نحن نعرف ما سيأتي

في المعركة الخالدة للهروب من المهام اليومية، وجدت نفسي مطلعة على بعض الملاحظات المدونة في هاتفي الشخصي. تبرز جملة غير مكتملة في المقدمة، تتبعها ملاحظة كنت قد أديت المأمول منها، وأخرى أثارت تساؤلًا بداخلي عن مدى أهميتها الآن. إلا أن عبارة أصابت الهدف بشدي بقوة ناحية موقعها دون إمعان، سُطرت حروفها على هذا النحو (رواية “نحن نعرف ما سيأتي” وعن الواقع المحفز للخيال).

لم يستغرق الأمر سوى بضع ثواني حتى بدأت الذاكرة في استدراج بعض الالتقاطات من تلك الرواية والتي بُعثرت بشكل عشوائي دون إخلال في ترتيب قد يفقدها الرونق الخاص بها. الأبرز كان ربطها بلفظ الواقع المحفز للخيال. استأذنت الرجل المحترم عمدة كاستربردج كي أضعه جانبًا لأعيد إستخلاص الرواية ورؤية ما شدني فيها. تتخذ القصة شكلًا من أشكال الخيال التاريخي، حيث أنها تدعي حدوث أمر ما لأشخاص عاشوا في الماضي إلا أنه لم يتم. فهو في مجمله خيال محض ألا أنه حُفز بواسطة شخصيات تم التعمق داخل قصصهم في كتب التاريخ والسير الذاتية، أو من خلال كتاباتهم الأدبية كما هو الحال مع أبطال تلك القصة. 

كلايست وجوندروده رجل وامرأة مارسوا فعل الكتابة بما تملي عليه أرواحهم. هو عَشِق المسرحيات والقصص القصيرة أما هي مارست تلوين الكلمات برقة مشاعرها منتجةً قصائد كانت رفيقة الدرب في الحياة الوجيزة. كلاهما في الواقع أنهى حياته في عمر مبكر بالأقدام على الانتحار، والفاصل الزمني بينهما كان مجرد خمس أعوام تكاد لا تذكر في عداد الزمن والحارس الفطن القاطن بجوارها. لعل الكاتبة استوقفها أوجه الشبه الكبيرة بين الشخصيتين والنهاية الدرامية لحياتهما دون الإغفال عن تقارب فترة تواجدهم على هذا الكوكب، لأجل هذا ابتغت لقاءً لم يكتب له النشوء في وقت حضورهم. أمسكت بسلاح القلم ورسمت وقائع تتحكم فيه وحدها عن طريق إخراج المشاهد.افتعلت حفلًا ادبيًا للكُتاب الألمان يحضر فيه كلًا من الشخصيتين المنكوبتين، ومعها تستدرج كلايست وجوندروده لخارج ذلك الحفل في نزهة طويلة بجانب نهر الراين لتملأها بحوارات وحوارات لا تنتهي، ذكرتني تلك اللقطات بأفلام ريتشارد لينكليتر و وودي آلن حيث لا إبداع يُجمل الفيلم سوى الكلمات المنطوقة والتي ما فتئت تبهرني. هل التقى كلايست وجوندروده في مكان واحد؟ لا أحد يعلم، وهل من الممكن أن يكون قد أقاما حديثًا طويلًا أدى لتأكيد رغبتهما في الرحيل عن هذه الحياة؟ أيضًا لا أحد يعلم لأن الإجابة تكمن داخل جسديهما المتحلل في باطن الأرض. قد يتمكن بعض المتخاطرين بالأرواح من التواصل معهم أو إيهام السائل بمعرفة ما دار في ذلك الوقت، ألا أن المقتنعين بتلك الرؤية لن يكملوا عدد أصابع اليد الواحدة، فلن يأتي التأكيد الحتمي لتلك النظرية من خلال رؤى تتراىء لشخص يدعي امتلاكه قدرات خارقة.

تلك القصة والتي اختلقتها الكاتبة لا تختص بها فقط، فكل واحد منا يسرح بخياله بعد رؤيته لأحداث تقع تحت ناظريه لتبتدع عضلة المخ بعدها مناظرًا لم تطرأ في المشهد الأصلي. وكأن الكتابات المتدافعة في جري محتوم نحو الورق ما هي إلا اقتباسات عن وقائع طرأت بالصدفة في خط حياة ذلك الكاتب. وكدليل دامغ لهذه المعضلة القَسم المتكرر من قِبل الكُتاب قبيل بدء الفيلم أو المسلسل الراوي لتلك الأحداث بعدم استنادها على وقائع وشخصيات حقيقية وان حدث هذا فهو من باب المصادفة لا أكثر (الجميع يعلم انها ليست مصادفة). 

بحبال وثيقة يمتطي الواقع بالخيال متتبعًا ضحكات عمرها مئات السنين أو بضع ثواني. ذلك الصدى يعود منعكسًا بشكل مختلف، يضاف عليه بعض الأصوات المختلقة والتي يؤمن ساردها بضرورة حضورها، ليجد نفسه متعلقًا بتلك القصة أو ما توهمه من تلك القصة. قد تكون مجرد أسطورة وقد تكون واقعًا لا يراد له أن يحدث، في كل الأحوال هي تملأ عليه تفاصيل حياته، حياته الذي ظل محاولًا باستماتة تغير روتينها.

أن نفهم أننا مسودة-ربما تُرفض، وربما تُستكمل مرة أخرى

– كريستا فولف

في صُحبة المقهى

داخل الغرفة الكبيرة المغلقة ذو النافذة الزجاجية العريضة والتي يتوسطها باب يفتح كل بضع دقائق معلنةً دخول شخص آخر لهذا المكان ومنبهةً لك بكثرة من يقطن هذه المدينة، فالكل يختبر ذات الأحوال الجوية وأن كانت تتسم دائمًا بالاستقرار والشمس المشرقة طوال السنة في مدينتنا، لكنه شعور جميل بوجود ألفة بين كل أولئك الغرباء. 

يتواجد رجل داخل المقهى منذ جلوسي لحين مغادرتي ملازمًا لهاتفه يتحدث مع شخص شارحًا له عن أمور ضلت عالقةً داخل رأسه طيلة الأيام الماضية، وصلت لهذا الاستنتاج لأنه السبب الوحيد المقنع لتفسير كل هذا الحماس أثناء الحديث، لا يكف عن إخراج كلمة تلو الكلمة من داخل فمه لتتلقاها أذن الطرف الآخر المتواجد على الهاتف معه، وحتى عندما ظننت بنهاية حديثه أنتقل إلى شخص آخر يتجاذب معه الكلام في مواضيع أخرى، يا ترى من أين أتى بكل تلك الجمل ليملأ وقته بها، من المؤكد أنه ذو شأن كبير في عمل أكبر جعلت حياته ممتلئة بتلك الحوارات والأكيد أنها ممتلئة بالتجارب جعلت منه واثقًا كما يبدو حاله عند رؤيته للمرة الأولى. في الزاوية صديقتان تتبادلان الكلمات بصوت خافت حينًا وبعلو الضحكات حينًا أخرى، يبدو من خلال أحاديثهم والهيئة الظاهرة لهم أن تلك الصداقة كُتب لها العمر الطويل، ويبدو كذلك أن تلك الصداقة تجاوزت العديد من المطبات والانعطافات وأصبحت كل واحدة ملجأ للأخرى تلجأ إليه عندما تهب العواصف لتتمسك أحداهما بالأخرى كشراع رابض على سارية سفينة داخل الأمواج الهادرة.

أمامي شخص مركز بصمت طوال الساعتين التي قضيناها برفقة بعضنا البعض، دون تبادل أي أطراف حديث، مركزًا في شاشة كمبيوتره كما هي حالي ومع تحريك الرأس يمينًا وشمالًا من حين لآخر لأخذ لمحة سريعة عن المتواجدين، لا أخفيكم أنا أيضًا أقوم بذات الفعل. هذا التركيز الشديد لا بد أن يكون مرتبطًا بعمل يمثل المستقبل بالنسبة له، قد تكون رسالة ماجستير، وقد تكون قضية يحاول فك تعقيداتها كمحامي. لا أعلم أي قصة هي الأنسب لشخصيته لكنِ أرجح الثانية، أو ربما هو تأثير سهرتي البارحة على فيلم يتحدث عن محامي صاعد يشق طريقه نحو القمة. ياترى هل يفكر في ذات الشيء عني؟ وماذا لو علم أن حملقتي بتلك الشاشة كانت مجرد تقليب بين مقالات لا أنهي قرائتها بحثًا عن إلهام أطارده لكتابة مقالة لا أعلم أي شيء عن كيفية نشرها، سيذهل من النتيجة أنا متأكدة. على الزاوية اليسرى تجلس فتاة تحمل كتابًا ظلت ممسكة بجلدته بشدة ومقلبة أوراقه رغبةً منها بإنهاء أكبر كمية منه، يوجد هناك امتزاج بين ما ترتديه وبين غلاف الكتاب فكلاهما من درجات الأخضر، السؤال هنا هل هو مقصود أم صدفة غير محسوبة كُتب لها الحدوث؟

من خلال الواجهة الزجاجية يمكن رؤية ثلاثة أصدقاء يتناقشون بصوت غير مسموع، كون الزجاج يعد عازلًا للصوت، لكن من المؤكد أن نقاشهم كان حادًا والذي تتضح معالمه من خلال مراقبة حركات الفم مع إشارات اليد التي تعلو بين الحينة والأخرى. في جلستهم أدخنة السجائر كانت تسير فيما بينهم متخذةً طرقًا ملتوية للارتفاع عاليًا هاربة من حدة أصواتهم، أو ربما هي مجرد تطبيق للقوانين الفيزيائية، يرتفع الهواء الساخن دائمًا للأعلى بعكس البارد ذو الضغط المرتفع يهبط بسلام بمحاذاة سطح الأرض. 

الشخص الصامت والمركز في عمله والمتواجد أمامي يرتفع صوته متحدثًا مع شخص من خلال الهاتف، فبعد سماع الرنين نزع نظارته ليتحدث بعدها بأريحية مع ابتسامة خفيفة، هي حتمًا ليست مكالمة عمل. قطع حديثه بعد اخباره الطرف الآخر أنه سيقوم بتأدية الصلاة الآن مع معاودة الاتصال عند الأنتهاء منها، لكن تلك الإعادة لم تحدث.  

في المقهى حدثت لي صدفة غريبة فعيناي وقعت على شخص جمعنا عمل فيما مضى، أذكره جيدًا. هو يتمتع بشهرة عريضة فملامح وجهه لن تنسى ناهيك عن وجودها في صفحات الأنترنت بشكل كبير، لم أبادر بالسلام خشيتًا مني بعدم معرفته بي، أكره تلك اللحظات دائمًا ما أتنبأ بالأسوء وأوهم نفسي بأنِ غير مرئية. هو على الطرف الآخر لا أعلم ما دار داخل رأسة من محادثات، وربما أنها لم تحدث من الأساس فطوال وقت جلوسه داخل المقهى كان مركزًا في شاشة جهازه المحمول وعازلًا نفسه بسماعات ضخمة وضعها على أذنيه. 

في الثواني الأخيرة لتواجدي داخل هذا المكان وعند خروجي منه وانقضاء وقتي فيه لفت انتباهي شخص قام بتكتيف يديه ومحدقًا في شاشة الايباد بعينين متجحظتين ترغب في رؤية أكبر قدر من الأرقام المعروضة على الشاشة، أو ما تعرف بالأسهم، هو لم يلفت انتباهي في هذه اللحظة لكن ما شدني هو اتخاذه نفس الوضعية منذ دخولي لحين خروجي، جميل ذلك الارتباط الوثيق الذي لا يتأثر بأي متغيرات تجري من حوله هو السلام الذي نطمح بالوصول إليه حتى ولو بدأ مزعجًا من الخارج. 

الهروب إلى الأمام

في صباح يوم الأحد 13 من سبتمبر تعرضت لأول حادث سيارة، كان قد تم اقتناؤها قبل شهرين تقريبًا ومعها بدأت الرحلات في شوارع المدينة. إذا أردت أن أعرج على تفاصيل الحادث فلن تكون طويلة مجرد اصطدام بالسيارة التي أمامي بعد توقفها المفاجئ عند المخرج، حمدًا لله لم تكن ساعة ذروة فعدد السيارات المتواجدة لم يكن بتلك الكثرة فنتج عنها مسافات متباعدة حمت السيارات الأخرى من التصادم المتتالي، وإلا كانت النتائج لتكون أعظم، صدمة من الأمام وصدمة أخرى من الخلف. كانت تلك اللحظة التي ارتطمت بها سيارتي السيارة الأخرى متوقعة ومحسوسة من قبل أن تحدث فلم تصبح من النوع المباغت أو المفاجئ والتي ينتج عنها هلع شديد. تعاملت مع الموقف سريعًا فلم يتم استدعاء نجم وايقاع اللوم على أحدنا، أردت أن أنهي الموضوع بأسرع وقت ممكن، تم قيادة السيارة بعدها للعودة للمنزل وكان مشوارًا اعتياديًا لم ينتج عنه غرابة في قيادتي أو في السيارة نفسها رغم شكلها الخارجي الغريب ولم أكن على عجلة من أمري حيث توقفت عند صيدلية في الطريق لشراء بعض الحاجيات غير الضرورية. بعد الوصول لم أخبر أحد عما حدث صعدت إلى غرفتي لأعود لبعض الأمور الاعتيادية، اتصلت أمي بعد ساعتين لتخبرني عما حدث للسيارة حيث شاهدتها عند ذهابها للسوبر ماركت، صوتها كان قلقًا ولا ألومها لأنها مفاجئة ومنظر الصدمة من الأمام يخبر المشاهد بحدوث حادث عنيف، رغم أنه لم يكن كذلك أعتقد أنه ذنب السيارات الصغيرة والخفيفة، طمأنتها بأن الموضوع صغير جدًا وأنه ليس بالحادث الكبير حتى أن السيارة لم يصبها مكروه فقد تحركت بعدها ولم يتم ملاحظة خلل تقني بها. 

في اليوم التالي قدِم اتصال آخر من بنت الجيران، والتي لا أعلم متى كان آخر اتصال فيما بيننا، صوتها كان يرغب في طمأنتِ رغم ذهولها من ما تم رؤيته في المواقف الخارجية أمام المنزل، لتذكرني بقصتها العام الماضي عندما صدمتها سيارة من الجانب الأيمن بعد مرور شهر على اقتنائها وأنها أمور متوقع حدوثها ولا يجب أخذ موقف متشنج تجاهها. تم التطرق للموضوع في تويتر بعدها بثلاثة أيام ومرة أخرى انهالت التعليقات المختلفة من الأصدقاء مذكرةً نفسي بأنِ لست الوحيدة في هذا الأمر فأغلب الناس مر بتجارب مشابهة لها، حادث سيارة بعد اقتنائها بفترة بسيطة. بعد كل تلك المهدئات القادمة من أناس أعتز بوجودهم في حياتي واقعيًا أو افتراضيًا بدت تتضح أمامي لحظة سكون فلا وجود للقلق ولا وجود للخوف من الإمساك بالمقود مرة أخرى رغم هذا لم أحبذ التطرق للأمر ولم أرد التعامل مع السيارة في مرحلة ما بعد الحادث من تصليحات وتوفير القطع المتضررة وغيرها رغم وجود الأيادي الممتدة للمساعدة من قبل أخوتي، كان هناك رغبة عارمة في مسح الأمر والانتقال إلى مرحلة أخرى. المسح هنا لا يعني شطب المهمة من قائمة المهام لا بل إخفائها وعدم التعامل معها والانتقال لأمر آخر والعمل على انهائه في الوقت المناسب ليتم بعدها السير بخطوات واثقة نحو الأمام مع التأكيد على عدم الالتفات.

هذا الحدث جعلني أمعن النظر في كيفية تعاملي مع الأحداث المفاجئة الغير مخطط لها بشقيها الصعب والسهل. لاحظت أن صفة الهروب وعدم مواجهتها تتضح بشكل كبير، بل مع محاولة أكبر في الإسراع لتخطي الأمر وتجاهله، “رغبة عارمة في عدم المواجهة” يمكن جعلها شعارًا دائمًا لتلك المواقف. هل يمكن تصنيفه تحت قائمة “الجُبن”؟ هو حتمًا ليس ببعيد عنها، تلك المشاعر والرغبة في عدم التعامل مع الأمر أجدها تصرخ بصوت عالي داخل رأسي مرارًا وتكرارًا في كل مرة أمر بها بتلك الظروف. الحدث الجديد ليس الأول فدفتر الحياة مليء بمواقف مشابهة بل وبشكل أكبر، فعلى سبيل المثال العام الماضي أتيحت لي فرصة الذهاب لدورة تدريبية من قِبل العمل لمدة عام واحد في الخارج، في ذهن “أسماء” هذا يمثل الحلم الذي سعت له لسنوات، ورغبة العيش في الخارج وتجربة الحياة لوحدي كان أقصى ما أتمناه، لكن فكرة الهروب إلى الأمام وعدم المواجهة برزت بشكل جلي في هذه الحالة، بدأً من المعوقات التي من المتوقع بروزها عند أتخاذ فتاة مثل هذا القرار في حياتها، معارضة من هنا و تأييد على مضض من هناك. تلك الأمور جعلت الخوف يتسلل إلى داخلي مشككًا في كل فكرة آمنت بها بدأً من تقليل أهمية البلد التي سأذهب لها (كانت غلاسكو) وذكر عيوب عديدة لها: باردة، كئيبة مدينة ريفية لا تصلح للعيش وحيدًا، الشمس لا تظهر إلا أيامًا معدودة، اللهجة الغريبة لسكانها. كيف تم التعامل مع الأمر؟ من دون المواجهة مع الأشخاص المعنيين ومن دون ذكر وجهة نظري لهم، بل على العكس تمامًا تم تجاوزها ورفضها والعودة إلى العمل المعتاد الروتيني والمكروه من قِبلي. هكذا ببساطة، لم تكن هناك صدامات وانفعالات، ولم تكن هنالك جدالات حسمت أمرًا مقابل آخر بل على العكس تمامًا تم الأمر بهدوء حتى أن العديد ممن كانوا حولي لم يعلموا عن القرار المتخذ إلا بعد مرور فترة زمنية (كان في اعتقادهم بأنِ عاقدة العزم على الذهاب). الغريب أن في لحظتها ينتابني أحساس بالأمان والراحة وكأن جبلًا أزيح من على ظهري لكن ما يلبث هذا الجبل إلا أن يعاود البروز بعد فترة ليست بالقصيرة وبطريقة جلد ذات مرعبة، مع تذكير نفسي دائمًا بأن ما من أحد ملام غيرك، أنتِ السبب في كل ما حدث. تبدأ الأسئلة في التشكل على طريقة “ماذا لو؟” و “ماذا لو؟” أسئلة تجد إجابات واحدة مليئة بالعتابات و الاتهامات المبطنة لنفسي.

الموضوع أشبه بكتابة كلمات على Word أو Google Docs فيبدأ المصحح بوضع خطوط حمراء تحت الكلمات الواجب تصحيحها، فتمضي قدمًا في الكتابة حتى لا تضيع منك تلك الكلمات والتي ترغب بشدة في نقلها سريعًا من عقلك إلى جهازك مع مرور الوقت سوف تتناسى تلك التنبيهات لتتفاجئ بعد نشر موضوعك بكمية الأخطاء الموجودة. ببساطة إهمال تلك الإشارات وعدم التعامل معها في لحظتها قد يؤدي لتلك النتيجة الغير مرضية. أنا إلى الآن لم أستطع التعامل مع الأمر وما زلت أحاول إن أغير تلك الصفة فيني، هل الموضوع مرتبط بالمثالية؟ لا طبعًا لكنه أمرٌ أرغب في إنهائه لأنه يتعبني كثيرًا وأريد أن أكون أكثر راحة.

سلم

ظلت تتبع الإرشادات الصحيحة لتخطي عتبات ذلك السلم حتى تنهي تلك المهمة بنجاح. أخبروها بضرورة الصبر حتى لو مرت فترة طويلة دون تحقيق تقدم يذكر فعند خط النهاية تنتظرها جائزة تستحق ذلك العناء مع رؤية مختلفة لهذا العالم. تخفض رأسها كثيرًا حتى تستطيع التركيز في كيفية إيجاد أفضل طريقة لإنزال قدمها المحلقة عاليًا على الدرجة التالية وأحيانًا ما بعد التالية. خطواتها الأولى كانت مبشرة وتنذر بنتيجة مبهرة ستكون حليفتها بالطبع، لكن عند المنتصف بدأت أصابع قدميها بالتشكي فقد ملت ذلك الطريق المعتاد وتلك الخطوات المرسومة، ارادت ان تنحرف قليلًا عن المسار لتضع نفسها أمام تحدي حقيقي يتطلب جهدًا مضاعفًا يعطي القوة والمرونة لتلك الأصابع، لكن تم مصادرة تلك النزوة والعودة لدرجات السلم، فكل ما تبقى بضع خطوات على خط النهاية ولا وقت لمغامرة جنونية الآن. 

“هيا هيا” نطق لسانها بتلك الكلمات من أجل التحفيز وحتى تلهي نفسها عن ذلك الثقل الغير مبرر، أصبح هذا الشعور يهبط من عزيمتها يجعلها ميالة للكسل مع رغبة ملحة في التوقف. المشكلة أن قامت بإيقاف حركة جسمها على هذا السلم ستصبح غير عالمة بكيفية أخذ الراحة، وهل توجد أماكن مخصصة لهذا الفعل؟. مع زيادة عداد الرحلة بدأت روحها شيئًا فشيئًا بالأنفصال عن جسدها، الحركة المرئية والفعل المنفذ لا يمت بصلة لما يدور بداخل جسمها. أصوات مزعجة وغريبة تتردد داخلها تؤثر على تركيزها وتجعل منها مشتتة البال غير آبهة بما يحصل أمامها. ترى هل يستحق هذا الأمر كل هذا العناء؟

أصبح صوت الشك طاغيًا كل متر يقطع تتعالى فيه أصوات مثبطة من نوعية ما فائدة كل هذا، هل أنتِ سعيدة الآن؟. بدأت تقل عدد الدرجات المتبقية أصبحت الوجهة النهائية تتضح معالمها رويدًا رويدًا، ومعها أرتفع الحماس لأقصاه هاهي تلك الأصابع تحط رحالها على آخر بقعة يفترض بها لمسها، توقفت تمامًا، عم الهدوء المكان التفتت حولها لترى المفاجأة، تعجبت قليلًا لرؤية ذات المنظر الذي شاهدته عند خط البداية يا ترى لماذا؟ تفحصت السلم بنظرة سريعة على جميع أجزائه، استوعبت الحدث أكثر، فقد تبين لها أن ذلك السلم ومن جعلته الداعم لخطواتها نحو الهدف كان في وضع أفقي.

هاملتون

20130816_161817

في أيامي الأولى من الدراسة الجامعية والمحاولات العديدة للتأقلم معها، كنت في قاعة الانتظار عند بوابة الخروج أعد الدقائق والثواني لحين قدوم السائق، فالوقت يمضي ببطء ومحاولات تضيعه بفتح الهاتف النقال والاستمتاع به لم تكن ميزة موجودة في أيامنا تلك فقمت بأبسط فعل يساهم في عملية تزجية الوقت، الإستماع لأحاديث من بجانبي. صديقات من أربع فتيات يبدو من هيئتهن وكثرة الأحاديث فيما بينهن أنه  قد مضى زمن ليس بالقليل على تلك الصداقة التي تجمعهم، إحدى تلك الفتيات تتوسط موقع الجلوس وقد استلمت دفة الحديث فيما ظل البقية بهيئة مستمعات مع بعض التعليقات البسيطة والأسئلة الملحة بين الحين والآخر، كانت الفتاة تتحدث عن رحلتها الصيفية إلى نيويورك حيث ذكرت الأماكن المميزة والمطاعم الرائعة والتسوق العجيب، الذاكرة هنا لا يسعها تذكر التفاصيل فالموقف حدث منذ زمن بعيد لكن ظلت جملة نطقت بها الفتاة ظلت راسخةً في بالي حين ذكرت بأنه لا يمكن لها أن تنسى حضور مسرحية في برودواي فهو نشاط اعتادت عليه هي وامها منذ زمن بعيد. مسرحية؟ أتذكر حالة الاستغراب التي طرأت علي عند سماعي لتلك الكلمة، ففي ذلك الوقت والعمر الصغير لم أكن أعي كثيرًا عن كيفية قضاء عطلتك الصيفية، أو حتى الاهتمامات التي كانت تعنيني وقتها فقد كانت مختلفة عما هي عليه الآن، لم أكن أتصور أن يضيع شخصًا ما وقته الثمين في الإجازة بالذهاب لمسرحية.

بعد عشر سنوات من تلك القصة كتب الله لي زيارة إلى نيويورك من دون تخطيط مسبق حيث أُتخذ القرار على عجل قبل العودة للرياض من واشنطن، تم تأخير العودة يومين إضافين لنجعل نيويورك آخر محطة لنا في الولايات المتحدة ولكن فقط لثمانِ وأربعين ساعة. الوقت القصير وعدم الحجز المسبق أدى إلى إلغاء فكرة حضور مسرحية، والاستفادة من تلك الساعات لرؤية أهم معالم المدينة. تمضي سنوات قليلة و كمتابعة جيدة للفن بدأ يلفت انتباهي اسم مسرحية هاملتون، حيث تكرر ظهوره في الأحاديث الفنية أما بالحديث عن روعته، أو باستضافة فناني المسرحية نفسها في برامج التوك شو، اتذكر جيدًا ففي وقتها زاد شغفي بالأعمال الموسيقية أو ما تعرف بالميوزيكال حيث تكون الحوارات فيما بين الشخصيات بطريقة غنائية والفضل يعود لفيلم لا لا لاند. حينها دفعني الحماس لمشاهدة العرض التشويقي الخاص بالمسرحية في اليوتيوب، لتظهر معها طريقة الغناء من نوع الراب لأوقف المشاهدة سريعًا ويتوقف بعدها بحثي عنها، لأنِ ببساطة لا أستسيغ هذا النوع من الفن.

المحب للقصص التاريخية دائمًا ما يُعجب بقصة تأسيس الولايات المتحدة، ففكرة تأسيس البلاد و استقلالها من بريطانيا والإعلان الخاص بها ملهمة من نواحي عديدة. حكاية الآباء المؤسسين وأول رؤسائها عُرضت كثيرًا في الكتب والوثائقيات والأعمال الفنية سينمائيةً كانت أم متلفزة. أسماء ظلت راسخة في بالي مثل جورج واشنطون جون آدامز وتوماس جيفرسون، لن أدعي على علمي الكامل بما قاموا به لكن توجد لمحات من حياتهم السياسية ظلت في ذاكرتي. قد يكون هاملتون أقل اسم من بين تلك الأسماء ذكرًا وتداولاً، ليس بمعنى عدم المعرفة التامة به لكن بعدم معرفة الأعمال التي كان خلفها، فهذا الرجل كان وراء العديد من القرارات التاريخية والمصيرية للولايات المتحدة، هذا الجانب الدرامي جذب صناع المسرحية لعمل مقتبس عن حياته لأنه وببساطة تتواجد بداخله الخلطة الكاملة لقصة درامية شيقة، رجل قدم من دون نسب كافح لبناء نفسه حتى أصبح من ضمن علية المجتمع، كأنه تطبيق فعلي لما يود الدستور الأمريكي في وقتها الاستناد عليه.

في العام الماضي تقرر عمل فيلم للمسرحية بنسخة خاصة للمشاهدين في كل مكان، وكأنها رسالة محبة لكل من لا تسمح ظروفهم برؤيتها في مكان عرضها داخل مدينة نيويورك، وأتت جائحة كورونا وعجلت بإصدار تلك النسخة وتوفيرها رقمياً. أصابني فضول لرؤية العمل رغم علمي بموسيقى الراب الموجودة فيها والمكروهة من قِبلي لكن يمكن حسابها كتجربة جديدة لن أخسر الكثير فيها. منذ بدء المسرحية إلى نهايتها ظللت بتركيز عالي دون أي تشتيت، جميع ما ذكر في المسرحية والأسطر الغنائية المذكورة ظللت مشدودة لها دون أن أفقد تركيزي، الموسيقى كانت معبرة ومختلفة وحماسية بشكل لا يمكن وصفه في أحرف بسيطة، ستستشعر بطاقة هائلة بعد الانتهاء من مشاهدة المسرحية لتظل معك فترة غير بسيطة. قد يكون نوع موسيقى الراب هي السبب رغم أن المسرحية ليست بالكامل ضمن هذا النطاق فيتواجد ضمن مقطوعاتها الغنائية أنواع أخرى من الموسيقى وكما أعتدنا عليه في أعمال موسيقية أخرى. العمل ممتع فقد احتوى على القليل من اللمحات الكوميدية ولعلها خاصية اكتسبتها المسرحية وجعلتها تتفوق على غيرها أو لنقل تميزها كون الموضوع المطروح هنا تاريخي وغالبًا ما يتسم هذا النوع من الأعمال من الجدية مع إضافة مشاهد ملحمية. وأن استمرينا في حديثنا عن التميز والمختلف في هذا العمل يجب علينا التطرق إلى أبطال المسرحية فقد تم اختيار الممثلين من أعراق مختلفة كليًا عن هوية الشخصيات التاريخية الأصلية فترى جورج واشنطون قد مُثل من قِبل ممثل ذو ملامح مكسيكية وأرون بور قد اختير لأداء دوره ممثل أمريكي/أفريقي، هي رسالة أراد صناع العمل إيصالها بأنها قصة الولايات المتحدة تُروى من خلال أبناء هذا الجيل باختلافاتهم العرقية. 

لكل منا قائمة أمنيات في هذه الحياة تزداد أعدادها مع تقدم السنين قد تتحقق بعضها وقد لا تتحقق أخرى المهم هنا هو السعي وراء تحقيقها وبذل كل ما في استطاعتك لرؤيتها واقعًا. أعرف الآن أنه قد تمت إضافة واحدة إلى قائمتي وهي مشاهدة مسرحية هاملتون في برودواي، وأعلم أنه الآن تقام من دون الطاقم الأصلي لكن حتمًا روح العمل ستكون حاضرة بقوة داخل أرجاء القاعة وهو كل ما يهم. 

 

.Dying is easy, Living is harder

من هي؟

بعد أن بلغت الرابعة والثلاثين كانت لا تعلم عن ماهيتها ولازالت تتساءل، يؤلمها كثيرًا وجودها في وظيفة لا تحبها تحاول أن تشتت انتباهها ببعض الكتابات هنا وهناك وقراءات أعمق بكثير من مجرد لمحات، أصبحت خبيرة في تاريخ الشعوب القديمة في أميركا اللاتينية وأكثر خبرة في أخبار المستكشفين الأسبان الذين قدموا إليها ليجلبوا معهم متغيرات انهت عالمهم، وعن تاريخ الحرب الأهلية الأميركية ومالذي جعلها تبدأ في الأساس. هي لا تعلم لما عليها أن تجمع تلك المعلومات الهائلة فلا رسالة دكتوراة ستطرح ولا جلسة نقاش سوف تدعى لها، لكنها لا تتسائل عن الفائدة المرجوة من ذلك لأنها في المقابل كانت قد تخصصت في الكيمياء الحيوية، ذلك العلم المهم في تطوير الأبحاث حول إجراءات التحليل وصناعة الأدوية لكن هذا الآخر لم تستفد منه حتى الآن. وظيفتها التي تمارسها هي الأخرى بعيدة كل البعد عن تلك الموضوعات فهي تدرس الأطفال في المرحلة الابتدائية، تارة لمادة الرياضيات وتارةً لمادة العلوم حسب الاحتياج في كل عام. الرياضيات ذلك شيء كانت تبرع فيه في المدرسة نادرًا ما كانت تفشل في اختبار له علاقة به وأغلب معلمات الرياضيات كنا يحفظن أسمها عن ظهر قلب على عكس بقية معلمات المواد الأخرى والذين نادرًا ما يذكرونها نظرًا لخجلها في مشاركة ما تعرفه رغم وجود معرفة لا بأس بها في تلك العلوم الأخرى. 

اعتقدت في فترة من فترات حياتها أنها ملعونة بلعنة ما فكل طريق تسعى إليه لتغير وظيفتها أو الرفع من مستواها التعليمي يغلق عند آخر نقطة بلا رجعة، فلا نقص من قِبلها، هي تحقق جميع الشروط المنصوصة بل وأحيانًا تتخطاها قليلًا فيأتيها الفرج بحدوث النجاح لتتوقف للحظة منعطفةً عند أقرب طريق عودة مبتعدة عن ذلك الهدف. التشكيك هو صوتها الداخلي الذي لا ينطفئ التقليل من قدراتها بأنها غير صالحة لهذا الشيء وأن حياتها الحالية هي الصالحة لها فلا حاجة ماسة لخوض مغامرة لا يُعرف ما تؤول إليه. 

صديقات الجامعة أصبحت لا تخرج معهم بكثرة، فحين لقائهم لا تكاد تنفك عن التفكير في ماذا حصل لي ولم يحصل لهم؟، كلهم بلا استثناء تلقوا شهادات عليا أو مناصب مرتفعة أو كلاهما معًا أو على الأقل الألتحاق بوظيفة لها أهميتها وتميزها. لا يدل هذا على حسد بل نوع من الغربة تشعر بها عند الأستماع لأحاديثهم، فكلماتهم تتقاطع ومواقفهم تتشابك وهي يخيل لها أنها تجري مبتعدة عنهم في اتجاه معاكس لا تشعر بالانتماء لذلك المكان، ذات مرة في اجتماع معهن انتبهت لنفسها بأنها ظلت صامتة لساعة كاملة، هي انتبهت لكن لا تعلم إذا ما لوحظ هذا الشيء من قِبل صديقاتها. كأن عالمها أخذ يصغر شيئًا فشيئًا لينكمش فوق رأسها مباشرة تاركًا مساحة ضيقة لا تستطيع التعبير فيها عن نفسها. ماذا حصل كان العالم عند بدء دراستها الجامعية واسعًا متعدد الخيارات وسعيدًا في نفس الوقت، لا تفكير مبالغ به بمستقبل مجهول ودرجة لا بأس بها من الرصانة والثقة بالنفس تحميها من أي خدوش قد تصيبها.

الخطط، كانت تبرع في خلقها وصنع خطوات متسلسلة للوصول لغايتها، في كل مرة وبتركيز كبير تصل لأعلى درجة من درجات السلم صعودًا حتى يحدث تحول كبير في الأتجاه لتجد نفسها أسفل ذلك السلم. شعور الخوف من التغير والتشكيك بالقرارات المتخذة تجعل تلك الخطوة الغريبة مقبولة بالنسبة لها، في لحظتها على الأقل، لكن ما تنفك بعد مرور الوقت عن لوم نفسها على فعل تلك الخطوة الغبية الجبانة. كل مرة تواجه نفسها ينتهي بها الحال في دخول نفق مظلم تتقلص فيها رغبتها بالعيش فمتع الحياة البسيطة لا تعنيها حينها.

الهروب من الذات هو الحل المتاح لها حاليًا رغم سوءه وعدم فعاليته لكن لا خيار آخر أمامها، فما زالت تنتظر تلك اللحظة الخيالية والتي تقلب حالها رأسًا على عقب، كيف سيكون شكله لا تعلم لكن تعلم أن بين ثناياها تحقيق جميع الخيالات الواقعية التي تظل تحلم بها، للأسف بدأت تشعر بعجلة الزمن تمر بسرعة وأن خانة العمر قد تبدأ في خيانتها لتصل إلى النتيجة. “لم يبقى الكثير لي” تظل بإستمرار تخبر نفسها بذلك، لكن ستظل متمسكة بالأمل البعيد دون علمها عن كيفية تحقيقه هي فقط متمسكة بذلك الخيط الرفيع.

من هي؟ ظل هذا السؤال يدور بخلدها بعد أن طُلب منها التعبير عن نفسها، هل هي معلمة؟ لا تستطيع الجزم بهذا المصطلح ففي كل مرة تشعر بالغربة ناحيتها حتى أن أجابت به بشكل مقتضب وبسيط عند السؤال من قِبل شخص من أجل التعرف تذكره دون تعمق في التفاصيل لتنطلق إلى موضوع آخر على عجل حتى لا يلحظ السائل تلك الإجابة. هل هي كاتبة؟ تتلفت يمينًا وشمالاً باحثةً عن نتاج أدبي طبع عليه أسمها أو مسمى وظيفي يرمز لتلك الصفة ولا تجدها، الكتابة فعل تفعله لمجرد الحديث إلى نفسها أو تلخيص لأمور حازت على اهتمامها حتى لا تنساها وتذهب أدراج الرياح، بل أن المقربون من عائلتها وزميلات العمل لا يعلمون عن كتاباتها ولم تخبرهم بها قط. هل هي باحثة؟ مستحيل أن تطلق عن نفسها هذا المصطلح فالأمور التي تبحث عنها غالبًا ما تنتهي داخل رأسها أو بكتابة تعليقات على ما وجدته من إجابات لتلك الأسئلة التي كانت تدور في فلكها، فمهمة الباحث تتعلق بتسليم ما تتوصل إليه إلى جهة معنية لتقوم بدورها بنشره وذلك لم يحصل لها من قبل. هل هي كيميائية؟ آخر ما تذكره من هذا المصطلح هو كلمات نطقت بها المحاضرة في أروقة الجامعة منذ زمن بعيد يكاد يقرب من اثني عشر عامًا، فهذا الغياب الطويل وأن حاولت أن تعالجه ببعض القراءات المتعلقة بهذا المجال من هنا وهناك ولكن ذلك لن يشفع لها. فذلك البعيد قد أصبح من الماضي خلفها ولا يمكن استرجاعه. 

تحزنها تلك التساؤلات وهي في هذا العمر فهذا الضياع لا يليق بها في هذا الوقت، أثر بها مشهد من مسلسلها المفضل يقوم فيها البطل بالحديث مع مجموعة من المقلعين عن إدمان الكحول فيذكر لهم:  “صراحةً، لقد كنت أعاني كثيرًا اليوم، ‫رغبت في الشراب بشدة مؤخرًا . أستخدم تكنيكًا تعلّمته ‫يقولون أن عليك تخيّل أسبابك الخاصة لعدم الشرب ‫وتذكّر نفسك بهم كأنها ترنيمة، ‫بالنسبة لي مثلًا: أنا أتخيّل غرفة ابن أختي ‫أتخيّل بوستر الروبوت المعلّق ‫ومصباح الباندا. لديه مجسّم لملعب كرة صغير ‫يدويّ الصنع ‫وفيه تمثال صغير لـ”تيري برادشو” ‫لم أكن ممتنعًا عن الشراب عندما وُلد ابن أختي لكنني كذلك لكل يوم منذ ولادته ‫لكن أحيانًا أتساءل عن السبب، ‫أنا لا أفعل أي شيء بحياتي أحتاج من أجله للامتناع عن الشراب ‫كنت فقط أظن أنني عندما أصل لهذه المرحلة من حياتي ‫سأكون قد وجدتُ هدفًا لها انفصلت حديثًا عن امرأة رائعة ‫ورفضتُ لتوّي عرض المشاركة ‫في فيلمٍ رائع أكان هذا خطأ؟ ‫لا أعرف ‫المؤكد هو أنني لن أصغر ‫وآمل أنني مع كِبَري، سأنال بعض الوقار، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس بأيدينا ‫أعني، ربما يكون الوضع مثلًا ‫مرحبًا بكم بمدينة ترهّلات الخدّين ‫فقد وصلتم عمر الـ50، ثم ماذا؟ ‫ثم أصبح ذلك الرجل في إعلانات ‫مجلة “إيه إيه آر بي” ‫السعيد للغاية لأنه لا يزال قادرًا ‫على مسح مؤخرته بنفسه ‫أعني، إن كان هذا دافعي ‫للامتناع عن الشراب”

تمنت أن لا تطول المدة وأن تجد الخاتمة اللائقة بما ترغبه في هذه الحياة، ولعلها تشارك تلك التساؤلات مع كثير من البشر فكلهم مخلوقون من نفس الطينة.

 

أنا وأنطوان والطائرة

الطائرة، تلك الآلة المسؤولة عن تنقلنا من خط عرض إلى آخر في فترة زمنية قصيرة. تبعدنا عن كل ما هو صلب لنغوص معها في أعماق الهواء دون شعورنا بأن أوزاننا باتت كالريشة. دائمًا ما ترتبط الطائرة بعنصر الخوف، ففكرة كونها معلقة في السماء دون أساس ترتكز عليه مرعبة إلى حد ما، فقد عانيت لسنوات طويلة من رهاب السفر بالطائرة، فعند ركوبها لا يمكنني النطق بكلمة واحدة، لساني ينعقد وكأنه لم يتعلم الكلام من قبل وقوة التركيز على التفاصيل الصغيرة تزداد عند تواجدي بداخلها، هنا اعوجاج على جناحها، وقطعة قماش الأرضية منزوعة من مكانها، كلها ملاحظات تبدو بسيطة لكن عقلي يضخمها بدرجة كبيرة جاعلًا منها حاجزًا وهميًا بين الطمأنينة والقلق. لا أعلم منذ متى بدأت تلك الرهبة من الطائرة لكن تتضح جليًا صور لرحلة من الرياض إلى الطائف وأنا صغيرة بالعمر والمطبات الهوائية كانت شديدة لدرجة فتح أدراج الأمتعة العلوية لتتساقط الحقائب بشكل متتالي ليتبعها خط الأنارة الأحمر على الأرضية ويقوم الكابتن بترديد دعاء السفر مرة أخرى، حيث جرت العادة ذكره عند بداية الرحلة، مرت الأوضاع السيئة بالطبع ليتبعها هبوط بسلام أو على ما أعتقد هذا ما حصل كون الذاكرة ليست دقيقة بسبب صغر عمري. على العكس تمامًا أذكر تمامًا تلك اللحظة التي تلاشت فيها جميع المخاوف المتعلقة بالطيران، تلك اللحظة أتت دون مقدمات ولا تهيئة للنفس من خلال دورات معدة لمثل هذه الأمور بل على العكس تمامًا كأن نفسي هدئت من روعها من تلقاء نفسها. كانت الرحلة من الرياض إلى واشنطن، والمدة الزمنية تزيد قليلاً عن ثلاثة عشر ساعة وهناك ملحق آخر لرحلة أخرى تصلني بمدينة لوس أنجلوس والتي يبلغ طولها 4 ساعات و45 دقيقة. أن أجريتم عملية حسابية بسيطة ستجدون مجموع الرحلتين يساوي 18 ساعة. يوم كامل وأنا معلقة بين السحاب فوق بحار ومحيط وجبال وصحاري وكل ما تفرزه الجغرافية من تضاريس مختلفة. كنت مشغولة البال قبل الرحلة بأسبوع، أو لعله أكثر، كيف سأقضي كل تلك الفترة الزمنية في السماء ماذا سأفعل كيف سأتمكن من تهدأت نفسي،  لأن الوضع الغريب الذي أصبح عليه لا يحتمل زيادة مدته الزمنية. ذاكرتي الصورية الجيدة ترسل لي مقاطع من تلك الرحلة اللامنتهية الركاب كانوا قلة وعدد الكراسي الخالية أكثر بكثير من عدد المسافرين. سهولة التنقل بين المقاعد كان أجمل ما في الرحلة، هنا أستطيع الاستلقاء ومحاولة النوم، وهنا أستطيع إعادة الكرسي إلى الخلف لإراحة الأقدام والرقبة والتي نادرًا ما تحدث في الدرجات الخلفية من الطائرة. أذكر مشاهدتي لمسرحية لولاكي كاملة، وبعض حلقات فريندز وأذكر أيضًا تنقلي إلى المقعد المجاور للنافذة لرؤية المحيط الأطلسي، بعد ظهور الطائرة على المسار الموازي له على الخريطة التفاعلية، تلك الزرقة الممتدة كانت عظيمة تشعر بأنها كتاب أزرق مفتوح يحوي من الأسرار ما يعجز الإنسان عن اكتشافه، هناك طمأنينة غريبة سرت في جسدي عند رؤيتي للمحيط ورغم قوة المطبات التي كانت تحدث أثنائها وإضاءة إشارة تنبيه ربط الأحزمة، إلا أن كل هذه الأمور لم تكن تعنيني أمام منظر المحيط من الأعلى، هنا حدث السكون وكانت نقطة التحول.

كان أنطوان طيارًا متخصصًا في نقل الشحنات الجوية بين قارات عدة، و لتمييزه عن بقية طياري عصرنا الحالين كان يمتهن تلك الوظيفة في العام 1926 وكنتيجة لذلك يعتبر من الأوائل الذين مارسوا هذه الوظيفة. فمازالت الطائرة اختراعًا حديثًا تقام عليه التجارب، واكتشاف الطرق الواصلة بين المدن والقارات في طور بداياتها وتولد من خلال الطيارين أنفسهم، فمهمتهم هنا انتحارية، كون الآلة التي يمتطونها غير مهيأة بمعدات السلامة والمتوفرة في أيامنا هذه، و يمكن القول أن معدل تعطل محرك الطائرة أعلى بكثير من معدل نجاته. غالبًا ما يجد نفسه أنطوان وهو مظطرًا للهبوط في أعماق الصحراء بين قبائل الطوارق واللذين يرغبون في رؤيته ميتًا قبل الترحيب به من أجل الضيافة أو في أعالي قمم جبال الأنديز حيث يندر وجود البشر وأن وجدوا تتضح على ملامحهم سمات بعيدة كل البعد عن ما أعتاد عليه بنو البشر في أصقاع الأرض الأخرى. كل هذا جعل قلم أنطوان يخط حروف وجمل جميلة عن مراقبة الأرض من الأعلى من خلال رحلاته المختلفة لتوصيل الطرود البريدية. هذه الأداة كانت وسيلة لأنطوان من أجل اختلائه بنفسه ومراقبته لأناس آخرين لن تتاح له رؤيتهم بوظيفة مكتبية في بلده الأم فرنسا، رؤية الأراضي الشاسعة من الأعلى تجعل الإنسان يصغر بهمومه وأوهامه التي ما انفكت تملأ رأسه من غير جدوى حارمةً أياه متع الحياة البسيطة.

*من خلال هذه الطائرة عاش أنطوان مغامرة حياة وموت في أعماق الصحراء الليبية، فتمت أصابته بالهذيان لفترة من الوقت لتأتي أمامه صور لأناس ومعالم ليس لها وجود على أرض الواقع وكل مرة يخبو الأمل ليعود مرة أخرى بعلو أكبر معلنة استمراره في هذه الحياة رغم اعتقاده بمغادرتها. هذه المغامرة حدثت بسبب هبوط الطائرة في المكان الخطأ لرداءة تحديد المواقع والاتجاهات التي توفرها تلك الآلة وضعف الإشارات المرسلة من قِبل المراقبين الجويين، ولقلة عددهم أيضًا، كل تلك العوامل اصطفت لتحكي لنا قصصًا لا أظن أن تكتب في زماننا هذا أو ستقل حتمية حدوثها على عكس ذلك العصر، تلك المغامرات المثيرة تتكرر بشكل مستمرة لأنطوان أو زملائه الطيارين.

 

لسنوات قليلة اعتدت على شراء الأجندة من ماركة moleskine، لتصميمها المميز والذي يُسهل علي العديد من المهام المطلوب مني كتابتها. اعتادت الشركة على تزيين تلك الأجندات ببعض الشخصيات الخيالية القادمة من القصص الشهيرة، عليكم تجربة تصفح منتجاتهم على الأنترنت ورؤية جمال الرسومات التي تزيين أغلفة تلك الأجندات، أحد تلك الشخصيات هي شخصية الأمير الصغير. جميعنا نعرف ذلك الكرتون الشهير المقتبس منه وقصص تنقل أميرنا من كوكب لآخر، ذلك الخيال المفعم بالسعادة والفضول في آن كانت رسوماته ملازمة لأجنداتِ. وما زال اختياري يقع عليه كل عام حتى ولو كان مجرد دفتر ملاحظات يومية المهم هو رؤية ذلك الأمير الصغير قبل كتابة ما في رأسي من أفكار. زميلنا أنطوان هو مخترع تلك الشخصية فيصعب علي عدم الربط بين مغامراته في الطيران وميلاد تلك الشخصية، فلا يمكن تصور تلك الرائعة دون خوض كاتبنا مغامراته مع الطائرة وبقائه معلقًا في السماء ومتمسكًا بها أكثر من تلك الأرض الصلبة. ساعات الطيران الطويلة  جعلت خياله خصبًا لتلد لنا تلك الشخصية اللطيفة والتي ظلت ملازمة لجميع دفاتر ملاحظاتي.

لعل الطائرة ليست بالآلة الموحشة بعد كل هذا، فهي تتيح لنا آفاقًا لم نتخيل أنفسنا أن نصلها يومًا ما، وكما فعلت بأنطوان حين أخرج للعام تحفته “الأمير الصغير”، من يدري ماذا يمكن أن تفعل بك أنت. فتحية إجلال وتقدير لتلك الرائعة.

 

“الطائرة آلة من غير شك، ولكن يا لها من من أداة تحليل عظيمة. فلقد مكنتنا هذه الأداة من رفع النقاب عن وجه الأرض فعرفناه على حقيقته.  و للطائرة معجزة أخرى فهي تلقي بك مباشرة في صميم السر الغامض. تكون في الطائرة كعالم الحياة، تدرس من وراء نافذتك قرية النمل الإنسانية وتفحص هذه المدائن المستقرة بين السهول وسط الطرق التي تتفرع كالنجوم وتغذي البلاد برحيق الحقول كأنها الشرايين”

-أنطوان دو سانت اكزوبيري

 

*القصة ذكرت في كتاب المذكرات الشخصية لأنطوان دو سانت اكزوبيري “أرض البشر”.

رباعي الأضلاع

SAY NOTHING:

جين أرملة تبلغ من العمر 38 عامًا وأم لعشرة أطفال تعيش في بلفاست الغربية، كانت جين طوال سنوات زواجها أما حاملًا أو تتعافى من ولادة. وفي ليلة من ليالي ديسمبر وقبل أيام قليلة من عيد الميلاد طرق طارق باب المنزل ليفتح الأطفال الباب و يجدوا مجموعة من الأغراب يأمرونهم بجلب أمهم في الحال، سمعت أمهم الحديث، فالشقة لم تكن بالبناء الضخم ناهيك عن ضعف الحوائط المستخدمة والتي من خلالها يمكن الاستماع لأحاديث الجيران كاملةً، قدِمت الأم عند الباب ليتم سحبها بقوة رغم أرادتها ومعها يبدأ صراخ الأولاد ومحاولاتهم الضعيفة لإرجاع أمهم وكل هذا يحدث على مرأى من الجيران الذين لم يتدخلوا لمساعدة هؤلاء الأطفال اليتامى، الأبن الأكبر ظل ممسكًا بأمه إلى أن طلبت الأم منه المغادرة قائلةً لهانتظرني، سأعود“.

بهذه القصة يبدأ الكاتب باتريك كييف كتابه عن الأوقات المضطربة التي عاشتها إيرلندا الشمالية من الستينات إلى أواخر التسعينات حتى تم توقيع اتفاقيةالجمعة العظيمةوالذي وضع نهاية لأحداث الحرب الأهلية القائمة هناك بين البروتستانت والكاثوليك

هذا الكتاب ظهر كثيرًا على قوائم أفضل الكتب لعام 2019، وربح في تصويت موقع أمازون لأفضل كتاب تاريخي للعام الماضي. في العادة أحب أن أطلع على هذه القوائم ليس لأنها فعلاً الكتب الأفضل ولكن لتعطيني لمحة عن الكتاب الصوتي القادم الذي سأستمع إليه، فقد أصبحت لدي عادة أن أستمع للكتب الأنجليزية بدلًا من قرائتها فعلى ما يبدو أن مهارتي السمعية تتفوق كثيرًا على القرائية. في البداية اعترف بأن الموضوع لم يشدنيإيرلندا الشماليةلم أفكر بها إطلاقها و معلوماتي بسيطة عنها فمعرفتي تقتصر على إيرلندا و استقلالها من بريطانيا لتصبح جمهورية مستقلة. الجزء الشمالي لم يلفت انتباهي كثيرًا فقررت صرف النظر عن الكتاب إلى أن أتت لحظة حاسمة لا اعلم سببها فقررت شراءه.

الكتاب يركز على قصص الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة المضطربة بجميع اختلافاتها، فلن تجده مثل كتب التاريخ التي تسرد الحقائق والمعلومات والقادة السياسيين الذين شهدوا تلك الأيام والمسببين لها بل يذكرهم بشكل عرضي ويصرف كامل تركيزه على تلك الشخصيات و القصة الغامضة لاختفاء جين ماكمفن، فتظل طوال صفحات الكتاب متشوقًا لمعرفة ماذا حصل لهذه الأم المسكينة؟الأشخاص الذين ذُكروا في الكتاب كأنهم خرجوا من رواية، أولهم دوريس برايس وشقيقتها ماريس وهم من أوائل النساء المنتمين لحزب IRA كأعضاء أساسين وليس مجرد متعاطفين، جيري آدامز وبراندون هيوز شخصيتان تختلف طرقهم مع مرور السنوات رغم التشابه الكبير بينهما في البداية، والأم جين والتي تعتبر قصتها مفتاح البداية و قفل النهاية وتقاطعها مع الأبطال الآخرين، ستجد في هذا الكتاب حقائق عن الأحزاب السياسية مثل IRA والذي يعتبر حزبًا محظورًا، و من أهم مطالبه إعادة إيرلندا الشمالية لحضن البلد الأم جمهورية أيرلندا.

في الأخير الكتاب يستحق الأقتناء لمحبين التاريخ بالذات رغم أن الكاتب ظل يعيد ويكرر بأنه لا يمكن تصنيف الكتاب تحت هذا البند، بسبب أن أحداث القصة تمتد إلى عصرنا الحالي والكثير من الأسئلة ما زالت بدون إجابة واضحة لها، ففي إيرلندا الشمالية هذه الأيام الجميع لا يريد ذكر الأفعال التي حصلت خلال تلك الحقبة قد يكون خجل من بعض التصرفات التي ظهرت منهم

بعبارة أخرى:

تشدني كثيرًا كتب المذكرات الشخصية سواءً كانت لشخص عرفته مسبقًا أو لا، في حالة هذا الكتاب لم أكن قد سمعت من قبل عن الكاتبة جومبا لاهيري. كُتب على الكتاب هذا الوصف المبسطصراع الهوية على مائدة اللغةاستنتجت سريعًا بأنه كتاب يبين مدى معاناة الكاتبة الأمريكية من أبوين قد قدما من بنغلاديش وكيف تأقلمت مع كل تلك المتناقضات لكن المفاجأة كانت صادمة، تبين من بعد قرائتي للصفحات الأولى أن الكاتبة تتحدث عن رغبتها في إتقان اللغة الإيطالية بشكل كامل واتخاذها القرار الجريء بمغادرة الولايات المتحدة والعيش في إيطاليا. ذكرت الكاتبة مرارًا وتكرارً أن ما يميز الإيطالية أنها اللغة التي اختارتها لم تفرض عليها كما حصل مع البنغالية من قِبل أبويها أو من خلال الإنكليزية كونها تقيم في مجتمع أميركي

هذا الكتاب ألهمني في علاقتي أنا مع اللغة الإنجليزية فلا أنا التي أتقنتها كاملة لأمارس مهارات عديدة من خلالها ولا يمكن أن أعتبر نفسي لا أعلم شيئًا عن اللغة. الكاتبة تقوللا بد من العوم في أعماق اللغة بدلاً من الجلوس قرب الشاطئ“. شبهت الكاتبة الشاطئ في الجملة السابقة بلغتها الإنجليزية والتي من خلالها تشعر بالأمان تمامًا كما هو الحال بالسباحة بالقرب من الشاطئ بدلًا من الذهاب بعيدًا في الأعماق لأختبار مدى فاعلية السباحة وهو الحال معها في اللغة الإيطالية.

الكتاب خفيف جدًا لغةً وحجمًا هو من نوعية الكتب التي من الممكن انهائها في جلسة واحدةلم يحدث هذا الشيء معيوحتمًا سيوقظ شيئًا بداخلك تجاه مهارة من مهارات الحياة والتي لم تستطع إلى الآن إتقانها على وجه التمام، وقبل أن أنهي الحديث عن هذا الكتاب أردت أن أذكر معلومة أخرى عنه، هذا الكتاب كُتب من قَبل الكاتبة باللغة الإيطالية، إذن قد أجادت جومبا العوم في المياه العميقة.

نقطة التحول:

كيف يمكن لتنظيف خربشات على جدران المترو في مدينة نيويورك أن يخفض من نسبة الجريمة؟ وما الذي جعل أحذية رياضية محلية قادمة من الغرب الأوسط الأميركي ينتشر بسرعة البرق قبل إعلان إفلاس الشركة؟.

مثل هذه اللحظات المفصلية في العديد من القصص ذو الخلفيات المختلفة تحدث فجأة و تعنون كنقطة تحول قد يصعب تفسيرها، لكن مالكوم غلادويل هنا حاول أن يلخص الأمور ويوضحها بإلتقاط العديد من التجارب وإيجاد تفسيرات لها من قِبل مختصين. مثل هذه النوعية من الكتب تشحذ الهمة لأمكانية التغيير في مختلف توجهات الحياة و لدى غلادويل أسلوب شيق ومميز في ربط القصص والحقائق بعضها ببعض، أن كان في عالمنا أشخاصًا يمتلكون قوى خارقة فتلك المهارة هي قوته الخارقة.

لكن يبدو خلال قرائتي لهذا الكتاب قد وقعت في الفخ، ففي الأشهر الماضية زاد معدل قراءتي واستماعي ومشاهدتي لمالكوم غلادويل لدرجة أن أصبحت لا أتفاجأ بمعلومة قد يذكرها، أشعر بأن الأسلوب معروف وينتابني إحساس دائم بأن القصة ذُكرت في مكان ما وأنا الآن أتحمل إعادة الأستماع إليها مرة أخرى، كانت غلطة مني بلا شك في اختيار التوقيت الغير مناسب لقراءة هذا الكتاب، في الفترة القادمة سأحرص على التحرر قليلًا من مالكوم غلادويل على مختلف المنصات المتواجد بها حتى أتمكن من قراءة كتاب آخر له ينتظر على رف مكتبتي لأعيد لنفسي تلك المتعة الرائعة مع قراءة كلماته وربطه المبهر للأحداث.

عالم الأمس:

أن تكون شاهدًا على أحداث غيرت مجرى التاريخ وغيرت الكثير من ثقافة المجتمعات وأن تلاحظها لقطةً بلقطة، حتمًا سيكون أمرًا يستحق أن يروى، أضف إلى ذلك أنك في الأصل كاتب وتعشق الحروف كلغة تعبيرة لما يجول بخاطرك ووسيلة مهمة لتغيير ما يضايقك من أمور طارئة على مجتمعك، فكيف سيكون كتاب ستيفاين تسفايج أو بالأحرى كما ينطق بلغته الأم الألمانية شتيفان تسفايغ؟

أنت هنا أمام كتاب بعتبر أرشيف مهم لفترة حساسة من تاريخ أوروبا، سترقبه من خلال عين المواطن المنتمي لهذه المجتمعات والمعتز كثيرًا بأوربيته والمؤمن أكثر بوحدتها الثقافية، هو المثقف المنتقي لكلماته بعناية لتصل لك جميع المشاعر المختلطة التي أصابت العديد من البشر بمختلف طبقاتهم خلال تلك الظروف الإستثنائية. لن تجد المصطلحات الصعبة والتحليلات السياسية الغير مفهومة والغير مبررة بل على العكس تمامًا ذكر لك بأن الحرب العالمية الأولى حصلت من دون معرفة سبب واحد بعينه، هي هكذا ببساطة حدثت

لأكون أكثر صدقًا في وصف هذا الكتاب سأكتب عبارة معبرة لعلها تكون دافعًا لاقتناء هذا الكتاب وقراءته، لم أستعمل في حياتي قلمهاي لايتبهذه الكثرة كما أستعملتها خلال قرائتي لهذا الكتاب، قد تكون تلك المعلومات المهمة وقد تكون عبارات لها وقع جميل يكاد ينطبق على أيامنا هذه وعلى حالتي الشخصية أيضًا. الكتاب سيلامسك شخصيًا من خلال كل ما مر به ستيفاين تسفايج، تشعر بالقهر أحيانًا وبجمال الحياة أحيانًا أخرى، فهو في أوقات معينة كان متفائلًا جدًا لحاله وأحيانًا أخرى الحياة تصبح سوداوية لا نجاة منها مهما حاول. هي درس من دروس الحياة ستخرج به بعد انتهائك من الكتاب بأن لا شيئ دائم وحاول قدر المستطاع عيش اللحظة دون تفكير مبالغ في مستقبل قريب أو تعلق بماضي قد رحل دون عودة.

كرة صفراء

في أكتوبر الماضي تم الإعلان عن اقامة بطولة استعراضية للتنس في الدرعية  لتصبح بذلك أول بطولة دولية في هذه اللعبة تقام في السعودية، يستحيل جدًا تمكني من وصف الشعور عند سماعي للخبر، كان مزيجًا من فرح وجنون في آن وعدم تصديق للخبر في آن آخر،  كيف لا وهو شعور التجربة الأولى والتي دائمًا ما نظل متمسكين بها لتعطينا متعة الحياة قبل الانغماس في روتينات الأيام المتلاحقة. أول ما خطر على بالي هو من سيكون مشاركًا من اللاعبين الكبار؟ أو كما يحب أن يطلق عليهم عشاق التنس “الكبار الثلاثة” والمقصود هنا المصنفين الثلاثة الأوائل للعبة طوال العقد الماضي: فيدرير، و نادال، وجوكوفيتش.  تم الأعلان عن أربعة منهم و أنا على معرفة قوية بأثنين وهما: فافرينكا و فونيني، وكنوع من التشويق تم التحفظ على الأربعة أسماء الأخرى. لم أطق صبرًا حتى يتم الأعلان عن الأسماء المتبقية فقمت بشراء تذاكر النصف نهائي على أن ألحقها بالنهائي حينها وكلي أمل أن يكون فيدرير من ضمنهم.

في أحد الأيام ركضت زوجة الكاتب الأميركي ديفيد فوستر والس مسرعةً إلى غرفة المعيشة بعد سماعها صرخة مدوية قادمة من زوجها، ظنت بأن سوءًا قد حل به، عند وصولها للغرفة وجدت حبات فشار متناثرة على قطع الأثاث والأرضية ولمحت معها الزوج جالسًا على ركبتيه وقد بدأت عيناه بالتجحظ من هول ما قد رأى، ردة الفعل تلك كانت للقطة قام بها فيدرير ضد اللاعب المخضرم أجاسي في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة عام 2005، المعلق الرياضي واللاعب السابق الشهير جون ماكنرو وصف تلك اللقطة قائلًا “كيف يمكن للاعب أن يحرز نقطة فوز من وضعية صعبة يستحيل معها رد كورة ناهيك عن إحراز نقطة التقدم منها”. يطلق والاس عبارة “لحظات فيدرير” وهو وصف للقطات يقوم بها فيدرير تشعرك بأنه قد قَدم من خارج المجرة، وبالإمكان اعتبار تلك اللحظة واحدةً منها. لطالما كان والاس مغرمًا بالتنس ففي صغره مارس هذه اللعبة حتى فهم تفاصيلها وخباياها ومع مرور السنين وتعمقه في الأدب ظل ذلك العشق لتلك الكرة الصفراء لم يخبت فحرص على مراقبة الأحداث وتحليلها وكتابة مقالات مفصلة لكبرى الصحف والمجلات. كانت أعظم مقالاته تتحدث عن لاعب التنس المميز فيدرير. والاس لخص عظمة فيدرير في عام 2006 بكلمات وجمل كانت سابقة لعصرها كأنها تنبأت مبكرًا بمكانة اللاعب التي سيحتلها فيما بعد، كأكثر رياضي من رياضيي الكرة الصفراء تحقيقًا لبطولات الجراند سلام الكبرى.  

يقول والاس “فيدرير هو أحد أولئك الأساطير واللذين لا تنطبق عليهم قوانين الفيزياء، كمثال آخر على هؤلاء لدينا لاعب كرة السلة مايكل جوردن والذي بإمكانه القفز عاليًا لارتفاعات لم يصل إليها إنسان من قبله والبقاء هناك معلقًا لمدة زمنية ضاربًا بقوانين الجاذبية الأرضية عرض الحائط”. تحركات فيدرير رشيقة تظهر لك بمظهر عدم الأعياء أو بمعنى آخر يقوم بتحريك جسده من دون بذل مجهود، يصفه والاس هنا بالخارق للعادة. وفي أحيان كثيرة يظهر فيدرير بمظهر الأقل أو الأضعف قبل مواجهة الخصم لكن الأمور تسير في عكس الأتجاه دائمًا لصالحه. فيدرير في حديثه القصير مع والاس، ومع المعرفة المسبقة بمشاكل فيدرير الكبيرة منذ الصغر مع الخجل وضعف الشخصية، يبدو غريبًا نوعًا ما أن يتحدث عن نفسه لكنه على الرغم من كل هذا عبر عن طريقة لعبه بكل ثقة بأنها “الجميلة”، يضيف فيدرير: “بعض اللاعبين يمكن اعتبارهم الأقوى وبعضهم الآخر الأسرع وآخرون المهتم بنوعية ضرباته، أما أنا فيمكن التعبير عن أدائي بالأجمل”.

انطلقت البطولة وتم الإعلان عن الأسماء المتبقية للأسف فيدرير ليس من ضمنهم ولا حتى زميليه في المنافسة نادال و جوكوفيتش.هناللك أسماء واعدة يتنبأ لها بمستقبل باهر في التنس مثل ميدفيديف صاحب التصنيف الخامس والصغير في العمر نسبيًا فمن يعلم قد تتاح له فرصة الأنتصار ببطولات جراند سلام كثيرة وبالتالي أكون قد حضرت لأحد أبطال اللعبة القادمين من المستقبل. بالإضافة لكل هذا تظل فكرة مشاهدة مباراة تنس من أرض الملعب جميلة. تم الأخبار عن مواقف محددة لحاضري بطولة التنس والتي يستلزم استخراج تصريح لها في مكان يبعد عن الملعب 17 كيلو، لا بأس لأن المقيم في مدينة الرياض يعلم أن هذه المسافات لا تمثل شيئًا هي جزء من روتين الرحلات اليومية. ذهبت قبل بدء مباريات نصف النهائي بساعة ونصف وعلى امتداد طريق الملك خالد جنوبًا موقع تسليم التصريح ثم امتداد طريق الملك خالد شمالًا حيث موقع المباراة، مسافة الطريق كانت محتملة لكن وكما هو معلوم ضرورة الذهاب للمكان المخصص لمواقف السيارات حتى يتسنى لنا ركوب حافلات نقل تنقلنا لموقع الفعالية، هنا استهلكت طاقتي وصبري. لم أكن أعلم بأن صبري قليل وطاقتي ذو نفاذية صغيرة إلا عند مواجهة هذا الوضع الكارثي، السيارات متراكمة فوق بعضها لم يسألني أحد عن التصريح الذي استهلك وقتًا كان من الممكن استغلاله. تبين لي فيما بعد أن المواقف لم تكن مخصصة فقط لحضور كأس الدرعية فبالإضافة لهم كان هناك حضور الحفل الموسيقي المصاحب وزوار واحة الدرعية، اعتقدت بأن يتواجدوا في مواقف أخرى حتى لا يحصل هذا الازدحام لكن تحليلاتي كانت خاطئة. هذا الخطأ الكبير كلفني فرصة مشاهدة مباراة النصف النهائي الأولى بين مونفيس وفونيني فبمجرد دخولي للملعب، بدأ ميدفيديف وغوفين في عمليات الاحماء. خاب أملي قليلًا ففرصة جعل يومي كاملًا لمشاهدة مباريات التنس تقلص إلى نصفها مع مزاج متعكر. كانت المقاعد غير ممتلئة مجموعة من الناس متناثرين بين أرجاء الملعب، مع أغلبية طاغية للحضور الأجنبي على المحلي، يبدو أن اللعبة ما زالت تعاني من قلة شعبية أو من الممكن أنها لم تتلقى الحملة الإعلانية المناسبة لها.

أعلن حكم الكرسي عن بدأ المباراة، عم السكون المكان أخذ ميدفيديف بالاستعداد لضرب كرته من خلال رميها إلى أعلى بعدها بدأت عملية تبادل الضربات بين اللاعبين. سرعة الكرات المتبادلة من الأشياء التي لا يمكن استشعارها عن طريق التلفاز، هذه المتعة جعلتني أنسى قليلًا شعور التعكير الذي صاحب هذا اليوم لكن ميدفيديف كان مسيطرًا تمامًا على مجريات اللعبة لم يجعل غوفين يتنفس ولو قليلًا خصوصًا إذا أخذنا بعين الأعتبار أن البطولة استعراضية الهدف الأساسي منها هو امتاع الجمهور إلا أن اللاعب الروسي كان حاضرًا بصلابة ذهنية عالية جعلته ينهي المباراة سريعًا ومن دون تبادل طويل للكرات، وفي عرف مباريات التنس تعتبر مباراة غير جيدة ومملة. 

“إذا كنت ممن يشاهد مباريات التنس من خلال شاشة التلفاز، فأنت ببساطة لا تملك أدنى فكرة عن قوة ضربات اللاعبين للكرة وسرعة انتقالها من مكان إلى آخر، والوقت القليل المعطى لهم للحاق بها والتمكن من الوصول إليها والالتفاف بأجسادهم لضربها بقوة ليحرزوا من خلالها نقطة تحسب لصالحهم” 

اقتبس هذا الكلام من حديث والاس عند حضوره نهائي ويمبلدون 2006 بين فيدرير ونادال من أجل إجراء حديث صغير مع فيدرير حتى يساهم في مقالته عن هذا اللاعب والتي ستصدر بعدها بشهر. أقتبس هذه الكلمات وأنا مستشعرة تلك الحروف ومدى جمالية مشاهدة مباراة تنس حيّة من الملعب رغم أن المباراة لم تكن ممتعة والبطولة لم تكن رسمية والخصمان المتقابلان في هذه المباراة لا يعتبرون من الأفضل، ومع كل تلك المعوقات كان الشعور جميلًا. كل هذا يجعلني أتسائل كيف سيكون الأحساس عند حضور نهائي بطولة ويمبلدون؟

مراجع:

كتاب String Theory David Foster Wallace on Tennis

من يقول الحقيقة؟

في الصف أقوم بطرح بعض الأسئلة على طالباتي أحدى هذه الأسئلة يقوم على أساس أن يقرر الطالب ما إذا كانت العبارة الموجودة أمامه حقيقة أم رأي. ويكمن الاختلاف بينهما أن الحقيقة معلومة علمية تم التثبت من صحتها مع ذكرها أثناء … إقرأ المزيد