اللقاء الأول

تخيل معي لو قدمت الكائنات الفضائية، بعد كل تلك التساؤلات عن وجودها من عدمه. تلك الصور المتخيلة لهيئتهم، طريقة تحدثهم، والأسئلة الملحة التي تنتظر الإجابة: هل يملكون عقولاً كما نملك، هل يعيشون وفق أنظمة وبلدان كما هو الحال لدينا؟ ماذا عن مواردهم الطبيعية التي تغذيهم وتمدهم بالطاقة وتمتد حسناتها لتخلق مخترعات تدفع بعجلتهم التنموية سريعًا. 

أحد الطرفين سيكون متقدمًا على الطرف الآخر بسنين عديدة لمميزات توفرت له ولم تتوفر للآخر، جاعلة منه فريسة سهلة يمكن القضاء عليها. لكن هل من الضروري أن يكون التقاء الطرفين حلبة صراع ليبرهن أحدهما قوته وليكتب له الانتصار وتطمئن ذاته بفوقيته. أم أن اللقاء سيكون لطيفًا وودوداً نتبادل فيه خبرات بعضنا البعض ويعجب كل أحد بالآخر وبمدى روعة انجازاته ليصبح التقدير فيما بيننا هو الانطباع السائد لذلك اللقاء.

لندع الخيال العلمي جانبًا ونعود لنغوص في قصصنا نحن في كوكب الأرض فمنذ 500 سنة، كان هنالك قصة شبيهة بقصتنا المتخيلة مع الكائنات الفضائية، قصة التقاء عالمين مختلفين لم يتسنى لهما رؤية الآخر من قبل رغم التواجد في نفس الزمان و تحت نفس السماء. لماذا تأخر هذا اللقاء؟ أحد الأسباب الرئيسية وجود محيط شاسع يفصل بين يابستين، فلا طرق برية يمكن السير عليها، فأن طالت المسافة سيظل الإنسان مطمئنًا لوجود أرض صلبة يطأ عليها بدلاً من قطعة مياه تمتاز بسيولتها مهددةً ثباته ليقع غريقًا داخل عالمها الغامض. دون الإغفال عن  الحاجة الملحة لصنع مركبات نقل تستطيع تحمل السير داخل تلك المياه.

تمكن هذا الإنسان الأول والذي وطأت قدماه تلك الأرض البعيدة من مفاجأة من كانوا يسكنون العالم الجديد. أولًا بسبب اختلاف الهيئة، فذلك الرجل أبيض بشعر أشقر و بلحى طويلة عكس ما اعتادوا على رؤيته. فهم يمتازون بنفس درجة اللون الحنطية وشعر داكن يمتاز بسواده، والمؤكد هو عدم وجود شعيرات كثيفة في وجوههم. يوجد قبائل منهم يعتبرون أنفسهم مختلفين فيما بينهم لكن في الحقيقة هم يحملون نفس السمات الرئيسية. ذلك الضيف الغامض كان مختلفًا واثقًا من نفسه لم تمسه الرهبة من مقابلة هؤلاء المحليين يحمل أدوات غريبة ويرتدي أثقالاً لا يُعرف كيف أمكنه من تحملها. يحمل معه شيئًا لامعًا يضعه حول خصره ويمتطي حيوانًا غريب الشكل.

 “أتراه آلهة، نصف إنسان ونصف حيوان” ظلوا السكان الأصليين يتهامسون فيما بينهم بتلك الأحاديث مضيفين “قد يكون هو الآلهة المخلصة والتي ننتظر قدومها منذ زمن”. على الجانب الآخر ظل الأوروبيين يتسائلون عن ماهية أولئك البشر، في البدء حاولوا إثبات انتمائهم لفئة العقلاء وبالتالي يصبحون أناسًا مهيئين لاعتناق الديانة المراد لها من قِبلهم، ثم تحاوروا بشكل أكبر حول عاداتهم الغريبة فهم يقدمون بعضًا منهم قربانًا للآلهة تقربًا لها وأثاروا بعض الظنون حول قدرتهم على أكل لحوم البشر.  “مستحيل، هؤلاء لا يستحقون البقاء على قيد الحياة أو على الأقل لنستعبدهم”، أقاويل من هنا وأقاويل من هناك رسمت صورًا متخيلة ممزوجةً ببعض الحقيقة وبعض الريبة جعلت كل طرف يتبنى أفعالاً بناءً عليها، النتيجة النهائية كانت انتصارًا كبيرًا لصالح الأوربيين ضد السكان المحليين أو من عُرفوا بالهنود الحمر.

وجد كل من كولومبوس ،و كورتيز ،وبيزارو نفسهم في اللقاء الأول، فمن مهمات للبحث عن خيرات العالم الجديد وتبادل الخبرات لتتحول بعدها إلى قادة مستعمرين امتلكوا الأرض بمن عليها. لماذا حصل هذا التغير؟ تتكرر دائمًا على مسامعنا مقولة العالم قبل حدث ما (بإمكانك وضع ما تراه مناسبًا) ليس هو العالم بعد هذا الحدث، العام 1492 سيتخذ لنفسه موقعًا ملائمًا داخل تلك العبارة.

فبعد أن وطأت أقدام كولمبوس الأرض الجديدة، والتي لا يُعرف موقعها بالضبط في يومنا هذا، اتخذت حياة السكان المحليين منحى آخر لم يتسنى لهم التنبؤ به. فإن كانوا يمتلكون كورة سحرية لتريهم ماذا سيحدث في المستقبل، ستذكر لهم قتل، أمراض، واستعباد وتصرح لهم علانية “ستكونون أقلية في بلادكم ولن تعودوا أصحاب الأرض”.

دخل كورتيز على حاكم الأزتك كضيف مرحب به، ليطمع في مدينة يوكاتان ويدبر الخطط للانقلاب على الحاكم وتحقق له ما أراد. بيزارو الآخر تم إرشاده داخل الطرق الجبلية الوعرة من قِبل سكان محليين ليتمكن في النهاية بالإطاحة بـ مملكتهم، حاضرة الإنكا. كولومبوس الشخص الأول و المسؤول الأكبر عن كل تلك الأحداث ابتدع فكرة استعباد السكان المحليين، لكن السؤال الذي يصرخ عاليًا في هذه اللحظات هو ماذا استفاد الأوروبيون من كل هذا؟ 

رواية البرازيل الحمراء تبدأ أحداثها بعد وصول كولمبوس بستين عامًا ، ولكن هذه المرة في مكان معلوم عند شواطئ ريو دي جانيرو في البرازيل، عندما كانت أرضًا معزولة وخالية من مظاهر الحياة. الأبطال فرنسيون، مع عددٍا لا بأس به من المرتزقة المتعددة الجنسيات، فبعد سنوات من سيطرة الإسبان والبرتغاليين على أتربة العالم الجديد أراد شعب النورماندي تجريب حظه في تلك الأراضي والظفر بقطعة الكعك الشهية وما تخبئه من مفاجئات بداخلها. فيلوغانيون قائد يريد أن يكتب مجده أسوة بمن سبقوه في هذا المجال، كان كورتيز أحد أبطاله الذي أراد أن يتشبه به ويفعل مع فرنسا ما فعله هو مع الإمبراطورية الإسبانية. 

من أبطال هذه القصة أطفال أُخذوا من الميتم ليتمكنوا من اقتباس لغة السكان الأصليين بسرعة ويساهمون في بناء المستعمرة من خلال العمل كمترجمين، من بينهم أخ وأخته تم إقناعهم بالذهاب في هذه الحملة للبحث عن والدهم المختفي منذ سنوات، بسبب سريان إشاعة عن ذهابه هناك للظفر بالكنوز المتوفرة في تلك البلاد البعيدة. 

مع هذه الأحداث الحقيقية والممزوجة ببعض الخيال ولدت لنا قصة ذات تشعبات عديدة، فلا يمكن حصرها أبدًا داخل تلك الشخصيات، فهناك قبائل السكان الأصليين مع عاداتهم المستنكرة ومحاولة التأقلم مع القادم الغريب، وهناك أيضًا صراعات دينية انتقلت من أوروبا لتلتهم تلك المساحة الصغيرة في الأرض الجديدة بين الكاثوليك والبروتستانت، فعلى ما يبدو كل طرف كان يدعي أحقيته في حمل لواء التبشير بين مقيمي تلك الغابات. 

الاستنكار والغربة والخشية من الآخر وظهور العديد من العلامات على جنون أفعال البعض وسمو خُلق البعض المضاد. كل تلك المحصلة تجعل من قصص اكتشاف العالم الجديد ممتعة وشيقة، ومبرزة لهوية الصراعات بين البشر. تجعلك تتفكر في هذا الإنسان وقدراته العجائبية والغرائبية في آن واحد لتحتار في صف من ستنحاز وهل هنالك حقًا من رابح؟

______________________________________________________________

في الماضي وكعادة طفولية في التعلق بأفلام الكرتون، أُعجبت بشدة بمسلسل “الأحلام الذهبية” وقصة رحلة استبيان مع أصدقائه للبحث عن الذهب في أراضي العالم الجديد. لن أدعي فهمي للخلفيات التاريخية والتي بُني عليها هذا المسلسل فقد كُنت ما أزال طفلة لا تعي كثيرًا ما حدث ويحدث في هذا العالم، لكن الأجواء شدتني وأحداثها علقت في ذهني طويلًا. هذا التعلق ظل كامنًا بداخلي إلى أن نما فجأة منذ سنوات بالاهتمام الشديد بقراءة كتب تاريخية متعلقة بتلك الحُقبة، فمن “A Land so Strange” إلى وثائقيات مايكل وود ومنها إلى رواية “ما رواه المغربي” والتي تعتبر سرد شبه خيالي لأحداث تاريخية ذُكرت في كتاب “A Land so Strange” عن طريق الشخصية المنسية من الناجين الأربعة داخل أراضي السكان الأصليين وانتهاءًا برواية “البرازيل الحمراء”. أنا متأكدة من أن رحلة البحث والتنقيب عن قصص ذلك العالم لن تنتهي عند هذا الحد بل على الأرجح أنني ما زلت في بدايتها، وقد تم ايقاد هذه الرحلة الطويلة بفضول وشغف تجاه الكلمات المعبرة والقصص المروية  لذلك الزمان.

العيش في زمن مختلف

تنتابني أحلام يقظة مختلفة من حين إلى آخر متخيلةً نفسي أعيش في زمن مختلف وفي بقعة جغرافية أخرى، غالبًا ما تنتمي لزمان قديم ذو عنوان يشير بسهامه ناحية أوروبا. بالطبع هنالك محفزات مختلفة لتلك التأويلات; من أحدها قراءة كتاب يغدق بالكثير من تلك التلميحات أو مشاهدة فيلم يصور تلك الحياة البعيدة، اما المحفز الحقيقي لكتابة التدوينة والبوح بهذه الأفكار والتي تظل تحوم داخل رأسي هو قراءة لقصة قصيرة حدثت لغوته خلال إقامته خارج مسقط رأسه ألمانيا داخل أجواء إيطالية. لم يكن غوته حاضرًا في حياتي القرائية سوى أن اسمه ظل مألوفًا وحتى لو لم أطلع على أعماله، لكن حظر في ذهني مؤخرًا بعد قرائتي للسيرة الذاتية الخاصة بالمستكشف فون هومبولت وعن الصداقة العجيبة التي جمعتهم، نظرًا لمدى تشابه أرواحهم، رغم اختلاف أعمارهم، فقد اجتمعوا على حب الحياة و الاكتشاف والمغامرات والطبيعة والمتعة القادمة من وراء تلك الأمور والتي ظل كل واحد منهم يصبو للسير خلفها. 

عندما أتم غوته عامه السادس والثلاثين وبعد أن حقق العديد من الإنجازات الشخصية على مستوى الكتابة، ظن أن الوقت قد حان لخوض مغامرة لطالما حلُم بها، ترتكز كليًا على الذهاب والتوجه لإيطاليا وحيدًا ليكون بذلك مبتعدًا كل البعد عما اعتاد عليه من أُناس وطبيعة جغرافية ظل طوال سنواته معاشرًا لها. وهو فعلًا ما تحقق له فبعد تخطيط وإعداد وقراءة بعض المراجع حزم حقائبه وما أحتاج إليه من معدات تلائم عزلته الجديدة ليطلق بعدها لقدميه العنان. 

بلد جديد ذو ثقافة غريبة ولغة تواصل مختلفة كلها كانت تحديات أمام غوته ورغم ذلك ظل متحمسًا لها، وأراد أن يظل اجتماعيًا وأن يتواصل مع أكبر قدر من البشر، فإيطاليا مليئة بالمسافرين و الذين يشبهونه في خوض مغامراتهم الخاصة بهم هناك دون إغفال تنوع الجنسيات والذي مكن غوته من التعرف على أصدقاء جدد من غير الجنسية الالمانية. 

مرت الأشهر وطاب لغوته الأقامة هناك وكل ما أعتقد زملاؤه في أرض الوطن عودته أطال مكوثه أكثر، وظل غوته متحاشيًا خوض مغامرات عاطفية لاعتقاده الجازم بأنها ستؤثر بشكل كبير على حسه الإبداعي وتعيقه عن مهمة كتابة مسرحيات جديدة والتي كانت الدافع الأساسي لرحلته تلك، لكن الإنسان يظل غير مسؤول عن ما يعتري قلبه من مشاعر أن أراد لها القدير الظهور في لحظة ما، وكان هذا ما حصل في شهر أكتوبر بعد إكماله العام على إقامته في روما ومن أجل التمتع بعطلة إيطالية خريفية، قبِل دعوة ثري إنجليزي يملك قصرًا في ضواحي روما ويملك العديد من التحف واللوحات الفنية والتي حتمًا ستكون مفاتيح لأحاديث مع غرباء عدة من مختلف الجنسيات الأوروبية. 

في محاولة له للاندماج مع المدعوين لقصر الثري الإنجليزي لمح غوته سيدة إيطالية مع ابنتها كان قد عرفهما من خلال تواجدهم بالقرب من سكنه في روما إلا أنه لم تتح له الفرصة أبدًا للتواصل معهما إلا الآن في هذا الريف البعيد عن ضجيج العاصمة، ليطيب له الجلوس وقضاء الأمسيات معهم ومع صديقة أخرى قادمة من ميلان والتي تم دعوتها بسبب عمل شقيقها مع ذلك السير الإنجليزي. غوته طاب له الحديث مع تلك النسوة ومع شقيق الميلانية وبدأ في تجاذب الأحاديث عن كل شيء يثير اهتمامه ويطيب لهم الأستماع إليه ولما لا المشاركة فيه، لكن ولأن الأمور السعيدة دائمًا ما تنغص ببعض التوافه التي لا تخطر على البال، قامت والدة الشابة القادمة من روما بعقد محادثات مع غوته حول ما طبيعة العلاقة التي يرغب غوته في تكوينها مع ابنتها، فقد يجهل هذا الشاب الألماني أن الأمور في هذه البلاد قد تكون مختلفة عما هي عليه الحال في بلاده، فبمجرد ما تزداد أحاديثك مع فتاة عزباء يجب على الشاب أن يقدم على الخطوة الجدية ليتمكن من إطالة الجلوس معها والحديث بأريحية أمام الملأ. تلك الحادثة العرضية فتحت عين غوته عن مشاعره الداخلية والتي ظلت محبوسة بإرادته الشخصية رغبةً منه بعدم الأرتباط في علاقات جدية، وأحس أنه أمام الأختيار بين الفتاتين، ومن دون تردد وجد غوته نفسه معلنًا القرار النهائي، والذي أرشده له قلبه بالطبع، بأن الفتاة الميلانية كانت من يطيب خاطره بها وأنه حتمًا يستمتع بالتواجد بقربها للحديث عن مختلف الأمور. تلك الفتاة كانت محبة للأطلاع والمعرفة بكافة التفاصيل التي تحدث من حولها على الرغم من قلة تعليمها كونها حُرمت على حد قولها من الحق في التعليم، كون ذلك الزمان ينظر للمرأة بنظرة مختلفة عما اعتدنا عليه في زماننا الحالية، فما الهدف على حد زعمهم من تعليم المرأة الكتابة؟  لتكتب رسائل غرام للحبيب المحرم،  وما الفائدة أيضًا من تعليمها القراءة؟ فما الذي يجب أن يُقرأ غير التراتيل التي نتلوها في الكنائس. بتلك الجمل الغاضبة عبرت تلك الفتاة لغوته عما يعتري بداخلها لكن هذا الأمر لم يكن ليصيبها بكآبة ذو غمامة سوداء تجعلها مبتعدة تمامًا عن الحياة والتمتع بها، بل على العكس ظلت راغبة بأن تتعلم وأن تشارك من سبقوها في هذا المجال لتتمكن من مجاراتهم. أحد تلك الأمور التي ظلت تشغلها هو اللغة الأنجليزية، فكما هو معروف من يقطنون في ضيافة مضيف إنجليزي، يتجادل الضيوف معه بلغته وأن اختلفت أعراقهم، فما كان من غوته إلا أن هب لمساعدتها لتعليمها تلك اللغة العصية عليها، كونه يمتلك امتياز التحدث باللغتين الإيطالية المفهومة لدى تلك الفتاة والإنجليزية المرغوبة من قِبل نفس الفتاة. 

مرت الليالي الجميلة وظل غوته معلمًا وفيًا للفتاة الإيطالية، ولكن مرة أخرى وكعادة الحياة ما أن تعلن فتحها بابًا من أجلك تركض مسرعةً لغلق نافذةً أخرى، وصدفة وجد غوته نفسه يستمع لحديث نساء عن فتاة تستعد من أجل زواجها وكيفية الأجراءات المتبعة من قِبلها لهذا الحدث الكبير، وأن الزوج متحمس للغاية وقد أعد الكثير والكثير من الأمور لتلك الليلة المهمة في حياته، إلى أن وجد غوته نفسه متسائلًا عن هوية تلك الفتاة ليتفاجأ بأنها التلميذة المجتهدة والتي تتعلم اللغة الإنجليزية على يديه. 

أصبح غوته بعدها متحاشيًا الحديث المنفرد معها دون قطيعة كبرى بينهما بحيث تصبح أمسياتهم ممتلئة بأُناس من حولهم حتى لا يضفي عليها بعض الحميمة والتي لم تظهر حتى قبل تلك الصدمة ولكن قلبه ظل محدثًا له عن مشاعر عديدة كلها لا تصب في صالح أنها مجرد فتاة عادية، لكن عزاؤه الوحيد أنه لم يقم بإطلاق وعود لتلك الفتاة مؤملًا لها بأماني قد لا يكتب لها الحدوث. 

مرت الأيام وعاد كل منهما لمكان إقامته لتأتي بعدها أعياد الميلاد بكل أجوائها الاحتفالية ليتلقى غوته أخبارًا أقلقت مضجعه، فقد تم تبليغه بأن الفتاة الميلانية أصابتها الحمى لتجعلها ملازمةً الفراش، وحدث ذلك بعد أن تم هجرها من قِبل خطيبها. كان غوته يأمل بشدة أن لا يكون لهذا الموضوع صلة به; فقد مضى على وقت تعارفهم مدة ليست بالبسيطة مما يؤكد عدم ربط الحادثتين مع بعضهما البعض.

تلك القصة المتكاملة الأركان من خوض مغامرة في بلاد غريبة واتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالقلب وفكرة الحب المستحيل تجعل منها رواية ملائمة لفيلم أكثر من كونها قصة حقيقة دونها غوته في مراسلاته لأصدقائه والتي نُشرت في كتاب “رحلة إيطالية”. هذا الأمر يجعلني أعيد رسم أحلام اليقظة مرة أخرى في أمنيتي أن أنتمي لذلك العصر وبقعته الجغرافية، لكن سرعان ما أتراجع عندما أتذكر المشاكل الصحية الكثيرة المتعلقة بالرعاية الطبية السيئة في ذلك العصر، وصعوبة التنقل بسهولة من مكان إلى آخر دون أن اغفل عن المعيق الأساسي الأول وهو أن تلك المغامرات محصورة على فئة قليلة من المجتمع لا تزيد نسبتهم عن الثلاثة بالمئة من مجموع الشعب. فها أنا هنا أطرد تلك الأحلام لأعيش الواقع الصعب لكن المقبول نوعًا ما على حسب معاييري الخاصة.

العيش في الظل

فان غوخ لم يكن معروفًا أثناء عيشه، ظل متخبطًا في حياته وفي حاجة ماسة للآخرين من أجل دعمه. الكثير منهم أعتقد بعدم أهمية ما يقدمه من فن، بل تم نعته بأقبح الألفاظ حين تم تقيم أعماله من قِبل أناس مختصة. هذا الأمر كان له التأثير الجلل على روح فان غوخ، فظلت الكآبة رفيقة له في درب الحياة التي عاشها. عاشر فان غوخ الكثير من الأناس المحرومين والذي ظلوا يغذونه بالمزيد والمزيد من النظرة السوداوية رغم واقعيتها على حد زعمه. تلك الضبابية نتجت عنها أعمال حين يراها المرء للوهلة الأولى وتحت تأثير الألوان الزاهية سيتلمس شيء من السرور والسعادة، على الأقل بالنسبة لي. تلك المعادلة المتناقضة تمثل تعقيدات الحياة التي نعيشها فحرمان شخص هو إبداع يجلب الفرح لمتذوقه، وتلك القصيدة والتي حُرم كاتبها من رؤية عشيقته هي حلقة الوصل بين محبوب وصاحبته في الليالي المقفرة. السؤال المشروع هنا، هل لو عايش فان جوخ تلك الشهرة التي حصدها بعد وفاته ستتغير معها طبائعه ليعدل عن قراره و الذي  اتخذه  بإنهاء حياته؟

بيزيل براون منقب انجليزي تم استدعائه من قبل سيدة أرملة تمتلك العديد من الأراضي، إحداها أرضُ ظلت منذ الصغر وبمعية والدها الراحل تعتقد بأهميتها التاريخية، سَخِر براون قليلًا منها، فالحدس لا يعتد به كأداة في التنقيب فهناك العديد من الأمور التي يترتب عليها الشروع في البدء عن تنقيب تلك الآثار المزمع إيجادها. مرت الأيام والأسابيع ليتم تأكيد شعور السيدة بريتي، ليخرج معها حطام سفينة انجلوساكسونية من القرن السابع الميلادي أو ما يعرف سابقًا بالعصور المظلمة، ليكتب لهذا الأكتشاف النجاح الباهر كونه أحدث نقلة كبيرة في قراءة التاريخ الإنجليزي لتلك الحقبة. القصة لم تكن وردية على الأطلاق فمع حدوث اكتشاف بهذا الحجم كان من الضروري تدخل المتحف البريطاني لتبني ذلك الركام، نظرًا لأهميته القصوى للشعب الأنجليزي كافة، فمن غير المعقول أن يظل حبيس متحف محلي والذي ينتمي إليه المنقب براون، مكتشف تلك السفينة. تم الأمر فعلًا بعد قرار من السيدة بريتي والتي اعتقدت بأهمية رؤية ذلك الحطام لكافة الجمهور والذي يسهل توفيره من خلال المتحف البريطاني. النتيجة كانت متوقعة بطمس اسم المنقب براون وربط الاكتشاف بعلماء آثار ومنقبين متمرسين، على عكس مكتشفنا والذي كان هاويًا. من المؤكد أن براون لم يكن سعيدًا بتلك التطورات وأن أمور عديدة حالت بينه وبين سلم المجد والشهرة، لعل اهمها أن ممارسته للتنقيب لم تكن يومًا مبنيةً على دراسة مختصة بل كهواية ظل مطورًا لها بالقراءة والعديد من الرحلات مع والده الخبير بأنواع التربة. 

النظرة المسبقة ذلك الحائط الصلب والذي يصلب على أحدى جانبيه طموحات العديد من أصحاب المواهب والاكتشافات، ففان غوخ ظل قابعًا في داخلها نطرًا لأعماله المختلفة عما هو سائد و عدم انتمائه لمدرسة الرسامين المتخصصين و الذين امتهنوا الرسم من خلال الدراسة وداخل الأبواب المغلقة، فرسامنا كان مغايرًا لذلك وجعله ذلك الاختلاف بعيدًا عن مجتمع الفنانين العظام خلال حياته، براون الآخر حُرم من إنجازه كونه اتى مغايرًا لمواصفات أُعدت من قِبل أشخاص آخرين لم ترق لهم سيرته الذاتية، فهي حتمًا لا تلائم أكتشافًا يعد مؤثرًا في التاريخ الإنجليزي فيصعب معها أن تربط بهاوي تنقيب أمتهنها من خلال ذهابه في رحلات عديدة مع والده.

الشخصية الثالثة والتي سأتناولها في هذه المقالة عايشت ظروفًا معاكسة لما اختبره كلًا من براون وفان غوخ. المستكشف ألكساندر فون هومبولت عاش حياة مليئة بالمغامرة والتطلع لاكتساب معلومات جديدة حول حقيقة المخلوقات الحية من حولنا وعن تلك الأرض التي نسكنها،  فقام بتسلق جبال لم يجرؤ احدًا من قبل على الأقتراب منها، وحدد مناخات ملائمة لنباتات مختلفة حتى أنه توصل لفكرة أن قارة أمريكا الجنوبية كانت متصلة بالقارة الأفريقية، تلك النظرية التي أُكدت حديثًا، فكم يعد جنونًا أن يؤمن شخصُ بها في ذلك الزمان ومع قلة الأجهزة والمعدات الدقيقة. كل تلك الروعة والتي كانت تغلف وجوده في هذا الكون ذهبت أدراج الرياح بعد وفاته فبعد أكثر من مئة سنة لم يعد أحد يذكر فون هومبولت ولم يصبح ذلك الشخص الذي يشار له بالبنان والتطوير في مجال العلوم بل أصبح منسيًا، ولعل من الأمور المضحكة في قصته أن نابليون كان على معرفة كبيرة به وظل مترصدًا لتحركاته نظرًا لما يمتلكه من علاقات مع مختلف الأطياف والأعراق، وإذا صح لنا القول فقد كان نوعًا ما يصاب بالغيرة ناحيته نظرًا لرغبته الجامحة في امتلاك كل من حوله لينال نصيبًا عاليًا من المديح والثناء كما كان يتلقى فون هومبولت بنفسه، لكن في زماننا الحاضر أصبح نابليون معروفًا بشكل أكبر للعامة من فون هومبولت فالسنين كانت كفيلة بإبراز أحدهما مع الإطاحة بالآخر.

ملاحظة تلك الشخصيات الثلاثة برزت لي من خلال قراءة كتابي “اكتشاف الطبيعة” و “فنسنت فان غوخ: الرواية الكلاسيكية لحياة عاشها بين الشهوة والحرمان” ومشاهدة فيلم “The Dig”، قد تكون الصدفة المحضة في قرب الفترة الزمنية لرؤية وقراءة تلك الأعمال جعلتني اربط فيما بينهم، وقد يتواجد هناك فيما بينهم بعضًا من التشابه يجعل حياتهم قريبة إلى حد ما. أم من الممكن استنتاج أنها الحياة بتعقيداتها وتناقضاتها الكبيرة والتي ظهرت جلية في حياة أولئك الثلاثة ليصح القول معها أنها بارزة في جميع حيوات البشر.

في صُحبة المقهى

داخل الغرفة الكبيرة المغلقة ذو النافذة الزجاجية العريضة والتي يتوسطها باب يفتح كل بضع دقائق معلنةً دخول شخص آخر لهذا المكان ومنبهةً لك بكثرة من يقطن هذه المدينة، فالكل يختبر ذات الأحوال الجوية وأن كانت تتسم دائمًا بالاستقرار والشمس المشرقة طوال السنة في مدينتنا، لكنه شعور جميل بوجود ألفة بين كل أولئك الغرباء. 

يتواجد رجل داخل المقهى منذ جلوسي لحين مغادرتي ملازمًا لهاتفه يتحدث مع شخص شارحًا له عن أمور ضلت عالقةً داخل رأسه طيلة الأيام الماضية، وصلت لهذا الاستنتاج لأنه السبب الوحيد المقنع لتفسير كل هذا الحماس أثناء الحديث، لا يكف عن إخراج كلمة تلو الكلمة من داخل فمه لتتلقاها أذن الطرف الآخر المتواجد على الهاتف معه، وحتى عندما ظننت بنهاية حديثه أنتقل إلى شخص آخر يتجاذب معه الكلام في مواضيع أخرى، يا ترى من أين أتى بكل تلك الجمل ليملأ وقته بها، من المؤكد أنه ذو شأن كبير في عمل أكبر جعلت حياته ممتلئة بتلك الحوارات والأكيد أنها ممتلئة بالتجارب جعلت منه واثقًا كما يبدو حاله عند رؤيته للمرة الأولى. في الزاوية صديقتان تتبادلان الكلمات بصوت خافت حينًا وبعلو الضحكات حينًا أخرى، يبدو من خلال أحاديثهم والهيئة الظاهرة لهم أن تلك الصداقة كُتب لها العمر الطويل، ويبدو كذلك أن تلك الصداقة تجاوزت العديد من المطبات والانعطافات وأصبحت كل واحدة ملجأ للأخرى تلجأ إليه عندما تهب العواصف لتتمسك أحداهما بالأخرى كشراع رابض على سارية سفينة داخل الأمواج الهادرة.

أمامي شخص مركز بصمت طوال الساعتين التي قضيناها برفقة بعضنا البعض، دون تبادل أي أطراف حديث، مركزًا في شاشة كمبيوتره كما هي حالي ومع تحريك الرأس يمينًا وشمالًا من حين لآخر لأخذ لمحة سريعة عن المتواجدين، لا أخفيكم أنا أيضًا أقوم بذات الفعل. هذا التركيز الشديد لا بد أن يكون مرتبطًا بعمل يمثل المستقبل بالنسبة له، قد تكون رسالة ماجستير، وقد تكون قضية يحاول فك تعقيداتها كمحامي. لا أعلم أي قصة هي الأنسب لشخصيته لكنِ أرجح الثانية، أو ربما هو تأثير سهرتي البارحة على فيلم يتحدث عن محامي صاعد يشق طريقه نحو القمة. ياترى هل يفكر في ذات الشيء عني؟ وماذا لو علم أن حملقتي بتلك الشاشة كانت مجرد تقليب بين مقالات لا أنهي قرائتها بحثًا عن إلهام أطارده لكتابة مقالة لا أعلم أي شيء عن كيفية نشرها، سيذهل من النتيجة أنا متأكدة. على الزاوية اليسرى تجلس فتاة تحمل كتابًا ظلت ممسكة بجلدته بشدة ومقلبة أوراقه رغبةً منها بإنهاء أكبر كمية منه، يوجد هناك امتزاج بين ما ترتديه وبين غلاف الكتاب فكلاهما من درجات الأخضر، السؤال هنا هل هو مقصود أم صدفة غير محسوبة كُتب لها الحدوث؟

من خلال الواجهة الزجاجية يمكن رؤية ثلاثة أصدقاء يتناقشون بصوت غير مسموع، كون الزجاج يعد عازلًا للصوت، لكن من المؤكد أن نقاشهم كان حادًا والذي تتضح معالمه من خلال مراقبة حركات الفم مع إشارات اليد التي تعلو بين الحينة والأخرى. في جلستهم أدخنة السجائر كانت تسير فيما بينهم متخذةً طرقًا ملتوية للارتفاع عاليًا هاربة من حدة أصواتهم، أو ربما هي مجرد تطبيق للقوانين الفيزيائية، يرتفع الهواء الساخن دائمًا للأعلى بعكس البارد ذو الضغط المرتفع يهبط بسلام بمحاذاة سطح الأرض. 

الشخص الصامت والمركز في عمله والمتواجد أمامي يرتفع صوته متحدثًا مع شخص من خلال الهاتف، فبعد سماع الرنين نزع نظارته ليتحدث بعدها بأريحية مع ابتسامة خفيفة، هي حتمًا ليست مكالمة عمل. قطع حديثه بعد اخباره الطرف الآخر أنه سيقوم بتأدية الصلاة الآن مع معاودة الاتصال عند الأنتهاء منها، لكن تلك الإعادة لم تحدث.  

في المقهى حدثت لي صدفة غريبة فعيناي وقعت على شخص جمعنا عمل فيما مضى، أذكره جيدًا. هو يتمتع بشهرة عريضة فملامح وجهه لن تنسى ناهيك عن وجودها في صفحات الأنترنت بشكل كبير، لم أبادر بالسلام خشيتًا مني بعدم معرفته بي، أكره تلك اللحظات دائمًا ما أتنبأ بالأسوء وأوهم نفسي بأنِ غير مرئية. هو على الطرف الآخر لا أعلم ما دار داخل رأسة من محادثات، وربما أنها لم تحدث من الأساس فطوال وقت جلوسه داخل المقهى كان مركزًا في شاشة جهازه المحمول وعازلًا نفسه بسماعات ضخمة وضعها على أذنيه. 

في الثواني الأخيرة لتواجدي داخل هذا المكان وعند خروجي منه وانقضاء وقتي فيه لفت انتباهي شخص قام بتكتيف يديه ومحدقًا في شاشة الايباد بعينين متجحظتين ترغب في رؤية أكبر قدر من الأرقام المعروضة على الشاشة، أو ما تعرف بالأسهم، هو لم يلفت انتباهي في هذه اللحظة لكن ما شدني هو اتخاذه نفس الوضعية منذ دخولي لحين خروجي، جميل ذلك الارتباط الوثيق الذي لا يتأثر بأي متغيرات تجري من حوله هو السلام الذي نطمح بالوصول إليه حتى ولو بدأ مزعجًا من الخارج. 

القراءة المختصة

من محاسن 2020 القليلة هو عودة شهيتي للقراءة، أصبح لزامًا علي شراء 5 كتب دفعة واحدة ثم قراءتها جميعًا لتبدأ بعدها رحلة البحث عن خمسة كتب أخرى، تزيد أو تنقص لا يهم المغزى هنا هو امتلاك نسخ ورقية. طريقة نجحت معي بشكل كبير وتعتبر أفضل مقارنةً بالتكديس من خلال شراء عدد كبير من الكتب وانطفاء الحماس بعد مرور الوقت. 

الكتب القديمة والتي لم تُقرأ بعد كُتب لها الوداع وعما قريب سأحاول التخلص منها ولكن مازال التفكير مشغولًا بكيفية الطريقة. شعرت بالحماسة أكبر عند امتلاك كتاب جديد وقراءته في حينها على عكس ما قد يحصل من كتاب قد مضى على شرائه سنوات لتتسائل وقتها لماذا هو موجود هنا؟. فكما يعلم جميع القراء هنالك مراحل في حياة القارئ تتنقل اهتماماته من مجالات عدة تقل حينًا وتزيد أحيانًا أخرى، تجتمع جميعها لتشكل رحلته القرائية في هذه الحياة.

العلامة الفارقة في هذا السنة القرائية هو عودة قراءة كتب متعلقه بتخصص الجامعة أو ما يدور في فلكها، فمع مرور الأيام سينسى الإنسان لا محالة ما تم تداوله داخل قاعات الدراسة خصوصًا إذا أرتبط بعمل لا يتعلق كثيرًا بما تم دراسته، من سيكون المنقذ هنا؟ الكتب طبعًا. سعادتي لا توصف وأنا أقرأ تلك الأسطر فقد انتابني شعور جميل وممتع مليء بالاكتشاف والحماسة وكل ما دار في ذهني حينها هو تساؤل كبير يطرح مرارًا” لماذا ابتعدت؟.”

الجواب على هذا السؤال سيبقى غير معلوم، لكن سأذكر بعض الأمور التي حفزتني على الإبحار أكثر داخل الكتب المتخصصة، الكتاب الأول كان تحت عنوان “أينشتاين، بيكاسو المكان والزمان والجمال” كان الكتاب يقع في قسمين قسم عن حياة أينشتاين وإبداعاته وقسم عن بيكاسو وتحفه الفنية. حماستي عند شراء الكتاب كانت متجهة نحو بيكاسو إلا أن ما حدث كان على العكس تمامًا وجدت نفسي أقرأ صفحات أينشتاين بسرعة كبيرة متنقلة بحماسه بين الأسطر بينما على الطرف الآخر استثقلت صفحات بيكاسو لدرجة بدأت أشك في استطاعتي على إنهائها. كان هذا الكتاب كمنبه أراد مني الاستيقاظ والانتباه عن ما ترغب فيه نفسي وما يوده عقلي أن يستقبله، فقد مرت سنوات عديدة على سماع تلك المصطلحات، وكأني أتخيل خلايا دماغي تتراقص فرحًا بعودة ضيف قديم طال انتظاره. 

الأبتعاد طوال تلك السنوات لم يكن كليًا فقد تنقلت بين صفحات مجلات تعتبر علمية ناهيك عن مشاهدة وثائقيات تقع ضمن ذات التصنيف، لكن جميعها لا يعادل المتعة في قراءة كتاب علمي. كتاب “أينشتاين وبيكاسو” دفعني للبحث أكثر عن نوعية تلك الكتب ومنذ زمن وأنا على إطلاع بإصدارات مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للتراث والثقافة، ويلتزم المشروع بترجمة العديد من الكتب حول العالم تقع ضمن تصنيفات تم اختيارها من قِبلهم ولحسن الحظ تم إيجاد تصنيف يعنى بالعلوم والمعارف. بدأت في تصفح العناوين العديدة والمتنوعة في موقعهم الألكتروني ليتم جذبي إلى عنوان يذكر فيه “تاريخ الطاقة والحضارة”. ذلك العنوان لم يلفتني فقط كونه يقع ضمن الكتب العلمية لكنه أيضًا جمع جانبًا آخر لطالما استمتعت به واقتنيت العديد من الكتب ضمن عالمه إلا وهو التاريخ، اقتنيت الكتاب بسرعة رغم سعره المبالغ فيه ولكنه أمر ستعتادونه عند شرائكم لكتب من إصدارهم. حماسي لم يخيب رغم كبر حجم الكتاب وغزارة المعلومات الموجودة بداخله، فما أن أنهي 10 صفحات حتى أشعر بالأمتلاء والرغبة بالتوقف لاستيعاب ما قرأت، ولعل هذا السبب الذي جعل رحلتي مع الكتاب تطول شهرًا كاملًا. وهنا أضع اقتباسًا لمراجعتي للكتاب والتي كتبت عنها في موقع Goodreads:

خلاصة الأمر هو توصلي لأمور قد تكون مرت على كل عاشق للقراءة والتي تجعل منه ممتلئًا بالشغف والبحث بين فترة وأخرى، قد لا يتحدث كثيرًا عما قرأ أو ماذا أستفاد من تلك الكتب التي قرأها لكن حتمًا كان هنالك متعة هو الوحيد الذي يعلم عن مدى روعتها، ولا يعلم ماذا يخبئ له القدر في قادم الأيام أن أستعمل ما تم قرائته في مشاريع وخطط مستقبلية تفتح له أبواب كانت مغلقة، دعونا نتمنى جميعًا أن نجد تلك الفائدة وفي أثنائها لنستمتع معًا بالرحلة.

الهروب إلى الأمام

في صباح يوم الأحد 13 من سبتمبر تعرضت لأول حادث سيارة، كان قد تم اقتناؤها قبل شهرين تقريبًا ومعها بدأت الرحلات في شوارع المدينة. إذا أردت أن أعرج على تفاصيل الحادث فلن تكون طويلة مجرد اصطدام بالسيارة التي أمامي بعد توقفها المفاجئ عند المخرج، حمدًا لله لم تكن ساعة ذروة فعدد السيارات المتواجدة لم يكن بتلك الكثرة فنتج عنها مسافات متباعدة حمت السيارات الأخرى من التصادم المتتالي، وإلا كانت النتائج لتكون أعظم، صدمة من الأمام وصدمة أخرى من الخلف. كانت تلك اللحظة التي ارتطمت بها سيارتي السيارة الأخرى متوقعة ومحسوسة من قبل أن تحدث فلم تصبح من النوع المباغت أو المفاجئ والتي ينتج عنها هلع شديد. تعاملت مع الموقف سريعًا فلم يتم استدعاء نجم وايقاع اللوم على أحدنا، أردت أن أنهي الموضوع بأسرع وقت ممكن، تم قيادة السيارة بعدها للعودة للمنزل وكان مشوارًا اعتياديًا لم ينتج عنه غرابة في قيادتي أو في السيارة نفسها رغم شكلها الخارجي الغريب ولم أكن على عجلة من أمري حيث توقفت عند صيدلية في الطريق لشراء بعض الحاجيات غير الضرورية. بعد الوصول لم أخبر أحد عما حدث صعدت إلى غرفتي لأعود لبعض الأمور الاعتيادية، اتصلت أمي بعد ساعتين لتخبرني عما حدث للسيارة حيث شاهدتها عند ذهابها للسوبر ماركت، صوتها كان قلقًا ولا ألومها لأنها مفاجئة ومنظر الصدمة من الأمام يخبر المشاهد بحدوث حادث عنيف، رغم أنه لم يكن كذلك أعتقد أنه ذنب السيارات الصغيرة والخفيفة، طمأنتها بأن الموضوع صغير جدًا وأنه ليس بالحادث الكبير حتى أن السيارة لم يصبها مكروه فقد تحركت بعدها ولم يتم ملاحظة خلل تقني بها. 

في اليوم التالي قدِم اتصال آخر من بنت الجيران، والتي لا أعلم متى كان آخر اتصال فيما بيننا، صوتها كان يرغب في طمأنتِ رغم ذهولها من ما تم رؤيته في المواقف الخارجية أمام المنزل، لتذكرني بقصتها العام الماضي عندما صدمتها سيارة من الجانب الأيمن بعد مرور شهر على اقتنائها وأنها أمور متوقع حدوثها ولا يجب أخذ موقف متشنج تجاهها. تم التطرق للموضوع في تويتر بعدها بثلاثة أيام ومرة أخرى انهالت التعليقات المختلفة من الأصدقاء مذكرةً نفسي بأنِ لست الوحيدة في هذا الأمر فأغلب الناس مر بتجارب مشابهة لها، حادث سيارة بعد اقتنائها بفترة بسيطة. بعد كل تلك المهدئات القادمة من أناس أعتز بوجودهم في حياتي واقعيًا أو افتراضيًا بدت تتضح أمامي لحظة سكون فلا وجود للقلق ولا وجود للخوف من الإمساك بالمقود مرة أخرى رغم هذا لم أحبذ التطرق للأمر ولم أرد التعامل مع السيارة في مرحلة ما بعد الحادث من تصليحات وتوفير القطع المتضررة وغيرها رغم وجود الأيادي الممتدة للمساعدة من قبل أخوتي، كان هناك رغبة عارمة في مسح الأمر والانتقال إلى مرحلة أخرى. المسح هنا لا يعني شطب المهمة من قائمة المهام لا بل إخفائها وعدم التعامل معها والانتقال لأمر آخر والعمل على انهائه في الوقت المناسب ليتم بعدها السير بخطوات واثقة نحو الأمام مع التأكيد على عدم الالتفات.

هذا الحدث جعلني أمعن النظر في كيفية تعاملي مع الأحداث المفاجئة الغير مخطط لها بشقيها الصعب والسهل. لاحظت أن صفة الهروب وعدم مواجهتها تتضح بشكل كبير، بل مع محاولة أكبر في الإسراع لتخطي الأمر وتجاهله، “رغبة عارمة في عدم المواجهة” يمكن جعلها شعارًا دائمًا لتلك المواقف. هل يمكن تصنيفه تحت قائمة “الجُبن”؟ هو حتمًا ليس ببعيد عنها، تلك المشاعر والرغبة في عدم التعامل مع الأمر أجدها تصرخ بصوت عالي داخل رأسي مرارًا وتكرارًا في كل مرة أمر بها بتلك الظروف. الحدث الجديد ليس الأول فدفتر الحياة مليء بمواقف مشابهة بل وبشكل أكبر، فعلى سبيل المثال العام الماضي أتيحت لي فرصة الذهاب لدورة تدريبية من قِبل العمل لمدة عام واحد في الخارج، في ذهن “أسماء” هذا يمثل الحلم الذي سعت له لسنوات، ورغبة العيش في الخارج وتجربة الحياة لوحدي كان أقصى ما أتمناه، لكن فكرة الهروب إلى الأمام وعدم المواجهة برزت بشكل جلي في هذه الحالة، بدأً من المعوقات التي من المتوقع بروزها عند أتخاذ فتاة مثل هذا القرار في حياتها، معارضة من هنا و تأييد على مضض من هناك. تلك الأمور جعلت الخوف يتسلل إلى داخلي مشككًا في كل فكرة آمنت بها بدأً من تقليل أهمية البلد التي سأذهب لها (كانت غلاسكو) وذكر عيوب عديدة لها: باردة، كئيبة مدينة ريفية لا تصلح للعيش وحيدًا، الشمس لا تظهر إلا أيامًا معدودة، اللهجة الغريبة لسكانها. كيف تم التعامل مع الأمر؟ من دون المواجهة مع الأشخاص المعنيين ومن دون ذكر وجهة نظري لهم، بل على العكس تمامًا تم تجاوزها ورفضها والعودة إلى العمل المعتاد الروتيني والمكروه من قِبلي. هكذا ببساطة، لم تكن هناك صدامات وانفعالات، ولم تكن هنالك جدالات حسمت أمرًا مقابل آخر بل على العكس تمامًا تم الأمر بهدوء حتى أن العديد ممن كانوا حولي لم يعلموا عن القرار المتخذ إلا بعد مرور فترة زمنية (كان في اعتقادهم بأنِ عاقدة العزم على الذهاب). الغريب أن في لحظتها ينتابني أحساس بالأمان والراحة وكأن جبلًا أزيح من على ظهري لكن ما يلبث هذا الجبل إلا أن يعاود البروز بعد فترة ليست بالقصيرة وبطريقة جلد ذات مرعبة، مع تذكير نفسي دائمًا بأن ما من أحد ملام غيرك، أنتِ السبب في كل ما حدث. تبدأ الأسئلة في التشكل على طريقة “ماذا لو؟” و “ماذا لو؟” أسئلة تجد إجابات واحدة مليئة بالعتابات و الاتهامات المبطنة لنفسي.

الموضوع أشبه بكتابة كلمات على Word أو Google Docs فيبدأ المصحح بوضع خطوط حمراء تحت الكلمات الواجب تصحيحها، فتمضي قدمًا في الكتابة حتى لا تضيع منك تلك الكلمات والتي ترغب بشدة في نقلها سريعًا من عقلك إلى جهازك مع مرور الوقت سوف تتناسى تلك التنبيهات لتتفاجئ بعد نشر موضوعك بكمية الأخطاء الموجودة. ببساطة إهمال تلك الإشارات وعدم التعامل معها في لحظتها قد يؤدي لتلك النتيجة الغير مرضية. أنا إلى الآن لم أستطع التعامل مع الأمر وما زلت أحاول إن أغير تلك الصفة فيني، هل الموضوع مرتبط بالمثالية؟ لا طبعًا لكنه أمرٌ أرغب في إنهائه لأنه يتعبني كثيرًا وأريد أن أكون أكثر راحة.

سلم

ظلت تتبع الإرشادات الصحيحة لتخطي عتبات ذلك السلم حتى تنهي تلك المهمة بنجاح. أخبروها بضرورة الصبر حتى لو مرت فترة طويلة دون تحقيق تقدم يذكر فعند خط النهاية تنتظرها جائزة تستحق ذلك العناء مع رؤية مختلفة لهذا العالم. تخفض رأسها كثيرًا حتى تستطيع التركيز في كيفية إيجاد أفضل طريقة لإنزال قدمها المحلقة عاليًا على الدرجة التالية وأحيانًا ما بعد التالية. خطواتها الأولى كانت مبشرة وتنذر بنتيجة مبهرة ستكون حليفتها بالطبع، لكن عند المنتصف بدأت أصابع قدميها بالتشكي فقد ملت ذلك الطريق المعتاد وتلك الخطوات المرسومة، ارادت ان تنحرف قليلًا عن المسار لتضع نفسها أمام تحدي حقيقي يتطلب جهدًا مضاعفًا يعطي القوة والمرونة لتلك الأصابع، لكن تم مصادرة تلك النزوة والعودة لدرجات السلم، فكل ما تبقى بضع خطوات على خط النهاية ولا وقت لمغامرة جنونية الآن. 

“هيا هيا” نطق لسانها بتلك الكلمات من أجل التحفيز وحتى تلهي نفسها عن ذلك الثقل الغير مبرر، أصبح هذا الشعور يهبط من عزيمتها يجعلها ميالة للكسل مع رغبة ملحة في التوقف. المشكلة أن قامت بإيقاف حركة جسمها على هذا السلم ستصبح غير عالمة بكيفية أخذ الراحة، وهل توجد أماكن مخصصة لهذا الفعل؟. مع زيادة عداد الرحلة بدأت روحها شيئًا فشيئًا بالأنفصال عن جسدها، الحركة المرئية والفعل المنفذ لا يمت بصلة لما يدور بداخل جسمها. أصوات مزعجة وغريبة تتردد داخلها تؤثر على تركيزها وتجعل منها مشتتة البال غير آبهة بما يحصل أمامها. ترى هل يستحق هذا الأمر كل هذا العناء؟

أصبح صوت الشك طاغيًا كل متر يقطع تتعالى فيه أصوات مثبطة من نوعية ما فائدة كل هذا، هل أنتِ سعيدة الآن؟. بدأت تقل عدد الدرجات المتبقية أصبحت الوجهة النهائية تتضح معالمها رويدًا رويدًا، ومعها أرتفع الحماس لأقصاه هاهي تلك الأصابع تحط رحالها على آخر بقعة يفترض بها لمسها، توقفت تمامًا، عم الهدوء المكان التفتت حولها لترى المفاجأة، تعجبت قليلًا لرؤية ذات المنظر الذي شاهدته عند خط البداية يا ترى لماذا؟ تفحصت السلم بنظرة سريعة على جميع أجزائه، استوعبت الحدث أكثر، فقد تبين لها أن ذلك السلم ومن جعلته الداعم لخطواتها نحو الهدف كان في وضع أفقي.

هدسون، أول من رأى نيويورك

في القرن السادس عشر، كانت السيطرة الكاملة للطرق الجنوبية المؤدية للهند والمشرق لصالح إمبراطوريتين هما الإسبانية والبرتغالية، ومن جانب آخر كان طريق الحرير مغلقًا بالكامل من قِبل الأمبراطورية العثمانية. مع تلك المسببات بدأ ولع الأوروبيين وخصوصًا ممن يقطنون في الجانب الشمالي الغربي بإكتشاف طريق شمالي يصل المحيط الأطلسي بالمحيط الهادي ليتأسس معها  خط تجاري مع الصين. مع تعدد المحاولات لشق الطريق الجديدة بزغ اسم هنري هدسون، وفي أيامنا الحالية مازال لقبه يتداول في قارة أميركا الشمالية في ثلاثة تضاريس مختلفة أولها في النهر المار من الجهة الغربية لجزيرة مانهاتن وثانيها الخليج الشاسع الواقع في الأراضي الكندية والمضيق المؤدي لذلك الخليج هو المعلم الثالث، إلا أن رحلة البحث الأخيرة لهدسون انتهت بالخيانة وتخلي المرافقين له لتنتهي قصته بغموض يلتف حول مصيره.

كانت المحاولة المسجلة الأولى للإبحار من أجل قطع المسافة من خلال قمة العالم المتجمدة من قبِل الإيطالي جون كابوت في العام 1497 وتحت رعاية الملك الإنجليزي هنري السابع. فشلت المحاولة للوصول لقارة آسيا لكن سجل التاريخ لكابوت بأن يكون أول أوربي يطأ القارة الأميركية الشمالية بعد الفايكنج. أتى بعد ذلك المستكشف البرتغالي إيستيفاو غوميز والذي أُرسل في مهمة مشابهة تحت دعم إمبراطور إسبانيا في العام 1524، وصل إلى منطقة نوفا سكوشا قبل أن يضطر للتراجع لصعوبة التأقلم مع الأجواء القارسة. في العام 1530 وفي محاولتين لقطع نهر سانت لورانس، والذي يربط المحيط الأطلسي مع البحيرات العظيمة، لم يستطع الرحالة الفرنسي جاك كارتييه إكمال الرحلة لتعرضه لمنحدرات خطيرة أعاقت تقدمه، أطلق عليها اسم لا شين وكان على قناعة تامة بأنها من وقفت حاجزًا بينه وبين الصين. 

في العام 1551 تم تأسيس شركة التجار المغامرون إلى الأراضي الجديدة (ومسماها الكامل هو شركة التجار المغامرون من أجل اكتشاف المناطق والجزر والأماكن الغير معلومة) من قِبل 240 مغامرًا ساهموا بمبلغ وقدره 24 باوند، وتم إعلان البحث عن مسار شمالي مؤدي لقارة آسيا كأولوية أساسية لها. السير هيو ويلوبي ترأس أولى رحلات الشركة في المسار الشمالي مروراً من فوق روسيا و بمعاونة من مساعده ريتشارد تشانسلر. غادرت الرحلة في مايو من العام 1553، والمكونة من ثلاثة سفن، العاصمة لندن إلى أن هبت عاصفة قوية بعدها بأربعة أشهر في مكان ما شمال النرويج لتتفرق السفن. غادر ويلوبي مع سفنتين ودار حول الرأس الشمالي ليبحر شرقًا من خلال بحر بارنتس إلى أن وصل لأرخبيل نوڤايا زمليا ثم انعطف عائدًا إلى شبه جزيرة كولا ولم تستطع السفن بعدها التحرك بعد أن علقت في الجليد في منطقة تعرف في وقتنا الحاضر بمورمانسك. على الجانب الآخر كان تشانسلر محظوظًا حين أبحر داخل البحر الأبيض لكونه طريقًا غير محفوف بالمخاطر واستقرت السفينة عند مصب نهر دفينا، ثم ارتحل برًا إلى أن وصل لمدينة موسكو والتقى القيصر ايفان الرابع الملقب بايفان الرهيب والذي من خلاله بعث برسالة إلى ملكة إنجلترا ماري الأولى مرحبًا بالتبادل التجاري بين الشعبين. عندما عاد تشانسلر إلى أرض الوطن كان قد تم تغير مسمى شركة التجار المغامرون إلى شركة موسكوفي، في تلك الأثناء ظل ويلوبي وطاقمه يصارعون من أجل البقاء إلى أن هلك أغلبهم أما نتيجة لظروف البرد القارسة أو بالتسمم بغاز أول أكسيد الكربون ونتيجة لذلك عُدت تلك الحادثة الأولى من ناحية الضحايا في سبيل اكتشاف الطريق الجديد المؤدي للصين من جهة الشمال. 

ظل اكتشاف الطريق الشمالي المؤدي لآسيا صعب المنال في القرن السادس عشر بإستثناء ثلاث محاولات من قِبل المستكشف الإنجليزي والقرصان مارتن فروبشير في عقد 1570 (لا أحد منهم ذهب أبعد من جزيرة بافن)، هنالك أيضًا مغامرة فوضوية تمت من خلال شخص يدعى همفري جيلبرت في العقد 1580 أدت لاستعمار انجليزي للأراضي جديدة ولم ينتج عنها فتح الطرق الشمالية. تلت تلك المحاولات ثلاث محاولات فاشلة أخرى في عهد الملكة اليزابيث من خلال المستكشف جون ديفيس والذي التحق لاحقًا مع توماس كافنديش في طواف عالمي لاكتشاف طريق شمالي غربي ينطلق من الشرق وانتهت بالفشل.

ممر سري:

القليل من المعلومات التي عُرفت عن أيام هدسون الأولى لكن من المرجح أنه تدرج من صبي للمقصورة إلى قائد السفينة في بضع سنوات مارس خلالها الملاحة داخل البحر. توجد مخطوطة يذكر فيها البحار هدسون وتعود للعام 1607 مرتبطة بمهمة يُحضر لها من قِبل شركة موسكوفي لأكتشاف طريق في اتجاه الشمال الغربي، وترجو انجلترا أن تتوصل لذلك الطريق قبل أن يتم اكتشافه من قِبل منافسهم اللدود البحارة الهولنديين. تم ترشيح هدسون للشركة بواسطة القس ريتشارد هاكلويت، والذي كان جغرافيًا متميزًا، وقد أكد لهم القس مهارات وخبرة هدسون والتي تؤهله ليقود الحملة بالإضافة لمعلومات اكتسبها قد تكون معينة له في اكتشاف الطريق الجديد. اقتبس هدسون تلك المعلومات السرية من كتيب قديم كُتب منذ أكثر من 80 عام بواسطة تاجر من بريستول قد سمع أخبارًا عديدة من رحلات قديمة لاكتشاف ذلك الطريق من خلال والده والذي قد سافر مع القائد جون كابوت منذ قرن مضى. في الأول من مايو من العام 1607 ومن طاقم مكون من عشرة رجال بما فيهم ابنه جون انطلق هدسون من بلدة جريفسيند على سفينة صغيرة يطلق عليها “هوبويل” والتي سبق لها خوض مغامرة سابقة فيما مضى تحت قيادة القائد جون نايت في العام 1606 كُتب لها الفشل وعدم اكتشاف طريق شمالي يوصل غرب أوروبا بآسيا. أبحر هدسون من خلال جزر شتلاند وبعد مرور ستة أسابيع وصل لجرينلاند، ظل هدسون ملازما للساحل الشرقي للجزيرة لمدة أسبوع قبل أن يتجه شرقًا داخل عاصفة ضبابية في بحر جرينلاند، بعد مضي خمسة أيام تم رؤية جزيرة سبيتسبرغن والتي تم اكتشافها من قبل الهولنديين في العام 1596 وستصبح فيما بعد مكان مميزًا لصائدي الحيتان و حيوان الفقمة. عند حلول منتصف يوليو بلغت سفينة “هوبويل” أرض نورأوستلانده وتعتبر ثاني أكبر جزيرة في أرخبيل سفالبارد وتوجد في أقصى الشمال. قطع الجليد الضخمة جعلت من التقدم أمرًا مستحيلاً مجبرةً هدسون على العودة إلى أرض الوطن، وبعد اتخاذ ذلك القرار تم وصول سفينة “هوبويل” إلى بلدة تيلبري في إنجلترا في الخامس عشر من شهر سبتمبر.

تراجع قسري:

بعد مرور سبعة أشهر، ارتحل هدسون مع طاقم بحارة السفينة “هوبويل” والتي تضم زميله روبرت جوه في مهمة اكتشاف ثانية وبتمويل من ذات الشركة موسكوفي أملاً في العثور على الطريق المستهدف هذه المرة، المسار المقترح كان الشمال الشرقي إلى الأعلى من روسيا. اخترقت السفينة “هوبويل” الدائرة القطبية بعد قطعها مسافة 2500 ميل ووصلت بعيدًا إلى نوفايا زمليا، الطريق حول بحر كارا كان مسدودًا بواسطة كومة ضخمة من الجليد، التقارير كانت تشير عن عزم هدسون الأتجاه غربًا لكن مع ازدياد حالات العصيان والتمرد بين طاقم البحارة اضطر للتراجع إلى انجلترا. في العام 1609 تخلى الإنجليز عن دعمهم لهدسون ليتجه لشركة الهند الشرقية الهولندية لتجهز له سفينة سميت “هاف مون” وتكون مهمتها البحث عن ممر شمالي لصالح الهولنديين، ومع طاقم بحارة مختلط من إنجليز و هولنديين ستنطلق الرحلة الأستكشافية مرة أخرى في الاتجاه الشرقي وإلى الأعلى من روسيا. غادرت السفينة ميناء أمستردام في شهر أبريل وفورًا شعر هدسون بعدم نجاح المهمة نتيجةً للبحار المتجمدة وكان قد سمع أقاويل تتحدث عن مسار غربي من خلال قارة أميركا الشمالية وأبحر من خلال المحيط الأطلسي ليصل نيوفاوندلاند في بداية شهر يوليو. رست السفن في بلدة لاهاف في منطقة نوفا سكوشا من أجل الإصلاحات والتزود بالإمدادات الغذائية. الرحلة الأستكشافية ظلت لعشرة أيام وفي تلك الأوقات داهم البحارة قرية يقطنها السكان الأصليون ليلحقوا بأهلها الدمار ثم أبحروا بعد ذلك باتجاه الجنوب حتى بداية شهر أغسطس ليبلغوا “كيب كود”. استمروا في الإبحار جنوبًا داخل المياه المفتوحة قبل أن تعطف السفينة في اتجاه الغرب بالغين بذلك خليج تشيزبيك وبالقرب من المستعمرة الإنجليزية جيمس تاون، والمعروفة بكونها أول مستعمرة انجليزية في أميركا. ومن دون أن يعلم هدسون عن المجاعة الموجود في مستعمرة جون سميث أكمل طريقه شمالاً بمحاذاة الساحل حتى تمكن من الوصول إلى ساندي هوك في أول أيام شهر سبتمبر عابرًا ما يعرف اليوم بخليج نيويورك. في الحادي عشر من سبتمبر من العام 1609 وبعد أن دخل هدسون الخليج العلوي ظل بعدها عدة أسابيع محاولاً اكتشاف المنطقة والممرات المائية التي تصب في الخليج وأطلق عليه مسمى نهر الجبال، لكن كلنا على علم بأنه اتخذ هدسون مسمى له فيما بعد، وقد ظن بأنه على بعد أميال بسيطة من اكتشاف المسار الكبير والذي يمكن أن يصل للمحيط الهادئ فبالتالي تتم الرحلة إلى الوجهة النهائية آسيا خصوصًا مع اتساع النهر بشكل كبير عند منطقة تابان زي لكن كل الآمال تبددت عندما انتهى بهم الحال في ألباني وكان من الواضح أن لا وجود لمسار في القادم من الأميال.

معارف جديدة:

استمرت المواجهات بين شعب جونكوين (السكان الأصليون) والأوربيين  أسابيع عدة نتج عن إحداها إصابة عضو من أعضاء طاقم البحارة جون كولمان في عنقة بواسطة سهم أطلق من قِبلهم وبناءً على هذا تم إعتقال العديد من السكان الأصليون، لكن الصورة لم تكن قاتمة دائمًا فيما بين الشعبيين قفد تمت بعض أنواع التبادل التجاري فيما بينهم حتى أن هدسون بنفسه قد قبل دعوات عشاء عديدة وضعت له من خلال زعماء القبائل. أُعلنت المنطقة الجديدة تابعةً للهولنديين وتم أمر ببناء مدينة نيو أمستردام على جزيرة مانهاتن (عُرفت لاحقًا بنيويورك) وأصبحت هذه المدينة بعد خمسة عشر عامًا عاصمة للمستعمرة الهولندية في الأراضي الجديدة. أبحرت سفينة هاف مون في رحلة عودتها لكن بدلاً من الذهاب للوجهة المتوقعة إلى أمستردام توقفت في دارتموث. هناك بعض التكهنات التي تعتقد بأن هدسون كان يعبث مع الهولنديين وأن الرحلة ما هي إلا حيلة منه للاستيلاء على خرائطهم وقد ذهب عن عمد جنوبًا خلال الرحلة الأستكشافية، وكدليل على صحة هذه الادعاءات كان الأنجليزي غاضبًا و نتج عنه احتجاز قائد المركبة وأسره من أجل الاستيلاء على مخطوطاته.

متاهة لا نهاية لها:

سرعان ما غُفر لهدسون حول احتمالية كونه يعمل بازدواجية أثناء خدمته للهولنديين وتم التعاقد معه من قِبل تجار بلده (تعاون بين شركتي الهند الشرقية البريطانية وموسكوفي) لرحلته الأستكشافية القادمة. هذه المرة مع طاقم أكبر ضم فيها أحد أهم صانعي المشاكل بين البحارة والحديث هنا عن هنري جرين، غادر هدسون ميناء لندن في شهر أبريل على متن سفينة ديسكفري، تم الإبحار من خلال جزر الفارو و إيسلندا قبل التوجه غربًا إلى الحافة الجنوبية من جرينلاند عبر من خلالها بحر لابرادور لتقطع السفينة بعدها مضيقًا كان هدسون قد أسماه  “فيريوس اوفرفلو” ويقع بين نيوفاوندلاند و جزيرة بافن. حدثت ظروف خطيرة في خليج أونغافا جعلت السفينة عالقة هناك لعدة أسابيع. تم جرف السفينة بعيدًا بناءً على محاولة أخرى منها لعبور مضيق “فيريوس اوفرفلو” إلى داخل خليج شاسع (عُرف فيما بعد بإسم خليج هدسون) ظن طاقم السفينة بعد رؤيته بأنهم توصلوا أخيرًا للمسار الذي سيؤدي بهم للوجهة النهائية وهو الوصول لقارة آسيا بطريقٍ شمالي. بعد مضي أشهر في محاولة الوصول للمحيط دب اليأس داخل الطاقم وقد كتب أحدهم في عبارة تصف حالهم “متاهة من دون نهاية” أعاق الجليد مسيرة السفينة ليضطروا بعدها قضاء الأجواء القاسية  في خليج جيمس. أدت تلك الأحوال إلى أن يعلن جوه العصيان على القائد ومع بداية تدهور أعضاء الطاقم ومصارعتهم مع الجوع أصبح تكوين مؤيدين له ليس بالصعوبة البالغة. عندما بدأ الجليد في الذوبان محررًا السفينة ديسكفري في ربيع العام ١٦١١ ظل هدسون متمسكًا بإكمال الرحلة مما ولد غضبًا لدى البحارة، وبعد وصولهم لحافة الانهيار الجسدي تحديدًا في شهر يونيو وبتخطيط من جوه وجرين قرر الجميع إرسال هدسون وأبنه الصغير جون مع سبعة من رجاله المخلصين أو من أصبح جسده غير قادر على الاحتمال لمواصلة رحلة العودة للوطن في قارب مفتوح مع بعض الأدوات والأطعمة اللازمة تاركين القارب يطفو في خليج جيمس ولم يبقى لهم أثر بعد ذلك اليوم تاركين نهاية المستكشف هدسون مجهولة.


*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC History Magazine في عدد خاص عن المستكشفين

*خريطة تفاعلية توضح رحلات هدسون الأربعة

هاملتون

20130816_161817

في أيامي الأولى من الدراسة الجامعية والمحاولات العديدة للتأقلم معها، كنت في قاعة الانتظار عند بوابة الخروج أعد الدقائق والثواني لحين قدوم السائق، فالوقت يمضي ببطء ومحاولات تضيعه بفتح الهاتف النقال والاستمتاع به لم تكن ميزة موجودة في أيامنا تلك فقمت بأبسط فعل يساهم في عملية تزجية الوقت، الإستماع لأحاديث من بجانبي. صديقات من أربع فتيات يبدو من هيئتهن وكثرة الأحاديث فيما بينهن أنه  قد مضى زمن ليس بالقليل على تلك الصداقة التي تجمعهم، إحدى تلك الفتيات تتوسط موقع الجلوس وقد استلمت دفة الحديث فيما ظل البقية بهيئة مستمعات مع بعض التعليقات البسيطة والأسئلة الملحة بين الحين والآخر، كانت الفتاة تتحدث عن رحلتها الصيفية إلى نيويورك حيث ذكرت الأماكن المميزة والمطاعم الرائعة والتسوق العجيب، الذاكرة هنا لا يسعها تذكر التفاصيل فالموقف حدث منذ زمن بعيد لكن ظلت جملة نطقت بها الفتاة ظلت راسخةً في بالي حين ذكرت بأنه لا يمكن لها أن تنسى حضور مسرحية في برودواي فهو نشاط اعتادت عليه هي وامها منذ زمن بعيد. مسرحية؟ أتذكر حالة الاستغراب التي طرأت علي عند سماعي لتلك الكلمة، ففي ذلك الوقت والعمر الصغير لم أكن أعي كثيرًا عن كيفية قضاء عطلتك الصيفية، أو حتى الاهتمامات التي كانت تعنيني وقتها فقد كانت مختلفة عما هي عليه الآن، لم أكن أتصور أن يضيع شخصًا ما وقته الثمين في الإجازة بالذهاب لمسرحية.

بعد عشر سنوات من تلك القصة كتب الله لي زيارة إلى نيويورك من دون تخطيط مسبق حيث أُتخذ القرار على عجل قبل العودة للرياض من واشنطن، تم تأخير العودة يومين إضافين لنجعل نيويورك آخر محطة لنا في الولايات المتحدة ولكن فقط لثمانِ وأربعين ساعة. الوقت القصير وعدم الحجز المسبق أدى إلى إلغاء فكرة حضور مسرحية، والاستفادة من تلك الساعات لرؤية أهم معالم المدينة. تمضي سنوات قليلة و كمتابعة جيدة للفن بدأ يلفت انتباهي اسم مسرحية هاملتون، حيث تكرر ظهوره في الأحاديث الفنية أما بالحديث عن روعته، أو باستضافة فناني المسرحية نفسها في برامج التوك شو، اتذكر جيدًا ففي وقتها زاد شغفي بالأعمال الموسيقية أو ما تعرف بالميوزيكال حيث تكون الحوارات فيما بين الشخصيات بطريقة غنائية والفضل يعود لفيلم لا لا لاند. حينها دفعني الحماس لمشاهدة العرض التشويقي الخاص بالمسرحية في اليوتيوب، لتظهر معها طريقة الغناء من نوع الراب لأوقف المشاهدة سريعًا ويتوقف بعدها بحثي عنها، لأنِ ببساطة لا أستسيغ هذا النوع من الفن.

المحب للقصص التاريخية دائمًا ما يُعجب بقصة تأسيس الولايات المتحدة، ففكرة تأسيس البلاد و استقلالها من بريطانيا والإعلان الخاص بها ملهمة من نواحي عديدة. حكاية الآباء المؤسسين وأول رؤسائها عُرضت كثيرًا في الكتب والوثائقيات والأعمال الفنية سينمائيةً كانت أم متلفزة. أسماء ظلت راسخة في بالي مثل جورج واشنطون جون آدامز وتوماس جيفرسون، لن أدعي على علمي الكامل بما قاموا به لكن توجد لمحات من حياتهم السياسية ظلت في ذاكرتي. قد يكون هاملتون أقل اسم من بين تلك الأسماء ذكرًا وتداولاً، ليس بمعنى عدم المعرفة التامة به لكن بعدم معرفة الأعمال التي كان خلفها، فهذا الرجل كان وراء العديد من القرارات التاريخية والمصيرية للولايات المتحدة، هذا الجانب الدرامي جذب صناع المسرحية لعمل مقتبس عن حياته لأنه وببساطة تتواجد بداخله الخلطة الكاملة لقصة درامية شيقة، رجل قدم من دون نسب كافح لبناء نفسه حتى أصبح من ضمن علية المجتمع، كأنه تطبيق فعلي لما يود الدستور الأمريكي في وقتها الاستناد عليه.

في العام الماضي تقرر عمل فيلم للمسرحية بنسخة خاصة للمشاهدين في كل مكان، وكأنها رسالة محبة لكل من لا تسمح ظروفهم برؤيتها في مكان عرضها داخل مدينة نيويورك، وأتت جائحة كورونا وعجلت بإصدار تلك النسخة وتوفيرها رقمياً. أصابني فضول لرؤية العمل رغم علمي بموسيقى الراب الموجودة فيها والمكروهة من قِبلي لكن يمكن حسابها كتجربة جديدة لن أخسر الكثير فيها. منذ بدء المسرحية إلى نهايتها ظللت بتركيز عالي دون أي تشتيت، جميع ما ذكر في المسرحية والأسطر الغنائية المذكورة ظللت مشدودة لها دون أن أفقد تركيزي، الموسيقى كانت معبرة ومختلفة وحماسية بشكل لا يمكن وصفه في أحرف بسيطة، ستستشعر بطاقة هائلة بعد الانتهاء من مشاهدة المسرحية لتظل معك فترة غير بسيطة. قد يكون نوع موسيقى الراب هي السبب رغم أن المسرحية ليست بالكامل ضمن هذا النطاق فيتواجد ضمن مقطوعاتها الغنائية أنواع أخرى من الموسيقى وكما أعتدنا عليه في أعمال موسيقية أخرى. العمل ممتع فقد احتوى على القليل من اللمحات الكوميدية ولعلها خاصية اكتسبتها المسرحية وجعلتها تتفوق على غيرها أو لنقل تميزها كون الموضوع المطروح هنا تاريخي وغالبًا ما يتسم هذا النوع من الأعمال من الجدية مع إضافة مشاهد ملحمية. وأن استمرينا في حديثنا عن التميز والمختلف في هذا العمل يجب علينا التطرق إلى أبطال المسرحية فقد تم اختيار الممثلين من أعراق مختلفة كليًا عن هوية الشخصيات التاريخية الأصلية فترى جورج واشنطون قد مُثل من قِبل ممثل ذو ملامح مكسيكية وأرون بور قد اختير لأداء دوره ممثل أمريكي/أفريقي، هي رسالة أراد صناع العمل إيصالها بأنها قصة الولايات المتحدة تُروى من خلال أبناء هذا الجيل باختلافاتهم العرقية. 

لكل منا قائمة أمنيات في هذه الحياة تزداد أعدادها مع تقدم السنين قد تتحقق بعضها وقد لا تتحقق أخرى المهم هنا هو السعي وراء تحقيقها وبذل كل ما في استطاعتك لرؤيتها واقعًا. أعرف الآن أنه قد تمت إضافة واحدة إلى قائمتي وهي مشاهدة مسرحية هاملتون في برودواي، وأعلم أنه الآن تقام من دون الطاقم الأصلي لكن حتمًا روح العمل ستكون حاضرة بقوة داخل أرجاء القاعة وهو كل ما يهم. 

 

.Dying is easy, Living is harder

أحلام اليقظة 2: محاكمة كولومبوس

تفضل سيد كولومبوس بإمكانك الرد على الاتهامات الموجهة إليك من قِبل المواطنين والذين يؤمنون بضرورة معاقبتك على الأفعال التي تفتخر بها وتعتقد، على حسب زعمك، بوجوب تقديرها نظرًا لأهميتها في تغير شكل العالم والذي شكل إلى حد ما العالم الذي نعيش فيه اليوم.

شكرًا لك سيدي القاضي أود أن أبدأ كلامي بذكر موجز عن الأوضاع التي كنا نعيشها في تلك الأيام، فكما تعلمون لم نكن بعد نعلم شكل العالم، حدودنا مختصرة في قارات أوروبا وآسيا وأفريقيا. ولدت مع غريزة حب الاكتشاف والمغامرة فعائلتي قدِمت من خلفية بحرية وتتخذ من مدينة جنوه الساحلية موطنًا لها، في السفن كان خيالي الدائم، وواقعي الحتمي لم أتخيل نفسي دونها. عشنا في أوروبا تلك الأيام عصرًا زاخرًا بالعلوم والمعرفة، الأموال زادت وأصبح علية القوم ممن يملكونها يحرصون كثيرًا على صرفها في اكتشافات واختراعات تكون موضع يقين لا شك. فمثل هذه الفرص لا تتكرر دائمًا ويجب عليك اقتناصها وإلا ندمت على ذلك بقية حياتك. أعتبر نفسي محظوظًا كوني حظيت بلقاء الملكة إيزابيلا والملك فرديناند، ويبدو أن حماسهم مع استعادة الحكم على أراضي شبه الجزيرة الأيبيرية أطلق العنان لتوسيع حدودها خارج البلد الصغير، وهذا السبب جعل فكرتي المتواضعة بإمكانية وصولنا لآسيا من الغرب لا كما أعتدنا عليه باتخاذ الشرق وجهةً لنا، حماسية للملكين الشابين. فإذا نجحت الخطة سنختصر على نفسنا الطريق مع جعل ذلك الأكتشاف مخصص للتجارة الإسبانية وتبادل ما نملكه من خيرات مع بلاد الهند، لكن أسمعكم تتحدثون عن قارة تدعى أميركا وتؤكدون لي أنها الأرض التي وطئت قدماي ترابها. غريب فأنا متأكد جدًا، وقلما أخطأ في أمور كهذه، أن الأرض التي وطأت عليها كانت تابعة للقارة الآسيوية ولو كنت أطلت التوغل غربًا لوجدت تلك القبائل الصينية لكن للأسف لم أستطع الإكمال. 

سيدي القاضي المتهم يتحدث بإسهاب عن نفسه، من ذكر له أن المحاكمة أقيمت من أجل أن يتفضل علينا بالحديث عن إنجازاته وذكر مناقبه، نحن هنا لأن الجميع مؤمن بالجريمة الكبرى التي أرتكبها ذلك الشخص والتي تسببت في مأساة العديد من البشر من السكان الأصليين أو من العبيد الذين تم جلبهم للبلاد، ألم يرى تلك الحشود الغاضبة والتي قامت بتلطيخ التمثال الخاص به، الجميع بلا إستثناء يريدون رؤية هذا المجرم ينال عقوبته و ليشفي غليل كل من ذاق الظلم من ورائه، ألا يرى عدم وجود أحد حوله، لم يُقدِم أي شخص على التجرأ للدفاع عنه كمحامي خاص به يجب أن يستشعر كل هذا ويكفر عن ذنوبه. ثم أن تأكيده على أن الأرض التي وطأها هي تابعة لقارة آسيا كان المقصد من ورائه حتى ينال مكافآة الملك والملكة لأن الجائزة ظلت مرهونة بتحقيق تلك الغاية، وأجبرت البحارة ممن كانوا معك على عدم البوح بأن ما تم اكتشافه لا يمت بأي صلة للقارة الآسيوية وأن فعلوا فسوف يتم قطع ألسنتهم.

الرجاء التزام الهدوء وعدم المقاطعة فما زال لدى المتهم الحق في الإدلاء بشهادته أكمل حديثك سيد كولومبوس،  حسنًا في البدء عندما بدأت رحلة اكتشافي كان هدفي تصحيح مفهوم خاطئ أعتقده أسلافنا لوقت طويل، فقد ظلت شعوبنا  لقرون عديدة معتقدة بإيمان بالغ بصحة قياسات العالم إراتوثينس لمحيط الأرض، قد كانت لدي شكوكي بأن المسافة التي قدرها هي أقل مما تنبأ به وأنه يمكن بلوغ قارة آسيا خلال بضعة أيام وقد اتفق معي في هذا الشأن صديقي العالم الفلكي أنتونيو مارشينا. أما بالنسبة للسكان الأصليين فقد تحدثت دومًا عنهم بأنهم بشر بريئون وغير عدائيون، لم يعرفوا الحروب ولم يفسدهم الجشع المادي وبهذا آمنت بأنهم مؤهلين للتبشير بالمسيحية حتى يتسنى لي إخراجهم من الجهل. 

ما هذا الهراء من أدعيت أنهم مسالمون وتريد أن تخرجهم من جهلم أخذتهم كعبيد حتى يتسنى لك المتاجرة بهم فتخرج بأقل الخسائر من رحلتك خصوصًا بعد عدم اكتشافك لأي من الثروات الطبيعية الخارقة والتي كان من شأنها نقلك لعالم آخر أردت دومًا الانضمام له.

أرجو منك عدم مقاطعتي مازلت أواصل الحديث حتى أرد على اتهاماتكم المجحفة بحقي، فقد كنت وحيدًا في أرض جديدة ومع أناس ظننت أنهم أصدقائي وظلوا طوال الوقت يكيدون الخطط ضدي، فقد هرب مساعدي مارتين بينزون رغبةً منه في البحث عن ربح خاص، دون أن أغفل عن سكان محليين يتحدثون فيما بينهم بلغة غريبة وأرقب نظراتهم التي تصيبني أحيانًا بالشك فربما يكونون من آكلي لحوم البشر أو ممن يقدموننا لهم، فقد رويت أحاديث كثيرة عن وجودهم في تلك الأماكن. أصبح عقلي مشوشًا ومضطربًا فقد وكلتُ بمهام كبيرة تتعلق بإكتشاف سيغير حتمًا مجرى التاريخ، وحتى أثبت صحة ادعائاتي فقد واجهت عاصفة لم يشهد عليها أحد، رياح من المستحيل الخروج منها سالمًا، لكن المعجزة حدثت ونجوت وسفينتي وبحارتي منها دون أدنى ضرر علام يدل هذا إلا يدل على أن الرب قد اختارني لمهمة تسمو بالبشرية. ولنتخيل معًا أنِ لم أصل لتلك البقعة الجدية من العالم وبالتالي لم يتجرأ بعدي المهاجرون الأوربيون ليقدموا على خوض مغامراتهم على هذه الأرض هل كان من الممكن أن نرى هذا الصرح الذي نقيم فيه تلك المحاكمة؟ هل من الممكن أن تصبح على ما أنت عليه الآن لو لم يحدث ما حدث؟ أجبني.