هاملتون

20130816_161817

في أيامي الأولى من الدراسة الجامعية والمحاولات العديدة للتأقلم معها، كنت في قاعة الانتظار عند بوابة الخروج أعد الدقائق والثواني لحين قدوم السائق، فالوقت يمضي ببطء ومحاولات تضيعه بفتح الهاتف النقال والاستمتاع به لم تكن ميزة موجودة في أيامنا تلك فقمت بأبسط فعل يساهم في عملية تزجية الوقت، الإستماع لأحاديث من بجانبي. صديقات من أربع فتيات يبدو من هيئتهن وكثرة الأحاديث فيما بينهن أنه  قد مضى زمن ليس بالقليل على تلك الصداقة التي تجمعهم، إحدى تلك الفتيات تتوسط موقع الجلوس وقد استلمت دفة الحديث فيما ظل البقية بهيئة مستمعات مع بعض التعليقات البسيطة والأسئلة الملحة بين الحين والآخر، كانت الفتاة تتحدث عن رحلتها الصيفية إلى نيويورك حيث ذكرت الأماكن المميزة والمطاعم الرائعة والتسوق العجيب، الذاكرة هنا لا يسعها تذكر التفاصيل فالموقف حدث منذ زمن بعيد لكن ظلت جملة نطقت بها الفتاة ظلت راسخةً في بالي حين ذكرت بأنه لا يمكن لها أن تنسى حضور مسرحية في برودواي فهو نشاط اعتادت عليه هي وامها منذ زمن بعيد. مسرحية؟ أتذكر حالة الاستغراب التي طرأت علي عند سماعي لتلك الكلمة، ففي ذلك الوقت والعمر الصغير لم أكن أعي كثيرًا عن كيفية قضاء عطلتك الصيفية، أو حتى الاهتمامات التي كانت تعنيني وقتها فقد كانت مختلفة عما هي عليه الآن، لم أكن أتصور أن يضيع شخصًا ما وقته الثمين في الإجازة بالذهاب لمسرحية.

بعد عشر سنوات من تلك القصة كتب الله لي زيارة إلى نيويورك من دون تخطيط مسبق حيث أُتخذ القرار على عجل قبل العودة للرياض من واشنطن، تم تأخير العودة يومين إضافين لنجعل نيويورك آخر محطة لنا في الولايات المتحدة ولكن فقط لثمانِ وأربعين ساعة. الوقت القصير وعدم الحجز المسبق أدى إلى إلغاء فكرة حضور مسرحية، والاستفادة من تلك الساعات لرؤية أهم معالم المدينة. تمضي سنوات قليلة و كمتابعة جيدة للفن بدأ يلفت انتباهي اسم مسرحية هاملتون، حيث تكرر ظهوره في الأحاديث الفنية أما بالحديث عن روعته، أو باستضافة فناني المسرحية نفسها في برامج التوك شو، اتذكر جيدًا ففي وقتها زاد شغفي بالأعمال الموسيقية أو ما تعرف بالميوزيكال حيث تكون الحوارات فيما بين الشخصيات بطريقة غنائية والفضل يعود لفيلم لا لا لاند. حينها دفعني الحماس لمشاهدة العرض التشويقي الخاص بالمسرحية في اليوتيوب، لتظهر معها طريقة الغناء من نوع الراب لأوقف المشاهدة سريعًا ويتوقف بعدها بحثي عنها، لأنِ ببساطة لا أستسيغ هذا النوع من الفن.

المحب للقصص التاريخية دائمًا ما يُعجب بقصة تأسيس الولايات المتحدة، ففكرة تأسيس البلاد و استقلالها من بريطانيا والإعلان الخاص بها ملهمة من نواحي عديدة. حكاية الآباء المؤسسين وأول رؤسائها عُرضت كثيرًا في الكتب والوثائقيات والأعمال الفنية سينمائيةً كانت أم متلفزة. أسماء ظلت راسخة في بالي مثل جورج واشنطون جون آدامز وتوماس جيفرسون، لن أدعي على علمي الكامل بما قاموا به لكن توجد لمحات من حياتهم السياسية ظلت في ذاكرتي. قد يكون هاملتون أقل اسم من بين تلك الأسماء ذكرًا وتداولاً، ليس بمعنى عدم المعرفة التامة به لكن بعدم معرفة الأعمال التي كان خلفها، فهذا الرجل كان وراء العديد من القرارات التاريخية والمصيرية للولايات المتحدة، هذا الجانب الدرامي جذب صناع المسرحية لعمل مقتبس عن حياته لأنه وببساطة تتواجد بداخله الخلطة الكاملة لقصة درامية شيقة، رجل قدم من دون نسب كافح لبناء نفسه حتى أصبح من ضمن علية المجتمع، كأنه تطبيق فعلي لما يود الدستور الأمريكي في وقتها الاستناد عليه.

في العام الماضي تقرر عمل فيلم للمسرحية بنسخة خاصة للمشاهدين في كل مكان، وكأنها رسالة محبة لكل من لا تسمح ظروفهم برؤيتها في مكان عرضها داخل مدينة نيويورك، وأتت جائحة كورونا وعجلت بإصدار تلك النسخة وتوفيرها رقمياً. أصابني فضول لرؤية العمل رغم علمي بموسيقى الراب الموجودة فيها والمكروهة من قِبلي لكن يمكن حسابها كتجربة جديدة لن أخسر الكثير فيها. منذ بدء المسرحية إلى نهايتها ظللت بتركيز عالي دون أي تشتيت، جميع ما ذكر في المسرحية والأسطر الغنائية المذكورة ظللت مشدودة لها دون أن أفقد تركيزي، الموسيقى كانت معبرة ومختلفة وحماسية بشكل لا يمكن وصفه في أحرف بسيطة، ستستشعر بطاقة هائلة بعد الانتهاء من مشاهدة المسرحية لتظل معك فترة غير بسيطة. قد يكون نوع موسيقى الراب هي السبب رغم أن المسرحية ليست بالكامل ضمن هذا النطاق فيتواجد ضمن مقطوعاتها الغنائية أنواع أخرى من الموسيقى وكما أعتدنا عليه في أعمال موسيقية أخرى. العمل ممتع فقد احتوى على القليل من اللمحات الكوميدية ولعلها خاصية اكتسبتها المسرحية وجعلتها تتفوق على غيرها أو لنقل تميزها كون الموضوع المطروح هنا تاريخي وغالبًا ما يتسم هذا النوع من الأعمال من الجدية مع إضافة مشاهد ملحمية. وأن استمرينا في حديثنا عن التميز والمختلف في هذا العمل يجب علينا التطرق إلى أبطال المسرحية فقد تم اختيار الممثلين من أعراق مختلفة كليًا عن هوية الشخصيات التاريخية الأصلية فترى جورج واشنطون قد مُثل من قِبل ممثل ذو ملامح مكسيكية وأرون بور قد اختير لأداء دوره ممثل أمريكي/أفريقي، هي رسالة أراد صناع العمل إيصالها بأنها قصة الولايات المتحدة تُروى من خلال أبناء هذا الجيل باختلافاتهم العرقية. 

لكل منا قائمة أمنيات في هذه الحياة تزداد أعدادها مع تقدم السنين قد تتحقق بعضها وقد لا تتحقق أخرى المهم هنا هو السعي وراء تحقيقها وبذل كل ما في استطاعتك لرؤيتها واقعًا. أعرف الآن أنه قد تمت إضافة واحدة إلى قائمتي وهي مشاهدة مسرحية هاملتون في برودواي، وأعلم أنه الآن تقام من دون الطاقم الأصلي لكن حتمًا روح العمل ستكون حاضرة بقوة داخل أرجاء القاعة وهو كل ما يهم. 

 

.Dying is easy, Living is harder

أحلام اليقظة 2: محاكمة كولومبوس

تفضل سيد كولومبوس بإمكانك الرد على الاتهامات الموجهة إليك من قِبل المواطنين والذين يؤمنون بضرورة معاقبتك على الأفعال التي تفتخر بها وتعتقد، على حسب زعمك، بوجوب تقديرها نظرًا لأهميتها في تغير شكل العالم والذي شكل إلى حد ما العالم الذي نعيش فيه اليوم.

شكرًا لك سيدي القاضي أود أن أبدأ كلامي بذكر موجز عن الأوضاع التي كنا نعيشها في تلك الأيام، فكما تعلمون لم نكن بعد نعلم شكل العالم، حدودنا مختصرة في قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا. ولدت مع غريزة حب الاكتشاف والمغامرة فعائلتي قدِمت من خلفية بحرية وتتخذ من مدينة جنوه الساحلية موطنًا لها، في السفن كان خيالي الدائم، وواقعي الحتمي لم أتخيل نفسي دونها. عشنا في أوروبا تلك الأيام عصرًا زاخرًا بالعلوم والمعرفة، الأموال زادت وأصبح علية القوم ممن يملكونها يحرصون كثيرًا على صرفها في اكتشافات واختراعات تكون موضع يقين لا شك. فمثل هذه الفرص لا تتكرر دائمًا ويجب عليك اقتناصها وإلا ندمت على ذلك بقية حياتك. أعتبر نفسي محظوظًا كوني حظيت بلقاء الملكة إيزابيلا والملك فرديناند، ويبدو أن حماسهم مع استعادة الحكم على أراضي شبه الجزيرة الأيبيرية أطلق العنان لتوسيع حدودها خارج البلد الصغير، وهذا السبب جعل فكرتي المتواضعة بإمكانية وصولنا لآسيا من الغرب لا كما أعتدنا عليه باتخاذ الشرق وجهةً لنا، حماسية للملكين الشابين. فإذا نجحت الخطة سنختصر على نفسنا الطريق مع جعل ذلك الأكتشاف مخصص للتجارة الإسبانية وتبادل ما نملكه من خيرات مع بلاد الهند، لكن أسمعكم تتحدثون عن قارة تدعى أميركا وتؤكدون لي أنها الأرض التي وطئت قدماي ترابها. غريب فأنا متأكد جدًا، وقلما أخطأ في أمور كهذه، أن الأرض التي وطأت عليها كانت تابعة للقارة الآسيوية ولو كنت أطلت التوغل غربًا لوجدت تلك القبائل الصينية لكن للأسف لم أستطع الإكمال. 

سيدي القاضي المتهم يتحدث بإسهاب عن نفسه، من ذكر له أن المحاكمة أقيمت من أجل أن يتفضل علينا بالحديث عن إنجازاته وذكر مناقبه، نحن هنا لأن الجميع مؤمن بالجريمة الكبرى التي أرتكبها ذلك الشخص والتي تسببت في مأساة العديد من البشر من السكان الأصليين أو من العبيد الذين تم جلبهم للبلاد، ألم يرى تلك الحشود الغاضبة والتي قامت بتلطيخ التمثال الخاص به، الجميع بلا إستثناء يريدون رؤية هذا المجرم ينال عقوبته و ليشفي غليل كل من ذاق الظلم من ورائه، ألا يرى عدم وجود أحد حوله، لم يُقدِم أي شخص على التجرأ للدفاع عنه كمحامي خاص به يجب أن يستشعر كل هذا ويكفر عن ذنوبه. ثم أن تأكيده على أن الأرض التي وطأها هي تابعة لقارة آسيا كان المقصد من ورائه حتى ينال مكافآة الملك والملكة لأن الجائزة ظلت مرهونة بتحقيق تلك الغاية، وأجبرت البحارة ممن كانوا معك على عدم البوح بأن ما تم اكتشافه لا يمت بأي صلة للقارة الآسيوية وأن فعلوا فسوف يتم قطع ألسنتهم.

الرجاء التزام الهدوء وعدم المقاطعة فما زال لدى المتهم الحق في الإدلاء بشهادته أكمل حديثك سيد كولومبوس،  حسنًا في البدء عندما بدأت رحلة اكتشافي كان هدفي تصحيح مفهوم خاطئ أعتقده أسلافنا لوقت طويل، فقد ظلت شعوبنا  لقرون عديدة معتقدة بإيمان بالغ بصحة قياسات العالم إراتوثينس لمحيط الأرض، قد كانت لدي شكوكي بأن المسافة التي قدرها هي أقل مما تنبأ به وأنه يمكن بلوغ قارة آسيا خلال بضعة أيام وقد اتفق معي في هذا الشأن صديقي العالم الفلكي أنتونيو مارشينا. أما بالنسبة للسكان الأصليين فقد تحدثت دومًا عنهم بأنهم بشر بريئون وغير عدائيون، لم يعرفوا الحروب ولم يفسدهم الجشع المادي وبهذا آمنت بأنهم مؤهلين للتبشير بالمسيحية حتى يتسنى لي إخراجهم من الجهل. 

ما هذا الهراء من أدعيت أنهم مسالمون وتريد أن تخرجهم من جهلم أخذتهم كعبيد حتى يتسنى لك المتاجرة بهم فتخرج بأقل الخسائر من رحلتك خصوصًا بعد عدم اكتشافك لأي من الثروات الطبيعية الخارقة والتي كان من شأنها نقلك لعالم آخر أردت دومًا الانضمام له.

أرجو منك عدم مقاطعتي مازلت أواصل الحديث حتى أرد على اتهاماتكم المجحفة بحقي، فقد كنت وحيدًا في أرض جديدة ومع أناس ظننت أنهم أصدقائي وظلوا طوال الوقت يكيدون الخطط ضدي، فقد هرب مساعدي مارتين بينزون رغبةً منه في البحث عن ربح خاص، دون أن أغفل عن سكان محليين يتحدثون فيما بينهم بلغة غريبة وأرقب نظراتهم التي تصيبني أحيانًا بالشك فربما يكونون من آكلي لحوم البشر أو ممن يقدموننا لهم، فقد رويت أحاديث كثيرة عن وجودهم في تلك الأماكن. أصبح عقلي مشوشًا ومضطربًا فقد وكلتُ بمهام كبيرة تتعلق بإكتشاف سيغير حتمًا مجرى التاريخ، وحتى أثبت صحة ادعائاتي فقد واجهت عاصفة لم يشهد عليها أحد، رياح من المستحيل الخروج منها سالمًا، لكن المعجزة حدثت ونجوت وسفينتي وبحارتي منها دون أدنى ضرر علام يدل هذا إلا يدل على أن الرب قد اختارني لمهمة تسمو بالبشرية. ولنتخيل معًا أنِ لم أصل لتلك البقعة الجدية من العالم وبالتالي لم يتجرأ بعدي المهاجرون الأوربيون ليقدموا على خوض مغامراتهم على هذه الأرض هل كان من الممكن أن نرى هذا الصرح الذي نقيم فيه تلك المحاكمة؟ هل من الممكن أن تصبح على ما أنت عليه الآن لو لم يحدث ما حدث؟ أجبني.

أحلام اليقظة

MANUEL.GARCÍA.RODRÍGUEZ.A.Garden.in.Seville

MANUEL.GARCÍA.RODRÍGUEZ.A.Garden.in.Seville

آنا فتاة ارستقراطية لكن وحيدة بعد وفاة والديها وهي صغيرة، غالب وقتها تقضيه مع مربيتها ومسليتها الوحيدة في هذه الحياة. تعرضت فيما مضى لنكسة صحية في رئتيها وتشافت منها منذ زمن لكن أصبح جسدها ضعيفًا نوعًا ما وطوال الوقت وهي في انتظار مجهول قد يداهمها ويؤدي بها إلى نكسة صحية أخرى. ليست كل أماكن العيش ملائمة لحالتها فعليها البحث الدائم عن المكان الملائم، في اعتقادها أن الأمبراطورية الإسبانية والتي تنتمي لها قد سلبت حرية الكثير من سكان مستعمراتها فهي مؤمنة تمامًا بأحقيتهم بالاستقلال والذي بدأ بالحدوث تباعًا في أيامها تلك عدا بعض المستعمرات التي ما زالت تقبع تحت الحكم الإسباني ككوبا مثلًا. 

فرناندو هو الآخر ينتمي للطبقة الأرستقراطية لكن أغلب أمواله وأراضي عائلته التي ورثها موجودة في كوبا على شكل مزارع لقصب السكر حيث كانت تجارة العائلة ومصدر رزقها، صديق الطفولة له هو شاب آخر يدعى فيليب يقطن في أشبيلية حيث مسقط رأس عائلة فرناندو وآنا أيضًا، فيليب قد رُتب له زواج مدبر مع آنا من قِبل عائلته طمعًا في التقاء مصالح بين العائلتين لكن على الأرجح لم تحصل أية كيمياء تجذب أحدهم للآخر رغم التواجد بالقرب من بعضهم أغلب الوقت وحضور اجتماعات مشتركة فيما بينهما. يتمكن فرناندو من التعرف على آنا عن طريق فيليب في آخر زيارة له لأسبانيا، يحدث بينهم العديد من الحوارات المتشنجة نوعًا ما كون فرناندو في نظر آنا مسؤول عن مأساة العديد من السكان والعبيد في كوبا مدعية بأنه من غير وجه حق أن تقوم عائلته وهو أيضًا بامتهان هذه المهنة وسرقة خيرات تلك البلاد ومواردها على حساب سكانها الأصليين وخصوصًا بعد دحض ثورة السكان ضد الملكية الإسبانية خلال العقد الماضي. فرناندو والذي يلتزم بالحكمة وضبط النفس كان يحاول نوعًا ما عدم الخوض كثيرًا في هذه المسائل ليس لكونه غير معتقد بها أو لأنه أرغم على أن يكون بهذه الحالة ولكن بسبب شعور بالإعجاب البسيط تجاه آنا فبالتالي كان يتحاشى مخالفتها في الرأي فيكتفي في الكثير بالأوقات بالصمت ممتنعًا عن إبداء رأيه والذي حتمًا سيغضب آنا. تلك المشاعر كان يصعب البوح بها فآنا وكما هو معروف في مجتمعهم موعودة لفيليب رغم مرور الكثير من الوقت دون إعلان ذلك الارتباط، فينتاب فرناندو شعور الخيانة لمجرد تفكيره بذلك الأعجاب حتى ولو كان من دون تلميح صريح لآنا نفسها، وهو أيضًا لا يعلم عن مشاعر آنا تجاهه، فقرر متعمدًا طرد تلك الأحاسيس خصوصًا مع قصر المدة التي سيمكثها هنا في أشبيلية قبل عودته لموطنه الثاني، أو الأول أن صح التعبير، كوبا. 

مضت فترة منذ رحيل فرناندو وعودته لكوبا، اجتاحت آنا مشاعر غريبة كما لو أنها قد فقدت شيء ما بداخلها، على الرغم من أن آخر حوار حدث بينهما أنتهى بتوبيخ فرناندو لآنا أمرًا إياها أن تغادر تلك الحياة الرغيدة التي تقطنها لتنتقل لصفوف الضعفاء على حد زعمها لأنها وبطريقة ما قد استفادت من ذلك الاستعمار الوحشي الذي تدعيه، ولأصبح حالها مختلفًا لو كانت الأمور حسب منظورها. 

استيقظت آنا صباح يوم مقررةً مغادرة البلاد والذهاب لكوبا، أخبرت مربيتها العجوز بهذا القرار والذي فاجأها كثيرًا وأبدت اعتراضها الشديد معددةً أسبابً كثيرة تحث آنا على العدول عن رأيها كالوضع الحالي في كوبا والذي يشوبه عدم الأستقرار فآخر ما يتمناه الكوبي الآن هو رؤية أسباني آخر يريد أن ينقل أمتعته وممتلكاته على أراضيه، وأيضًا أصرت على ترهيبها وذلك عن طريق تذكيرها مرةً بعد مرة بعدم معرفتهم لأحد هناك فمن سيتكفل بهم، فما هما إلا سيدتين تفتقدان إلى الكثير من الخبرة لمواجهة مصاعب الحياة والعيش في الغربة. لم تلتفت آنا لكل تلك التهديدات فقد اكتفت بذكر روعة الطقس في كوبا والذي يعد ملائمًا جدًا لحالتها الصحية ففي النهاية لا شتاء قارص يطفو فوق الجزيرة وهي ليست بشجرة ترفض أن تنتزع جذورها عن الأرض التي اعتادتها.

كان لكوبا تأثير مميز على آنا فقد أضافت مغامرة ممتعة لاكتشاف عوالم مختلفة عما اعتادت عليه في موطنها كما أن للنباتات هناك سحر خاص و بدرجات ألوان لم تعتد عليها، أضاف ذلك التغير القليل من السعادة لنمط حياتها، لم يدم طويلًا فكما هو معروف بطبع الإنسان الملل السريع من المباهج الصغيرة. لم تتعمد آنا مقابلة فرناندو هناك بل جعلت اللقاء عفويًا عند أحد المعارف المشتركة، الأسبان هناك قلة وجميعهم مرتبطين بمعرفة بعضهم البعض خوفًا من الوحشة، سألها عن سبب مجيئها إلى كوبا؟ ظلت تتحدث بإسهاب عن أسباب عديدة لا يرتبط أحدهم بالآخر جاعلةً فرناندو يتوه بين كلماتها وما يود في الحقيقة سماعه، “جئت هنا لأراك”. من ناحية أخرى ظل يحدثها عما أعتاد الناس الحديث عنه وملء دقائق الصمت به، عمله في مزارع قصب السكر وكيف أن المردود أصبح قليلًا فوتيرة الأعمال على الجزيرة خف كثيرًا بعد ما مرت به في السنوات الماضية، فدائمًا ما يصعب إعادة البناء والبدء من جديد بعكس ما تم هدمه في سنوات قليلة، أخبرها عن تفكيره الجدي بالعودة إلى الوطن فالكل على علم بانقضاء سنوات بسيطة لتصبح كوبا بلدًا محررًا من قبضة الإسبان، عيون أهل الجزيرة  تتحدث وتترقب هذا اليوم. 

مضت أشهر منذ قدوم آنا إلى كوبا وطدت علاقاتها مع العديد من النساء رغبةً في صحبة لطيفة في نهايات الأسبوع، أصبحت معالم الجزيرة ومتعها المخبئة مصدر ترويح بالنسبة لها. لم تخلو تلك اللقاءات من فرناندو، والتي أصبحت فيها أحاديثهم أقل حدة عما كانت عليه في أشبيلية قد يكون المناخ الاستوائي ذو علاقة بذلك التغيير، تطور الأمر أكثر باصطحابها معه إلى مكان عمله في مزارع قصب السكر مطلعًا إياها على طريقة سير العمل خصوصًا بعد إضافة التغيرات على طرق ونوعية الزراعة والتي أدت إلى الاستغناء عن كثير من العمال والذي أثر بالطبع على تجارة الرقيق والتي منيت بصدمة سابقة منذ سنوات بعد إلغاء العبودية رغم تستر البعض على الأمر. أصبحت الأمور أكثر حميمية فيما بينهما، أصبح حديث المجالس الدائم هو عن التوقعات لمدة الأيام التي تفصلهم عن إعلان خطوبتهما. لم تطل الأيام حتى تحققت تلك التنبؤات ولم تكن آنا تعتقد بأن ينتهي بها المطاف مع فرناندو، بعد كل الجدالات والاختلافات لكن هذا ما اختارته و أرادته بشدة كما كان الحال بالنسبة لفرناندو أيضّا. 

بدأت الاضطرابات في الأنتشار أكثر وأكثر في الجزيرة، ومعها أخذت الاعتصامات في التزايد وأصبحت حالات العصيان بشكل شبه دائم بين السكان، القلق بدأ يصيب فرناندو فتلك الأجواء غير ملائمة لحياة طبيعية ينتج عنها مقومات العيش الأساسية. أصبح الخطر يشتد على الإسبان القاطنين هناك. ظلت آنا تحدث نفسها بالسؤال مرارًا ” لماذا قدمت إلى هنا؟”، في السابق كانت تستشعر هذا الخوف مع مرضها وكان ملازمًا لها وحدها أما الآن انتشرت تلك المشاعر لتتوزع على كل من تحب، فالجميع ليس بمنأى عن الخطر. 

يستمع فرناندو لأصدقائه وهم يحذرونه من الوثوق بأي أحد، فالجميع في هذه الأيام لا يمثل طبيعته والتي اعتاد عليها من حوله، تلبس الكل شخصيات جديدة لا تتلائم مع ما كانوا عليه. لم تعجبه تلك التنبيهات فلا يصح للمرء أن يعيش متشككًا بمن حوله طوال الوقت سيجد نفسه فيما بعد وقد قُتلت روحه بكثرة الظنون السيئة بالبشر.

 تلك الظنون والشكوك برزت في صباح 22 من يناير 1896، لم يظهر فرناندو في منزله، شعرت آنا بالقلق فالأخبار تتحدث عن وصول المتمردين (الثوار) إلى الحدود الغربية من الجزيرة أي بالقرب منهم، هل للأمر علاقة؟ حاولت آنا أن تقنع نفسها بعدم الربط بين الحدثيين، وفي محاولة منها للأقتناع بعدم جدية الأمر أصرت بأن جيش المتمردين (الثوار) لم يدخلوا المدينة بعد، هم فقط على حدودها فكيف بإمكانهم العبث بأراضي ضمن حدود لم يطؤوها بعد. الأيام مضت ومازال فرناندو مختفيًا والأوضاع أصبحت مخيفةً أكثر، الجميع ينصح بالرحيل للبقاء على قيد الحياة. 

أصبحت آنا تائهة لا تعلم ما مصير فرناندو، تكثر التساؤلات بداخلها، ومع كل تلك الفوضى أعادت لها ذاكرتها ذلك الصباح في أشبيلية والتي قررت فيه المغادرة، أصبحت تلك الذكرى مشؤومة بالنسبة لها فبعد قلقها الوحيد على صحتها أصبح القلق مضاعفًا على حياة من تحب والأمان الذي بات مفقودًا. أسرت لنفسها هامسةً “ليتني لم أرحل”.

كيف ترى العالم؟

out of africa

يتم الإنصات يوميًا إلى عدد الإصابات الجديدة لمرضى الكورونا أو ما يعرف بفيروس كوفد 19 كجزء من حملة التوعية بهذا المرض واستشعار المسؤولية من قِبل الكل بلا إستثناء. لعل هذه الجائحة لامست مشاعر الناس كثيرًا وأضافت شعورًا بمصير واحد لكل سكان الأرض، إحساسٌ بأن الكل واحد والجميع مشارك من أجل القضاء عليه. لغة الأختلافات بين البلدان والثقافات ومن هو الأكثر تطورًا ومن مازال خلف ركب التقدم، جميعها معايير اختفت وظل الجميع سواسية في كيفية الإصابة بهذا الفيروس وربما حتى بكميات الإصابة والتشافي. إذن هل نحن بالفعل نعيش في عالم منقسم لمتطور حضاري وعالم آخر نامي لا تتوفر فيه سبل الحياة الكريمة، هل مازال مصطلح “هم” و “نحن” يصح استعماله في أوقاتنا الحاضرة؟.

في مشهد من أحد أفلامي المفضلة ومن بطولة ميريل ستريب وروبرت ريدفورد “Out OF Africa”، والذي تمتلك فيه كارين الارستقراطية أرضًا في أفريقيا ويقع تحت أمرتها العديد من الأفارقة مع عوائلهم. كانت كارين حريصة بشدة على جعل هؤلاء السكان أكثر تحضرًا على حد زعمها فكانت تقترح على دينيس، وهو مغامر أمريكي قِدم إلى أفريقيا حبًا في طبيعتها و لممارسة هوايته المحببة الصيد، بناء مدارس لهم لكي يتمكنوا من القراءة والكتابة غضب دينيس من هذه الفكرة قائلًا لها لا تفكري بالنيابة عنهم أجعليهم هم من يقرروا مصيرهم لا تقومي بفرض ثقافتك عليهم نحن هنا مجرد عابرون. استحضرت هذا المشهد كثيرًا عند قراءة كتاب “الإلمام بالحقيقة” لهانس روسلينغ، عالمنا لم يعد ذو اختلافات كبيرة أو كما يطلق عليه بمسميات مثل الشرق والغرب أو دول العالم النامية ودول العالم المتقدمة، هذه الاختلافات كانت موجودة ولازالت أيضًا لكن العالم لم يستوعب بعد حجم التطور الهائل الذي خطته معظم الشعوب، لازالت تلك الصورة القديمة تسكن العقول مغيبةً عنهم العديد من الحقائق الجميلة و المبشرة بمستقبل أفضل. 

فكرة تأليف الكتاب أتت لهانس في حوارته مع الطلبة، دائمًا ما يصر طلبته على وجود حدود وفروقات بين دول إقامتهم وأماكن العيش المختلفة في العالم، فحين تم ذكر معلومة عن أن وفيات الأطفال تزداد وتبلغ ذروتها في المجتمعات القبلية في الغابات المطيرة، وبين المزارعين التقليدين في المناطق الريفية النائية، قفز أحد طلاب هانس ليقاطعه قائلًا “هؤلاء لا يمكنهم أبدًا أن يعيشوا مثلنا” وتم دعمه من قِبل جميع الحاضرين لتلك المحاضرة بإيماءة من رؤوسهم. قام هانس بطرح عدة أسئلة على هذا الطالب وعن ما يقصده ب”هم”؟ ليبدأ الطالب بالتبرير ومدافعًا عن نظرته بأنه يقصد الناس في البلدان الأخرى، وبما أن موقع هذه الحادثة كان في السويد قاطعه هانس باستنتاج أنه يقصد بذلك جميع بلدان العالم غير السويد نفى الطالب تلك العبارة بتفسير أكثر وضوحًا بأنه يقصد البلدان غير الغربية. استاء هانس كثيرًا لتلك الأوصاف فدائمًا ما يزرع الإنسان بداخله غريزة الفجوة و تقسيم الأشياء إلى فريقين متضادين في كل شيء: الأغنياء والفقراء الغرب والشرق. أراد الدكتور هانس روسلينغ إيضاح الحقيقة كاملةً وتوضيح أننا نعيش في عالم أفضل ما توصل إليه الإنسان والخطوات المتخذة في شتى المجالات زادت في أعمارنا وسهلت عمليات تنقلنا وأصبح التعليم متواجدًا عند الأغلبية بمن فيهم الفتيات والنسب مازالت في ازدياد، سبب اطلاع هانس على كل تلك الأمور هو عمله في منظمة الصحة العالمية وإرساله من وقت إلى آخر لتلك البلدان المختلفة عنهم كما يشاع لرؤية الأوضاع هناك ومعالجة ما يمكن إصلاحه خصوصًا فيما يتعلق بالصحة. توصل هانس إلى عشرة أسباب تجعلنا لا نرى العالم كما هو أولها ما ذكرته سابقًا بغريزة الفجوة والغرائز الأخرى تتوالى تباعًا في الكتاب مع ذكر قصص عايشها الدكتور بنفسه مستخلصًا منها تجارب تثبت وجهة نظره راجيًا من القارئ أن يقتنع بها أيضًا.

عند قراءة الكتاب ستستشعر نبرة التفاؤل الكبيرة لدى هانس، ستصلك تلك النظرة الإيجابية للأمور فالعالم الذي نعيش فيه والذي نسمع عنه بعض القصص المروعة كفقر شديد في بعض زواياه وكوارث طبيعية لم تحدث من قبل، يواجهها هانس بإحصائيات وبيانات وأرقام ستصدمك، إيجابًا وليس سلبًا، مع أن كاتبنا أعاد مرارًا وتكرارًا أنه ليس هذا الشخص الذي من الممكن أن تنطبق عليه المواصفات التي ذكرتها في الأعلى، فهو ليس بهذه السذاجة على حد قوله. يتحدث عن نفسه بأنه شخص “إمكاني” ومعنى هذا المصطلح والذي هو من إبتكاره أنه شخص لا يأمل بدون سبب، ولا يخاف بدون سبب، شخص يقاوم باستمرار النظرة العالمية الدراماتيكية بإفراط. تلك النظرة الدراماتيكية المفرطة والتي نعيشها يوميًا من مختلف الأخبار التي نتلقاها ولعل الجائحة الحالية زادت من تلك الجرعة لحدٍ بدأ من الصعب التخلص منها. في أحد الفصول ذكر روسلينغ غريزة يجب تفاديها لرؤية الأمور على حقيقتها إلا وهي غريزة الإلحاح كأن يضعك الشخص أمام خيارين أما الآن وأما فلا، ربط تلك الغريزة بمشكلة تغير المناخ والتي هي حقيقة لا يقبل الجدال فيها، ليست هنا النقطة التي لفتت انتباهي وشعرت بتقاطع رأي مع الدكتور، فعند ذكر مشكلة تغير المناخ تبرز سمة المبالغات واختيار كل من يتبنى هذا الفكر للسيناريو الأسوأ وتخويف الناس بأمور ستحدث هي مستبعدة إلى حد كبير، عادةً ما يبرر ناشطي المناخ أنه لا بد من إثارة الخوف والإلحاح بادعاءات مبالغ فيها أو غير مدعومة لأنها الطريقة الوحيدة التي ستجعل الناس يتحركون لمعالجة المخاطر المستقبلية، يبررون لها بأنها استراتيجية ذكية على نمط الغاية تبرر الوسيلة.  لطالما كنت أنا من أكثر المتحمسين لتلك المشكلة العالمية، ولازلت، مع رغبتي الدائمة في الاطلاع على المقالات المتعلقة بهذا الموضوع والوثائقيات ذات الصلة والحملات التي تحدث لكن مؤخرًا بدأت استشعر أن هنالك نبرة درامية مبالغ فيها لدرجة غير مقبولة مع تجنب الحديث عن الأصلاحات التي أتت ثمارها في وقتنا الحاضر من تخفيض نسب الغازات الدفيئة في الجو، يكفي متابعة صعود سهم الناشطة غريتا ثونبرغ لتفهموا المغزى من حديثي.

الكتب الرائعة هي التي تجعلك تبدل مفاهيم بداخلك مع اكتساب معلومات جديدة ذات أهمية وأيضًا هي من تجعلك تناقش وتطرح أفكار مناقضة نوعًا لما لبعض ما ذكر، أحدها كانت فكرة تم طرحها في بداية الكتاب وتحديدّا في فكرة نحن وهم وتقسيم العالم إلى فريقين فقط. صنف هانس روسلينغ الدول والشعوب إلى أربعة مستويات ترتقي من مستوى إلى آخر بإضافة بعض المزايا، فالمستوى الأولى هو ما يمكن وصفه بقوت عيش يبلغ دولار واحد لليوم، أبناؤك لا يرتدون الأحذية وعليهم الأنتقال من مكان إلى آخر سيرًا على الأقدام، إذن نحن هنا نتحدث عن فقر مدقع. في المستوى الثاني يتضاعف دخلك أربعة أضعاف أي ما يعادل 4 دولارات بإمكانك الآن أن تشتري طعامك، ستتمكن من شراء أحذية لأطفالك وتوفير موقد غاز، الكهرباء ستكون حاضرة لكن بشكل متقطع وهنا يوجد أكبر نسبة من شعوب العالم. المستوى الثالث مرة أخرى سيتضاعف راتبك أربعة أضعاف ليصبح 16 دولار معها ستتمكن من توفير وسيلة نقل، ليست سيارة بالطبع بل دراجة مع توفر خط كهربائي ثابت وهنا أيضًا يقع ثاني أكبر نسبة من سكان العالم بعد المستوى الثاني. المستوى الرابع والأخير هو أذا تمكنت من اكتساب أكثر من 64 دولارًا في اليوم فأنت هنا مستهلك غني لن تؤثر فيك الزيادات الطفيفة كثلاثة دولارات كما فعلت بمن ينتمى للمستوى الأول عندما نقلته للمستوى الثاني لكن ستتمكن حتمًا من اقتناء السيارة وركوب الطائرة. عندما تعرفت على تلك المستويات الأربعة والذي أسرف هانس في الحديث عنها في الكتاب وحتى آخر أيام حياته قبل رحيله محاولًا اقناع الأمم المتحدة بتلك التصنيفات بدلًا من دول نامية ودول متقدمة، شعرت أن هانس قد خفض كثيرًا من ضروريات الحياة فالفروقات بعد قراءتك لمختصر ما حاول قوله تبدو طفيفة جدًا بين المستويات الثلاثة الأولى تكاد تكون مستويات للفقر لكنه يقع بين السيء والأسوأ. أعلم أن الحياة تتطلب مأكل ومشرب وسقف يحمي ويأوي الأشخاص عند حدوث الأزمات لكن أليس من المخجل أن نتحدث عن تلك الأمور ونحن نعيش في زماننا الحالي مع كل التقدمات الحالية وضروريات العيش التي حتمًا تغيرت وأصبحت أكثر من مجرد مأكل ومشرب ومأوى بسيط؟.

 قراءة الكتاب أتت في ظروف ملائمة، فالكاتب من المنتمين لمنظمة الصحة العالمية والكثير من القصص والتجارب المذكورة داخلة تتحدث عن أوبئة تم التعامل معها فيما سبق ومصطلحات ذُكرت أصبحت مفهومة من قِبلي مع أجواء تبدو مألوفة كثيرة بالنسبة لي، أصبح بإمكاني إدراك طريقة عمل وتفكير من يعمل تحت نطاقها مع كيفية السيطرة على تلك الأمراض. عند اقفال الكتاب ستكتسب حتمًا صفة التواضع وهي موجودة مسبقًا عند الجميع لكنها ستنمو بشكل أكبر، رؤيتك للعالم وللأشخاص المنتمين له ستتبدل، ستعلم أن الجميع يتطور والجميع يحاول ونحن في وقت لم يسبق له مثيل من السيطرة على الأمراض وتوفير الأستقرار النفسي والأمان، لنحمد الله جميعًا على هذه النعمة.

 

من السهل أن نكون مدركين لكل الأمور السيئة التي تحدث في العالم. من الأصعب أن نعرف بشأن الأمور الجيدة.

-هانس روسلينغ

قطعة من يوميات

3cfc6c54296ab8234f3a1c0f9f42c4f9

 

الإثنين 11 مايو

 

24 يومًا مرت منذ آخر مرة كتبت فيها يوميات وهي أطول فترة تمضي منذ بداية العام، لأنه ومع بدايته عاهدت نفسي على الكتابة الشبه يومية لكل ما يجول بخاطري من أحداث وخواطر أبوح بها. التزمت بالأمر مع وجود استثناءات ليومين أو ثلاثة على أقل تقدير لكن هذه المدة الطويلة تعد سابقة طيلة الخمسة أشهر. كتابة اليوميات ليست جديدة بالنسبة لي فمنذ زمن غير قليل مارست حديث النفس لفترات متباعدة ولكن لم أكن ملتزمة تجاه نفسي من هذه الناحية، لكن مع بداية العام أتى القرار الشخصي الفاصل والمعاهدة على تطوير الكتابة أكثر عن طريق تسجيل اليوميات، فطالما شدد العديد من مطوري الذات ومهارات الحياة على أن الأفعال الصغيرة المستمرة يكون لها الأثر الكبير في المستقبل القريب فلا يمكن أن تضع لنفسك هدفًا بأن تؤلف كتابًا دون عمل تمارين الكتابة اليومية البسيطة (الشكر موصول لمؤلف كتاب العادات الذرية على هذا الإلهام). ذلك التغير شمل أيضًا طريقة الكتابة فسابقًا كنت أكتب تلك السطور داخل دفاتر شخصية تتنوع تصاميمها وأهدافها لكنها تتشابه بوجود ورق مفرغ وقلم حبر يملأ تلك الخطوط المتفرقة، مع بداية هذا العام وكنوع من التحدي جعلت المذكرة ألكترونية تزيد صفحاتها بازدياد الأيام وعنونة كل كتابة باليوم والتاريخ المصاحب لتلك الذكريات. النتائج كانت رائعة فالاستمرارية حدثت وتوليد الأفكار لمواضيع أسجلها في المدونة ازدادت، في المقابل أتت الأيام الأخيرة مبشرةً بفتور عجيب، فتكملة ترجمة المقالات التي كان من المفترض انهائها في أسبوعين، سأكمل الشهر وإلى الآن لم أنتهي منها بعد رغم توفر الوقت الكافي، الرغبة في خلق أفكار جديدة أصبح صعبًا. في بداية الحجر لم أكن أعتقد أن يكون هنالك تأثير كبير علي، كان يغمرني شعور بالاطمئنان والراحة، ما مصدرها؟ لا أملك الإجابة الوافية لكن يمكن اختصارها بحدس، بدأ عداد الأيام في الزيادة ومعه ظهرت معالم عدم وضوح الرؤية وكثرت التساؤلات حولها، إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وإلى متى سأسأل نفسي مئة سؤال قبل الخروج من المنزل وتصنيف الفعل إلى ضروري أو غير ضروري، مواعيد للمستشفى ألغيتها بسبب تلك التساؤلات، الخوف من الأغراض المنزلية القادمة من الخارج، التعقيم المستمر، عدم رؤية أشقائي وشقيقاتي منذ أكثر 50 يومًا، أفتقادي للعب مع أبنائهم والذهاب لمحل الألعاب لشراء بعض المفاجئات لهم. نعم يوجد نصف كأس ممتلئ هنا فممارسة اليوغا أصبحت جزء من الروتين اليومي وعادة لا أعتقد الآن بأنها ستغادرني قريبًا وهو شيء عملت على اكتسابه منذ سنوات، في المقابل عادة المشي بدأت أفقدها تدريجيًا ففي السابق اعتدت على 40 دقيقة إلى ساعة عند ممارسة هذه الرياضة أما الأن قلت عدد مرات تكرارها في الأسبوع وانخفض المعدل إلى 20 دقيقة أن لم يكن أقل. هذا العام كنت سعيدة بعودة شهية القراءة من جديد حتى وصلت لإتمام 10 كتب بمعدل 2ونصف كل شهر تقريبًا لكن منذ شهر إلى الآن يوجد كتاب توقفت عند منتصفه ولم أستطع إنهائه. التسلية بمشاهدة المسلسلات والأفلام والتي أحب صحبتها كثيرًا خف وهجها ولم تعد هناك الرغبة. 

الغريب من أين يأتي ذلك الخوف والقلق، هل هناك مشاريع كنت عاقدةً العزم على إتمامها فأتى الوضع الحالي عائقًا على إكمالها؟ لا، هل هناك قرارات مصيرية كانت تلوح في الأفق فأصبح من الصعب علي أتخاذ الصائب منها؟ لا. إذن من أين يأتي كل هذا؟ الواقع يقول أنه شعور عام فمع الأستماع للأخبار المتفرقة والتي تتحدث عن الجائحة، و تعليقات مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي حيال كيفية التعامل مع هذه الأزمة خلق نوعًا من القلق المبرر والغير مبرر من قِبلي على الأوضاع الراهنة والغير مستقرة. هل يكون الحل بالابتعاد عن تلك الجدالات؟ لا يمكن الجزم بالفعل نيابةً عن الآخرين لكن من ناحيتي أستطيع التأكيد على عدم استطاعتي عن عزل نفسي عن تلك الأحاديث، في الحقيقة عزلة المنزل حاليًا كافية بالنسبة لي. 

أكتب هذه الأسطر والتلفاز يعمل على وثائقي تم تأجيل مشاهدته عدة مرات يدعى The Men Who Built America ومستمتعة به كثيرًا وبكمية الدهشات التي يجلبها لي مع فهم تام لماذا أصبحت أمريكا رائدة في الاقتصاد العالمي. لعل الحجر لم يكن سيئًا إلى هذه الدرجة لكن علينا الأعتراف فقد وضعنا في مواضع غريبة وغير اعتيادية مستغربين من ردات الفعل الخارجة من قِبلنا أما عن تقييم تلك الأفعال فالزمن كفيل بها.

 

 

 

 

الذهب

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

img_1221

لعدة قرون كان الذهب عاملًا أساسيًا في الحضارة البشرية، فمن من مصدر إلهام للشعوب القديمة إلى لاعب أساسي في تطوير الاقتصاد العالمي. ظهرت أول عملة معدنية في القرن السابع قبل الميلاد في البلاد التي تعرف حاليًا بتركيا، وتم صنعها بواسطة الذهب. واستعمل سكان أمريكا الأصليون هذا المعدن منذ أكثر من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد في أعمالهم الفنية، آلهة الشمس إنتي هي الراعي الإلهي لحضارة الإنكا وتستمد قوتها من الذهب. 

اللحظة المفصلية للذهب كانت عندما تم اكتشاف الأراضي الجديدة من قِبل الإسبان. في القرن السادس عشر قدم الغزاة إلى الأراضي الأمريكية بحثًا عن الثراء والسيطرة، رجال مثل فرانشيسكو بيزارو وايرنان كورتيز صنعوا مجدهم الشخصي بابعادهم للقادة المحليين كأتاوالبا من الإنكا و مونتيزوما من الأزتك. تدفق الذهب على أسبانيا واستفادت العائلة الحاكمة هابسبورغ من قانون الضريبة المفروض والمعروف بمسمى (Quinto Real) أي يتم اقتطاع 20% من قيمة الأوقية الواحدة المستوردة عن طريق أشبيلية أي ما يعادل الخمس. 

هذا الثراء السريع أحدث الكثير من التأثيرات الإيجابية منها مثلًا بث الدافع والحافز للتجارة بشكل أكبر، ومن الصدف الرائعة أن ثروة أسبانيا الجديدة تزامنت مع النقلات الكبيرة في الاستراتيجيات العسكرية والتي تتطلب معدات ثمينة لتنفيذها. من جهة أخرى كان هنالك بعض المردود السيئ من وراء الثروة القادمة من الذهب، فأسبانيا أصبحت غنية ورغبة مواطنيها في امتلاك الذهب أصبحت إدمانًا،في المقابل تم ارتفاع أسعار المعدات القتالية كل هذا يعني رفع الحاجة لاقتراض الأموال لمعادلة التكاليف، ومع افتقار البنك المركزي للأموال، أصبحت تكلفة الاقتراض مرتفعة حتى أوشكت الحكومة على الإفلاس. هذه الدلائل ترشدنا إلى أن إسبانيا لم تستفد من الثروة المقدمة لها من الذهب كما يجب. في الوقت ذاته أستفادت الأنظمة البنكية في هولندا وانكلترا من سعر الفائدة الإسبانية لتضع قيمة أقل عند الاقتراض وبسرعة أصبحت لندن مركزًا لسوق الذهب والأنشطة الاقتصادية، ومع حلول القرن التاسع عشر أصبح بنك إنجلترا ضامن الاستقرار للأسواق الأقتصادية العالمية.

المعيار الذهبي (والتي أصبحت نظامًا مهجورًا في أيامنا الحالية) هو نظام لتسعير العملة، يستبدل فيه الذهب بالأوراق النقدية فالأوقية الواحدة من الذهب تعادل 3.17 شيلينغ و 10.5 بينيس، وإذا تخطينا الزمن سريعًا حتى نصل لعالم متأزم من قيام حربين أثرت كثيرًا في معدلات النمو الاقتصادي، ظل الذهب عاملًا مهمًا فتم عقد مؤتمر بريتون وودز في وقت كانت ما تزال فيه الحرب العالمية الثانية مشتعلة. تم اجتماع ممثلين عن 44 دولة أرادوا من خلال هذا المؤتمر تطوير النظام النقدي الدولي كل ذلك من أجل ضمان استقرار سعر الصرف. استطاع المجتمعون الاتفاق على تحويل الذهب إلى الدولار وتثبيت سعره عند 35 دولارًا للأوقية الواحدة، والأمر أيضًا بالنسبة للعملات الأخرى (الفرنك الفرنسي و الباوند البريطاني) فجميعهم كانوا على معرفة بتفوق عملة الدولار ورفضهم التام تعويم العملات وتفضيلهم استقرار الذهب.

وصلت هذه الاتفاقية إلى نقطة النهاية في العام 1971 عندما أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب، ومع هذا القرار أنتهت علاقة دامت لسنين طويلة بين الذهب والعملات النقدية. منذ تلك اللحظة تم ارتفاع سعر الذهب مقابل الدولار حيث بلغ سعره عند كتابة هذا المقال أي أواخر فبراير 2018 أكثر من 1300 دولار للأوقية الواحدة أي بحدود 37 ضعفًا عما كان عليه الحال عند انعقاد مؤتمر بريتون وودز في العام 1944. تلك الزيادة الكبيرة توضح القيمة العالية للذهب فمنذ العصور القديمة ظل حاميًا لشعوب مكتشفينه ومازالت إلى وقتنا الحاضر. 


 

*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

القهوة

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

 

لا يوجد مادة أو منتج أثر على طريقة عيشنا أكثر من القهوة، ظلت صباحات الذهاب للعمل مرتبطة مع كوب القهوة المحمول باليد، ذلك الكوب سوف يكون المسؤول عن تحفيز المخ لأداء عمل أفضل والعكس صحيح، أو هذا ما نحاول إثباته لأنفسنا. هذه العادة الجديدة أدت لخلق نوع من السعادة ومتعة لعل الجميع يتفق عليها. في البدء قدِمت لنا القهوة من نبتة البن وفي علم الأحياء قسم ترشيح النباتات يعتبر جنس من فصيلة فَويّة وله 124 فصيلة ولكن نوعان فقط يمكن حرثها الأول هو البن العربي والآخر هو البُن القصبي أو البن الصلب. يمكن الجزم بأن العربية تعتلي مكانة أعلى من الأخرى لطعمها الخفيف والنكهة الشهية المصاحبة لها وبناءً عليه ترتفع أسعارها مقارنة بغيرها في أسواق القهوة.

البن العربي لم يأتي من شبه الجزيرة العربية كما يقترح الأسم، بل مصدره يقع في غابات اثيوبيا الكثيفة في مكان معزول بمساحات خضراء شاسعة في الجزء الجنوبي الغربي على بعد مئاتِ قليلة من الكيلومترات من العاصمة أديس أبابا. في وسط الوديان العميقة والغابات الكثيفة تظهر ضيع المزارعين، يقومون بزراعة تلك الحبوب في حدائقهم. يشترونها ويبيعونها ويتم تخزينها لحين ارتفاع الأسعار، دون الأغفال عن شرب العديد من أكواب القهوة يوميًا.

لا يوجد تاريخ محدد لوصول البن داخل شبه الجزيرة العربية، حيث تم له الانتشار من خلالها، لكن تقريبًا عُرف أنه في العام 1550 حينما كانت المنطقة تحكم بواسطة الأمبراطورية العثمانية. بدأت القهوة تباع تجاريًا ويتم شحنها من موانئ البحر الأحمر وتحديدًا ميناء المخاء في اليمن.

يرجح المؤرخون أن السبب الرئيسي لأنتشار القهوة يعود إلى الصوفية، تلك الطائفة الدينية المسلمة والتي أستعمل اتباعها القهوة لزيادة خاصية التركيز لديهم حتى يتسنى لهم البقاء مستيقظين فترة أطول أثناء أدائهم للصلوات الطويلة. وفي ترحالهم لمختلف بلدان الشرق الأوسط مثل مصر وفارس كانوا دائمًا حاملين لتلك الحبوب. ظل الصوفيين محتكين بمختلف البشر، في عمليات البيع والشراء داخل الأسواق الشعبية وعند أخذ حمام ساخن في الحمامات العامة حيث يمكنهم مشاركة قصصهم مع العامة، ولم يمر وقت طويل حتى انتقلت القهوة من كونها عادة دينية إلى عادة دنيوية.

في أواخر القرن السادس عشر تم افتتاح العديد من المقاهي في عدة مدن أهمها  مكة والمدينة وبغداد والقاهرة واسطنبول. ظلت أوروبا في ذلك الوقت على جهل بتلك الحبوب إلى أن وصلت أول شحنة ميناء البندقية في العام 1615، وفي إنجلترا تم افتتاح أول مقهى داخل أكسفورد ويعود السبب لمواطن لبناني يهودي كان يعمل هناك في العام 1650، وأيضًا شخص آخر ينتمي لليونان التابعة للإمبراطورية العثمانية حينها يدعى باسكوا روسي ينسب إليه الفضل في افتتاح أول مقهى في العاصمة لندن في العام 1652. أصبحت بعدها المقاهي المكان المثالي للالتقاء ومناقشة الأحاديث.  تعرف القهوة بتأثيرها القوي، وعلى عكس الكحول، هذه القوة تولد  صفاءً ذهنيّا وأفكار خلاقة. لم تكن تمر 100 عام على دخول القهوة لإنجلترا حتى أصبح عدد المقاهي فيها يتجاوز الثلاثة آلاف مقهى، وفي لندن وحدها يتواجد خمسمائة منها.

ظل ميناء المخاء طيلة قرنين محتكرًا لتصدير حبوب البن ومعها تصاعدت شعبية القهوة إلى أن بلغت ذروتها في العام 1720. خلال تلك السنوات وتحديدًا في العام 1699 أصبح للقهوة أرض أخرى تُزرع وتتنتج فيها، ففي جاوه قلب مستعمرة الهند الشرقية الهولندية (والتي تعرف حاليًا بأندونيسيا) أصبحت حبوب البن تتوفر بشدة تلك الوفرة أدت إلى انتقالها إلى المستعمرات الهولندية مثل سورينام ومنها إلى جارتها غويانا الفرنسية حتى أستقر بها الحال داخل الأراضي البرازيلية في العام 1727، ظلت تلك النبتة تنمو بثبات وبسرعة كبيرة في الظروف الملائمة لها ومع مرور 30 سنة أصبحت القهوة متواجدة في القارات الخمس مما ادى إلى الحاجة لعمالة كبيرة خاصة داخل البرازيل، ومع ازدياد تجارة القهوة بجانب كل من قصب السكر واستخراج المعادن تم استقدام أعداد كبيرة من العبيد الأفارقة من الغرب الأوسط الأفريقي، بلغت أعدادهم حوالي 4.9 مليون أفريقي وصلوا للبرازيل قبل إلغاء العبودية في العام 1888. 

يزرع اليوم البن العربي ما بين البلدان الاستوائية والمدارية في داخل أراضي أكثر من أربعين دولة، وتشير الأحصائيات إلى بلوغ محصولها في العام 2017/2018 إلى 6000000000 كيلوغرام من حبوب القهوة الخضراء. شعبية القهوة في ازدياد ومع ظهور طرق جديدة في إعدادها كما هو الحال مع القهوة المختصة، يبدو أننا اليوم في وقت لم تكن قد بلغت فيه القهوة ذلك الطعم الرائع أو تلك الوفرة والشعبية الجارفة بين عموم البشر.


 

*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

الشاي

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

gettyimages-163448922-594x594

British tea plantation with owners and workers posing in front of a bungalow, India 1880s. (Photo by Mansell/The LIFE Picture Collection via Getty Images)

 

في شهر يونيو من العام 1667 كان صموئيل بيبيس قد عاد لمنزله ليجد زوجته تقوم بتحضير مشروب ساخن معد مع أوراق مجففة من نبتة تدعى كاميليا سينينسيس، كل ذلك الأمر تم بناءً على وصفة أوصاها بها الصيدلي، ذلك المشروب المهدئ عرف فيما بعد بالشاي. تم التعرف على الشاي في أوروبا عن طريق تجار شركة الهند الشرقية، ففي أثناء رحلاتهم من أجل الأتجار بالفلافل في أقصى الشرق، ظلوا مستمتعين بشرب مشروب عشبي يوفر لهم الراحة اللازمة بعد عناء الترحال. اعتبر العديد منهم ذلك المشروب الصيني الجديد كدواء ولم يدخل بعد في قائمة الإفطار اليومية مثل القهوة والشوكولاتة الساخنة. لكن مع مرور الوقت أصبح المشروب الأكثر استهلاكًا في المستعمرات.

السبب الرئيسي وراء اشتهار شرب الشاي في بريطانيا هو العادة المرتبطة بالشرب لديهم فيمكن اعتباره كنوع من الانضباط بطريقة مقبولة، وطريقة سهلة لإستهلاك السكر معه، والذي بدوره شهد صعودًا كبيرًا في كميات استهلاكه في ذلك الوقت. بين القرنين السابع عشر والثامن عشر تم ارتفاع استهلاك المنتجين السكر والشاي بالترادف، وأصبح الشاي المحلى هو الأختيار الأول من المشروبات للعديد من أفراد المجتمع من السادة النبلاء إلى العاملين البسطاء.

استهجن الفقراء هذه العادة الجديدة في البداية واعتبروها تبديدًا للأموال وعلامة واضحة من علامات التبذير، ناهيك بأنها تساهم في زيادة فقرهم، لكن مع مرور الوقت وإذا علمنا بأنه لم يكن باستطاعتهم تحمل قيمة الوقود من أجل طبخ وجباتهم ولا  تكاليف مشروب البيرة المحبب لهم اضطروا للتحول إلى بديل أرخص وكان الشاي الخيار الأمثل في هذه الحالة. وبناء على ذلك من الممكن اعتبار الشاي المحلى المحرك الأساسي للثورة الصناعية في بريطانيا. 

في الربع الثالث من القرن الثامن عشر وبفضل احتياج بريطانيا للشاي أصبحت هذه السلعة الأكثر طلبًا من قبل المستهلكين مما أدى إلى الحاجة من أجل عمل توازن  في الصادرات والواردات بينها وبين الصين فقامت بريطانيا وعن طريق ممثلتها شركة الهند الشرقية ببدأ خلق تجارة الأفيون مع الصين، التجارة التي اعتبرت غير نزيهة، فقد تم زراعة هذا العقار في الأراضي التابعة للمستعمرات البريطانية في الهند ومن ثم تصديره للصين ومقاضاته بالشاي . لم يكتف البريطانيون بهذا   فقد استخدموا القوة مع الصين لفتح موانئها من أجل التجارة الحرة مع إجبار سكان الهند على زراعة الأفيون من أجل تصديره للصين مما ساهم في رفع معدلات الإدمان بين المواطنين ليتم تحويل الصين لبلد مليء بالمدمنين. في الحقيقة أصبحت عادة تدخين الأفيون منتشرة بين فقراء الصين كما هو الحال مع فقراء بريطانيا مع شرب الشاي، فالكل يبحث عن تلك الرغبة. لكن ظلت الحكومة الصينية تشيطن الأفيون باعتبارها تذكيرًا لإهانة الصينيين من قِبل قوى الأستعمار الأجنبية وبالتالي تحريم هذه السلعة لكن تم إكمال تهريبها من قِبل بريطانيا.

في وقت لاحق، أصبح المشروب الصيني أحد رموز الوجاهة البريطانية، فقد قام المستكشفون و المستعمرين الأوائل بالانتقال للغابات والأراضي الزراعية الكبيرة  الجديدة يحملون معهم العديد من الحاجيات الموضوعة في أكياس ضخمة، جزء لا بأس منه كان مخصص لتلك الأوراق المجففة (الشاي)، وهناك قاموا بتعريف الناس والسكان الأصليين في تلك المناطق على هذه العادة الجديدة في محاولة منهم لإكسابهم هذه المهارة، غالبيتهم كانوا في الأراضي الاسترالية والكندية.

 أحد هؤلاء المستعمرين الأوائل هو جون وليامز، عمل كمبشر في القرن التاسع عشر في جزر جنوب المحيط الهادي،يذكر لنا بأن أول خطوة لعمل حوار مع السكان الأصليين كان من خلال تأسيس عادات حضارية مثل شرب الشاي وبتفصيل أكثر يقول وليامز “عندما يصبح لديهم شاي سيرغبون بالسكر ومن ثم بأكواب الشاي وطاولة تحمل تلك الأكواب و لتكتمل العدة حتمًا سيقومون بشراء المقاعد”. والرغبة الشديدة لشراء تلك البضائع ستحفزهم للعمل حتى يستطيعوا امتلاك النقود اللازمة. وبهذه الطريقة نجد أن الشاي كان الطعم لجذب السكان الأصليين للاقتصاد الرأسمالي.

في بداية القرن التاسع عشر قامت شركة الهند الشرقية بالبحث عن أماكن أكثر آمانًا لأنتاج سلعتها الأكثر ربحًا، ووقع الأختيار على زرعها في الهند، في هذه الأثناء تم تحويل عملية إنتاج الشاي من حرفة إلى صناعة،وتم التعاقد مع عمال بأجور معينة من أجل التشغيل، أولئك العمال لم يعيشوا في ظروف طبيعية فالعصابات تحيط بمصانع إنتاج الشاي مهددةً بذلك حياتهم. ومع مرور السنوات خسرت الصين مكانتها في تصدير الشاي إلى بريطانيا لصالح الهند وسيرلانكا وشرق أفريقيا والذي أُسس في تلك الأماكن من قِبل المستعمر الأبيض أيضًا. 

إذا تحدثنا قليلًا عن تأثير الشاي على البلاد المصدرة له كالهند، يمكننا ذكر أن الهنود اعتبروها عادة غربية دخيلة، وكنوع من المبادرة لترغيب الشعب بها قامت الشركة الهندية للشاي بدخول السوق عن طريق أفكار إبداعية فتم وضع كشكات لبيع الشاي داخل المكاتب الحكومية والمصانع وتم تحويل سكك القطارات وتخصيصها لعربات نقل الشاي. وأصبحت محلات بيع الشاي متواجدة في كل مكان وأصبحت منطقة التقاء للمواطنين الهنود من مختلف الطوائف والعقائد لقراءة الصحف وعقد مناقشات سياسية كل ذلك يأتي تزامنًا مع شربهم لكأس من الشاي الممزوج بالحليب.

 لم يأتي القرن العشرين إلا وكان قد بنى الشاي أواصر ترابط بين العديد من شعوب العالم، حتى أصبح عادة يتبعها الكثير من الناس في مختلف أنحاء المعمورة.

 


 

*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

النفط

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

 

gettyimages-3296822-594x594

First oil well Derrick invented by Edwin L. Drake

منذ العصور القديمة والبشر قد ألتقوا بمادة سوداء تخرج من باطن الأرض وتسبب في حدوث حرائق من الصعب إخمادها، حتى أتى العام 1859 بشيء مغاير فتمكن الإنسان من حفر أول بئر للنفط الخام التجاري في بلدة تيتوسفيل الواقعة في ولاية بنسلفانيا. أحتار رواد الأعمال والمخترعين كثيرًا في كيفية  إيجاد استعمالات تجارية لهذا السائل فتم تكريره لمادة الكيروسين للاستفادة منه في إضاءة المصابيح، ومرة أخرى وهب لهم هذا السائل منتجًا آخر يمكن الأستفادة منه فقد لاحظ العمال أثناء عمليات الحفر تكون مادة شمعية على الحفارات كانت تعمل على تخفيف الأحتكاكات فتم الأستفادة من هذا الزيت المخفف والذي عُرف فيما بعد بالجل النفطي (أو كما أصبح شائعًا تحت مسمى الفازلين). 

في بدايات القرن العشرين ومع بداية انتشار محركات الاحتراق الداخلي، عوضًا عن المحركات البخارية والتي كانت شائعة الأستعمال والتي عُرفت بوجود غرفة احتراق خارجية للوقود، تم نقل المجتمعات والاقتصادات العالمية إلى مستوى آخر، تلك المحركات والتي تستعمل النفط الخام كوقود لها أحدثت ثورة هائلة في نظام السفر بمختلف طرقه أن كان بالسيارة أو الطائرة. المجتمعات الغربية الصناعية بدأت في الاعتماد كليًا على النفط في الصناعات المختلفة ولم يأتي العام 1945 حتى أصبح العالم يتلقى تسهيلات لتكرير النفط الخام ليصبح بذلك العامل الحيوي والضروري لأي مجتمع مهتم بتطوير عمليات النقل والصناعة وخلق مجتمعات حديثة وعصرية. 

سهولة الحصول على الجازولين جعلت نمو الطبقة الوسطى أسهل بكثير خصوصًا لمن يعيش خارج المدن، ففي الولايات المتحدة تم إنشاء مكون جديد في المجتمع يقع بين المدني والريفي. أصبح السفر عبر العالم سهلاً وفي متناول الجميع وتنقل البضائع عبر المحيطات والقارات صار ممكنًا. كذلك صار بمقدور الشركات إدارة مصالحها بسرعة وفعالية أكبر على بعد مسافات بعيدة، والسياحة العالمية قربت الثقافات بعضها ببعض والهجرة بين البلدان أصبحت أقل خطورة و بمرونة أكبر. وبعد الخراب الذي حل بأوروبا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبح البترول أساسيًا في عملية إعادة الإعمار للكثير من البلدان المتضررة.

للنفط أيضًا أهمية استراتيجية والمتعلقة في العمليات الدفاعية، فمع اشتداد الحرب الباردة أصبحت عمليات استخراج النفط ضرورية لرفع اقتصاديات البلدان ومن أجل رخاء أكبر للمجتمعات. الطلب على البترول ارتفع بشكل كبير  في منتصف القرن العشرين للحاجة الكبيرة إليه في توليد الكهرباء وتشغيل محركات المصانع، في هذه الأثناء بدأ العالم يتجه للاعتماد على المواد البلاستيكية المصنوعة من النفط، و كدليل حي على هذا نصف عمليات تكرير النفط في الولايات المتحدة تتجه لصناعة المنتجات كالبلاستيك مثلاً عوضًا عن وقود المركبات.

قام النفط بتحويل مجتمعات بأكملها خصوصًا من تشتهر بوفرة الإنتاج على أراضيها مثل المملكة العربية السعودية وفنزويلا والعراق وإيران، أصبحت هذه الدول حديثة وتم تطوير التعليم فيها، بعد اعتمادها من قبل على الحياة البسيطة والزراعية. لكن الاعتماد الكلي على النفط  قد يؤدي إلى عواقب وخيمة كما حصل في فنزويلا عند انخفاض أسعار النفط عام 2015 وبسبب إهمال الحكومة نفسها باتخاذ إجراءات إصلاحية تم تعريض الكثير من الناس لمواجهة الفقر وقلة توفير الحاجات الأساسية للحياة الطبيعية.

كما جرت العادة مع أهمية المورد تخرج الصراعات والاختلافات أحدها كان في العام 1951 عندما نشأ خلاف حول إيرادات النفط بين بريطانيا وإيران، تفجرت تلك المواجهة وأصبحت علنية عندما قامت إيران بتأميم شركة تعود ملكيتها لبريطانيا وتعرف ب (Anglo-Iranian)، سميت لاحقًا BP، رفضت الشركة البريطانية التخلي عن أصولها فقامت إيران بطرد المواطنين البريطانيين من أراضيها. كان الرد البريطاني عنيفًا بحصار فُرض على النفط الإيراني، ذلك الحصار أستمر لحين حدوث انقلاب على حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق بدعم بريطاني وأميركي  في العام 1953 واستبداله بقائد يتوائم مع سياسة البلدين.

السيطرة على مصادر النفط كانت أحد أسباب اندلاع حرب الخليج الثانية 91-1990. السبب الأول الذي كان صدام حسين يستخدمه لاحتلال دولة الكويت هو رفع كميات إنتاج النفط من قِبل الكويت مما أدى لإنخفاض الأسعار في الوقت التي كانت فيه العراق بأمس الحاجة لبقاء الأسعار مرتفعة بعد انتهائها من حرب دامت ثمان سنوات مع إيران، العراق لم تكتفي بهذا السبب بل أدعت أن الكويت تقوم بسرقة نفطها عبر الحدود فيما بينهما. بعد احتلال الكويت أصبحت العراق مهيمنة على ما يقرب من 20% من مصادر النفط في العالم وجنودها تقف على مسافة قريبة من الأراضي النفطية في المملكة العربية السعودية.  ظل صدام حسين يطلق تهديداته لتوسيع امتلاكه على حصص النفط في الشرق الأوسط ، وعلى ضوء كل تلك الأحداث تبنت الأمم المتحدة عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت.

من الواضح أن للنفط تأثيرات عديدة ومتناقضة أحدها يتعلق بتلوث الهواء والتسبب في ضرر بالغ تجاه البيئة والآخر النمو الهائل في اقتصادات البلدان وتطوير المجتمعات. في وقتنا الحاضر اتجهت العديد من وسائل النقل لاستخدام بطاريات كهربائية مسؤولة عن تشغيل تلك المركبات من الممكن أن تزيح هذا المورد بعيدًا لكن ليس في المستقبل القريب.

 


 

*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

السكر

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

 

Corte de Canna. – Gathering Sugarcane. Cuba, 1900. Artist: Unknown. (Photo by The Print Collector/Getty Images))

من الصعب تخيل طاولة طعامنا من دون وجود عنصر السكر فيها، فقد وصل إنتاج السكر في وقتنا الحاضر لأعلى مستوياته، فالعديد من الدول فاقت كميات ما تنتجه من سكر الرقم 180 مليون طن كل عام. ونتيجة لذلك أصبح السكر عنصرًا أساسيًا لعاداتنا الغذائية اليومية، نضيفه إلى مشروباتنا الساخنة ليكتسب نكهةً شهية وإذا أردنا تحلية الأكل المر الغير مستساغ أكله لنجعل منه طبقًا محببًا. الطبقان السابقان كان لنا اليد العليا في إدخال السكر ضمن مكوناته  لكن أكبر الكميات المضافة تحدث بعيدًا عن أعيننا داخل الأكل المصنع والمشروبات المعلبة. ومع كثرة استهلاك السكر بدأ الناس يستشعرون خطورته و الأضرار المترتبة على تناوله.

لقرون كان العسل هو المحلي الأساسي إذا أراد شخصٌ التمتع بذلك المذاق الجميل إلى أن حل القرن السابع عشر ليبرز عنصر آخر ويهيمن على هذا المجال من دون منازع إلا وهو قصب السكر، أضيف إليه فيما بعد، تحديدًا في القرن التاسع عشر، سكر البنجر لتأتي بعدها المحليات الصناعية وعلى رأسها شراب الذرة. في تلك الأثناء بدأ العالم في استساغة تلك النكهات المحلية والاعتياد عليها واستغلت مصانع السكر تلك الحاجة لإشباع تلك الرغبات. 

قبل تطوير وتأهيل مستعمرات السكر (الأراضي الزراعية المخصصة لها في جزر الأطلسي مادييران و ساو تومي وفيما بعد الكاريبي والبرازيل ) كانت تكلفة تصنيعة عالية جدًا، وتم تمكين تحويل السكر إلى منتج رخيص وذو شهرة واسعة في أوروبا والعالم أجمع فيما بعد ومن خلال جهود العمال الأفارقة في الأراضي الخصبة. وجه العالم بدأ يتغير نوعًا ما خصوصًا في التأثير الأفريقي الكبير على جزر الكاريبي والبرازيل فأصبحت القارة الأميركية صورة مصغرة من أفريقيا من خلال هيئة سكان محليين يرتدون الملابس الأفريقية مصاحبة مع عاداتهم وثقافتهم الخاصة.

عمل السكر على فرض تنقلات هائلة للعديد من البشر مع تبعات ثقافية وسياسية مازال تأثيرها إلى يومنا الحاضر، ومع توسع انتشار العبودية  في أوائل القرن التاسع عشر زاد استقدام العمال من مناطق أخرى إلى جزر الكاريبي والمحيط الهندي فتم توطين العديد من الصينيين في كوبا واليابانيين في هاواي والهنود في شرق وجنوب إفريقيا وسريلانكا وجزر فيجي. 

وكنتيجة للعمل الإجباري للعديد من المستعبدين الأفارقة أصبح السكر الرخيص في قيمته متواجد على طاولة الأشخاص العاديين وليس محصورًا على طبقة معينة ومع زيادة أعداد مستهلكي السكر ظل اعتقادهم السائد أنه طعام منتج للطاقة ولكن يتضح فيما بعد أنه يسبب بضرر كبير على الأسنان.

كما هو معروف فالعبودية لم تكن يومًا مخصصة للأعمال الملزمة لإنتاج السكر ولكن هذا المجال هو الذي تسيد وصمم نظام العمل الخاص بالعبودية في المستعمرات الأميركية. تلك الصناعة لم تلحق الضرر بالعمال الأفارقة بل أيضًا بالنظام البيئي وأماكن العيش، فمن خلال الطريقة المتبعة في مزارع السكر والمعروفة بالتقطيع والحرق حُولت الكثير من الغابات المطيرة والأراضي الخضراء الشاسعة إلى دخان من أجل إنتاج كميات السكر اللازمة. هذا الدمار البيئي مستمر إلى يومنا الحاضر وملاحظ بشدة في منتزه ايفرجليدز الوطني في ولاية فلوريدا والمسبب الرئيسي له هو التوسع في أراضي السكر. 

طورت موانئ أوروبا وأميركا الشمالية مصافي للسكر وأصبحت بذلك السلعة الأكثر طلبًا من قِبل عامة الناس. لم يحل نهاية القرن الثامن عشر إلا وأصبح غالبية البشر من الفقراء يستهلكون السكر بكميات كبيرة ففي بريطانيا مثلًا اعتادوا أضافته على الشاي وفيما بعد على المربى بينما في الولايات المتحدة وتحديدًا في القرن التاسع عشر كان إضافة السكر عادة ملازمة لمن يشرب القهوة البرازيلية المرة. أما أيامنا الحاضرة فيتم إضافة السكر إلى المشروبات المرة كالقهوة والشوكولاته والشاي.

 

الأهمية الإستراتيجية للسكر:

بإمكاننا اعتبار السكر في ذلك الوقت كأهمية النفط في القرن العشرين فالدول الأوربية قاتلت بعضها بعض في أواخر القرن السابع عشر من أجل الاستيلاء على الجزر الغنية بالسكر ولم يكتفوا بذلك بل أيضًا بالسيطرة على الطرق المؤدية من وإلى تلك الأراضي. أما الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر فاعتبرت بلاد الكاريبي حديقتها الخلفية وأصبحت عدوانية في ما يتعلق بمصالحها المتعلقة بالسكر في كل من سانتو دومينكو (تعرف حاليًا بجمهورية الدومينيكان) وبورتوريكو وفي مقدمتهم جميعًا كوبا، على مدى عقود نشأت علاقات معقدة ومتوترة بين هذين البلدين وبداية الشرارة كانت في تلك الأيام والمرتبطة بالسكر. في أواخر القرن العشرين أصبحت المنتجات السكرية مخادعة نوعًا ما فلم يصبح السكر بشكله المعتاد في الأكياس المعقودة واللازم أضافتها من قِبل المستهلك نفسه  بل أصبح غير مرئيًا ومتواجدًا بشكل كبير في العديد من الأطعمة والمشروبات التي تأخذ من السوبر ماركت، وأصبحت الأسر تشتري أقل ما يمكنها من السكر ومع ذلك وصلت لمراحل متقدمة في استهلاكه لم يسبقها أي جيل آخر في هذه العادة.

تلك الزيادة الخفية في استهلاك السكر لفتت انتباه المختصين بالصحة وعلماء التغذية وخبراء الطهاة ومؤخرًا العديد من السياسيين إلى تلك المعضلة الكبيرة والتي تمثلت في ظهور ظاهرة لا يمكن التغافل عنها يجزم الكثير على ربطها بالاستهلاك الكبير للسكريات، البدانة.

في انجلترا على سبيل المثال ازدادت حالات خلع الأسنان للأطفال أو من هم دون الثامنة عشر وأصابع الاتهام كلها تشير إلى نوعية الأغذية والمشروبات المليئة بالسكر. كل تلك الأحصائيات أدت إلى اتخاذ إجراءات بشأن تقليل استهلاك السكر، ففي بريطانيا مثلًا أضيفت ضريبة خاصة بهذا المنتج تعرف بضريبة السكر، لكن مع كل تلك السلبيات المتعلقة باستهلاك السكر يظل أكبرها على الأطلاق بما  هو متعلق بمنتجات التبغ، فكما هو معلوم تتم صناعة تلك المنتجات بإضافة كميات غير بسيطة من السكر إليها لتساهم هي الأخرى في كل ما تسببه تلك المنتجات من مضار صحية لمستهلكيها.

المذاق الحلو والذي يعجب الكثير من البشر كان في بدايته على هيئة عسل لينتقل بعدها إلى قصب السكر ومع هذا التحول الكبير ظهرت لنا مشاكل صحية لم توجد من قبل ومشاكل إجتماعية أيضًا. إذا أردنا اختصار تاريخ السكر في عبارة واحدة ستكون “التاريخ الحزين للسكر نقلنا من تجارة العبيد إلى البدانة.”

 


*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا