فصل التيار

تود بشدة فصل التيار الكهربائي الموصل بجهاز العرض والمتمركز داخل دماغها، والذي ما انفك مقلقًا سكينتها من خلال تشغيل مقاطع مصورة لا ترغب في رؤيتها. بيد أنه يأبى ألا أن يجبرها على المشاهدة الكاملة. يصيبها الضيق في كثير من الأوقات، والحماسة المعيبة في أحيانِ أقل. كان له ميعاد ثابت، أو بالأصح ميعادان. يبدأ في البث عند الخلود للنوم مع إعادة ما تم عرضه، رفقة مشاهد إضافية، عند الاستيقاظ منه. مذكرًا إياها بالواقع الذي لم يحصل، نسمة الحياة التي تفتقدها أن استيقظت. كانت تلك اللقطات الواردة هي وحدها المصدر المحفز لخلقها. فتلك الآلة لم تكن سوى عبد مطيع لما تأمر به رغباتها. 

تجد نفسها تارةً وقد اضطجعت على كرسي وثير داخل شقة تقبع في مدينةِ مختلفة عن المدينة التي تقطنها. والباعث لذلك المشهد هو حالة الانسحاب الملازمة لها دومًا والتي تتنامى لها في جميع الحالات. لا يهم أن كانت سعيدة أم لا، فرغبة الانسحاب تقتات على أحلام يقظتها بالكامل. هنالك متعة تعتريها عندما تتخيل مرحلة البدء من جديد، هي بارعة في فترة البدايات مخفقة في إيجاد خَاتِمَات

ضربت موعدًا الليلة لقتل المسبب الأول لتلك الحالة، الخيال. اختارت الليل لاصطباغه بالعبوس. يصعب عليها تخيل عملية قتل تحدث في وضح النهار رفقة حزمة ضوء مشعة تعبر النافذة الزجاجية فاضحة أفعالها المشينة. ذلك أمر مستبعد. دون الإغفال عن ميزة قلة الشهود المتواجدين بالقرب من مسرح الجريمة، غرفتها، والذي من شأنه أن يوقع بها عن طريق سرد الأحاديث لعملية القتل كاملةً إلى ضابط الشرطة المناوب تلك الليلة، لتجد نفسها وقد سُحبت لساحة الإعدام.

جهزت السلاح، مسدس. كانت تلك المرة الأولى التي تتلمس فيه تلك الآلة، لم تختبر بعد مدى صلاحيته. ظنت أن إبطال حركة الهدف يفي بالغرض. وجدته مهجورًا في غرفة والدها الراحل، والذي طالما تباهى بخبراته المتعددة في الأسلحة النارية، حربية كانت أم مخصصة لصيد بعض الحيوانات السائرة. تلت دعاءًا بالرحمة لوالدها. رغم غرابة حضوره. ألا أنها أرادت أن تثبت لروحها مدى نقاء سريرتها. وحتى تطرد الشؤم الحائم حولها، والذي تولد لاإراديًا رفقة الظروف الراهنة.

 قبل حلول منتصف الليل، شرعت قدماها في جر الجسد المنهك ناحية السرير. انضمت يداها في عملية الانخراط نحو الانسلاخ من عالم اليقظة، وذلك عندما باشرت في التحليق ناحية المفتاح الكهربائي. انطفأ ضوء الغرفة لتلتحق بهم العينان في عملية التحول. وجدت نفسها متأهبةً للغوص في أعماق النوم. قلقت من أن يحدث خلل في الخطة المرسومة بدقة. أعادت سرد تلك الخطوات واحدة تلو الأخرى، في تسلسل شبيه بقطع دومينو صُفت بعناية في انتظار لحظة السقوط الأولى. تلك الهنيهة تخشى أن تفلت من قبضتها. تذكرت براعته في التخفي، فهو لم يتجسد لها من قبل. جل ما يصله منها تهيؤات يزرعها داخل العقل. 

بدأت الشحنات الكهربائية في التوافد لمعقلها المعتاد، منذرةً بوصول الهدف المنشود. تحت اللحاف، كانت يداها قابضة بشدة على المسدس. تحاول أن تبقى متيقظة رغم جرها رُوَيْدًا رُوَيْدًا ناحية ذلك الشريط المصور، والذي يتعين عليها مشاهدته. تخشى أن يجرها هذا الأمر لرؤيته كاملًا مما يعني تجلي النهار وتبدد خطتها المرسومة. لا ترغب في خوض محاولات أخرى لإنهاء تلك المهمة، هي هذه المرة لا غير “أما أنا أو هو”. 

أدركت خطواته المتأرجحة داخل الغرفة، هي المرة الأولى التي تستمع فيها لوقع تلك الخطوات، تلك حتمًا بركة الدعاء في تحقيق المعجزات. حاولت جاهدةً فتح عينيها حتى تتمكن من رؤيته إلا أنهم تمنعوا فيّ الانصياع للأوامر. في خطوة واضحة لإعلان التمرد والانضمام لصفوف العدو. لم تبالِ بتلك الاضطرابات المزعزعة لاستقرار الخطة. أحست بأنها لا تزال المسيطرة على أهم عضو في تلك العملية، يداها. بيد أن رعشة بدأت تسري في عروقها البارزة عند الكفين، حركة لا إرادية يصعب التحكم بها قد تؤدي لعواقب وخيمة في دقة تصويب الهدف المنشود. تمالكت نفسها لتجد قبضة اليد قد اشتدت متحركة صوب وجهة معلومة. لم تقاومها، على الأرجح لم تتمكن من ذلك فهي عند تلك اللحظة قد بدأت في الانتقال لعالم آخر لم تكن اليقظة مرادفًا لها.

أيقظتها صوت الطلقة. صوت قوي كاد أن يخترق طبلة أذنها. حاولت أن تنهض من السرير، قاومت بشدة قوة مضادة لم ترد لها النهوض. أبى جسدها أن يستيقظ. تاهت عيناها في بحث دؤوب عن الجثة، لم تجدها. لمحت المسدس بالقرب من السرير محاطًا بدماء قريبة منها. تتبعت مجرى ذلك السيلان، بطريقة معاكسة، حتى تصل للمصدر. كل لقطة تقربها أكثر فأكثر ناحية جسدها. كانت قد نسيت بأن الخيال يقبع داخل رأسها، وأن قتله هو حتمًا يعني قتلها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s