اللقاء الأول

تخيل معي لو قدمت الكائنات الفضائية، بعد كل تلك التساؤلات عن وجودها من عدمه. تلك الصور المتخيلة لهيئتهم، طريقة تحدثهم، والأسئلة الملحة التي تنتظر الإجابة: هل يملكون عقولاً كما نملك، هل يعيشون وفق أنظمة وبلدان كما هو الحال لدينا؟ ماذا عن مواردهم الطبيعية التي تغذيهم وتمدهم بالطاقة وتمتد حسناتها لتخلق مخترعات تدفع بعجلتهم التنموية سريعًا. 

أحد الطرفين سيكون متقدمًا على الطرف الآخر بسنين عديدة لمميزات توفرت له ولم تتوفر للآخر، جاعلة منه فريسة سهلة يمكن القضاء عليها. لكن هل من الضروري أن يكون التقاء الطرفين حلبة صراع ليبرهن أحدهما قوته وليكتب له الانتصار وتطمئن ذاته بفوقيته. أم أن اللقاء سيكون لطيفًا وودوداً نتبادل فيه خبرات بعضنا البعض ويعجب كل أحد بالآخر وبمدى روعة انجازاته ليصبح التقدير فيما بيننا هو الانطباع السائد لذلك اللقاء.

لندع الخيال العلمي جانبًا ونعود لنغوص في قصصنا نحن في كوكب الأرض فمنذ 500 سنة، كان هنالك قصة شبيهة بقصتنا المتخيلة مع الكائنات الفضائية، قصة التقاء عالمين مختلفين لم يتسنى لهما رؤية الآخر من قبل رغم التواجد في نفس الزمان و تحت نفس السماء. لماذا تأخر هذا اللقاء؟ أحد الأسباب الرئيسية وجود محيط شاسع يفصل بين يابستين، فلا طرق برية يمكن السير عليها، فأن طالت المسافة سيظل الإنسان مطمئنًا لوجود أرض صلبة يطأ عليها بدلاً من قطعة مياه تمتاز بسيولتها مهددةً ثباته ليقع غريقًا داخل عالمها الغامض. دون الإغفال عن  الحاجة الملحة لصنع مركبات نقل تستطيع تحمل السير داخل تلك المياه.

تمكن هذا الإنسان الأول والذي وطأت قدماه تلك الأرض البعيدة من مفاجأة من كانوا يسكنون العالم الجديد. أولًا بسبب اختلاف الهيئة، فذلك الرجل أبيض بشعر أشقر و بلحى طويلة عكس ما اعتادوا على رؤيته. فهم يمتازون بنفس درجة اللون الحنطية وشعر داكن يمتاز بسواده، والمؤكد هو عدم وجود شعيرات كثيفة في وجوههم. يوجد قبائل منهم يعتبرون أنفسهم مختلفين فيما بينهم لكن في الحقيقة هم يحملون نفس السمات الرئيسية. ذلك الضيف الغامض كان مختلفًا واثقًا من نفسه لم تمسه الرهبة من مقابلة هؤلاء المحليين يحمل أدوات غريبة ويرتدي أثقالاً لا يُعرف كيف أمكنه من تحملها. يحمل معه شيئًا لامعًا يضعه حول خصره ويمتطي حيوانًا غريب الشكل.

 “أتراه آلهة، نصف إنسان ونصف حيوان” ظلوا السكان الأصليين يتهامسون فيما بينهم بتلك الأحاديث مضيفين “قد يكون هو الآلهة المخلصة والتي ننتظر قدومها منذ زمن”. على الجانب الآخر ظل الأوروبيين يتسائلون عن ماهية أولئك البشر، في البدء حاولوا إثبات انتمائهم لفئة العقلاء وبالتالي يصبحون أناسًا مهيئين لاعتناق الديانة المراد لها من قِبلهم، ثم تحاوروا بشكل أكبر حول عاداتهم الغريبة فهم يقدمون بعضًا منهم قربانًا للآلهة تقربًا لها وأثاروا بعض الظنون حول قدرتهم على أكل لحوم البشر.  “مستحيل، هؤلاء لا يستحقون البقاء على قيد الحياة أو على الأقل لنستعبدهم”، أقاويل من هنا وأقاويل من هناك رسمت صورًا متخيلة ممزوجةً ببعض الحقيقة وبعض الريبة جعلت كل طرف يتبنى أفعالاً بناءً عليها، النتيجة النهائية كانت انتصارًا كبيرًا لصالح الأوربيين ضد السكان المحليين أو من عُرفوا بالهنود الحمر.

وجد كل من كولومبوس ،و كورتيز ،وبيزارو نفسهم في اللقاء الأول، فمن مهمات للبحث عن خيرات العالم الجديد وتبادل الخبرات لتتحول بعدها إلى قادة مستعمرين امتلكوا الأرض بمن عليها. لماذا حصل هذا التغير؟ تتكرر دائمًا على مسامعنا مقولة العالم قبل حدث ما (بإمكانك وضع ما تراه مناسبًا) ليس هو العالم بعد هذا الحدث، العام 1492 سيتخذ لنفسه موقعًا ملائمًا داخل تلك العبارة.

فبعد أن وطأت أقدام كولمبوس الأرض الجديدة، والتي لا يُعرف موقعها بالضبط في يومنا هذا، اتخذت حياة السكان المحليين منحى آخر لم يتسنى لهم التنبؤ به. فإن كانوا يمتلكون كورة سحرية لتريهم ماذا سيحدث في المستقبل، ستذكر لهم قتل، أمراض، واستعباد وتصرح لهم علانية “ستكونون أقلية في بلادكم ولن تعودوا أصحاب الأرض”.

دخل كورتيز على حاكم الأزتك كضيف مرحب به، ليطمع في مدينة يوكاتان ويدبر الخطط للانقلاب على الحاكم وتحقق له ما أراد. بيزارو الآخر تم إرشاده داخل الطرق الجبلية الوعرة من قِبل سكان محليين ليتمكن في النهاية بالإطاحة بـ مملكتهم، حاضرة الإنكا. كولومبوس الشخص الأول و المسؤول الأكبر عن كل تلك الأحداث ابتدع فكرة استعباد السكان المحليين، لكن السؤال الذي يصرخ عاليًا في هذه اللحظات هو ماذا استفاد الأوروبيون من كل هذا؟ 

رواية البرازيل الحمراء تبدأ أحداثها بعد وصول كولمبوس بستين عامًا ، ولكن هذه المرة في مكان معلوم عند شواطئ ريو دي جانيرو في البرازيل، عندما كانت أرضًا معزولة وخالية من مظاهر الحياة. الأبطال فرنسيون، مع عددٍا لا بأس به من المرتزقة المتعددة الجنسيات، فبعد سنوات من سيطرة الإسبان والبرتغاليين على أتربة العالم الجديد أراد شعب النورماندي تجريب حظه في تلك الأراضي والظفر بقطعة الكعك الشهية وما تخبئه من مفاجئات بداخلها. فيلوغانيون قائد يريد أن يكتب مجده أسوة بمن سبقوه في هذا المجال، كان كورتيز أحد أبطاله الذي أراد أن يتشبه به ويفعل مع فرنسا ما فعله هو مع الإمبراطورية الإسبانية. 

من أبطال هذه القصة أطفال أُخذوا من الميتم ليتمكنوا من اقتباس لغة السكان الأصليين بسرعة ويساهمون في بناء المستعمرة من خلال العمل كمترجمين، من بينهم أخ وأخته تم إقناعهم بالذهاب في هذه الحملة للبحث عن والدهم المختفي منذ سنوات، بسبب سريان إشاعة عن ذهابه هناك للظفر بالكنوز المتوفرة في تلك البلاد البعيدة. 

مع هذه الأحداث الحقيقية والممزوجة ببعض الخيال ولدت لنا قصة ذات تشعبات عديدة، فلا يمكن حصرها أبدًا داخل تلك الشخصيات، فهناك قبائل السكان الأصليين مع عاداتهم المستنكرة ومحاولة التأقلم مع القادم الغريب، وهناك أيضًا صراعات دينية انتقلت من أوروبا لتلتهم تلك المساحة الصغيرة في الأرض الجديدة بين الكاثوليك والبروتستانت، فعلى ما يبدو كل طرف كان يدعي أحقيته في حمل لواء التبشير بين مقيمي تلك الغابات. 

الاستنكار والغربة والخشية من الآخر وظهور العديد من العلامات على جنون أفعال البعض وسمو خُلق البعض المضاد. كل تلك المحصلة تجعل من قصص اكتشاف العالم الجديد ممتعة وشيقة، ومبرزة لهوية الصراعات بين البشر. تجعلك تتفكر في هذا الإنسان وقدراته العجائبية والغرائبية في آن واحد لتحتار في صف من ستنحاز وهل هنالك حقًا من رابح؟

______________________________________________________________

في الماضي وكعادة طفولية في التعلق بأفلام الكرتون، أُعجبت بشدة بمسلسل “الأحلام الذهبية” وقصة رحلة استبيان مع أصدقائه للبحث عن الذهب في أراضي العالم الجديد. لن أدعي فهمي للخلفيات التاريخية والتي بُني عليها هذا المسلسل فقد كُنت ما أزال طفلة لا تعي كثيرًا ما حدث ويحدث في هذا العالم، لكن الأجواء شدتني وأحداثها علقت في ذهني طويلًا. هذا التعلق ظل كامنًا بداخلي إلى أن نما فجأة منذ سنوات بالاهتمام الشديد بقراءة كتب تاريخية متعلقة بتلك الحُقبة، فمن “A Land so Strange” إلى وثائقيات مايكل وود ومنها إلى رواية “ما رواه المغربي” والتي تعتبر سرد شبه خيالي لأحداث تاريخية ذُكرت في كتاب “A Land so Strange” عن طريق الشخصية المنسية من الناجين الأربعة داخل أراضي السكان الأصليين وانتهاءًا برواية “البرازيل الحمراء”. أنا متأكدة من أن رحلة البحث والتنقيب عن قصص ذلك العالم لن تنتهي عند هذا الحد بل على الأرجح أنني ما زلت في بدايتها، وقد تم ايقاد هذه الرحلة الطويلة بفضول وشغف تجاه الكلمات المعبرة والقصص المروية  لذلك الزمان.

العيش في زمن مختلف

تنتابني أحلام يقظة مختلفة من حين إلى آخر متخيلةً نفسي أعيش في زمن مختلف وفي بقعة جغرافية أخرى، غالبًا ما تنتمي لزمان قديم ذو عنوان يشير بسهامه ناحية أوروبا. بالطبع هنالك محفزات مختلفة لتلك التأويلات; من أحدها قراءة كتاب يغدق بالكثير من تلك التلميحات أو مشاهدة فيلم يصور تلك الحياة البعيدة، اما المحفز الحقيقي لكتابة التدوينة والبوح بهذه الأفكار والتي تظل تحوم داخل رأسي هو قراءة لقصة قصيرة حدثت لغوته خلال إقامته خارج مسقط رأسه ألمانيا داخل أجواء إيطالية. لم يكن غوته حاضرًا في حياتي القرائية سوى أن اسمه ظل مألوفًا وحتى لو لم أطلع على أعماله، لكن حظر في ذهني مؤخرًا بعد قرائتي للسيرة الذاتية الخاصة بالمستكشف فون هومبولت وعن الصداقة العجيبة التي جمعتهم، نظرًا لمدى تشابه أرواحهم، رغم اختلاف أعمارهم، فقد اجتمعوا على حب الحياة و الاكتشاف والمغامرات والطبيعة والمتعة القادمة من وراء تلك الأمور والتي ظل كل واحد منهم يصبو للسير خلفها. 

عندما أتم غوته عامه السادس والثلاثين وبعد أن حقق العديد من الإنجازات الشخصية على مستوى الكتابة، ظن أن الوقت قد حان لخوض مغامرة لطالما حلُم بها، ترتكز كليًا على الذهاب والتوجه لإيطاليا وحيدًا ليكون بذلك مبتعدًا كل البعد عما اعتاد عليه من أُناس وطبيعة جغرافية ظل طوال سنواته معاشرًا لها. وهو فعلًا ما تحقق له فبعد تخطيط وإعداد وقراءة بعض المراجع حزم حقائبه وما أحتاج إليه من معدات تلائم عزلته الجديدة ليطلق بعدها لقدميه العنان. 

بلد جديد ذو ثقافة غريبة ولغة تواصل مختلفة كلها كانت تحديات أمام غوته ورغم ذلك ظل متحمسًا لها، وأراد أن يظل اجتماعيًا وأن يتواصل مع أكبر قدر من البشر، فإيطاليا مليئة بالمسافرين و الذين يشبهونه في خوض مغامراتهم الخاصة بهم هناك دون إغفال تنوع الجنسيات والذي مكن غوته من التعرف على أصدقاء جدد من غير الجنسية الالمانية. 

مرت الأشهر وطاب لغوته الأقامة هناك وكل ما أعتقد زملاؤه في أرض الوطن عودته أطال مكوثه أكثر، وظل غوته متحاشيًا خوض مغامرات عاطفية لاعتقاده الجازم بأنها ستؤثر بشكل كبير على حسه الإبداعي وتعيقه عن مهمة كتابة مسرحيات جديدة والتي كانت الدافع الأساسي لرحلته تلك، لكن الإنسان يظل غير مسؤول عن ما يعتري قلبه من مشاعر أن أراد لها القدير الظهور في لحظة ما، وكان هذا ما حصل في شهر أكتوبر بعد إكماله العام على إقامته في روما ومن أجل التمتع بعطلة إيطالية خريفية، قبِل دعوة ثري إنجليزي يملك قصرًا في ضواحي روما ويملك العديد من التحف واللوحات الفنية والتي حتمًا ستكون مفاتيح لأحاديث مع غرباء عدة من مختلف الجنسيات الأوروبية. 

في محاولة له للاندماج مع المدعوين لقصر الثري الإنجليزي لمح غوته سيدة إيطالية مع ابنتها كان قد عرفهما من خلال تواجدهم بالقرب من سكنه في روما إلا أنه لم تتح له الفرصة أبدًا للتواصل معهما إلا الآن في هذا الريف البعيد عن ضجيج العاصمة، ليطيب له الجلوس وقضاء الأمسيات معهم ومع صديقة أخرى قادمة من ميلان والتي تم دعوتها بسبب عمل شقيقها مع ذلك السير الإنجليزي. غوته طاب له الحديث مع تلك النسوة ومع شقيق الميلانية وبدأ في تجاذب الأحاديث عن كل شيء يثير اهتمامه ويطيب لهم الأستماع إليه ولما لا المشاركة فيه، لكن ولأن الأمور السعيدة دائمًا ما تنغص ببعض التوافه التي لا تخطر على البال، قامت والدة الشابة القادمة من روما بعقد محادثات مع غوته حول ما طبيعة العلاقة التي يرغب غوته في تكوينها مع ابنتها، فقد يجهل هذا الشاب الألماني أن الأمور في هذه البلاد قد تكون مختلفة عما هي عليه الحال في بلاده، فبمجرد ما تزداد أحاديثك مع فتاة عزباء يجب على الشاب أن يقدم على الخطوة الجدية ليتمكن من إطالة الجلوس معها والحديث بأريحية أمام الملأ. تلك الحادثة العرضية فتحت عين غوته عن مشاعره الداخلية والتي ظلت محبوسة بإرادته الشخصية رغبةً منه بعدم الأرتباط في علاقات جدية، وأحس أنه أمام الأختيار بين الفتاتين، ومن دون تردد وجد غوته نفسه معلنًا القرار النهائي، والذي أرشده له قلبه بالطبع، بأن الفتاة الميلانية كانت من يطيب خاطره بها وأنه حتمًا يستمتع بالتواجد بقربها للحديث عن مختلف الأمور. تلك الفتاة كانت محبة للأطلاع والمعرفة بكافة التفاصيل التي تحدث من حولها على الرغم من قلة تعليمها كونها حُرمت على حد قولها من الحق في التعليم، كون ذلك الزمان ينظر للمرأة بنظرة مختلفة عما اعتدنا عليه في زماننا الحالية، فما الهدف على حد زعمهم من تعليم المرأة الكتابة؟  لتكتب رسائل غرام للحبيب المحرم،  وما الفائدة أيضًا من تعليمها القراءة؟ فما الذي يجب أن يُقرأ غير التراتيل التي نتلوها في الكنائس. بتلك الجمل الغاضبة عبرت تلك الفتاة لغوته عما يعتري بداخلها لكن هذا الأمر لم يكن ليصيبها بكآبة ذو غمامة سوداء تجعلها مبتعدة تمامًا عن الحياة والتمتع بها، بل على العكس ظلت راغبة بأن تتعلم وأن تشارك من سبقوها في هذا المجال لتتمكن من مجاراتهم. أحد تلك الأمور التي ظلت تشغلها هو اللغة الأنجليزية، فكما هو معروف من يقطنون في ضيافة مضيف إنجليزي، يتجادل الضيوف معه بلغته وأن اختلفت أعراقهم، فما كان من غوته إلا أن هب لمساعدتها لتعليمها تلك اللغة العصية عليها، كونه يمتلك امتياز التحدث باللغتين الإيطالية المفهومة لدى تلك الفتاة والإنجليزية المرغوبة من قِبل نفس الفتاة. 

مرت الليالي الجميلة وظل غوته معلمًا وفيًا للفتاة الإيطالية، ولكن مرة أخرى وكعادة الحياة ما أن تعلن فتحها بابًا من أجلك تركض مسرعةً لغلق نافذةً أخرى، وصدفة وجد غوته نفسه يستمع لحديث نساء عن فتاة تستعد من أجل زواجها وكيفية الأجراءات المتبعة من قِبلها لهذا الحدث الكبير، وأن الزوج متحمس للغاية وقد أعد الكثير والكثير من الأمور لتلك الليلة المهمة في حياته، إلى أن وجد غوته نفسه متسائلًا عن هوية تلك الفتاة ليتفاجأ بأنها التلميذة المجتهدة والتي تتعلم اللغة الإنجليزية على يديه. 

أصبح غوته بعدها متحاشيًا الحديث المنفرد معها دون قطيعة كبرى بينهما بحيث تصبح أمسياتهم ممتلئة بأُناس من حولهم حتى لا يضفي عليها بعض الحميمة والتي لم تظهر حتى قبل تلك الصدمة ولكن قلبه ظل محدثًا له عن مشاعر عديدة كلها لا تصب في صالح أنها مجرد فتاة عادية، لكن عزاؤه الوحيد أنه لم يقم بإطلاق وعود لتلك الفتاة مؤملًا لها بأماني قد لا يكتب لها الحدوث. 

مرت الأيام وعاد كل منهما لمكان إقامته لتأتي بعدها أعياد الميلاد بكل أجوائها الاحتفالية ليتلقى غوته أخبارًا أقلقت مضجعه، فقد تم تبليغه بأن الفتاة الميلانية أصابتها الحمى لتجعلها ملازمةً الفراش، وحدث ذلك بعد أن تم هجرها من قِبل خطيبها. كان غوته يأمل بشدة أن لا يكون لهذا الموضوع صلة به; فقد مضى على وقت تعارفهم مدة ليست بالبسيطة مما يؤكد عدم ربط الحادثتين مع بعضهما البعض.

تلك القصة المتكاملة الأركان من خوض مغامرة في بلاد غريبة واتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالقلب وفكرة الحب المستحيل تجعل منها رواية ملائمة لفيلم أكثر من كونها قصة حقيقة دونها غوته في مراسلاته لأصدقائه والتي نُشرت في كتاب “رحلة إيطالية”. هذا الأمر يجعلني أعيد رسم أحلام اليقظة مرة أخرى في أمنيتي أن أنتمي لذلك العصر وبقعته الجغرافية، لكن سرعان ما أتراجع عندما أتذكر المشاكل الصحية الكثيرة المتعلقة بالرعاية الطبية السيئة في ذلك العصر، وصعوبة التنقل بسهولة من مكان إلى آخر دون أن اغفل عن المعيق الأساسي الأول وهو أن تلك المغامرات محصورة على فئة قليلة من المجتمع لا تزيد نسبتهم عن الثلاثة بالمئة من مجموع الشعب. فها أنا هنا أطرد تلك الأحلام لأعيش الواقع الصعب لكن المقبول نوعًا ما على حسب معاييري الخاصة.

هدسون، أول من رأى نيويورك

في القرن السادس عشر، كانت السيطرة الكاملة للطرق الجنوبية المؤدية للهند والمشرق لصالح إمبراطوريتين هما الإسبانية والبرتغالية، ومن جانب آخر كان طريق الحرير مغلقًا بالكامل من قِبل الأمبراطورية العثمانية. مع تلك المسببات بدأ ولع الأوروبيين وخصوصًا ممن يقطنون في الجانب الشمالي الغربي بإكتشاف طريق شمالي يصل المحيط الأطلسي بالمحيط الهادي ليتأسس معها  خط تجاري مع الصين. مع تعدد المحاولات لشق الطريق الجديدة بزغ اسم هنري هدسون، وفي أيامنا الحالية مازال لقبه يتداول في قارة أميركا الشمالية في ثلاثة تضاريس مختلفة أولها في النهر المار من الجهة الغربية لجزيرة مانهاتن وثانيها الخليج الشاسع الواقع في الأراضي الكندية والمضيق المؤدي لذلك الخليج هو المعلم الثالث، إلا أن رحلة البحث الأخيرة لهدسون انتهت بالخيانة وتخلي المرافقين له لتنتهي قصته بغموض يلتف حول مصيره.

كانت المحاولة المسجلة الأولى للإبحار من أجل قطع المسافة من خلال قمة العالم المتجمدة من قبِل الإيطالي جون كابوت في العام 1497 وتحت رعاية الملك الإنجليزي هنري السابع. فشلت المحاولة للوصول لقارة آسيا لكن سجل التاريخ لكابوت بأن يكون أول أوربي يطأ القارة الأميركية الشمالية بعد الفايكنج. أتى بعد ذلك المستكشف البرتغالي إيستيفاو غوميز والذي أُرسل في مهمة مشابهة تحت دعم إمبراطور إسبانيا في العام 1524، وصل إلى منطقة نوفا سكوشا قبل أن يضطر للتراجع لصعوبة التأقلم مع الأجواء القارسة. في العام 1530 وفي محاولتين لقطع نهر سانت لورانس، والذي يربط المحيط الأطلسي مع البحيرات العظيمة، لم يستطع الرحالة الفرنسي جاك كارتييه إكمال الرحلة لتعرضه لمنحدرات خطيرة أعاقت تقدمه، أطلق عليها اسم لا شين وكان على قناعة تامة بأنها من وقفت حاجزًا بينه وبين الصين. 

في العام 1551 تم تأسيس شركة التجار المغامرون إلى الأراضي الجديدة (ومسماها الكامل هو شركة التجار المغامرون من أجل اكتشاف المناطق والجزر والأماكن الغير معلومة) من قِبل 240 مغامرًا ساهموا بمبلغ وقدره 24 باوند، وتم إعلان البحث عن مسار شمالي مؤدي لقارة آسيا كأولوية أساسية لها. السير هيو ويلوبي ترأس أولى رحلات الشركة في المسار الشمالي مروراً من فوق روسيا و بمعاونة من مساعده ريتشارد تشانسلر. غادرت الرحلة في مايو من العام 1553، والمكونة من ثلاثة سفن، العاصمة لندن إلى أن هبت عاصفة قوية بعدها بأربعة أشهر في مكان ما شمال النرويج لتتفرق السفن. غادر ويلوبي مع سفنتين ودار حول الرأس الشمالي ليبحر شرقًا من خلال بحر بارنتس إلى أن وصل لأرخبيل نوڤايا زمليا ثم انعطف عائدًا إلى شبه جزيرة كولا ولم تستطع السفن بعدها التحرك بعد أن علقت في الجليد في منطقة تعرف في وقتنا الحاضر بمورمانسك. على الجانب الآخر كان تشانسلر محظوظًا حين أبحر داخل البحر الأبيض لكونه طريقًا غير محفوف بالمخاطر واستقرت السفينة عند مصب نهر دفينا، ثم ارتحل برًا إلى أن وصل لمدينة موسكو والتقى القيصر ايفان الرابع الملقب بايفان الرهيب والذي من خلاله بعث برسالة إلى ملكة إنجلترا ماري الأولى مرحبًا بالتبادل التجاري بين الشعبين. عندما عاد تشانسلر إلى أرض الوطن كان قد تم تغير مسمى شركة التجار المغامرون إلى شركة موسكوفي، في تلك الأثناء ظل ويلوبي وطاقمه يصارعون من أجل البقاء إلى أن هلك أغلبهم أما نتيجة لظروف البرد القارسة أو بالتسمم بغاز أول أكسيد الكربون ونتيجة لذلك عُدت تلك الحادثة الأولى من ناحية الضحايا في سبيل اكتشاف الطريق الجديد المؤدي للصين من جهة الشمال. 

ظل اكتشاف الطريق الشمالي المؤدي لآسيا صعب المنال في القرن السادس عشر بإستثناء ثلاث محاولات من قِبل المستكشف الإنجليزي والقرصان مارتن فروبشير في عقد 1570 (لا أحد منهم ذهب أبعد من جزيرة بافن)، هنالك أيضًا مغامرة فوضوية تمت من خلال شخص يدعى همفري جيلبرت في العقد 1580 أدت لاستعمار انجليزي للأراضي جديدة ولم ينتج عنها فتح الطرق الشمالية. تلت تلك المحاولات ثلاث محاولات فاشلة أخرى في عهد الملكة اليزابيث من خلال المستكشف جون ديفيس والذي التحق لاحقًا مع توماس كافنديش في طواف عالمي لاكتشاف طريق شمالي غربي ينطلق من الشرق وانتهت بالفشل.

ممر سري:

القليل من المعلومات التي عُرفت عن أيام هدسون الأولى لكن من المرجح أنه تدرج من صبي للمقصورة إلى قائد السفينة في بضع سنوات مارس خلالها الملاحة داخل البحر. توجد مخطوطة يذكر فيها البحار هدسون وتعود للعام 1607 مرتبطة بمهمة يُحضر لها من قِبل شركة موسكوفي لأكتشاف طريق في اتجاه الشمال الغربي، وترجو انجلترا أن تتوصل لذلك الطريق قبل أن يتم اكتشافه من قِبل منافسهم اللدود البحارة الهولنديين. تم ترشيح هدسون للشركة بواسطة القس ريتشارد هاكلويت، والذي كان جغرافيًا متميزًا، وقد أكد لهم القس مهارات وخبرة هدسون والتي تؤهله ليقود الحملة بالإضافة لمعلومات اكتسبها قد تكون معينة له في اكتشاف الطريق الجديد. اقتبس هدسون تلك المعلومات السرية من كتيب قديم كُتب منذ أكثر من 80 عام بواسطة تاجر من بريستول قد سمع أخبارًا عديدة من رحلات قديمة لاكتشاف ذلك الطريق من خلال والده والذي قد سافر مع القائد جون كابوت منذ قرن مضى. في الأول من مايو من العام 1607 ومن طاقم مكون من عشرة رجال بما فيهم ابنه جون انطلق هدسون من بلدة جريفسيند على سفينة صغيرة يطلق عليها “هوبويل” والتي سبق لها خوض مغامرة سابقة فيما مضى تحت قيادة القائد جون نايت في العام 1606 كُتب لها الفشل وعدم اكتشاف طريق شمالي يوصل غرب أوروبا بآسيا. أبحر هدسون من خلال جزر شتلاند وبعد مرور ستة أسابيع وصل لجرينلاند، ظل هدسون ملازما للساحل الشرقي للجزيرة لمدة أسبوع قبل أن يتجه شرقًا داخل عاصفة ضبابية في بحر جرينلاند، بعد مضي خمسة أيام تم رؤية جزيرة سبيتسبرغن والتي تم اكتشافها من قبل الهولنديين في العام 1596 وستصبح فيما بعد مكان مميزًا لصائدي الحيتان و حيوان الفقمة. عند حلول منتصف يوليو بلغت سفينة “هوبويل” أرض نورأوستلانده وتعتبر ثاني أكبر جزيرة في أرخبيل سفالبارد وتوجد في أقصى الشمال. قطع الجليد الضخمة جعلت من التقدم أمرًا مستحيلاً مجبرةً هدسون على العودة إلى أرض الوطن، وبعد اتخاذ ذلك القرار تم وصول سفينة “هوبويل” إلى بلدة تيلبري في إنجلترا في الخامس عشر من شهر سبتمبر.

تراجع قسري:

بعد مرور سبعة أشهر، ارتحل هدسون مع طاقم بحارة السفينة “هوبويل” والتي تضم زميله روبرت جوه في مهمة اكتشاف ثانية وبتمويل من ذات الشركة موسكوفي أملاً في العثور على الطريق المستهدف هذه المرة، المسار المقترح كان الشمال الشرقي إلى الأعلى من روسيا. اخترقت السفينة “هوبويل” الدائرة القطبية بعد قطعها مسافة 2500 ميل ووصلت بعيدًا إلى نوفايا زمليا، الطريق حول بحر كارا كان مسدودًا بواسطة كومة ضخمة من الجليد، التقارير كانت تشير عن عزم هدسون الأتجاه غربًا لكن مع ازدياد حالات العصيان والتمرد بين طاقم البحارة اضطر للتراجع إلى انجلترا. في العام 1609 تخلى الإنجليز عن دعمهم لهدسون ليتجه لشركة الهند الشرقية الهولندية لتجهز له سفينة سميت “هاف مون” وتكون مهمتها البحث عن ممر شمالي لصالح الهولنديين، ومع طاقم بحارة مختلط من إنجليز و هولنديين ستنطلق الرحلة الأستكشافية مرة أخرى في الاتجاه الشرقي وإلى الأعلى من روسيا. غادرت السفينة ميناء أمستردام في شهر أبريل وفورًا شعر هدسون بعدم نجاح المهمة نتيجةً للبحار المتجمدة وكان قد سمع أقاويل تتحدث عن مسار غربي من خلال قارة أميركا الشمالية وأبحر من خلال المحيط الأطلسي ليصل نيوفاوندلاند في بداية شهر يوليو. رست السفن في بلدة لاهاف في منطقة نوفا سكوشا من أجل الإصلاحات والتزود بالإمدادات الغذائية. الرحلة الأستكشافية ظلت لعشرة أيام وفي تلك الأوقات داهم البحارة قرية يقطنها السكان الأصليون ليلحقوا بأهلها الدمار ثم أبحروا بعد ذلك باتجاه الجنوب حتى بداية شهر أغسطس ليبلغوا “كيب كود”. استمروا في الإبحار جنوبًا داخل المياه المفتوحة قبل أن تعطف السفينة في اتجاه الغرب بالغين بذلك خليج تشيزبيك وبالقرب من المستعمرة الإنجليزية جيمس تاون، والمعروفة بكونها أول مستعمرة انجليزية في أميركا. ومن دون أن يعلم هدسون عن المجاعة الموجود في مستعمرة جون سميث أكمل طريقه شمالاً بمحاذاة الساحل حتى تمكن من الوصول إلى ساندي هوك في أول أيام شهر سبتمبر عابرًا ما يعرف اليوم بخليج نيويورك. في الحادي عشر من سبتمبر من العام 1609 وبعد أن دخل هدسون الخليج العلوي ظل بعدها عدة أسابيع محاولاً اكتشاف المنطقة والممرات المائية التي تصب في الخليج وأطلق عليه مسمى نهر الجبال، لكن كلنا على علم بأنه اتخذ هدسون مسمى له فيما بعد، وقد ظن بأنه على بعد أميال بسيطة من اكتشاف المسار الكبير والذي يمكن أن يصل للمحيط الهادئ فبالتالي تتم الرحلة إلى الوجهة النهائية آسيا خصوصًا مع اتساع النهر بشكل كبير عند منطقة تابان زي لكن كل الآمال تبددت عندما انتهى بهم الحال في ألباني وكان من الواضح أن لا وجود لمسار في القادم من الأميال.

معارف جديدة:

استمرت المواجهات بين شعب جونكوين (السكان الأصليون) والأوربيين  أسابيع عدة نتج عن إحداها إصابة عضو من أعضاء طاقم البحارة جون كولمان في عنقة بواسطة سهم أطلق من قِبلهم وبناءً على هذا تم إعتقال العديد من السكان الأصليون، لكن الصورة لم تكن قاتمة دائمًا فيما بين الشعبيين قفد تمت بعض أنواع التبادل التجاري فيما بينهم حتى أن هدسون بنفسه قد قبل دعوات عشاء عديدة وضعت له من خلال زعماء القبائل. أُعلنت المنطقة الجديدة تابعةً للهولنديين وتم أمر ببناء مدينة نيو أمستردام على جزيرة مانهاتن (عُرفت لاحقًا بنيويورك) وأصبحت هذه المدينة بعد خمسة عشر عامًا عاصمة للمستعمرة الهولندية في الأراضي الجديدة. أبحرت سفينة هاف مون في رحلة عودتها لكن بدلاً من الذهاب للوجهة المتوقعة إلى أمستردام توقفت في دارتموث. هناك بعض التكهنات التي تعتقد بأن هدسون كان يعبث مع الهولنديين وأن الرحلة ما هي إلا حيلة منه للاستيلاء على خرائطهم وقد ذهب عن عمد جنوبًا خلال الرحلة الأستكشافية، وكدليل على صحة هذه الادعاءات كان الأنجليزي غاضبًا و نتج عنه احتجاز قائد المركبة وأسره من أجل الاستيلاء على مخطوطاته.

متاهة لا نهاية لها:

سرعان ما غُفر لهدسون حول احتمالية كونه يعمل بازدواجية أثناء خدمته للهولنديين وتم التعاقد معه من قِبل تجار بلده (تعاون بين شركتي الهند الشرقية البريطانية وموسكوفي) لرحلته الأستكشافية القادمة. هذه المرة مع طاقم أكبر ضم فيها أحد أهم صانعي المشاكل بين البحارة والحديث هنا عن هنري جرين، غادر هدسون ميناء لندن في شهر أبريل على متن سفينة ديسكفري، تم الإبحار من خلال جزر الفارو و إيسلندا قبل التوجه غربًا إلى الحافة الجنوبية من جرينلاند عبر من خلالها بحر لابرادور لتقطع السفينة بعدها مضيقًا كان هدسون قد أسماه  “فيريوس اوفرفلو” ويقع بين نيوفاوندلاند و جزيرة بافن. حدثت ظروف خطيرة في خليج أونغافا جعلت السفينة عالقة هناك لعدة أسابيع. تم جرف السفينة بعيدًا بناءً على محاولة أخرى منها لعبور مضيق “فيريوس اوفرفلو” إلى داخل خليج شاسع (عُرف فيما بعد بإسم خليج هدسون) ظن طاقم السفينة بعد رؤيته بأنهم توصلوا أخيرًا للمسار الذي سيؤدي بهم للوجهة النهائية وهو الوصول لقارة آسيا بطريقٍ شمالي. بعد مضي أشهر في محاولة الوصول للمحيط دب اليأس داخل الطاقم وقد كتب أحدهم في عبارة تصف حالهم “متاهة من دون نهاية” أعاق الجليد مسيرة السفينة ليضطروا بعدها قضاء الأجواء القاسية  في خليج جيمس. أدت تلك الأحوال إلى أن يعلن جوه العصيان على القائد ومع بداية تدهور أعضاء الطاقم ومصارعتهم مع الجوع أصبح تكوين مؤيدين له ليس بالصعوبة البالغة. عندما بدأ الجليد في الذوبان محررًا السفينة ديسكفري في ربيع العام ١٦١١ ظل هدسون متمسكًا بإكمال الرحلة مما ولد غضبًا لدى البحارة، وبعد وصولهم لحافة الانهيار الجسدي تحديدًا في شهر يونيو وبتخطيط من جوه وجرين قرر الجميع إرسال هدسون وأبنه الصغير جون مع سبعة من رجاله المخلصين أو من أصبح جسده غير قادر على الاحتمال لمواصلة رحلة العودة للوطن في قارب مفتوح مع بعض الأدوات والأطعمة اللازمة تاركين القارب يطفو في خليج جيمس ولم يبقى لهم أثر بعد ذلك اليوم تاركين نهاية المستكشف هدسون مجهولة.


*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC History Magazine في عدد خاص عن المستكشفين

*خريطة تفاعلية توضح رحلات هدسون الأربعة