وقد قلبت بعض التسلسل الزمني برؤية البريطانيين أولاً ثم الأسبان لمرتين متتاليتين لأنهيها مع القوات الأمريكية، بيد أن السجل التاريخي الفعلي لهذا المكان كان أسبانيًا، بريطانيًا ثم إسبانيًا مرة أخرى لينتهي كما هو معروف تحت راية العلم الأمريكي. على الرغم من كل تلك التحولات فكل ما تلمحه العين في تلك البلدة يمكن اعتباره إسبانيًا، المباني المشيدة على طراز نشأ في شبه الجزيرة الإيبيرية، أسماء الشوارع والأبنية الأثرية كانت بلغة إسبانية واضحة للمستمع. ستجد صعوبة بالغة في إستقطاب روح إنكليزية أو أمريكية لتلك البلدة عدا العملة المعترف بها داخل المقاهي والمحلات الصغيرة والمطبوع على واجهتها صور الآباء المؤسسين للولايات المتحدة.

بعد انتهائي من صراع الأمم المتناحرة على أحقية امتلاك تلك الأرض، كان لابد من زيارة المحيط المتكأ بثقله على شاطئ البلدة، ذلك المحيط المهيب في حجمه وقوة الدفع لأمواجه والتي ما هدأت أبدًا رغم وقوعي في يوم يُعد صحوًا لا تعتريه منغصات من شأنها أن تثير غضب تلك المياه الجائعة. تيقنت الآن السبب الرئيسي في عدم نجاة أي راكب من حملة بانفيلو دي نارفاييث من تلك العاصفة الهوجاء التي ألمت بها غير بعيد من هنا، باستثناء الثلاثة المحظوظين رفقة مملوكهم المغربي والذي أسهب في سرد روايته المنسية في كتاب “ما رواه المغربي”. 

تصفع الرياح القادمة من المحيط كل ذرة في جسدي، ورغم سرعتها العالية والتي تجعلك تصاب بثقل في الحركة أن أردت أن تدخل جسدك في غياهب مياهها، رغم ذلك فأن نشوة تعتريك عند قدوم موجة مندفعة لا يفصل بينها وبين رفيقتها سوى ثواني معدودة تجعل من عملية التقاط النفس مستحيلة، هي حتمًا ستؤلمك ان كنت في وضع مخالف لما عليه حالك الآن، إلا أن السعادة وجدت لها بابًا أطلت من خلاله على ثنايا روحي وغمرته بما يتواءم  مع ما أشعر به. 

في غمرة كل تلك الأحاسيس لفتني منظر لأم وابنتها أنهكها كثرة اللحاق بها في محاولات مستميتة لمنع الصغيرة من دخول الماء، ظل بصرها متعلقًا بساقي الابنة لاهية بذلك عن جمالية المنظر المحيط بها. كانت مرتبكة في تلك اللحظات القليلة وقلقة تترقب حدوث أمر سيء اُبتُدِع داخل رأسها، تُرى هل قدر الأم أن تَرقُب بحذر خطوات أبنائها طوال حياتهم لتنسى معها وقع خطواتها؟ 

في الناحية المعاكسة يقف أب وابنه حاملًا بيده صنارة في مشهد يوحي بمحاولات متعددة صدرت من قِبل الأب لتعليم الأبن حرفة صيد السمك، ناول الأب الصنارة للأبن، يلتقطها منه دون حماسة تذكر وفي خضم عملية الانتقال مازال الأب يصدر كلمات غير مسموعة متأملًا  أن تفضي في إتقان ابنه تلك المهارة. أدركت حينها امرًا لا أعلم صحته، وهو أن الأب يقضي مع ابنه عطلة نهاية أسبوع كانت قد حُددت له من خلال المحكمة بعد الانفصال عن زوجته، لعله ظل طوال الأيام السابقة يعد العدة لهذا اليوم المنتظر متصورًا حماسة الطفل ناحية ما رتب له. المشهد القائم أمامي يوحي بعكس ذلك تمامًا. 

أردت أن أبعد  نظري بعيدًا عنهما بعد أن أحسست بضيق لم أرغب في قدومه الآن. كانت صورة منفرة للمراقب من الخارج لكن قد تبدو ممتعة لهم من الداخل.

نحن نعرف ما سيأتي

في المعركة الخالدة للهروب من المهام اليومية، وجدت نفسي مطلعة على بعض الملاحظات المدونة في هاتفي الشخصي. تبرز جملة غير مكتملة في المقدمة، تتبعها ملاحظة كنت قد أديت المأمول منها، وأخرى أثارت تساؤلًا بداخلي عن مدى أهميتها الآن. إلا أن عبارة أصابت الهدف بشدي بقوة ناحية موقعها دون إمعان، سُطرت حروفها على هذا النحو (رواية “نحن نعرف ما سيأتي” وعن الواقع المحفز للخيال).

لم يستغرق الأمر سوى بضع ثواني حتى بدأت الذاكرة في استدراج بعض الالتقاطات من تلك الرواية والتي بُعثرت بشكل عشوائي دون إخلال في ترتيب قد يفقدها الرونق الخاص بها. الأبرز كان ربطها بلفظ الواقع المحفز للخيال. استأذنت الرجل المحترم عمدة كاستربردج كي أضعه جانبًا لأعيد إستخلاص الرواية ورؤية ما شدني فيها. تتخذ القصة شكلًا من أشكال الخيال التاريخي، حيث أنها تدعي حدوث أمر ما لأشخاص عاشوا في الماضي إلا أنه لم يتم. فهو في مجمله خيال محض ألا أنه حُفز بواسطة شخصيات تم التعمق داخل قصصهم في كتب التاريخ والسير الذاتية، أو من خلال كتاباتهم الأدبية كما هو الحال مع أبطال تلك القصة. 

كلايست وجوندروده رجل وامرأة مارسوا فعل الكتابة بما تملي عليه أرواحهم. هو عَشِق المسرحيات والقصص القصيرة أما هي مارست تلوين الكلمات برقة مشاعرها منتجةً قصائد كانت رفيقة الدرب في الحياة الوجيزة. كلاهما في الواقع أنهى حياته في عمر مبكر بالأقدام على الانتحار، والفاصل الزمني بينهما كان مجرد خمس أعوام تكاد لا تذكر في عداد الزمن والحارس الفطن القاطن بجوارها. لعل الكاتبة استوقفها أوجه الشبه الكبيرة بين الشخصيتين والنهاية الدرامية لحياتهما دون الإغفال عن تقارب فترة تواجدهم على هذا الكوكب، لأجل هذا ابتغت لقاءً لم يكتب له النشوء في وقت حضورهم. أمسكت بسلاح القلم ورسمت وقائع تتحكم فيه وحدها عن طريق إخراج المشاهد.افتعلت حفلًا ادبيًا للكُتاب الألمان يحضر فيه كلًا من الشخصيتين المنكوبتين، ومعها تستدرج كلايست وجوندروده لخارج ذلك الحفل في نزهة طويلة بجانب نهر الراين لتملأها بحوارات وحوارات لا تنتهي، ذكرتني تلك اللقطات بأفلام ريتشارد لينكليتر و وودي آلن حيث لا إبداع يُجمل الفيلم سوى الكلمات المنطوقة والتي ما فتئت تبهرني. هل التقى كلايست وجوندروده في مكان واحد؟ لا أحد يعلم، وهل من الممكن أن يكون قد أقاما حديثًا طويلًا أدى لتأكيد رغبتهما في الرحيل عن هذه الحياة؟ أيضًا لا أحد يعلم لأن الإجابة تكمن داخل جسديهما المتحلل في باطن الأرض. قد يتمكن بعض المتخاطرين بالأرواح من التواصل معهم أو إيهام السائل بمعرفة ما دار في ذلك الوقت، ألا أن المقتنعين بتلك الرؤية لن يكملوا عدد أصابع اليد الواحدة، فلن يأتي التأكيد الحتمي لتلك النظرية من خلال رؤى تتراىء لشخص يدعي امتلاكه قدرات خارقة.

تلك القصة والتي اختلقتها الكاتبة لا تختص بها فقط، فكل واحد منا يسرح بخياله بعد رؤيته لأحداث تقع تحت ناظريه لتبتدع عضلة المخ بعدها مناظرًا لم تطرأ في المشهد الأصلي. وكأن الكتابات المتدافعة في جري محتوم نحو الورق ما هي إلا اقتباسات عن وقائع طرأت بالصدفة في خط حياة ذلك الكاتب. وكدليل دامغ لهذه المعضلة القَسم المتكرر من قِبل الكُتاب قبيل بدء الفيلم أو المسلسل الراوي لتلك الأحداث بعدم استنادها على وقائع وشخصيات حقيقية وان حدث هذا فهو من باب المصادفة لا أكثر (الجميع يعلم انها ليست مصادفة). 

بحبال وثيقة يمتطي الواقع بالخيال متتبعًا ضحكات عمرها مئات السنين أو بضع ثواني. ذلك الصدى يعود منعكسًا بشكل مختلف، يضاف عليه بعض الأصوات المختلقة والتي يؤمن ساردها بضرورة حضورها، ليجد نفسه متعلقًا بتلك القصة أو ما توهمه من تلك القصة. قد تكون مجرد أسطورة وقد تكون واقعًا لا يراد له أن يحدث، في كل الأحوال هي تملأ عليه تفاصيل حياته، حياته الذي ظل محاولًا باستماتة تغير روتينها.

أن نفهم أننا مسودة-ربما تُرفض، وربما تُستكمل مرة أخرى

– كريستا فولف

أخيلة حقيقية (2): مايفلاور ووادي السيليكون

استجمع قواه لمواجهة ما كان يؤرقه طيلة الأشهر الماضية، عقد العزم لبذل ما في وسعه تحقيقًا لمبتغاه. مضت فترة زمنية طويلة بعد اتخاذ ذلك القرار، فالعمل لدى السفير لم يكن كما كان متوقعًا من قِبله. قدِم ويليام بروستر إلى هولندا وكله حماسة تجاه العمل الدبلوماسي داخل السفارة البريطانية. ألا إن اعمالًا روتينية وأساليب لم ترق له كانت سببًا في اتخاذه القرار الحاسم. 

عدل من هندامه، وانتصب للحظات مضت كساعات، ليفقد معها حساسيته تجاه الوقت. ألقى نظرة خاطفة على مقعد السفير، ليجده كما اعتاد أن يكون عليه متمللًا يطالع السقف بتمعن فلكي يأمل في اكتشاف جرم يستحيل تحديد هويته. أقدم على الخطوة التالية بتحريك قدميه إلى الأمام، تلك الحركة كانت كافية لإزاحة بصر السفير عما كان يتأمل، ليجتذب كافة انتباهه ناحية بروستر.

  • “ويليام، منذ متى وأنت تقف هنا”
  • “للتو سعادة السفير”

بدأ بعدها بروستر في شرح ما رغبت به روحه، معللًا قرار الاستقالة بالشوق للعودة إلى البلاد ورؤية والده المريض، والذي يعد سببًا مقنعًا من وجهة نظر السفير. ألا أن الأسباب التي ذُكرت على مسمعة لم تكن الحقيقة التي أدت إلى لقطة الختام للبطل بروستر. بيد أن العادة جرت على تحريف الأسباب الواقعية لصالح أخرى متخيلة ذات طابع إنساني. نتج عن ذلك الاستجداء إعفاء ويليام بروستر من ذلك المنصب أواخر العام 1589.

 لم يكن بروستر يومًا يشبه من هم حوله وظل منذ سنوات دراسته في كامبريدج متأثرًا بأفكار دينية ثورية تدعو للانفصال عن الكنيسة الإنجليكانية الحاكمة في إنكلترا، جعلت منه غريبًا في أكثر الأماكن ألفة بالنسبة إليه. تلك الحركة وهي مشتقة من البروتستانتية تدعو إلى إنشاء كنيسة غير خاضعة لشخص أو حكومة، بل على العكس من كل ذلك ستعد مستقلة يميزها الالتزام بتعاليم الدين المسيحي الصافية من دون تدخلات تُقدم من أي شخص. 

وطئت قدما بروستر موطنه بعد غياب دام ست سنوات. تلمس الأرض بعناية فتلك التربة المسودة تميز أرضه عن يابسة الأراضي المنخفضة. لم يتوهم شوقًا اُعتبر مندثرًا، فعلى النقيض من ذلك أحس بضيق يجتره صوب موضعِ ظن زواله. كانت قد لازمته  في الأيام اللاحقة للدارسة الجامعية قبيل المغادرة ناحية بلاد الطواحين الهوائية، ولعل تلك الضائقة حدته  على قبول تلك الوظيفة الدبلوماسية.   وجد نفسه بالقرب من والده المريض يعيله ويرقب حالته. وفي خضم الأوقات الصعبة تتجلى فرص لم يكن لها أن تنشأ لولا تلك الظروف.  أتيح له العمل داخل مكتب والده البريدي، ليسير بلا كلل ولا ملل ممتطيًا المناصب الواحدة تلو الأخرى.  وتمضي السنون به جاعلةً منه رئيسَا للمكتب البريدي. 

سلم زمامه رهنًا لتلك الوظيفة، آنس وضعه الجديد رغم عدم توافقه مع ما كان يشغل باله دومًا. وعلى الضفة المقابلة لذلك الاستكنان بدأت تبرز ملامح تحول تعصف بملامح المجتمع الأنجليزي، فتلك المعتقدات والتي ظلت حبيسة داخل قضبان قفصه الصدري، بدأت في الظهور شيئًا فشيئًا للعلن. لم يعد المنتمين لتلك الطائفة الدينية يهابون التعبير عن هويتهم وأن ظل محظورًا من قبل السلطات الإنجليزية. أُقيمت التجمعات داخل المنازل وأُنشئت على إثرها الجماعات الانفصالية، وجد بروستر نفسه منتميًا لإحداها دون تردد منه، فما انفكت تلك الأجواء إلا أن تعيده لسابق عهده وتعلقه بتلك الأفكار الثورية.

كونهم جماعة انفصالية، وُجد على الطرف المناقض لهم أوامر باعتقالهم وإيقاف دعوتهم واتهامات عدة بالخيانة، شعر بروستر بالخوف على حياته وأنه لم يعد في مأمن داخل موطنه فقرر الهجرة والذهاب مرة أخرى إلى هولندا، ففي اعتقاده يوجد هناك تسامح ديني أكثر مما هو عليه الحال في إنجلترا. تمت له الهجرة بمعاونة من جون روبنسون رفقة العديد ممن رغبوا في البحث عن موطن جديد لهم. ظل كل من بروستر وروبنسون ينقبون بحثًا عن مكان يلائم حاجتهم الملحة في الابتعاد عن أعين المتربصين من بني جلدتهم و المتواجدين على الأراضي الهولندية . عُدت أمستردام خيارًا مستبعدًا لازدحامها بأولئك المراقبين، لتتجه الأنظار ناحية المدينة الأخرى ليدن. مرفأ يعج بسفن شحن تجوب المحيطات الشاسعة قاطعةً مسافات يضيع معها العد عند الربع الأول، إذا كنت قبطانًا لسفينة ومتطلعًا إلى التجارة في المنسوجات، ستبحر حتمًا إلى ليدن. ألا أن بروستر لم تستهوه تلك الأعمال بل رغب في التقاط رصيف يعجل في رحيله ساعة وقوع الخطر. فقد ظل القلق قرينًا يتكئ بكامل ثقله على ظهره جاعلًا منه يترنح وأن ظهر على عكس تلك الحالة. 

اضطر بروستر لقبول العمل كمعلم للغة الإنجليزية سعيًا في كسب بعض الأموال التي استثمرها رفقة توماس بروير في طباعة الكتب الدينية، ليعمل على تصديرها وبيعها داخل الأراضي الإنجليزية في تحدي واضح للحكومة والتي حظرت أنشطة جماعته. بعد أن أطال مدة المكوث في مدينة ليدن، أستشعر بروستر قرب الكارثة بحدس أم ناحية تبدل حال أبنائها، فتلك الأعمال التي تصنف عدائية من قبل حكومة بلاده لن تتوانى في التقصي عن هوية المتسببين لها، لتنشأ معها حلقة تحري تتعقب خطوات المتهمين ملاحقةً إياهم  أثناء هبوط الليل وبزوغ ضوء النهار في نهم كبير وشهية مفتوحة لأصطياد المتمردين.  لتقضم الفريسة ما هُيأ لها ويسقط  بروير في شباك مُهدت من السلطات الهولندية تم تحريكها بواسطة خيوط لُفت حول أصابع السفير البريطاني.لاذ بروستر بالفرار ليجد نفسه عائدًا لمدينته الأم، مختبأً بين أزقتها يترقب نزوحه في أقرب فرصة. ألتقى برجلِ يقطن في ذات الأوضاع. مواقف الرجلين المتشابهة جعلت فكرة المغادرة تتخذ طريقًا سريعًا لا عودة فيه. قرر كل من ويليام بروستر وروبرت كوشمان تملك صك أرض من شركة فرجينيا والتي عُرفت بمهامها الاستيطانية في العالم الجديد وتحديدًا بمحاذاة الساحل الشمالي الشرقي منه. 

صباح شهر سبتمبر من العام 1620، وفي الوقت الذي بدأت فيه سرعة الرياح بالتبدل ودرجات الحرارة بالهبوط معية انقلاب درجة لون أوراق الشجر، انكشفت السفينة “مايفلاور” عند ميناء بلايموث والمطلة على المحيط الأطلسي، مستعدة لخوض مغامرة يستحيل التنبؤ بخاتمتها. لن تسير وحيدة ففي معيتها ركاب آمنوا برغبة العيش في أمان دون مضايقات من أي شخص. هنا أصبحت أمريكا في نظرهم هي الأرض الموعودة والتي من المفترض أن يسود فيها العدل بعد أن يتم تطبيق عقيدتهم. 

أمواج تلطم ميمنة السفينة ومقدمتها، وظلام كالح يجعل من الرؤية معدومة. بيد أن المنغصات تلك لم تحرك ساكنًا لدى ويليام بروستر، لأن روحه شعرت بالخلاص من مقيدها والأرض المقبلة تُنبأ بأيام يسودها السلام والطمأنينة.

1958 –  كاليفورنيا:

أخرج قلمه، وراح يسطر الكلمات المتراصة داخل عقله. استشعر أهمية اللحظة ولم يرغب في تفويت فرصة تدوينها. وكونه يشغل منصب مدير الأبحاث في مؤسسة فيرتشايلد لأشباه الموصلات، والتي أسسها العام الفائت، أراد أن يطلع الجميع على تلك الملاحظة. ليبدأ روبرت نويس في الكتابة على ورقته بتلك الكلمات:

” حبذا لو استطعنا إنتاج أجهزة متعددة على قطعة سيليكون واحدة، وذلك لإجراء ترابطات بين الأجهزة كجزء من عملية التصنيع، وبالتالي تخفيض حجم العنصر النشط ووزنه وما إلى ذلك، إضافة إلى خفض التكلفة”

ولدت تلك الكلمات منتجًا غير من مفهوم التقنية في العالم. ليقدم معها الشريحة الإلكترونية ذات الإسم الشهير Chip. تلك الرقاقة المشغلة للأجهزة الألكترونية والتي ما انفكت أن تمارس التطور منذ تلك اللحظة الفاصلة، فاتحةً المجال لعصر يختلف كليًا عن سابقه مسهلةً بذلك حياة قاطني كوكب الأرض.

ليس من السهل أن تترعرع داخل محيط يتسم بالتشدد، بيد أن نويس وجد نفسه عالقًا تحت رعاية قس من ولاية أيوا، القابعة في الغرب الأوسط، والمنعزلة معية ماكثيها عن بقية الولايات الأمريكية. ذلك الاختلاء ولد رغبة جامحة  في جوف نويس للأبداع بُغية الرحيل بعيدًا لأماكن خلق الفرص. لم يكن الأمر مستحيلًا ولم يحتج نويس لجني أزرق حتى يلبي رغبته الملحة، فخلايا دماغه تكفلت بأداء المهمة الصعبة فاتحة له الطريق نحو شهادات علمية في أفضل الجامعات الأمريكية. ذلك  التميز لفت أنظار الجميع ناحيته، من ضمنهم ويليام شوكلي والحائز للتو على جائزة نوبل لاختراعه الترانزستور. أراد شوكلي أن يستقطب الخريجين حديثًا للعمل معه في مختبره الناشئ “أشباه موصلات شوكلي” وذلك بعد أن رفض العديد من زملائه العمل تحت إمرته. تحدث شوكلي مع نويس وقد كان الآخر ملتزمًا الصمت فرحًا برؤية أحد أبطاله يقدم عرضًا وظيفيًا لإعجابه بتفوقه العلمي. لم يصدق عيناه بأن هذا الرجل نفسه يطلب منه الانضمام إلى مختبره الناشئ والذي يطمح من خلاله إلى تأسيس شركات أكبر في عالم أشباه الموصلات. تمت المصافحة  بين الرجلين موثقةً الموافقة الغير مقيدة بأية شروط سوى شرف العمل تحت تصرف ويليام شوكلي. 

أقبل نويس على مقر عمله في ماونتن فيو، ليشهد على وجود عدة أشخاص يشابهونه في العديد من الصفات، وكأن العالم شوكلي قد خاض رحلة في البحث عن النظراء. ذلك الأمر جعل من مهمة الاندماج مع الزملاء سريعة دون أية معوقات منطلقين معًا في خوض مغامرة تُعد سابقة لشباب بمثل أعمارهم.  جرى داخل المختبر نقاشات تقود لنظريات قد تخلق منتجات من شأنها أن تُحدث تحولًا في عالم التقنية. كان لابد من نقل تلك الحماسة للمسؤول الأول عن إشعالها، فما فائدة التواجد تحت مظلته إن كان غائبًا عن تلك الجدالات. ذهب نويس بنفسه إلى مكتب ويليام شوكلي، جامعًا أكبر قدر من الكلمات والتي بإمكانها أن تصف الشرارة المتقدة داخل جوف كل واحدِ منهم. التقت عيناه مع اعين شوكلي، والتي برزت من خلف النظارة الزجاجية السميكة. ينتاب نويس رعب مستنكر كل ما اقترب من ظل المدير، شعور وأن حاول إغفاله إلا أنه ما انفك أن يتجلى على هيئة قشعريرة تضرب جسده.

 أشاح شوكلي ببصره بعيدًا بعد فراغه من الإستماع لنويس. ليجد نويس نفسه  في حالة استغراب من ردة فعل مدير المختبر. أنتظر دقائق أخرى متطلعًا لرد فعل أوضح، ألا أن شيئًا لم يتغير بل على العكس من ذلك أطلق شوكلي جملةً كان لها كبير الأثر في نزع الثقة المبنية داخل روح نويس حين قال:

  • “أتمنى أن لا تعيدوا التفكير في الأمر مرة أخرى. فمن يحدد العناصر المشكلة لتلك الرقاقات داخل هذا المختبر شخص واحد يدعى ويليام شوكلي”

خرج نويس مذهولاً بما شهده للتو. عجل في خطواته حتى يتمكن من الالتقاء بزملائه، إلا أنه وعند منتصف الطريق شعر بانقباض شديد جعل من عملية إدخال الأكسجين وإخراج الغاز السام عملية مميتة. اضطر للتوقف ممدًا ساقيه على بلاط الممر، والذي كان لامعًا لحداثة تدشينه، فلم تمضِ سوى ستة أشهر على إنشائه. تأمل حاله تلك وآمن أن الوضع خاطئ إذ لا بد من اتخاذ قرار جريء يمكنه من النهوض مرة أخرى. فكرة المغادرة لاحت له من العدم، ألا أنه أراد استشارة الرجال المتواجدين بقربه. عزم ضخم كهذا بحاجة ماسة لمعاونين يمكنونه من الوصول إليه، ولن يجد أفضل منهم للقيام بنجدته.

أشرق صباح صيفي من العام 1957 لتضيء أشعته قاعة ريدوود في فندق كليفت داخل مدينة سان فرانسيسكو. لم تكن القاعة العتيدة خالية، بل ضُجت بثمانية رجال تحيط بهم شكوك يتبعها حماسة لما هو قادم. توسط هذا الجمع روبرت نويس ليبدأ معها في إلقاء خطابه المحفز لما هو قادم : 

  • “جميعنا ضقنا ضرعًا من تصرفات شوكلي، أصبح انعدام الثقة صلة الوصل معه. كل ما أرجوه أن نتفق جميعًا على المغادرة الفورية من مختبر “أشباه موصلات شوكلي” لنُنشئ معها مؤسسة “فيرتشايلد لأشباه الموصلات”.    

 اعتبر الاجتماع كوثيقة لإعلان إنفصالهم عن شوكلي. والشاهد على ذلك الحدث ورقة دولار خُطت عليه تواقيع “الثمانية الخونة”، ليتم بعدها إنشاء شركتهم الخاصة. قرر الجميع تعيين روبرت نويس رئيسًا لتلك الجماعة الانفصالية، والبدء من خلاله في وضع أسس وتشريعات تنظم سير الأعمال داخلها.  تلك الجماعة الإنفصالية كان لابد لها من مستوطنة جديدة تؤسس وفق ما يؤمنون به  ليتم وضع “فيرتشايلد لأشباه الموصلات” في منطقة أصبحت فيما بعد نقطة الانطلاق في عالم التقنية وتمثل قبلة الحجيج المتعلقين بتلك العوالم والذي عُرف فيما بعد بـ “وادي السيليكون”.

استعاد نويس تلك الصورة الملتقطة مع زملائه السبعة في أول أيام التمرد. تلك التفاصيل الصغيرة. تأمل لحظة الانتصار التي تحققت له، وتذكر شكل البداية المربكة والمجهولة قبل عام مضى. ألا أن هذا الأمر جعله يستذكر مقولة لأبيه، رغم افتقار نقاط الالتقاء بينهما، حين ظل يذكره بهوية أجداده وصراعهم الذي خاضوه أبان القرن السابع عشر لغرض ممارسة معتقداتهم الثورية بسلام. “لم يهابوا ولم ييئسوا وبالأخص جدك الأعظم ويليام بروستر” كان غالبًا ما يرفع إحدى يديه عاليًا عند ذكر اسمه لضمان تعظيم أهمية هذا الرجل داخل عقل الأبن. إلا أن نويس في وقته الحاضر أضاف على حديث والده استطرادًا أعتقد أهميته:

“بروستر حتمًا يشبهني، وأن اختلفت توجهاتنا، فكلانا قرر الانفصال عن ما ظل يؤرقه في رغبة جامحة لتحقيق النجاح في مكان آخر”.

مسبح مهجور

وقف الأب المنتشي بقرب نهاية منجزه الأعظم، والذي لم يكن الأوحد، بافتخار كبير ناحية ما صنعته يداه مجازًا. فبعد مرور ثلاثين عام لنشأة عائلته، لازمته خلالها هواجيس بناء المنزل وتملكه كاملًا، محتلة بذلك كافة تفاصيل حياته اليومية وخيالات عز الظهيرة. تلك الملحمة مرت عبر مراحل، بدأت تتشابك خيوطها عند لحظة اختيار الموقع لتتم معها عملية شراء الأرض البكر. صحيحُ أن تلك اللحظة  كانت سابقة لأوانها، فلم يراد بها أن تؤدي إلى بناء منزل الاستقرار لكن شاءت الصدف وضع تلك الأرض أمام ناظريه بعد أن عرضها زميل له في العمل أدعى أن الأراضي الآن تعد في أسعارِ لا مثيل لها ولا يمكن أن تعاد تلك الفرصة مرة أخرى، فالوضع العام لا ينم عن استتباب، بالأخص مع دق طبول الحرب. “اشتريها الآن لأقوم ببيعها لاحقًا” نطق بتلك العبارة داخل جوفه لتتخذ معها تلك الأرض موقعًا على خارطة المستقبل تجاه ما يعتزم رسمه في ذلك العالم. رغب في إلقاء نظرة على تلك الأرض، دله الزميل لمسار تلك الرحلة، عجل في اتباع الخطوات إلى أن وصل للنقطة المنشودة، تفحص بناظريه المكان رغم تشابه اللوح المحيطة بالموقع. اراضي صحراوية لم تخطط بعد، مليئة بصخور ذات تراكيب مبعثرة لا ترمز لشيء ذو قيمة. هبت رياح أواخر الصيف اللاهبة على وجنتيه كعادتها في تلك البقعة بعد إطالته للحظة الوقوف، غمره احساس برسوخ تلك اللقطة، رغم عدم كماليتها، آمن بشدة أن تلك الأرض لن تمر مرورًا عابرًا في حياته. هي حتمًا ستصبح مسكنه الدائم.

الاستمرارية، كلمة مُحيت تمامًا من قاموسه. أصبح هاجس الاستقرار بعيد المنال بالنسبة له، فمنذ الصغر لم يعرف مسكنًا يليق بمصطلح “منزل”، يذكر أحيانًا أماكن طينية ضيقة عديمة الضوء داخل بلدة نائية لا ذكر لها في الخرائط. ظلت والدته تردد على مسمعه عن ضرورة مغادرة هذا المكان وإلا تم لهم الفناء. تبرز الفرص في البلدة المجاورة لذا يستلزم الرحيل عن تلك الحفرة. حمل هو ووالدته الأمتعة القليلة مرتحلين صوب تلك البلدة العظيمة. لم تتغير الحال كثيرًا في البدايات فقد ظلت تلك المساكن الطينية تبزغ حينًا بعد حين، ألا أنه بعد ما أشتد عوده تمكن هو من تأسيس عائلته، لتنزح معها فكرة المنزل الأمثل ومحاولاته الدؤوبة معهم في إحداث تلك المعجزة. ظل هو وعائلته التي تتوسع مع مرور الأعوام يتنقلون من منزل إلى آخر كلما تقدم بهم العمر. شقة صغيرة في عمارة تابعة لمقر عمله تعد متنفسًا مثاليًا لعملية ادخار الأموال نحو البيت الأمثل. ومن تلك الشقة تنتقل العائلة ناحية شقة شبيهة بها لكن في عمارة مختلفة، إلا أن هذا الأختلاف لم يُلحظ أبدًا حتى في رؤية الصور الملتقطة من تلك المرحلتين بعمق. تشابه غريب لا يميز تلك الفترات المختلفة بأي سمة سوى ببعض الحوادث المفتعلة من قبل الأطفال/المراهقين على جدران تلك الشقتين، فمن خلالها تمكن الأب من التمييز بين معالم المنزليين. “كم هي رتيبة تلك المناظر” لم يجد تعليقًا أفضل من ذلك لوصف ما التقطته عيناه عبر تلك الصور. 

استحوذ تصميم المنزل على معظم يومه، فتراه متنقلًا بين مكتب مهندس وآخر بحثًا عن التصميم الأمثل. والذي عُد إيجاده صعبًا في ذلك الزمان داخل مدينته، هو أمرُ يشبه إلى حد كبير استخراج الذهب في أرض افتقرت لها منذ عقود. هو في رحلة دائمة لاستقصاء الكمال، لكن ظل الكمال دومًا مبتعدًا عنه. منزل بطابقين رفقة قبو تتمكن فيه العائلة الممتدة في ذلك الحين من إقامة احتفالاتها ونجاحات أفرادها. “مسبح، لا بد من وضع المسبح” رغم رفاهية تلك الفكرة ومع الوضع المالي المحكوم بأطر وقيود قادرة على منعه من التفكير في تلك المتع. رغم كل هذا أصر على طرح هذا المقترح على مسمع المهندس المكلف لتلك المهمة. 

بدأت العائلة في زيارة موقع المنزل رغم عدم اكتماله بعد، فبعد مرور ستة أعوام على بدء عمليات البناء، وستة أعوام تسبقها منذ شراء الأرض. باتت معالم اللحظة الختامية تتضح أكثر وأكثر لتبرز معها ملامح المنزل السعيد. رغم اختفاء بعض أعضاء المنزل نظير انتقالهم لمنازل أصغر في رحلة تكوين عائلاتهم الخاصة، إلا أن المشهد كان فاتنًا بالنسبة للأب، فكل شيء وضع في موقعه الصحيح والذي يليق به. تم الانتقال بسرعة بالغة مقارنةً بما مر به المنزل من عمليات تشكيل انتقيت بعناية فائقة، لم تتبلور تلك اللحظة كما أرادها الأب فالأبناء المشاركين في تلك الرحلة لم يشعروا بفارق يذكر ناحية تغير مسكنهم، فعملية النوم مرت بسلام كما كان معتادًا في المنزل السابق. أحبط الأب قليلًا إلا أن هذا الأمر لم يهبط من عزيمته في الفرحة الكبرى المتمثلة في الانتقال لمسكن دائم. 

المسبح، منذ تبديل عنوان السكن لم يقم الأب بملء حوض السباحة المبني بإصرار منه رغم اعتراض المهندس على هذا المقترح، ناهيك عن المواصفات التي اتخذها لشكل المسبح. كان عميقًا لدرجة يصعب معها السباحة بداخله إلا من قِبل محترفين بتلك الرياضة أو على دراية بسيطة بها وهو ما كان مفقودًا لدى ما تبقى من أبنائه. “لن أسمح بحدوث هذا الأمر أتريد أن أفقد أحدهم داخل تلك البركة العميقة” ظلت الزوجة عازمة على رأيها والذي بني على خوف وقلق يليق بأم جل ما تحسنه في هذه الحياة حماية أطفالها وأن بلغوا من الكبر عتيًا. لم يكترث لتهديداتها عاقدًا العزم على ملء المسبح، لتبدأ معها جولات الترويح التي طالما تخيلها منذ بدايات تشييد هذا المنزل ولحظة رسم المخططات الورقية له. أصبح الصيف، أو بالأصح الفصل السابق للصيف، أيامًا ممتعة لا نظير لها ينزع الجميع فيها غطاء الاحترام المصطنع لتنتشر بذلك عفوية لا تؤدي لضرر ظل تصور قدومه ملازمًا لمخيلة كبار العائلة.

مرت السنون البسيطة لتزداد معها عمليات الخروج من بوابة المنزل، ليستبدلوا بأحفاد تقل مدة مكوثهم داخل المنزل على نقيض آبائهم المتواجدين خلال ساعات اليوم كاملة. تم مضاعفة القلق القابع داخل صدر الأم على جميع الأبناء ناحية أطفالهم، خصوصًا الإناث منهم. صراخ وعويل رفقة تهديد للاحفاد بعدم الاقتراب من المسبح، والعمل على إغلاق الباب المؤدي له حتى لا يسقط أحدهم عند قدومهم في أيام العطل. بدأت ملامح المسبح تبهت ليس في أوقات تقلب الطقس ناحية البرودة بل امتد ناحية الأشهر المفضلة للقيام بالسباحة. فرِغ من الماء وأصبح مجمعًا لحبات الرمل المتطايرة بين الحين والآخر. تتكفل الجدة بمهمة تنظيف ما يعلق بداخله رغم عدم عقد النية في ملئه بالماء مجددًا، صار موقعًا أثريًا رغم عدم اكتمال الشروط اللازمة لتحويله لذلك. 

يستيقظ الجد من نومه فزعًا، يرتب حاجياته الأساسية داخل حقيبة اليد المعدنية. يصرخ مناديًا الجدة بسرعة إخبار السائق بتجهيز السيارة حتى يتمكنوا من الذهاب لمنزلهم. فهذا المسكن يشعره بالغربة، لم يعد مألوفًا بالنسبة له. يستغرب تلك التصاميم والسلالم القريبة من باب غرفته. غرفته التي بات الوصول إليها صعبًا وغريبًا، فمن هو الغبي الذي قام بوضعه داخل هذا الموقع تحديدًا، حيث يصعب الوصول إليه في رحلة الذهاب من مدخل المنزل صوبه. لما بذل كل تلك المشقة لقطع المسافة الطويلة في حين كان بالإمكان وضعه بالقرب من المدخل.  ترد الجدة في ضجر بعد تكرار حدوث ذلك الأمر مرات عديدة، ألا أنها هذه المرة قررت مواجهته بطرح سؤال يشغل بالها قائلةً: “عن أي منزل تتحدث، هذا هو منزلنا ولا نملك غيره”. ينظر إليها باستغراب، متسائلُا عن امتلاكها كل تلك الثقة للرد عليه بأن ما يقف بداخله الآن هو “منزلنا”. فهذا المبنى لا يعلم  عنه شيء. كأنه اقتلع من أرضه المألوفة جهة تلك التربة العجيبة. أيعقل أن يبني شخص داخل مسكنه مسبح بهذا العمق، ومن أين أتته فكرة المسبح فهي لا تلائم نمط حياته ولا حتى وضعه المادي. من هو الغريب الذي أدخل هذا الدخيل داخل أرضِ تجزم شريكته أنها ملكه.

أحلام اليقظة 3

نفس الوقت المعتاد، ذات المقعد القابع في آخر المقهى بجانب تلك النافذة الكبيرة و الملتقطة لمنظر حديقة الحي رفقة أطفال يلعبون بلا كلل ولا ملل لحين غروب الشمس، عندها تخبو كل طاقتهم معلنةً العودة لتلك المنازل المعلبة صحبة الأجهزة الإلكترونية القادرة على تكيفهم داخل عوالم افتراضية يرغبون بشدة في العيش داخلها. كل ذلك لا يهم طالما توفر الهدوء هنا في المقهى، رفقة موسيقى غربية تصيح هامسة عبر سماعات مثبتة في السقف. رائحة المخبوزات تملأ المكان مضيفةً طاقة لا تُكتسب عن طريق قضمها، بل سيتكفل الدخان الصاعد من فوقها بإتمام تلك المهمة. 

تُخرج جهازها المحمول ليستقر في موقعه على الطاولة القريبة من الفتحة الكهربائية لغرض التزود بالوقود حتى تتمكن من العمل. ذلك الجهاز المصاب ببضع إعاقات تراكمت عليه بمرور السنين، اعوجاج بسيط في الركن الأيمن، قطعة خُلعت من مكانها لتنتقل صوب مكان غير معلوم، خدوش تنتشر في أصقاع مختلفة ضمن حدود الجهاز. إلا أن كل هذا لم يهبط من عزيمتها ناحية روعة هذه الآلة، ومدى فعاليتها طوال السنين التي مضت، هو حتمًا درع تتكئ عليه في إنجاز المهام اليومية والتي ترغب بشدة في إتمامها. 

يجمع ذلك المقهى العديد من أشباهها، أُناس تتسمر أعينهم صوب شاشات الأجهزة المحمولة واللوحية، وأخرون ينغمسون داخل أحرف كتاب تلتقطه أيديهم. من شأن كل هذا أن يكون مشهدًا واقعيًا تأنس له الروح في بحثها الدؤوب عن المسليات، وهو ما حدث لها بالفعل، إلا أن مرأى تراءى لها أكثر من مرة عدته مألوفًا ويجب أن يبرز في يومها. ففي كل مرة تحط قدماها داخل المقهى تجد ذات الصورة بكافة تفاصيلها حاضرة المرة تلو المرة. زياراتها للمقهى عديدة لكن لا يمكن اعتبارها روتين يومي يستلزم حضوره عند كل شروق للشمس، إلا أن تلك اللقطة فُرضت في كل مرة جلست فيها على ذلك المقعد الطويل المواجه لطاولة مربعة ثقيلة يصعب معها التحريك إن رغبت بذلك. ذلك الثبات جعل تلك الصورة تبرز على الدوام داخل مدى الرؤية الممكنة للعين، رجل يصعب من مكانها تحديد الفئة العمرية المنتمي إليها إلا أن شعر رأسه يشير لمرحلة مبكرة من العمر، فما زالت البصيلات قادرة على أن تشق طريقها بخيلاء للأعلى دون أن تأبه لفترة الرحيل المبكر. عدا ذلك فقد يكون من المحظوظين الذين حباهم الله بجينات لا تكترث كثيرًا بتقدم العمر لتعطي أقصى ما تملك من خصلات الشعر طوال فترة إقامة عائلها داخل هذه الحياة. الصورة تعد ناقصة كون أن الملتقط يشير بظهره ناحية المصورة، لم تتمكن من التقاط تعابير وجهه تجاه ما يقرأ، وهو الفعل الذي ما دأب أن غادره منذ تجليه لها في ساعات التواجد داخل المقهى. تسنح لها بين الفينة والأخرى رؤية غلاف الكتاب عند دخولها وهي متوجهة ناحية المقعد الوثير، تغمرها الفرحة أن رأت كتابًا قد قرأته فيما مضى رغم عدم حدوث تواصل لفظي يرتكز على مجريات الرواية أو فلسفة الكاتب تجاه الحياة. تلك الحياة التي جمعتهما من دون قصد، أو بقصد، في ذات الوقت والمكان مرات عدة، كأنها بتلك الطريقة تفرض رؤية مختلفة لما اعتادته أرواحهم مخبرةً إياهم بضرورة التواجد معًا داخل ذات الأطار.

ظلت الشكوك تزأر تباعًا ناحية خيالها المتعجل، فهي امرأة ولم تخلق المرأة إلا لغرض وحيد سامي يتمثل في بث الشكوك في محيطها ومحيط من يقبع بقربها. أول رسالة تلقتها كانت على هيئة أن التسمر أمام التلفاز ومشاهدة العديد من الأفلام ذات الطابع الرومانسي لوثت العقل بما لا يتلائم مع الواقع المحيط بها. أما ثانيها فتم طرحه كتساؤل مشروع عن الثقة العالية من ناحيتها تجاه تماثل رغبتها مع رغبة من يجلس قبالها، “من أين أتيتِ بها؟.” 

طالت مدة التواجد في ذات المكان، إلا أن ذات يوم غير من هيئة حضوره داخل المقهى، فبدل الكتاب المصاحب أصبح هنالك جهاز محمول فُتح قبل وصولها، ومعه تم الانغماس في إجراء أعمال مجهولة. لم يكتفي بتعديل واحد ناحية تلك اللوحة المرسومة، فما لبث أن أظهر صوته بشكل أوضح خلال مكالمات عديدة واحدة تلو الأخرى لتظهر معها صورة شخص مجادل يُكثر من طرح الأسئلة والتي يستلزم حضور ردات فعل مقنعة تمكنه من إنهاء تلك المحادثة والتي نادرًا ما حلت.  ذلك التغير فاجأها رغم رغبتها العامرة في تحولات تمكنها من إحداث تحول لا تعلم صيغته النهائية غير أن التقدم ناحية الأمام أي كان اتجاه أما للأعلى أو للأسفل لازمها منذ مدة ليست بالبسيطة. ذلك التبدل لم يكن حصريًا له، فقد لاحظت تواجد ضيف جديدة للمنظر المكرر والملتقط من خلال النافذة الزجاجية. فالمنزل القابع أمام الشارع القاطع لمسكن المقهى وبمعيته تلك النخلات الثلاث اليائسات من أي مظهر من مظاهر الحياة، بدرجة اصفرار شديدة مع حبيبات رمل محمولة بثقل على ما تبقى من سعفها، ما لبثت أن غيرت من مظهرها بعد أن حل بالقرب منهن ضيف جديد، ولعلها رغبة صاحب المنزل في تجميل الصورة الأمامية لغرض إضافة حياة اختفت معالمها عن محيا النخلات الثلاث. شجرة قصيرة مكتنزة توحي بقصر عمرها على هذه المعمورة، واللون الأخضر الزاهي يشع من بين أغصانها لتضيف غرابة أكبر على ما عُد عجيبًا فيما سبق. “لا أعلم من أصبح الدخيل الآن، الشجرة أم النخلات الثلاث” قالتها وهي تشيح ببصرها عن سحنة تلك اللقطة الهجينة.

برز صوته المجادل مرة أخرى، ومعها لم تستطع أن تركز على ما تريد إنجازه لتتحول المهمة صوب الحديث المسموع. كانت الإنجليزية هي اللغة المحكية، والذي عدته متقنًا للغاية لدرجة تلائم قاطني المباني المجاورة لنهر التايمز. طال الحديث مدةً قد تلائم شوط مباراة لكرة القدم إلا أنها لم تشعر بمرور كل هذا الوقت، عندها حلت لحظة إنهاء المكالمة. صمت قصير تلاها التفاتة منه صوب الزاوية المحتلة من قِبلها ليعتذر لها بشدة عن الإزعاج الذي من الممكن أن يكون قد تسبب فيه جراء تلك المكالمة. ألح في اعتذاره مرة أخرى والذي وجدته غير مبرر سوى لإطالة مدة الحديث، الحديث الذي لم يتجاوز كلمتين ظلت تكرر هما بغية إضفاء الراحة النفسية لتلك النفس المذنبة بذنب لا يعد من الكبائر، “لا بأس، لم انزعج”. انقضت تلك الثواني والتي برزت كلقطة رئيسية من فيلم وصل لنهاية المقدمات الكليشيه، إلا أن الأحداث التي كان من المرجح أن ترتفع لقمتها هبطت لقاع لم ترده مطلقًا. ظلت الدقائق المعدودة بعدها مجمدة داخل أحشاء آلة التبريد العملاقه، معلنةً عدم الامتثال لقانون الطبيعة الأول والمتمثل في الحركة الدائمة لجزئيات ذلك الجسد طالما تعرضت لحرارة  المحيط والمحبوسة بداخله. برزت لحظة قطعية لإنهاء ذلك المشهد فما كان منها إلا أن نهضت لتغادر موقع تصوير تلك اللقطة لتختم معها أحداث القصة بنهاية مفتوحة لم تعل عليها كثيرًا في إضفاء سعادة أبدية على ما ترغب فيه مخيلتها. 

قدِم اليوم التالي حاملًا معه آمال عريضة بلقاء آخر تكون فيه أجرأ في فتح حديث تتمنى أن يعد شيقًا ولا تصاب فيه عضلة لسانها بتشنج يمنعها من إطلاق كلمات مفهومة ذات وزن يليق بتلك اللحظة. دخلت المقهى لتفاجأ بخلو المقعد المحجوز دومًا من قِبله، استغربت قليلًا ألا أنها ظنت أن الصورة ستتعدل إلى ما اعتادت عليه بعد دقائق قليلة. مر الوقت بثقل دونما تغير يذكر، انتاب عقلها عجز منعها من أداء المهام الاعتيادية والتي ظلت  تتدفق بسهولة في أوضاع أخرى لا ترتبط مطلقًا مع ما تعيشه في تلك اللحظات. لا يخفى عليها أن كدرًا اصاب روحها عكر جميع الأمزجة المسجونة بداخلها، لتبزغ معها تلك الكآبة عاليًا حاجبة جميع أوجه العيش لتصيب تلك النفس بخمول تعجز معه الحواس عن التعبير. كل ما رغبت فيه في تلك اللحظة مغادرة المكان المألوف والذي انقلب لمكان يضيق بالنفس. عجيب أمر التحولات المفاجئة في جعل مكان معتاد تغمره الراحة إلى موضعِ موحش مقفر يعلق المرء كمحتجز بداخله، عادًا الثواني الطوال لحين الخلاص منه.

لم ينقطع أملها. ظلت على الدوام مواظبة على فعل الظهور هناك في وقت معلوم لمدة معلومة، وفي كل مرة يزداد سمك الغيمة السوداء المحلقة فوق رأسها، والتي نشأت بعد عدم تحقق ما تصبو إليه. تراءى لها كميات قليلة من الأبخرة المعروفة بالضباب، لتحيط كامل جسدها حاجبةً عنها رؤية ما تود أن تلتقطه. تلك الأصوات المألوفة عُدت غريبة، ذلك المنظر المعتاد أصبح دخيلًا. تملكتها الغيرة من تلك الشجرة المكتنزة الراغبة في الحياة والدخيلة على أقربائها من أشجار النخيل. فهي ما تزال متلهفة تجاه المكان الجديد، تستأنس بكامل تفاصيله، لا تستنكر فعلًا أو يختل منظر تألف قربه. بات الأمر شبيهًا بتلك النخلات الثلاثة كل ما توده أن يتكفل الوقت باقتلاعها من ذلك المقام.

أخيلة حقيقية (1)

طليطلة-أسبانيا، أبريل العام 1528

على تل مرتفع تكسوه الخضرة وتغلفه سُحب مثقلة بحبات المطر تقبع مدينة طليطلة. ذلك الأسم الذي يشير إلى وجهة بعيدة لا تنتمي للغة ساكني تلك الأرض، ولكنها تذكر بعابرين قد استقروا فترة طويلة من الزمن وبات وجودهم لا يذكر. 

أعلن المالك الجديد لتلك الأرض الإمبراطور شارل الخامس إقامة استقبال ضخم في قصره المشيد حديثًا على أنقاض قصر آخر كان قد شُيد حديثًا في زمن مضى، وكله رغبة في التعرف على قادة ووجهاء المجتمع الإسباني، واختيار المناسب من أفعالهم واللتي يجب أن تلتقي مع تطلعاته الشخصية للأمور المرتقب حدوثها مستقبلًا. عُين امبراطورًا حاميًا لمعظم أراضي أوروبا، وهو نتاج تزاوج بين ابنة ملك إسبانيا وابن ملك النمسا، وترعرع في بلجيكا. تشكلت على لسانه لغات مختلفة نظرًا للأعراق المتحدة والممزوجة داخل دمه والأراضي التي نشأ بها والأرض المملوكة له حديثًا. سيكون لزامًا عليه اتخاذ الإسبانية كلغة تخاطب في هذا المساء لكن قد يكون الأمر مربكًا إلى حد ما، بسبب بعد مفرداتها عن لسانه وأذنه لفترة طويلة من الزمن. 

بخطوات مرتبكة وعينان تملأهما الرغبة في إقناع الإمبراطور، وصل فرانسيسكو بيزارو إلى صالة الأستقبال ليمعن النظر في الحضور المهيب من رجال ونساء. لوهلة ظن أن جميع سكان أسبانيا في شبة الجزيرة والعالم الجديد قد تم دعوتهم بمعيته. 

“اللعنة، لن يكون هنالك وقت كافي من أجل التحدث مع الملك كارلوس” (هو ذات الأمبراطور لكن في إسبانيا يلقب بهذا الاسم ليصبح أكثر قربًا من أهل البلد عن طريق تقليد أسمائهم). أصيب فرانسيسكو بالإحباط وهو الرجل الملتحي بشعيرات غزاها الشيب بمقدار سنواته الطويلة التي قضاها في خدمة الأمة الأسبانية عن طريق امتلاك أراضي جديدة في العالم الحديث المتواجد غرب الأطلسي، والتي ينوي إكمال تلك المسيرة هذه الليلة من خلال إلقاء خطبة يتمنى أن تؤثر في نفس الأمبراطور حتى ينال شرف الدعم المالي لخلق مستعمرات جديدة داخل البيرو. تلك الحماسة تصيبها شكوك من شائعات كانت قد تنامت إلى مسمعه عن رغبة الملك كارلوس في التخلي عن انشاء مدنًا جديدة لامبراطوريته مترامية الأطراف في الهند الغربية، فعلى ما يبدو أن روح الأمبراطور لم تعد مستقرة وأصبحت مملوءة بالذنب تجاه ما يحدث من استعمارِ لأراضيِ يمتلكها أُناس آخرون، متوحشون نعم، لكنهم هم السكان الأصليون لتلك الأرض، ومن الواجب على الحاكم أن يتحلى بالعدل في كل أفعاله ولعل فكرة احتلال موطن وإحلال شعب بشعب آخر لا تتماشى مع تلك الصفة إطلاقًا. 

على الرغم من كل هذا ظل بيزارو متفائلًا حول مجريات اللقاء المرتقب بينه وبين الملك، فمع عبور كل دقيقة تمضي بالجميع نحو المستقبل، يتحرى فرانسيسكو اللحظة المناسبة لبدء الحديث مع الإمبراطور المقدس. 

“هل أطلعت على الهدايا التي جلبتها من المكسيك”

كان وقع تلك الكلمات سريعًا كخطوات الناطق بها والذى ما انقضت جملته حتى انتصب أمام فرانسيسكو حاملًا معه سلاسل ذهبية ضخمة لم تكن عيني فرانسيسكو قد التقطتها من قبل. “كورتيز” قالها بيزارو بصوت يشوبه قلة الحماسة مع خليط من حسد تجاه هذا الشاب المنتشي بانتصاراته الأخيرة، والذي أصبح محور حديث الجميع، فمن هارب من خدمة الملك إلى مؤسس لمستعمرة جديدة على أنقاض إمبراطورية الأزتك، كل تلك الأفعال جعلت منه شخصًا عظيمًا يهابه الجميع، ولعل عين بانفيلو دي نارفياس المفقودة تعلم جيدًا جنون هذا الشخص. 

“أرى أنك قد تكبدت عناء السفر تاركًا مستعمرتك الجديدة بلا قائد يقودها” 

أراد بيزارو من خلال طرح هذا التساؤل أن يهبط قليلًا من حماسة كورتيز المتقدة، فهو على ما يبدو سيصبح منافسًا شرسًا لتطلعاته القادمة كون أن القائدين مشتركان في ذات الرؤى. 

“لا عليك، تركت المكسيك برجال يهابون كورتيز وكأنه متواجد بينهم، حتى وأن كان جسدي يحضر في هذه اللحظة داخل شبه الجزيرة الإيبيرية”

توالت الكلمات الخارجة من فم كورتيز لتصل لأذن بيزارو الغير مبالية بعنجهية هذا الشخص الماثل أمامه، وكأنه بهذه الطريقة ينال عقابًا على ذنب كان قد ارتكبه فيما مضى ليحاول صابرًا ومحتسبًا أن تنقضي تلك الدقائق بسرعة. المستغرب أن كِلا الرجلين ينتمي لمدينة تتواجد كل منها بالقرب من الأخرى. فلا مسافة تذكر بين مديين و تروخيو، حيث تتشابه معالمهما وحالتهما الطقسية وسجلاتهم التاريخية بطريقة يصعب معها التفريق فيما بينهم، لكن على ما يبدو أن العالم الجديد صنع شخصيات مختلفة لا صلة لها بتلك المتواجدة على الأراضي الإسبانية، ومن المؤكد أن الصراع على السلطة وامتلاك أكبر قد من الأراضي هو على رأس أولوياتها. 

بعد الانتهاء من سماع الخطبة العصماء الملقاة على مسمعه، أراد فرانسيسكو أن يبتعد قدر الإمكان عن هذا المتحذلق والاقتراب أكثر من الملك الموقر ليبدأ معه في فتح المحادثة المصحوبة بطلب شخصي يتمنى غاية المنى ان يرق لقلب جلالته حتى يتمكن من الإبحار مرة أخرى إلى البيرو وبدأ عملية الاكتشاف داخل أراضيها الوعرة والتي يعلم شديد العلم انها تحمل الكثير من المفاجآت على الصعيدين البشري والموارد الملازمة لها. بحديث باسم انطلقت معها ضحكات الإمبراطور شارل صحبة مجموعة أخرى من القهقهات المنطلقة من أفواه المجتمعين حوله، أقترب بيزارو أكثر ليساهم في إعلاء صوت الضحك ويُقدِم بعدها على بدء خلق الكلمات المعنية بموضوعه المستعجل. 

 “جلالة الإمبراطور، خادمكم المطيع فرانسيسكو بيزارو في أراضيكم المقدسة داخل العالم الجديد” 

نطقها بيزارو بجسمِ منحني باتجاه الملك لكن هذا الانحناء زاد من انحناء ظهره المتواجد مسبقًا لينتج عنها قوسًا محدبًا تحدق به النظرات المختلفة باستغراب عن ماهية هذا الجسد. 

“بالطبع، بالطبع أيها القائد بيزارو. كلي معرفة بأفعالك الجزيلة والتي نذرت نفسك في فعلها من أجل خدمة الرب والإمبراطور، كن على ثقة أنِ أحمل لك الكثير من التقدير والإجلال والذي أنوي أن أرده لك من خلال أي متطلبات تريدها”

 أُصيب بيزارو بالدهشة لسرعة ردة فعل الإمبراطور ناحية الخوض في الموضوع سريعًا، بل كان مستغربًا أكثر بأن الأمبراطور على معرفة بما ينوي بيزارو طرحه امامه. 

“بالطبع مولاي فأنت تعلم أن العالم الجديد غني بالموارد الطبيعية مثل الذهب والتي من شأنها أن تثري الإمبراطورية الإسبانية وتجعلها متسعة بشكل أكبر مما هي عليه الآن، ليتحقق لها السيطرة التامة على معظم أراضي كوكبنا ويتسنى لنا خدمة نشر رسالة الرب الحقة وننال معها شرف هذا الفعل المجيد”

 بعد أن أنهى بيزارو من سرد تلك المفردات، أحس بنشوة المنتصر، كل ذلك القلق السابق لتلك اللحظة تلاشى على عجل بخفة سقوط رمش العين الغير ملاحظ اختفائها. تهافتت على نفسه رغبة ملحة بأن يمتطي السفينة المغادرة إلى أعماق المحيط الأطلسي لتلقي به في أحد الأراضي المحاذية له دون التمعن في أي بقعة كانت، لأن بعدها يعلم جيدًا أي طريقِ سيتخذه للوصول إلى دهاليز البيرو. 

“اعلم جيدًا رغبتك الملحة في انجاز ما تأمل إليه، وأنا أؤكد على مسمعك بتشابه ما ترغب به مع ما أطمح إلى تحقيقه في مملكة إسبانيا، ولكن هنالك أولويات يجب علي الالتفات لها أولاً حتى يتسنى لنا تقنين المصارف المبذولة في عالم اكتشاف الأراضي الجديدة دون أن نجد أنفسنا مصابين بهدر لا معقول ينتج عنها غضب شعبي في الداخل القريب، والذي على ما يبدو أن العديد منكم كان قد تناسى وجودهم”

أحس بيزارو بشلل في استخراج الحروف ليشكل معها كلمات مناسبة لوضع رد مقنع تجاه الرأي الملتف حول حقيقة أن لا رغبة لدى الملك في خوض المزيد من المغامرات في العالم الجديد، وفي ذات اللحظة أقتربت من عينيه صورة كورتيز الماثل في الخلف وهو محاط بالعديد من الوجهاء، غالبيتهم من النساء، وهم يستمعون بحماس لحديثه المتكلف حول مغامرات فتح الأزتك و الإطاحة بالقائد مونتيزوما. للحظات عابرة كان يرى نفسه في مكان كورتيز، فهو يؤمن أشد الإيمان أنه أفضل منه في القيادة العسكرية، وملتزم أشد الالتزام بالفضائل الأخلاقية ناهيك عن الفارق العمري الذي يرجح كفته، فللأقدمية أهمية كبيرة عند فتح الأحاديث أمام الملوك. لكن كل تلك التفضيلات تأرجحت ناحية الحافة تاركةً بيزارو وحيدًا وصامتًا أمام الملك. 

“هل لديك ما تضيفه أيها القائد بيزارو” 

قاطع الملك خيالات فرانسيسكو المحلقة بعيدًا عن جنبات القصر. أمن المحتمل أن يُخيب بيزارو ظن المستكشفين الذين وعدهم قبل مغادرته بنما بأن يجلب أموالًا تمكنهم من العودة مرة أخرى للإبحار جنوبًا والغوص أكثر في المدن الرائعة والتي مروا بمحاذاتها العام الفائت. أيكون الإقدام على فعل عصيان أمر حاكم بنما بالعودة من جزيرة الديك، والتي أصاب فيها الجوع والمرض رجالات بيزارو حتى أرسلوا نداءات استغاثة للحاكم من أجل أن ينقذهم من هذا المتهور، غير أن هذا المغامر لم يأبه بأمر الحاكم راسمًا خطًا رمليًا على شاطئ الجزيرة ليعلن فيها اعلانًا للناجين مفاده أن لا بد من أن يختاروا مصيرهم، الشجاع حتمًا هو من سيختار التواجد بجانبه والذي سيلوذ بالفرار كالقط إلى الجانب الآخر سيتسم بالجبن طيلة حياته، (يبدو أنها عادة لدى القادة العسكريين المتمركزين بالقرب من سواحل البحار والمحيطات رسم خطوط مفصلية وتهديد الجنود المنهكين).

“لا أعلم أن كنت قد أطلعت على الأحداث الحاصلة في الأراضي الجديدة، لكن أؤكد لك أني تركت خلفي رجالاً شجعان لن توقفهم أية مخاوف، جميعهم خاضوا أمورًا كان من الممكن أن تودي بحياتهم، لكن ها هم باقون ومصرون على خوض غمار الأكتشاف العظيم، فأنا على ثقة بأن ما حصل في المكسيك مع القائد المبجل كورتيز ما هو إلا البداية لانتصارات أعظم بكثير سيكتب لها الحدوث على يدي بعد أن أنال مباركتكم ودعمكم السخي يا صاحب الجلالة”  

“الحقيقة أن كورتيز قد يكون العائق الوحيد لتلبية رغباتك، فقط اعطيته وعدًا بدعمِ ماليِ سخي لرغبته الملحة بالتوسع أكثر ناحية الأراضي الغربية”

 صمت آخر أصاب القائد الطموح العجوز مرة اخرى، لم يكن يعلم بيزارو الحقيقة الكاملة خلف تلك القصة المحكية من قِبل الملك، أكان يريد أن يدخل القائدين داخل ساحة معركة مفتعلة حتى يقضي أحدهما على الآخر، وبالتالي تتقلص المساحات المراد التوسع داخلها في الأراضي الجديدة ليفضي الأمر إلى تحقيق رغبة الأمبراطور المخفية من دون بذل أي مجهود من ناحيته، أو أنه من الملائم لفرانسيسكو أن يتقبل أن الملك يفضل كورتيز عليه، لأسباب يجهلها او يعلمها ولا ينوي الاعتراف بها، ويثق ثقةً عمياء بأن الأموال المرصودة له ستعود بالنفع للإمبراطور وللأمة الإسبانية. 

ارتئ بيزارو التنحي جانبًا بعد أن ألقى كلمات الشكر والثناء على مسامع الملك، وبذلك يضمن التفكير بهدوء في خبايا الحوار الذي دار بينه وبين جلالة الإمبراطور فلعله بتلك الطريقة يلتقط قشة ضئيلة تتيح له العودة لنيل مباركة جلالته. لكن من الصعب على المرء الاختلاء في مكان مكتظ كهذا، ليجد بيزارو نفسه مرة أخرى وقد حُشر مع كورتيز وقادة عسكريون آخرون. كانت محاور النقاش المطروحة تدور في فلك العالم الجديد وكمية الثروات الغير مقدرة المراد تحصيلها، دون الإغفال عن الجانب الروحاني بإرشاد تلك الأرواح التائهة للطريق الصحيح. 

“ما الذي تنوي تحقيقه أيها القائد بيزارو والذي جعلك تطيل في الحديث مع الملك؟” 

قذف كورتيز بالتساؤل مأملًا أن يجعل المتلقي بيزارو طريحًا عاجزًا عن الإجابة.

“لعلك على معرفة تامة بمجرى الحديث الدائر بيني وبين جلالة الإمبراطور فمثلك لابد أن يكون حاضرًا في جميع الأحاديث المتعلقة بالعالم الجديد” 

 قالها بيزارو بصيغة تهكمية حتى وأن كان المعنى المراد لتلك الكلمات يدل على عكس ذلك. 

“أنا” قالها كورتيز بتعجب شديد تبعتها ضحكات مصطنعة، “الجميع هنا على علم بأني لم أبرح هذا المكان لمدة طويلة، فجسدي ظل واقفًا في محاولة مني لتسلية من هم حولي وأنا على ثقة بأني قد أديت المهمة على أكمل وجه، أليس كذلك؟” 

طرح كورتيز التساؤل الأخير في نفس اللحظة التي بدأت فيها رقبته بالالتفاف على المتجمهرين من حوله رغبةً في حشد تأييد متوقع في اللحظات القادمة. لم يطق بيزارو ذلك المتعالي منذ البداية، لكنه رغب في تحاشي خلق صراع لا مبرر له، حتى لا يتبادر إلى ذهن كورتيز أن الغيرة والحسد تفتك به لشدة إعجابه بما حصل عليه في العالم الجديد ونيل رضا الملك ودعمه السخي المقرون حتمًا بالتقدير ناحيته. 

“لقد عزمت على نيل رضا الملك لدعمي في ما أنوي القيام به وهو التوسع داخل أراضي البيرو، بعد أن تجاهل حاكم بنما طلباتي المتكررة حول ذات الغرض. اعلم أن الأموال لا يمكن لها أن تخرج من خزينة الدولة دون تقديم ضمانات بعودتها مضاعفة حتى لا تصاب بلدنا المباركة بإفلاس على المدى البعيد. وهذا بالطبع يعد عاملًا مساعدًا كون البيرو ثرية بالموارد الطبيعية من الذهب والفضة والتي من شأنها جعل خزينة البلاد فائضة لسنوات عديدة قادمة” 

أراد بيزارو أن يجعل الثقة سمةً بارزة له، وأنه لا يوجد ما يؤرق نفسه تجاه تلبية متطلباته. في المقابل كان كورتيز يعلم أن الملك وعده بالدعم السخي لحملته التوسعية القادمة باتجاه الغرب، ويعلم أيضًا أن جلالته لن يهدر اموالًا اخرى على حملةِ مجهولة في أراضي تحيط بها قلة المعرفة بطرقها وتضاريسها لتصبح مغامرة متهورة لا طائل من خوضها. أراد من بيزارو أن يستشعر هذا الأمر وألا يعلق آمالًا واهنة بحيازة ثقة الملك لاستكشافه الغامض. هو يعلم أنه قادر على تأدية هذا الدور، فطالما كان المحطم لمن هم حوله حتى يتسنى له تسلق سلم المجد وحيدًا لينال مبتغاه في النهاية. ألم يخون قائده ووالده الروحي دييغو فيلاسكيز دي كويار بالإبحار بالسفن ناحية المكسيك دون علمه، وهو الذي اقتلع عين حامل رسالة الملك بالقبض عليه لكونه خارجًا عن القانون بعد فعلته الحمقاء بتحريك الأسطول من دون قائدها الفعلي، ذات الملك الذي يغدقه اليوم بالرضا والألقاب المبجلة وتعينه حاكمًا لأسبانيا الجديدة في الهند الغربية. كل تلك الأحداث خلقت من كورتيز رجلًا لا يقهر، وينظر لنفسه بنظرة المتساوي في الإجلال والتقدير مع الملك. هذا الغرور المبرر جعلت أقواله أفعالًا تحدث دون حتى الخوض في غمار كيفيتها، إذن كان من الجلي قبول الملك لعرضه المقترح بشأن التوسع أكثر في الأراضي الغربية من المكسيك واعتباره أمرًا مسلمًا بنجاحه. 

تقلص أعداد الحاضرين وبدأت علية القوم يتسللون داخل أروقة القصر متشبثين بمكانتهم وحسن معشرهم لدى الملك، رافضين المغادرة المبكرة والتي لا تليق بمكانتهم. انخفضت الأصوات وخفت الجدالات وبدأ الجميع في مراقبة تحركات الملك الأخيرة أملاً في نطق حروف من شأنها أن تعد كلمة الختام لهذا العرض المسرحي الباهت، لكنها لم تحضر. على النقيض استدعى الإمبراطور شارل القائد فرانسيسكو بيزارو للحديث معه صحبة الأمبراطورة ليبتعد المتحدثون بمسافة لا بأس بها تعد كافية لعدم اختلاس الحديث من قِبل آذان المتربصين. 

“قد تحدثت في أمرك مع جلالتها، وأرشدتني لبعض المنافع التي غابت عن ذهني والمتعلقة بإنشاء مدنًا اسبانية داخل البيرو. أؤكد لك أنك ستنال الدعم المالي اللازم لتلك الحملة ناهيك عن المرسوم الملكي والآمر بتعينك حاكمًا للبيرو دون الإغفال عن إلقاء حزمة المطالب على السكان المتواجدين داخل الأراضي التي تنوي إنشاء مدنًا إسبانية داخلها. سأغادر طليطلة يوم الغد سأترك مهمة تنفيذ تلك الأوامر لجلالة الأمبراطورة، أرجو منك التريث لحين إكتمال الأمور والبقاء داخل المدينة دون الخروج منها إلا عند الضرورة القصوى مع الإبلاغ عن هذا الأمر للعاملين بالقصر، ستبصح بعدها حرًا في الإبحار إلى الهند الغربية حين يحين موعد تسليم الوثيقة “

كان كورتيز مراقبًا من بعيد ويصعب عليه من مكان تواجده قراءة الكلمات المتلية على مسمع بيزارو، لكن بإمكانه النظر جيدًا في ردة فعل فرانسيسكو المبتهجة، والتي يحاول مرارًا كبح جماحها. ظن كورتيز أنه رأى أجنحة ضخمة مثبتة على ظهر بيزارو تحلق به بعيدًا نحو أمجاده المرتقبة في العالم الجديد. أجنحة ظن هيرنان أنه المالك الحصري لها غير أن المنظر المتمثل أمامه أثبت عكس ذلك جاعلًا أشخاصًا آخرون يحملون ذات المجد الذي سُطر من أجله.