ما الكون؟

Island Universe by William Hays

“نأتي إلى هذا الكون من دون أن نختار ذلك. وللحظات عابرة، وكأننا يراعات كونية، نسافر برفقة غيرنا من البشر، مع آبائنا و أشقائنا و أبناءنا و أصدقائنا وأعدائنا. كما نسافر مع أشكال الحياة الأخرى، من البكتيريا إلى البابون، ومع الصخور والمحيطات وأضواء الشفق، ومع الأقمار والشهب والكواكب والنجوم، ومع كثير وكثير من الفضاء الخاوي. إن الموكب ثري وصاخب ومتنافر وغامض، ورغم أننا نحن البشر سنتركه في النهاية لا محالة، فسيستمر الموكب في طريقه. وفي النهاية سيتلاشى الموكب، وبعد مليارات لا تحصى من الأعوام، سيخبو وكأنه شبح طلع عليه الفجر ويتحلل في محيط الطاقة التي ظهر منها في بادئ الأمر”

تثيرنا نحن البشر قصص البدايات، نطرح التساؤلات حولها وعن من ابتدعها، من كانت له الأسبقية وكيف تحقق ذلك. في حكايات معينة نجد الأجوبة الوافية وفي أخرى نصاب بالضياع من الإجابات المتداولة، وبين هذه وتلك يبرز لنا نوع آخر من القصص تحاط بالغموض مع تساؤلات مطروحة أكثر بكثير من الإجابات الموثقة، وتلك الإجابات نادرًا ما تجد أذنًا صاغية ومطيعة حيث تظل مجالًا خصبًا للتشكيك وإعلان محاربتها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. 

قبل سنوات مضت، أُصدر كتاب “العاقل” وفي الأشهر التي تلت هذا الحدث، برزت ضجة كبيرة بين أوساط القُراء كونه تناول موضوعًا مثيرًا للشخص العادي. يطرح الكتاب بداياتنا نحن البشر على هذا الكوكب و مراحل تطورنا وتقدمنا مع النتائج الجانبية لتلك العملية ببناء الحضارات والامبراطوريات والدول العظمى، دون الإغفال طبعًا عن المسببات الرئيسية لتلك السيطرة وما لازمها من إنشاء الإقتصاد والأنظمة التي تحكم البشر. كتاب “قصة الأصل” للكاتب ديفيد كريستيان يتناول قصة البدايات لكن هذه المرة من منظور مختلف، فقصة كريستيان تبدأ من بداية تكون هذا الكون بنجومه وكواكبه وثقبه الأسود، وبدء ظهور المعالم الأولى للحياة على كوكبنا (وربما في كوكب آخر) وقدوم الإنسان وما تلى ذلك من أحداث. الكتاب لا يتوقف هنا بل يستمر في السرد واضعًا فرضية لما سيكون عليه المستقبل، مع وضع حلول افتراضية للمشاكل التي من الممكن تفاديها.

يصنف ديفيد كريستيان نفسه كأحد مؤسسي التاريخ الجامع وقد عبر من منظوره بأن إذا أردت أن تفهم تاريخ البشرية عليك أن تفهم كيف تطور هذا النوع العجيب، مما يعني معرفة تطور الحياة على كوكب الأرض وما حولها من نجوم وكواكب وأقمار، دون الإغفال عن الحاضن الرئيسي لهم جميعًا “الكون”. ويعتقد كريستيان أيضًا أننا نعيش في زمن تقدمت فيه القدرات العلمية القادرة على إعطائنا الإجابات الدقيقة إلى حد كبير، فلابد من سرد القصة كاملةً من خلال جميع الأبطال الأحياء والغير أحياء وكنتيجة لذلك خرج لنا كتاب “قصة الأصل”.

قُسم الكتاب لأربعة أجزاء، و بإمكاني وضعها داخل جزئين، جُزء يوضح الوضع قبل مقدمنا نحن البشر وجزء يتحدث بإسهاب عن التغيرات التي حدثت بعد أن ظهرنا على المشهد. في الجزء الأول يبدأ السرد من اللحظة الوليدة، المحطة الأولى لانطلاق هذا العالم “الأنفجار العظيم” وما تلاها من أحداث لمدة مليارات من الأعوام لتأتي بعدها قصة تكون النجوم وما قدمته لنا أثناء احتضارها من هبة العناصر، من جزئية العناصر لفت انتباهي ان عالمنا كان مليئًا بعنصري الهيدروجين والهيليوم فقط، هذه الصورة الدرامية وصلت لي على هيئة وحدة شديدة لا بد أن يكون العنصريين قد أصيبا بها، إلى أن اتى الفرج على هيئة أشقاء آخرين من عائلة العناصر المختلفة لتزيد معها التعقيدات ويصبح الكون أكثر تطورًا. أشهر تلك العناصر الجديدة كان عنصر الأكسجين والذي ظل مصاحبًا للفظ الحياة بقدرته الهائلة على توفير الغاز لعملية التنفس الضرورية في استمرار حياتنا على هذا الكوكب، إلا أن الحقائق أذهلتني مرة أخرى حين ذكرت أن بدايات هذا العنصر لم تكن مرتبطة بالحياة كثيرًا قدر ارتباطه في التدمير، فقد كان المسبب الأساسي لاختفاء الحياة نسبيًا عن كوكبنا بمنعه لتكوين جزيئات أساسية مثل الأحماض الأمينية والتي بدورها تتألف منها جميع البروتينات والنيوكليوتيدات التي تتكون منها المادة الوراثية وغيرها الكثير. تضاد عجيب في جعل هذا الغاز المعطي للحياة صفات تدميرية كان من الممكن أن تهلك عالمنا البدائي، إذ لعله كان مفيدًا وصوله في وقت متأخر.

ظهر الإنسان وظهرت معاها الحكايات والقصص المروية لنا طوال القرون الماضية، والتي ظل أسلافنا يتداولونها من جيل إلى جيل كلٌ على طريقته. بدأ كريستيان هنا في ذكر المعلومات العلمية عن من أين أتينا وكيف تطورنا، مع الإسهاب في تبين طريقة تحولنا من مجتمعات صيد جامعة إلى مجتمعات زراعية وما تبعها من انطلاق الأشكال الحضارية كالمدن والأمبراطوريات وما إلى ذلك. في هذا الجزء لم تذكر معلومات جديدة أو بالأحرى لم تكن مشوقة وموضوعية كحال القسم الأول، تنتابك لحظات أنك تعيد قراءة كتاب “العاقل” وهو أمر ليس بالمستغرب فالجميع يستقصي المعلومات من المصادر نفسها تقريبًا إلا أن طريقة السرد في “العاقل” كانت ممتعة بشكل أكبر مما عليه الحال في “قصة الأصل”. 

عند نهايتك من قراءة الكتاب ستصيبك بعض التساؤلات المحقة، و تقارن ما أنهيته بما كان لديك من معرفة سابقة، ستصدق بعضه وتنفي بعضه الآخر لكن في النهاية هذا هو الغرض الحقيقي من القراءة، الاطلاع على وجهات نظر متعددة ليتشكل معها رأيك الخاص والفريد من نوعه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s