مسبح مهجور

وقف الأب المنتشي بقرب نهاية منجزه الأعظم، والذي لم يكن الأوحد، بافتخار كبير ناحية ما صنعته يداه مجازًا. فبعد مرور ثلاثين عام لنشأة عائلته، لازمته خلالها هواجيس بناء المنزل وتملكه كاملًا، محتلة بذلك كافة تفاصيل حياته اليومية وخيالات عز الظهيرة. تلك الملحمة مرت عبر مراحل، بدأت تتشابك خيوطها عند لحظة اختيار الموقع لتتم معها عملية شراء الأرض البكر. صحيحُ أن تلك اللحظة  كانت سابقة لأوانها، فلم يراد بها أن تؤدي إلى بناء منزل الاستقرار لكن شاءت الصدف وضع تلك الأرض أمام ناظريه بعد أن عرضها زميل له في العمل أدعى أن الأراضي الآن تعد في أسعارِ لا مثيل لها ولا يمكن أن تعاد تلك الفرصة مرة أخرى، فالوضع العام لا ينم عن استتباب، بالأخص مع دق طبول الحرب. “اشتريها الآن لأقوم ببيعها لاحقًا” نطق بتلك العبارة داخل جوفه لتتخذ معها تلك الأرض موقعًا على خارطة المستقبل تجاه ما يعتزم رسمه في ذلك العالم. رغب في إلقاء نظرة على تلك الأرض، دله الزميل لمسار تلك الرحلة، عجل في اتباع الخطوات إلى أن وصل للنقطة المنشودة، تفحص بناظريه المكان رغم تشابه اللوح المحيطة بالموقع. اراضي صحراوية لم تخطط بعد، مليئة بصخور ذات تراكيب مبعثرة لا ترمز لشيء ذو قيمة. هبت رياح أواخر الصيف اللاهبة على وجنتيه كعادتها في تلك البقعة بعد إطالته للحظة الوقوف، غمره احساس برسوخ تلك اللقطة، رغم عدم كماليتها، آمن بشدة أن تلك الأرض لن تمر مرورًا عابرًا في حياته. هي حتمًا ستصبح مسكنه الدائم.

الاستمرارية، كلمة مُحيت تمامًا من قاموسه. أصبح هاجس الاستقرار بعيد المنال بالنسبة له، فمنذ الصغر لم يعرف مسكنًا يليق بمصطلح “منزل”، يذكر أحيانًا أماكن طينية ضيقة عديمة الضوء داخل بلدة نائية لا ذكر لها في الخرائط. ظلت والدته تردد على مسمعه عن ضرورة مغادرة هذا المكان وإلا تم لهم الفناء. تبرز الفرص في البلدة المجاورة لذا يستلزم الرحيل عن تلك الحفرة. حمل هو ووالدته الأمتعة القليلة مرتحلين صوب تلك البلدة العظيمة. لم تتغير الحال كثيرًا في البدايات فقد ظلت تلك المساكن الطينية تبزغ حينًا بعد حين، ألا أنه بعد ما أشتد عوده تمكن هو من تأسيس عائلته، لتنزح معها فكرة المنزل الأمثل ومحاولاته الدؤوبة معهم في إحداث تلك المعجزة. ظل هو وعائلته التي تتوسع مع مرور الأعوام يتنقلون من منزل إلى آخر كلما تقدم بهم العمر. شقة صغيرة في عمارة تابعة لمقر عمله تعد متنفسًا مثاليًا لعملية ادخار الأموال نحو البيت الأمثل. ومن تلك الشقة تنتقل العائلة ناحية شقة شبيهة بها لكن في عمارة مختلفة، إلا أن هذا الأختلاف لم يُلحظ أبدًا حتى في رؤية الصور الملتقطة من تلك المرحلتين بعمق. تشابه غريب لا يميز تلك الفترات المختلفة بأي سمة سوى ببعض الحوادث المفتعلة من قبل الأطفال/المراهقين على جدران تلك الشقتين، فمن خلالها تمكن الأب من التمييز بين معالم المنزليين. “كم هي رتيبة تلك المناظر” لم يجد تعليقًا أفضل من ذلك لوصف ما التقطته عيناه عبر تلك الصور. 

استحوذ تصميم المنزل على معظم يومه، فتراه متنقلًا بين مكتب مهندس وآخر بحثًا عن التصميم الأمثل. والذي عُد إيجاده صعبًا في ذلك الزمان داخل مدينته، هو أمرُ يشبه إلى حد كبير استخراج الذهب في أرض افتقرت لها منذ عقود. هو في رحلة دائمة لاستقصاء الكمال، لكن ظل الكمال دومًا مبتعدًا عنه. منزل بطابقين رفقة قبو تتمكن فيه العائلة الممتدة في ذلك الحين من إقامة احتفالاتها ونجاحات أفرادها. “مسبح، لا بد من وضع المسبح” رغم رفاهية تلك الفكرة ومع الوضع المالي المحكوم بأطر وقيود قادرة على منعه من التفكير في تلك المتع. رغم كل هذا أصر على طرح هذا المقترح على مسمع المهندس المكلف لتلك المهمة. 

بدأت العائلة في زيارة موقع المنزل رغم عدم اكتماله بعد، فبعد مرور ستة أعوام على بدء عمليات البناء، وستة أعوام تسبقها منذ شراء الأرض. باتت معالم اللحظة الختامية تتضح أكثر وأكثر لتبرز معها ملامح المنزل السعيد. رغم اختفاء بعض أعضاء المنزل نظير انتقالهم لمنازل أصغر في رحلة تكوين عائلاتهم الخاصة، إلا أن المشهد كان فاتنًا بالنسبة للأب، فكل شيء وضع في موقعه الصحيح والذي يليق به. تم الانتقال بسرعة بالغة مقارنةً بما مر به المنزل من عمليات تشكيل انتقيت بعناية فائقة، لم تتبلور تلك اللحظة كما أرادها الأب فالأبناء المشاركين في تلك الرحلة لم يشعروا بفارق يذكر ناحية تغير مسكنهم، فعملية النوم مرت بسلام كما كان معتادًا في المنزل السابق. أحبط الأب قليلًا إلا أن هذا الأمر لم يهبط من عزيمته في الفرحة الكبرى المتمثلة في الانتقال لمسكن دائم. 

المسبح، منذ تبديل عنوان السكن لم يقم الأب بملء حوض السباحة المبني بإصرار منه رغم اعتراض المهندس على هذا المقترح، ناهيك عن المواصفات التي اتخذها لشكل المسبح. كان عميقًا لدرجة يصعب معها السباحة بداخله إلا من قِبل محترفين بتلك الرياضة أو على دراية بسيطة بها وهو ما كان مفقودًا لدى ما تبقى من أبنائه. “لن أسمح بحدوث هذا الأمر أتريد أن أفقد أحدهم داخل تلك البركة العميقة” ظلت الزوجة عازمة على رأيها والذي بني على خوف وقلق يليق بأم جل ما تحسنه في هذه الحياة حماية أطفالها وأن بلغوا من الكبر عتيًا. لم يكترث لتهديداتها عاقدًا العزم على ملء المسبح، لتبدأ معها جولات الترويح التي طالما تخيلها منذ بدايات تشييد هذا المنزل ولحظة رسم المخططات الورقية له. أصبح الصيف، أو بالأصح الفصل السابق للصيف، أيامًا ممتعة لا نظير لها ينزع الجميع فيها غطاء الاحترام المصطنع لتنتشر بذلك عفوية لا تؤدي لضرر ظل تصور قدومه ملازمًا لمخيلة كبار العائلة.

مرت السنون البسيطة لتزداد معها عمليات الخروج من بوابة المنزل، ليستبدلوا بأحفاد تقل مدة مكوثهم داخل المنزل على نقيض آبائهم المتواجدين خلال ساعات اليوم كاملة. تم مضاعفة القلق القابع داخل صدر الأم على جميع الأبناء ناحية أطفالهم، خصوصًا الإناث منهم. صراخ وعويل رفقة تهديد للاحفاد بعدم الاقتراب من المسبح، والعمل على إغلاق الباب المؤدي له حتى لا يسقط أحدهم عند قدومهم في أيام العطل. بدأت ملامح المسبح تبهت ليس في أوقات تقلب الطقس ناحية البرودة بل امتد ناحية الأشهر المفضلة للقيام بالسباحة. فرِغ من الماء وأصبح مجمعًا لحبات الرمل المتطايرة بين الحين والآخر. تتكفل الجدة بمهمة تنظيف ما يعلق بداخله رغم عدم عقد النية في ملئه بالماء مجددًا، صار موقعًا أثريًا رغم عدم اكتمال الشروط اللازمة لتحويله لذلك. 

يستيقظ الجد من نومه فزعًا، يرتب حاجياته الأساسية داخل حقيبة اليد المعدنية. يصرخ مناديًا الجدة بسرعة إخبار السائق بتجهيز السيارة حتى يتمكنوا من الذهاب لمنزلهم. فهذا المسكن يشعره بالغربة، لم يعد مألوفًا بالنسبة له. يستغرب تلك التصاميم والسلالم القريبة من باب غرفته. غرفته التي بات الوصول إليها صعبًا وغريبًا، فمن هو الغبي الذي قام بوضعه داخل هذا الموقع تحديدًا، حيث يصعب الوصول إليه في رحلة الذهاب من مدخل المنزل صوبه. لما بذل كل تلك المشقة لقطع المسافة الطويلة في حين كان بالإمكان وضعه بالقرب من المدخل.  ترد الجدة في ضجر بعد تكرار حدوث ذلك الأمر مرات عديدة، ألا أنها هذه المرة قررت مواجهته بطرح سؤال يشغل بالها قائلةً: “عن أي منزل تتحدث، هذا هو منزلنا ولا نملك غيره”. ينظر إليها باستغراب، متسائلُا عن امتلاكها كل تلك الثقة للرد عليه بأن ما يقف بداخله الآن هو “منزلنا”. فهذا المبنى لا يعلم  عنه شيء. كأنه اقتلع من أرضه المألوفة جهة تلك التربة العجيبة. أيعقل أن يبني شخص داخل مسكنه مسبح بهذا العمق، ومن أين أتته فكرة المسبح فهي لا تلائم نمط حياته ولا حتى وضعه المادي. من هو الغريب الذي أدخل هذا الدخيل داخل أرضِ تجزم شريكته أنها ملكه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s