من هي؟

بعد أن بلغت الرابعة والثلاثين كانت لا تعلم عن ماهيتها ولازالت تتساءل، يؤلمها كثيرًا وجودها في وظيفة لا تحبها تحاول أن تشتت انتباهها ببعض الكتابات هنا وهناك وقراءات أعمق بكثير من مجرد لمحات، أصبحت خبيرة في تاريخ الشعوب القديمة في أميركا اللاتينية وأكثر خبرة في أخبار المستكشفين الأسبان الذين قدموا إليها ليجلبوا معهم متغيرات انهت عالمهم، وعن تاريخ الحرب الأهلية الأميركية ومالذي جعلها تبدأ في الأساس. هي لا تعلم لما عليها أن تجمع تلك المعلومات الهائلة فلا رسالة دكتوراة ستطرح ولا جلسة نقاش سوف تدعى لها، لكنها لا تتسائل عن الفائدة المرجوة من ذلك لأنها في المقابل كانت قد تخصصت في الكيمياء الحيوية، ذلك العلم المهم في تطوير الأبحاث حول إجراءات التحليل وصناعة الأدوية لكن هذا الآخر لم تستفد منه حتى الآن. وظيفتها التي تمارسها هي الأخرى بعيدة كل البعد عن تلك الموضوعات فهي تدرس الأطفال في المرحلة الابتدائية، تارة لمادة الرياضيات وتارةً لمادة العلوم حسب الاحتياج في كل عام. الرياضيات ذلك شيء كانت تبرع فيه في المدرسة نادرًا ما كانت تفشل في اختبار له علاقة به وأغلب معلمات الرياضيات كنا يحفظن أسمها عن ظهر قلب على عكس بقية معلمات المواد الأخرى والذين نادرًا ما يذكرونها نظرًا لخجلها في مشاركة ما تعرفه رغم وجود معرفة لا بأس بها في تلك العلوم الأخرى. 

اعتقدت في فترة من فترات حياتها أنها ملعونة بلعنة ما فكل طريق تسعى إليه لتغير وظيفتها أو الرفع من مستواها التعليمي يغلق عند آخر نقطة بلا رجعة، فلا نقص من قِبلها، هي تحقق جميع الشروط المنصوصة بل وأحيانًا تتخطاها قليلًا فيأتيها الفرج بحدوث النجاح لتتوقف للحظة منعطفةً عند أقرب طريق عودة مبتعدة عن ذلك الهدف. التشكيك هو صوتها الداخلي الذي لا ينطفئ التقليل من قدراتها بأنها غير صالحة لهذا الشيء وأن حياتها الحالية هي الصالحة لها فلا حاجة ماسة لخوض مغامرة لا يُعرف ما تؤول إليه. 

صديقات الجامعة أصبحت لا تخرج معهم بكثرة، فحين لقائهم لا تكاد تنفك عن التفكير في ماذا حصل لي ولم يحصل لهم؟، كلهم بلا استثناء تلقوا شهادات عليا أو مناصب مرتفعة أو كلاهما معًا أو على الأقل الألتحاق بوظيفة لها أهميتها وتميزها. لا يدل هذا على حسد بل نوع من الغربة تشعر بها عند الأستماع لأحاديثهم، فكلماتهم تتقاطع ومواقفهم تتشابك وهي يخيل لها أنها تجري مبتعدة عنهم في اتجاه معاكس لا تشعر بالانتماء لذلك المكان، ذات مرة في اجتماع معهن انتبهت لنفسها بأنها ظلت صامتة لساعة كاملة، هي انتبهت لكن لا تعلم إذا ما لوحظ هذا الشيء من قِبل صديقاتها. كأن عالمها أخذ يصغر شيئًا فشيئًا لينكمش فوق رأسها مباشرة تاركًا مساحة ضيقة لا تستطيع التعبير فيها عن نفسها. ماذا حصل كان العالم عند بدء دراستها الجامعية واسعًا متعدد الخيارات وسعيدًا في نفس الوقت، لا تفكير مبالغ به بمستقبل مجهول ودرجة لا بأس بها من الرصانة والثقة بالنفس تحميها من أي خدوش قد تصيبها.

الخطط، كانت تبرع في خلقها وصنع خطوات متسلسلة للوصول لغايتها، في كل مرة وبتركيز كبير تصل لأعلى درجة من درجات السلم صعودًا حتى يحدث تحول كبير في الأتجاه لتجد نفسها أسفل ذلك السلم. شعور الخوف من التغير والتشكيك بالقرارات المتخذة تجعل تلك الخطوة الغريبة مقبولة بالنسبة لها، في لحظتها على الأقل، لكن ما تنفك بعد مرور الوقت عن لوم نفسها على فعل تلك الخطوة الغبية الجبانة. كل مرة تواجه نفسها ينتهي بها الحال في دخول نفق مظلم تتقلص فيها رغبتها بالعيش فمتع الحياة البسيطة لا تعنيها حينها.

الهروب من الذات هو الحل المتاح لها حاليًا رغم سوءه وعدم فعاليته لكن لا خيار آخر أمامها، فما زالت تنتظر تلك اللحظة الخيالية والتي تقلب حالها رأسًا على عقب، كيف سيكون شكله لا تعلم لكن تعلم أن بين ثناياها تحقيق جميع الخيالات الواقعية التي تظل تحلم بها، للأسف بدأت تشعر بعجلة الزمن تمر بسرعة وأن خانة العمر قد تبدأ في خيانتها لتصل إلى النتيجة. “لم يبقى الكثير لي” تظل بإستمرار تخبر نفسها بذلك، لكن ستظل متمسكة بالأمل البعيد دون علمها عن كيفية تحقيقه هي فقط متمسكة بذلك الخيط الرفيع.

من هي؟ ظل هذا السؤال يدور بخلدها بعد أن طُلب منها التعبير عن نفسها، هل هي معلمة؟ لا تستطيع الجزم بهذا المصطلح ففي كل مرة تشعر بالغربة ناحيتها حتى أن أجابت به بشكل مقتضب وبسيط عند السؤال من قِبل شخص من أجل التعرف تذكره دون تعمق في التفاصيل لتنطلق إلى موضوع آخر على عجل حتى لا يلحظ السائل تلك الإجابة. هل هي كاتبة؟ تتلفت يمينًا وشمالاً باحثةً عن نتاج أدبي طبع عليه أسمها أو مسمى وظيفي يرمز لتلك الصفة ولا تجدها، الكتابة فعل تفعله لمجرد الحديث إلى نفسها أو تلخيص لأمور حازت على اهتمامها حتى لا تنساها وتذهب أدراج الرياح، بل أن المقربون من عائلتها وزميلات العمل لا يعلمون عن كتاباتها ولم تخبرهم بها قط. هل هي باحثة؟ مستحيل أن تطلق عن نفسها هذا المصطلح فالأمور التي تبحث عنها غالبًا ما تنتهي داخل رأسها أو بكتابة تعليقات على ما وجدته من إجابات لتلك الأسئلة التي كانت تدور في فلكها، فمهمة الباحث تتعلق بتسليم ما تتوصل إليه إلى جهة معنية لتقوم بدورها بنشره وذلك لم يحصل لها من قبل. هل هي كيميائية؟ آخر ما تذكره من هذا المصطلح هو كلمات نطقت بها المحاضرة في أروقة الجامعة منذ زمن بعيد يكاد يقرب من اثني عشر عامًا، فهذا الغياب الطويل وأن حاولت أن تعالجه ببعض القراءات المتعلقة بهذا المجال من هنا وهناك ولكن ذلك لن يشفع لها. فذلك البعيد قد أصبح من الماضي خلفها ولا يمكن استرجاعه. 

تحزنها تلك التساؤلات وهي في هذا العمر فهذا الضياع لا يليق بها في هذا الوقت، أثر بها مشهد من مسلسلها المفضل يقوم فيها البطل بالحديث مع مجموعة من المقلعين عن إدمان الكحول فيذكر لهم:  “صراحةً، لقد كنت أعاني كثيرًا اليوم، ‫رغبت في الشراب بشدة مؤخرًا . أستخدم تكنيكًا تعلّمته ‫يقولون أن عليك تخيّل أسبابك الخاصة لعدم الشرب ‫وتذكّر نفسك بهم كأنها ترنيمة، ‫بالنسبة لي مثلًا: أنا أتخيّل غرفة ابن أختي ‫أتخيّل بوستر الروبوت المعلّق ‫ومصباح الباندا. لديه مجسّم لملعب كرة صغير ‫يدويّ الصنع ‫وفيه تمثال صغير لـ”تيري برادشو” ‫لم أكن ممتنعًا عن الشراب عندما وُلد ابن أختي لكنني كذلك لكل يوم منذ ولادته ‫لكن أحيانًا أتساءل عن السبب، ‫أنا لا أفعل أي شيء بحياتي أحتاج من أجله للامتناع عن الشراب ‫كنت فقط أظن أنني عندما أصل لهذه المرحلة من حياتي ‫سأكون قد وجدتُ هدفًا لها انفصلت حديثًا عن امرأة رائعة ‫ورفضتُ لتوّي عرض المشاركة ‫في فيلمٍ رائع أكان هذا خطأ؟ ‫لا أعرف ‫المؤكد هو أنني لن أصغر ‫وآمل أنني مع كِبَري، سأنال بعض الوقار، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس بأيدينا ‫أعني، ربما يكون الوضع مثلًا ‫مرحبًا بكم بمدينة ترهّلات الخدّين ‫فقد وصلتم عمر الـ50، ثم ماذا؟ ‫ثم أصبح ذلك الرجل في إعلانات ‫مجلة “إيه إيه آر بي” ‫السعيد للغاية لأنه لا يزال قادرًا ‫على مسح مؤخرته بنفسه ‫أعني، إن كان هذا دافعي ‫للامتناع عن الشراب”

تمنت أن لا تطول المدة وأن تجد الخاتمة اللائقة بما ترغبه في هذه الحياة، ولعلها تشارك تلك التساؤلات مع كثير من البشر فكلهم مخلوقون من نفس الطينة.

 

أنا وأنطوان والطائرة

الطائرة، تلك الآلة المسؤولة عن تنقلنا من خط عرض إلى آخر في فترة زمنية قصيرة. تبعدنا عن كل ما هو صلب لنغوص معها في أعماق الهواء دون شعورنا بأن أوزاننا باتت كالريشة. دائمًا ما ترتبط الطائرة بعنصر الخوف، ففكرة كونها معلقة في السماء دون أساس ترتكز عليه مرعبة إلى حد ما، فقد عانيت لسنوات طويلة من رهاب السفر بالطائرة، فعند ركوبها لا يمكنني النطق بكلمة واحدة، لساني ينعقد وكأنه لم يتعلم الكلام من قبل وقوة التركيز على التفاصيل الصغيرة تزداد عند تواجدي بداخلها، هنا اعوجاج على جناحها، وقطعة قماش الأرضية منزوعة من مكانها، كلها ملاحظات تبدو بسيطة لكن عقلي يضخمها بدرجة كبيرة جاعلًا منها حاجزًا وهميًا بين الطمأنينة والقلق. لا أعلم منذ متى بدأت تلك الرهبة من الطائرة لكن تتضح جليًا صور لرحلة من الرياض إلى الطائف وأنا صغيرة بالعمر والمطبات الهوائية كانت شديدة لدرجة فتح أدراج الأمتعة العلوية لتتساقط الحقائب بشكل متتالي ليتبعها خط الأنارة الأحمر على الأرضية ويقوم الكابتن بترديد دعاء السفر مرة أخرى، حيث جرت العادة ذكره عند بداية الرحلة، مرت الأوضاع السيئة بالطبع ليتبعها هبوط بسلام أو على ما أعتقد هذا ما حصل كون الذاكرة ليست دقيقة بسبب صغر عمري. على العكس تمامًا أذكر تمامًا تلك اللحظة التي تلاشت فيها جميع المخاوف المتعلقة بالطيران، تلك اللحظة أتت دون مقدمات ولا تهيئة للنفس من خلال دورات معدة لمثل هذه الأمور بل على العكس تمامًا كأن نفسي هدئت من روعها من تلقاء نفسها. كانت الرحلة من الرياض إلى واشنطن، والمدة الزمنية تزيد قليلاً عن ثلاثة عشر ساعة وهناك ملحق آخر لرحلة أخرى تصلني بمدينة لوس أنجلوس والتي يبلغ طولها 4 ساعات و45 دقيقة. أن أجريتم عملية حسابية بسيطة ستجدون مجموع الرحلتين يساوي 18 ساعة. يوم كامل وأنا معلقة بين السحاب فوق بحار ومحيط وجبال وصحاري وكل ما تفرزه الجغرافية من تضاريس مختلفة. كنت مشغولة البال قبل الرحلة بأسبوع، أو لعله أكثر، كيف سأقضي كل تلك الفترة الزمنية في السماء ماذا سأفعل كيف سأتمكن من تهدأت نفسي،  لأن الوضع الغريب الذي أصبح عليه لا يحتمل زيادة مدته الزمنية. ذاكرتي الصورية الجيدة ترسل لي مقاطع من تلك الرحلة اللامنتهية الركاب كانوا قلة وعدد الكراسي الخالية أكثر بكثير من عدد المسافرين. سهولة التنقل بين المقاعد كان أجمل ما في الرحلة، هنا أستطيع الاستلقاء ومحاولة النوم، وهنا أستطيع إعادة الكرسي إلى الخلف لإراحة الأقدام والرقبة والتي نادرًا ما تحدث في الدرجات الخلفية من الطائرة. أذكر مشاهدتي لمسرحية لولاكي كاملة، وبعض حلقات فريندز وأذكر أيضًا تنقلي إلى المقعد المجاور للنافذة لرؤية المحيط الأطلسي، بعد ظهور الطائرة على المسار الموازي له على الخريطة التفاعلية، تلك الزرقة الممتدة كانت عظيمة تشعر بأنها كتاب أزرق مفتوح يحوي من الأسرار ما يعجز الإنسان عن اكتشافه، هناك طمأنينة غريبة سرت في جسدي عند رؤيتي للمحيط ورغم قوة المطبات التي كانت تحدث أثنائها وإضاءة إشارة تنبيه ربط الأحزمة، إلا أن كل هذه الأمور لم تكن تعنيني أمام منظر المحيط من الأعلى، هنا حدث السكون وكانت نقطة التحول.

كان أنطوان طيارًا متخصصًا في نقل الشحنات الجوية بين قارات عدة، و لتمييزه عن بقية طياري عصرنا الحالين كان يمتهن تلك الوظيفة في العام 1926 وكنتيجة لذلك يعتبر من الأوائل الذين مارسوا هذه الوظيفة. فمازالت الطائرة اختراعًا حديثًا تقام عليه التجارب، واكتشاف الطرق الواصلة بين المدن والقارات في طور بداياتها وتولد من خلال الطيارين أنفسهم، فمهمتهم هنا انتحارية، كون الآلة التي يمتطونها غير مهيأة بمعدات السلامة والمتوفرة في أيامنا هذه، و يمكن القول أن معدل تعطل محرك الطائرة أعلى بكثير من معدل نجاته. غالبًا ما يجد نفسه أنطوان وهو مظطرًا للهبوط في أعماق الصحراء بين قبائل الطوارق واللذين يرغبون في رؤيته ميتًا قبل الترحيب به من أجل الضيافة أو في أعالي قمم جبال الأنديز حيث يندر وجود البشر وأن وجدوا تتضح على ملامحهم سمات بعيدة كل البعد عن ما أعتاد عليه بنو البشر في أصقاع الأرض الأخرى. كل هذا جعل قلم أنطوان يخط حروف وجمل جميلة عن مراقبة الأرض من الأعلى من خلال رحلاته المختلفة لتوصيل الطرود البريدية. هذه الأداة كانت وسيلة لأنطوان من أجل اختلائه بنفسه ومراقبته لأناس آخرين لن تتاح له رؤيتهم بوظيفة مكتبية في بلده الأم فرنسا، رؤية الأراضي الشاسعة من الأعلى تجعل الإنسان يصغر بهمومه وأوهامه التي ما انفكت تملأ رأسه من غير جدوى حارمةً أياه متع الحياة البسيطة.

*من خلال هذه الطائرة عاش أنطوان مغامرة حياة وموت في أعماق الصحراء الليبية، فتمت أصابته بالهذيان لفترة من الوقت لتأتي أمامه صور لأناس ومعالم ليس لها وجود على أرض الواقع وكل مرة يخبو الأمل ليعود مرة أخرى بعلو أكبر معلنة استمراره في هذه الحياة رغم اعتقاده بمغادرتها. هذه المغامرة حدثت بسبب هبوط الطائرة في المكان الخطأ لرداءة تحديد المواقع والاتجاهات التي توفرها تلك الآلة وضعف الإشارات المرسلة من قِبل المراقبين الجويين، ولقلة عددهم أيضًا، كل تلك العوامل اصطفت لتحكي لنا قصصًا لا أظن أن تكتب في زماننا هذا أو ستقل حتمية حدوثها على عكس ذلك العصر، تلك المغامرات المثيرة تتكرر بشكل مستمرة لأنطوان أو زملائه الطيارين.

 

لسنوات قليلة اعتدت على شراء الأجندة من ماركة moleskine، لتصميمها المميز والذي يُسهل علي العديد من المهام المطلوب مني كتابتها. اعتادت الشركة على تزيين تلك الأجندات ببعض الشخصيات الخيالية القادمة من القصص الشهيرة، عليكم تجربة تصفح منتجاتهم على الأنترنت ورؤية جمال الرسومات التي تزيين أغلفة تلك الأجندات، أحد تلك الشخصيات هي شخصية الأمير الصغير. جميعنا نعرف ذلك الكرتون الشهير المقتبس منه وقصص تنقل أميرنا من كوكب لآخر، ذلك الخيال المفعم بالسعادة والفضول في آن كانت رسوماته ملازمة لأجنداتِ. وما زال اختياري يقع عليه كل عام حتى ولو كان مجرد دفتر ملاحظات يومية المهم هو رؤية ذلك الأمير الصغير قبل كتابة ما في رأسي من أفكار. زميلنا أنطوان هو مخترع تلك الشخصية فيصعب علي عدم الربط بين مغامراته في الطيران وميلاد تلك الشخصية، فلا يمكن تصور تلك الرائعة دون خوض كاتبنا مغامراته مع الطائرة وبقائه معلقًا في السماء ومتمسكًا بها أكثر من تلك الأرض الصلبة. ساعات الطيران الطويلة  جعلت خياله خصبًا لتلد لنا تلك الشخصية اللطيفة والتي ظلت ملازمة لجميع دفاتر ملاحظاتي.

لعل الطائرة ليست بالآلة الموحشة بعد كل هذا، فهي تتيح لنا آفاقًا لم نتخيل أنفسنا أن نصلها يومًا ما، وكما فعلت بأنطوان حين أخرج للعام تحفته “الأمير الصغير”، من يدري ماذا يمكن أن تفعل بك أنت. فتحية إجلال وتقدير لتلك الرائعة.

 

“الطائرة آلة من غير شك، ولكن يا لها من من أداة تحليل عظيمة. فلقد مكنتنا هذه الأداة من رفع النقاب عن وجه الأرض فعرفناه على حقيقته.  و للطائرة معجزة أخرى فهي تلقي بك مباشرة في صميم السر الغامض. تكون في الطائرة كعالم الحياة، تدرس من وراء نافذتك قرية النمل الإنسانية وتفحص هذه المدائن المستقرة بين السهول وسط الطرق التي تتفرع كالنجوم وتغذي البلاد برحيق الحقول كأنها الشرايين”

-أنطوان دو سانت اكزوبيري

 

*القصة ذكرت في كتاب المذكرات الشخصية لأنطوان دو سانت اكزوبيري “أرض البشر”.

رباعي الأضلاع

SAY NOTHING:

جين أرملة تبلغ من العمر 38 عامًا وأم لعشرة أطفال تعيش في بلفاست الغربية، كانت جين طوال سنوات زواجها أما حاملًا أو تتعافى من ولادة. وفي ليلة من ليالي ديسمبر وقبل أيام قليلة من عيد الميلاد طرق طارق باب المنزل ليفتح الأطفال الباب و يجدوا مجموعة من الأغراب يأمرونهم بجلب أمهم في الحال، سمعت أمهم الحديث، فالشقة لم تكن بالبناء الضخم ناهيك عن ضعف الحوائط المستخدمة والتي من خلالها يمكن الاستماع لأحاديث الجيران كاملةً، قدِمت الأم عند الباب ليتم سحبها بقوة رغم أرادتها ومعها يبدأ صراخ الأولاد ومحاولاتهم الضعيفة لإرجاع أمهم وكل هذا يحدث على مرأى من الجيران الذين لم يتدخلوا لمساعدة هؤلاء الأطفال اليتامى، الأبن الأكبر ظل ممسكًا بأمه إلى أن طلبت الأم منه المغادرة قائلةً لهانتظرني، سأعود“.

بهذه القصة يبدأ الكاتب باتريك كييف كتابه عن الأوقات المضطربة التي عاشتها إيرلندا الشمالية من الستينات إلى أواخر التسعينات حتى تم توقيع اتفاقيةالجمعة العظيمةوالذي وضع نهاية لأحداث الحرب الأهلية القائمة هناك بين البروتستانت والكاثوليك

هذا الكتاب ظهر كثيرًا على قوائم أفضل الكتب لعام 2019، وربح في تصويت موقع أمازون لأفضل كتاب تاريخي للعام الماضي. في العادة أحب أن أطلع على هذه القوائم ليس لأنها فعلاً الكتب الأفضل ولكن لتعطيني لمحة عن الكتاب الصوتي القادم الذي سأستمع إليه، فقد أصبحت لدي عادة أن أستمع للكتب الأنجليزية بدلًا من قرائتها فعلى ما يبدو أن مهارتي السمعية تتفوق كثيرًا على القرائية. في البداية اعترف بأن الموضوع لم يشدنيإيرلندا الشماليةلم أفكر بها إطلاقها و معلوماتي بسيطة عنها فمعرفتي تقتصر على إيرلندا و استقلالها من بريطانيا لتصبح جمهورية مستقلة. الجزء الشمالي لم يلفت انتباهي كثيرًا فقررت صرف النظر عن الكتاب إلى أن أتت لحظة حاسمة لا اعلم سببها فقررت شراءه.

الكتاب يركز على قصص الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة المضطربة بجميع اختلافاتها، فلن تجده مثل كتب التاريخ التي تسرد الحقائق والمعلومات والقادة السياسيين الذين شهدوا تلك الأيام والمسببين لها بل يذكرهم بشكل عرضي ويصرف كامل تركيزه على تلك الشخصيات و القصة الغامضة لاختفاء جين ماكمفن، فتظل طوال صفحات الكتاب متشوقًا لمعرفة ماذا حصل لهذه الأم المسكينة؟الأشخاص الذين ذُكروا في الكتاب كأنهم خرجوا من رواية، أولهم دوريس برايس وشقيقتها ماريس وهم من أوائل النساء المنتمين لحزب IRA كأعضاء أساسين وليس مجرد متعاطفين، جيري آدامز وبراندون هيوز شخصيتان تختلف طرقهم مع مرور السنوات رغم التشابه الكبير بينهما في البداية، والأم جين والتي تعتبر قصتها مفتاح البداية و قفل النهاية وتقاطعها مع الأبطال الآخرين، ستجد في هذا الكتاب حقائق عن الأحزاب السياسية مثل IRA والذي يعتبر حزبًا محظورًا، و من أهم مطالبه إعادة إيرلندا الشمالية لحضن البلد الأم جمهورية أيرلندا.

في الأخير الكتاب يستحق الأقتناء لمحبين التاريخ بالذات رغم أن الكاتب ظل يعيد ويكرر بأنه لا يمكن تصنيف الكتاب تحت هذا البند، بسبب أن أحداث القصة تمتد إلى عصرنا الحالي والكثير من الأسئلة ما زالت بدون إجابة واضحة لها، ففي إيرلندا الشمالية هذه الأيام الجميع لا يريد ذكر الأفعال التي حصلت خلال تلك الحقبة قد يكون خجل من بعض التصرفات التي ظهرت منهم

بعبارة أخرى:

تشدني كثيرًا كتب المذكرات الشخصية سواءً كانت لشخص عرفته مسبقًا أو لا، في حالة هذا الكتاب لم أكن قد سمعت من قبل عن الكاتبة جومبا لاهيري. كُتب على الكتاب هذا الوصف المبسطصراع الهوية على مائدة اللغةاستنتجت سريعًا بأنه كتاب يبين مدى معاناة الكاتبة الأمريكية من أبوين قد قدما من بنغلاديش وكيف تأقلمت مع كل تلك المتناقضات لكن المفاجأة كانت صادمة، تبين من بعد قرائتي للصفحات الأولى أن الكاتبة تتحدث عن رغبتها في إتقان اللغة الإيطالية بشكل كامل واتخاذها القرار الجريء بمغادرة الولايات المتحدة والعيش في إيطاليا. ذكرت الكاتبة مرارًا وتكرارً أن ما يميز الإيطالية أنها اللغة التي اختارتها لم تفرض عليها كما حصل مع البنغالية من قِبل أبويها أو من خلال الإنكليزية كونها تقيم في مجتمع أميركي

هذا الكتاب ألهمني في علاقتي أنا مع اللغة الإنجليزية فلا أنا التي أتقنتها كاملة لأمارس مهارات عديدة من خلالها ولا يمكن أن أعتبر نفسي لا أعلم شيئًا عن اللغة. الكاتبة تقوللا بد من العوم في أعماق اللغة بدلاً من الجلوس قرب الشاطئ“. شبهت الكاتبة الشاطئ في الجملة السابقة بلغتها الإنجليزية والتي من خلالها تشعر بالأمان تمامًا كما هو الحال بالسباحة بالقرب من الشاطئ بدلًا من الذهاب بعيدًا في الأعماق لأختبار مدى فاعلية السباحة وهو الحال معها في اللغة الإيطالية.

الكتاب خفيف جدًا لغةً وحجمًا هو من نوعية الكتب التي من الممكن انهائها في جلسة واحدةلم يحدث هذا الشيء معيوحتمًا سيوقظ شيئًا بداخلك تجاه مهارة من مهارات الحياة والتي لم تستطع إلى الآن إتقانها على وجه التمام، وقبل أن أنهي الحديث عن هذا الكتاب أردت أن أذكر معلومة أخرى عنه، هذا الكتاب كُتب من قَبل الكاتبة باللغة الإيطالية، إذن قد أجادت جومبا العوم في المياه العميقة.

نقطة التحول:

كيف يمكن لتنظيف خربشات على جدران المترو في مدينة نيويورك أن يخفض من نسبة الجريمة؟ وما الذي جعل أحذية رياضية محلية قادمة من الغرب الأوسط الأميركي ينتشر بسرعة البرق قبل إعلان إفلاس الشركة؟.

مثل هذه اللحظات المفصلية في العديد من القصص ذو الخلفيات المختلفة تحدث فجأة و تعنون كنقطة تحول قد يصعب تفسيرها، لكن مالكوم غلادويل هنا حاول أن يلخص الأمور ويوضحها بإلتقاط العديد من التجارب وإيجاد تفسيرات لها من قِبل مختصين. مثل هذه النوعية من الكتب تشحذ الهمة لأمكانية التغيير في مختلف توجهات الحياة و لدى غلادويل أسلوب شيق ومميز في ربط القصص والحقائق بعضها ببعض، أن كان في عالمنا أشخاصًا يمتلكون قوى خارقة فتلك المهارة هي قوته الخارقة.

لكن يبدو خلال قرائتي لهذا الكتاب قد وقعت في الفخ، ففي الأشهر الماضية زاد معدل قراءتي واستماعي ومشاهدتي لمالكوم غلادويل لدرجة أن أصبحت لا أتفاجأ بمعلومة قد يذكرها، أشعر بأن الأسلوب معروف وينتابني إحساس دائم بأن القصة ذُكرت في مكان ما وأنا الآن أتحمل إعادة الأستماع إليها مرة أخرى، كانت غلطة مني بلا شك في اختيار التوقيت الغير مناسب لقراءة هذا الكتاب، في الفترة القادمة سأحرص على التحرر قليلًا من مالكوم غلادويل على مختلف المنصات المتواجد بها حتى أتمكن من قراءة كتاب آخر له ينتظر على رف مكتبتي لأعيد لنفسي تلك المتعة الرائعة مع قراءة كلماته وربطه المبهر للأحداث.

عالم الأمس:

أن تكون شاهدًا على أحداث غيرت مجرى التاريخ وغيرت الكثير من ثقافة المجتمعات وأن تلاحظها لقطةً بلقطة، حتمًا سيكون أمرًا يستحق أن يروى، أضف إلى ذلك أنك في الأصل كاتب وتعشق الحروف كلغة تعبيرة لما يجول بخاطرك ووسيلة مهمة لتغيير ما يضايقك من أمور طارئة على مجتمعك، فكيف سيكون كتاب ستيفاين تسفايج أو بالأحرى كما ينطق بلغته الأم الألمانية شتيفان تسفايغ؟

أنت هنا أمام كتاب بعتبر أرشيف مهم لفترة حساسة من تاريخ أوروبا، سترقبه من خلال عين المواطن المنتمي لهذه المجتمعات والمعتز كثيرًا بأوربيته والمؤمن أكثر بوحدتها الثقافية، هو المثقف المنتقي لكلماته بعناية لتصل لك جميع المشاعر المختلطة التي أصابت العديد من البشر بمختلف طبقاتهم خلال تلك الظروف الإستثنائية. لن تجد المصطلحات الصعبة والتحليلات السياسية الغير مفهومة والغير مبررة بل على العكس تمامًا ذكر لك بأن الحرب العالمية الأولى حصلت من دون معرفة سبب واحد بعينه، هي هكذا ببساطة حدثت

لأكون أكثر صدقًا في وصف هذا الكتاب سأكتب عبارة معبرة لعلها تكون دافعًا لاقتناء هذا الكتاب وقراءته، لم أستعمل في حياتي قلمهاي لايتبهذه الكثرة كما أستعملتها خلال قرائتي لهذا الكتاب، قد تكون تلك المعلومات المهمة وقد تكون عبارات لها وقع جميل يكاد ينطبق على أيامنا هذه وعلى حالتي الشخصية أيضًا. الكتاب سيلامسك شخصيًا من خلال كل ما مر به ستيفاين تسفايج، تشعر بالقهر أحيانًا وبجمال الحياة أحيانًا أخرى، فهو في أوقات معينة كان متفائلًا جدًا لحاله وأحيانًا أخرى الحياة تصبح سوداوية لا نجاة منها مهما حاول. هي درس من دروس الحياة ستخرج به بعد انتهائك من الكتاب بأن لا شيئ دائم وحاول قدر المستطاع عيش اللحظة دون تفكير مبالغ في مستقبل قريب أو تعلق بماضي قد رحل دون عودة.

كرة صفراء

في أكتوبر الماضي تم الإعلان عن اقامة بطولة استعراضية للتنس في الدرعية  لتصبح بذلك أول بطولة دولية في هذه اللعبة تقام في السعودية، يستحيل جدًا تمكني من وصف الشعور عند سماعي للخبر، كان مزيجًا من فرح وجنون في آن وعدم تصديق للخبر في آن آخر،  كيف لا وهو شعور التجربة الأولى والتي دائمًا ما نظل متمسكين بها لتعطينا متعة الحياة قبل الانغماس في روتينات الأيام المتلاحقة. أول ما خطر على بالي هو من سيكون مشاركًا من اللاعبين الكبار؟ أو كما يحب أن يطلق عليهم عشاق التنس “الكبار الثلاثة” والمقصود هنا المصنفين الثلاثة الأوائل للعبة طوال العقد الماضي: فيدرير، و نادال، وجوكوفيتش.  تم الأعلان عن أربعة منهم و أنا على معرفة قوية بأثنين وهما: فافرينكا و فونيني، وكنوع من التشويق تم التحفظ على الأربعة أسماء الأخرى. لم أطق صبرًا حتى يتم الأعلان عن الأسماء المتبقية فقمت بشراء تذاكر النصف نهائي على أن ألحقها بالنهائي حينها وكلي أمل أن يكون فيدرير من ضمنهم.

في أحد الأيام ركضت زوجة الكاتب الأميركي ديفيد فوستر والس مسرعةً إلى غرفة المعيشة بعد سماعها صرخة مدوية قادمة من زوجها، ظنت بأن سوءًا قد حل به، عند وصولها للغرفة وجدت حبات فشار متناثرة على قطع الأثاث والأرضية ولمحت معها الزوج جالسًا على ركبتيه وقد بدأت عيناه بالتجحظ من هول ما قد رأى، ردة الفعل تلك كانت للقطة قام بها فيدرير ضد اللاعب المخضرم أجاسي في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة عام 2005، المعلق الرياضي واللاعب السابق الشهير جون ماكنرو وصف تلك اللقطة قائلًا “كيف يمكن للاعب أن يحرز نقطة فوز من وضعية صعبة يستحيل معها رد كورة ناهيك عن إحراز نقطة التقدم منها”. يطلق والاس عبارة “لحظات فيدرير” وهو وصف للقطات يقوم بها فيدرير تشعرك بأنه قد قَدم من خارج المجرة، وبالإمكان اعتبار تلك اللحظة واحدةً منها. لطالما كان والاس مغرمًا بالتنس ففي صغره مارس هذه اللعبة حتى فهم تفاصيلها وخباياها ومع مرور السنين وتعمقه في الأدب ظل ذلك العشق لتلك الكرة الصفراء لم يخبت فحرص على مراقبة الأحداث وتحليلها وكتابة مقالات مفصلة لكبرى الصحف والمجلات. كانت أعظم مقالاته تتحدث عن لاعب التنس المميز فيدرير. والاس لخص عظمة فيدرير في عام 2006 بكلمات وجمل كانت سابقة لعصرها كأنها تنبأت مبكرًا بمكانة اللاعب التي سيحتلها فيما بعد، كأكثر رياضي من رياضيي الكرة الصفراء تحقيقًا لبطولات الجراند سلام الكبرى.  

يقول والاس “فيدرير هو أحد أولئك الأساطير واللذين لا تنطبق عليهم قوانين الفيزياء، كمثال آخر على هؤلاء لدينا لاعب كرة السلة مايكل جوردن والذي بإمكانه القفز عاليًا لارتفاعات لم يصل إليها إنسان من قبله والبقاء هناك معلقًا لمدة زمنية ضاربًا بقوانين الجاذبية الأرضية عرض الحائط”. تحركات فيدرير رشيقة تظهر لك بمظهر عدم الأعياء أو بمعنى آخر يقوم بتحريك جسده من دون بذل مجهود، يصفه والاس هنا بالخارق للعادة. وفي أحيان كثيرة يظهر فيدرير بمظهر الأقل أو الأضعف قبل مواجهة الخصم لكن الأمور تسير في عكس الأتجاه دائمًا لصالحه. فيدرير في حديثه القصير مع والاس، ومع المعرفة المسبقة بمشاكل فيدرير الكبيرة منذ الصغر مع الخجل وضعف الشخصية، يبدو غريبًا نوعًا ما أن يتحدث عن نفسه لكنه على الرغم من كل هذا عبر عن طريقة لعبه بكل ثقة بأنها “الجميلة”، يضيف فيدرير: “بعض اللاعبين يمكن اعتبارهم الأقوى وبعضهم الآخر الأسرع وآخرون المهتم بنوعية ضرباته، أما أنا فيمكن التعبير عن أدائي بالأجمل”.

انطلقت البطولة وتم الإعلان عن الأسماء المتبقية للأسف فيدرير ليس من ضمنهم ولا حتى زميليه في المنافسة نادال و جوكوفيتش.هناللك أسماء واعدة يتنبأ لها بمستقبل باهر في التنس مثل ميدفيديف صاحب التصنيف الخامس والصغير في العمر نسبيًا فمن يعلم قد تتاح له فرصة الأنتصار ببطولات جراند سلام كثيرة وبالتالي أكون قد حضرت لأحد أبطال اللعبة القادمين من المستقبل. بالإضافة لكل هذا تظل فكرة مشاهدة مباراة تنس من أرض الملعب جميلة. تم الأخبار عن مواقف محددة لحاضري بطولة التنس والتي يستلزم استخراج تصريح لها في مكان يبعد عن الملعب 17 كيلو، لا بأس لأن المقيم في مدينة الرياض يعلم أن هذه المسافات لا تمثل شيئًا هي جزء من روتين الرحلات اليومية. ذهبت قبل بدء مباريات نصف النهائي بساعة ونصف وعلى امتداد طريق الملك خالد جنوبًا موقع تسليم التصريح ثم امتداد طريق الملك خالد شمالًا حيث موقع المباراة، مسافة الطريق كانت محتملة لكن وكما هو معلوم ضرورة الذهاب للمكان المخصص لمواقف السيارات حتى يتسنى لنا ركوب حافلات نقل تنقلنا لموقع الفعالية، هنا استهلكت طاقتي وصبري. لم أكن أعلم بأن صبري قليل وطاقتي ذو نفاذية صغيرة إلا عند مواجهة هذا الوضع الكارثي، السيارات متراكمة فوق بعضها لم يسألني أحد عن التصريح الذي استهلك وقتًا كان من الممكن استغلاله. تبين لي فيما بعد أن المواقف لم تكن مخصصة فقط لحضور كأس الدرعية فبالإضافة لهم كان هناك حضور الحفل الموسيقي المصاحب وزوار واحة الدرعية، اعتقدت بأن يتواجدوا في مواقف أخرى حتى لا يحصل هذا الازدحام لكن تحليلاتي كانت خاطئة. هذا الخطأ الكبير كلفني فرصة مشاهدة مباراة النصف النهائي الأولى بين مونفيس وفونيني فبمجرد دخولي للملعب، بدأ ميدفيديف وغوفين في عمليات الاحماء. خاب أملي قليلًا ففرصة جعل يومي كاملًا لمشاهدة مباريات التنس تقلص إلى نصفها مع مزاج متعكر. كانت المقاعد غير ممتلئة مجموعة من الناس متناثرين بين أرجاء الملعب، مع أغلبية طاغية للحضور الأجنبي على المحلي، يبدو أن اللعبة ما زالت تعاني من قلة شعبية أو من الممكن أنها لم تتلقى الحملة الإعلانية المناسبة لها.

أعلن حكم الكرسي عن بدأ المباراة، عم السكون المكان أخذ ميدفيديف بالاستعداد لضرب كرته من خلال رميها إلى أعلى بعدها بدأت عملية تبادل الضربات بين اللاعبين. سرعة الكرات المتبادلة من الأشياء التي لا يمكن استشعارها عن طريق التلفاز، هذه المتعة جعلتني أنسى قليلًا شعور التعكير الذي صاحب هذا اليوم لكن ميدفيديف كان مسيطرًا تمامًا على مجريات اللعبة لم يجعل غوفين يتنفس ولو قليلًا خصوصًا إذا أخذنا بعين الأعتبار أن البطولة استعراضية الهدف الأساسي منها هو امتاع الجمهور إلا أن اللاعب الروسي كان حاضرًا بصلابة ذهنية عالية جعلته ينهي المباراة سريعًا ومن دون تبادل طويل للكرات، وفي عرف مباريات التنس تعتبر مباراة غير جيدة ومملة. 

“إذا كنت ممن يشاهد مباريات التنس من خلال شاشة التلفاز، فأنت ببساطة لا تملك أدنى فكرة عن قوة ضربات اللاعبين للكرة وسرعة انتقالها من مكان إلى آخر، والوقت القليل المعطى لهم للحاق بها والتمكن من الوصول إليها والالتفاف بأجسادهم لضربها بقوة ليحرزوا من خلالها نقطة تحسب لصالحهم” 

اقتبس هذا الكلام من حديث والاس عند حضوره نهائي ويمبلدون 2006 بين فيدرير ونادال من أجل إجراء حديث صغير مع فيدرير حتى يساهم في مقالته عن هذا اللاعب والتي ستصدر بعدها بشهر. أقتبس هذه الكلمات وأنا مستشعرة تلك الحروف ومدى جمالية مشاهدة مباراة تنس حيّة من الملعب رغم أن المباراة لم تكن ممتعة والبطولة لم تكن رسمية والخصمان المتقابلان في هذه المباراة لا يعتبرون من الأفضل، ومع كل تلك المعوقات كان الشعور جميلًا. كل هذا يجعلني أتسائل كيف سيكون الأحساس عند حضور نهائي بطولة ويمبلدون؟

مراجع:

كتاب String Theory David Foster Wallace on Tennis

من يقول الحقيقة؟

في الصف أقوم بطرح بعض الأسئلة على طالباتي أحدى هذه الأسئلة يقوم على أساس أن يقرر الطالب ما إذا كانت العبارة الموجودة أمامه حقيقة أم رأي. ويكمن الاختلاف بينهما أن الحقيقة معلومة علمية تم التثبت من صحتها مع ذكرها أثناء … إقرأ المزيد

نكهة إسبانية

p03b2npv

Google

الكلاسيكيات, لها سمعتها الواسعة لعل أحد أهم أسباب هذه السمعة هو عمرها الزمني الكبير والكم الهائل من عدد الصفحات التي تتضمنها, ليس معظمها بالطبع لكن بسبب ارتباط قوي في ذهني بين كلمة كلاسيكي وأدب روسي, روايات مثل الحرب والسلم وأنا كارنينا والجريمة والعقاب كلهم تقريباً تجاوزوا الـ700 صفحة بل ووصلوا على مشارف الـ1000 صفحة هي حتماً حمل ثقيل على من يريد قرائتها. من ناحيتي هناك خوف يجتاحني تجاهها, خوف من الشعور بالملل والخوف من الوقت الطويل الذي سأستهلكه قبل أن أنهيها مما يؤدي لتأخير القيام بقراءة كتب أخرى. من الأسطر الماضية يتضح لكم أن المصافحة بيني وبين تلك الروايات لم تتم, إذاً لماذا هذه المقدمة؟ لأنِ أنهيت لتوي أول 100 صفحة من إحدى الكلاسيكات في الأدب العالمي, ليست لتولستوي أو دوستويفسكي بل هي لكاتب إسباني كُتبت روايته في القرن السابع عشر ميلادي تحت عنوان “دون كيخوت” للأديب ميغيل دثربانتس, تم شراء الكتاب الضخم من إحدى معارض الكتاب هنا في الرياض ليس بالقريب لكن لا أذكر أي عام تحديداً. إلى الآن لازلت مستمتعة باللمسة الكوميدية اللطيفة في أسطر هذه الرواية والجو الكلاسيكي المصحوب بوصف وشخصيات الرواية, بدأت في قراءتها منذ أسبوعين ولا أهتم متى سأنهيها المهم هنا هو الأستمتاع بالرحلة.

وبجو ليس ببعيد عن إسبانيا تابعت مؤخراً وثائقي من الرائعة BBC انتج في عام 2016 من ثلاث حلقات يتحدث فيها المؤرخ والرحالة سايمون سباج مونتفير عن تاريخ إسبانيا الطويل والمضطرب عبر القرون, الوثائقي كان تحت عنوان Blood and Gold – The Making of Spain. كل حلقة اتخذت من عهدِ معين موضوعاً أساسياً لها. لماذا إسبانيا؟ إسبانيا من أكثر البلدان الأوربية غرابة هي بالنسبة لهم وكأنها تنتمي لأفريقيا أما من ناحية الأفريقيين فينظرون لها كبوابة عظيمة توصلهم للجنة المزعومة أوروبا, ما اللذي جعل إسبانيا بهذه الصورة وبهذا النمط المختلف والمتشابه في آن واحد . حتماً هو تاريخ طويل من صراعات لأمم وأعراق وديانات حدثت فوق أراضيها, في البدء كانوا القرطاجيين ضد الرومان بعدهم أتى صراع المسيحيين مع المسلمين ومن ثم الكاثوليك والبروتستانت حتى نصل لآخر صراع والمنتمى للعصر الحديث أبان الحرب الأهلية والمعنون لها بالفاشية ضد الشيوعية.

في الحلقة الأولى تحدث المذيع عن نشأة إسبانيا وكيف استعادها هانيبال القائد القرطاجي المعروف من أيد الرومان وبدأ رحلته الشهيرة لأحتلال روما سالكاً كل الطرق الصعبة والشاهقة من خلال جبال الألب سائراً بجيشه المكون من المقاتلين والفيلة الثقيلة, هذه الرحلة ذكرتني بوثائقي لطيف كنت قد شاهدته قبل سنوات عن 3 من راكبي الدراجات الهوائية اتخذوا خط سير الرحلة كتحد لهم وليختبروا إذا ما كان فعلاً جسداً الإنسان قادر على تحمل هذه الرحلة, نعود لسرد القصة سكيبو القائد الروماني استغل خروج هانيبال من إسبانيا فقرر احتلالها فنجح في ذلك فأصبحت إسبانيا منذ ذلك اليوم رومانية ليست قرطاجية, أوروبية ليست أفريقية.

طارق بن زياد القائد الإسلامي المعروف دخل إسبانيا في القرن السابع الميلادي معلناً حقبة جديدة في عهد هذا البلد, دخلها بعد أن استغاث به حاكم إسباني ضد حاكم إسباني آخر بعد قيام الأخير بإغتصاب ابنته, تذكرني هذه الأسطر بأمر كان ولازال يتكرر عبر التاريخ لا يمكن لجيش أن يحتل بلداً آخر ما لم تكن هنالك مساعدة لهم من قِبل أناس في الداخل. من بعدها أتت قصة عبدالرحمن الداخل الرجل الذي سقط حكم أهله بنو أمية في الشرق ليعيد تأسيسها في الغرب, الرجل اللذي استطاع الفرار من أقربائه العباسيين قاطعاً رحلة طويلة من دمشق إلى الأندلس واستطاع بعدها أن يقيم حكماً لأهله فيها ويؤسس مملكته هناك كل هذا وهو في عمر التاسعة عشر. الداخل الرجل الوسيم كما وصفه مؤرخنا هنا كان ذو شعر أحمر ولا أعلم أهو أحمرار قدِم من صبغة الحنا المشهورة عند العرب أو هو فعلاً ذو شعر أصهب, المذيع علق على قصة عبدالرحمن الداخل قائلاً”هي قصة تشعرك بأنك أمام أحد أفلام هوليوود المليئة بالأكشن والأثارة”, وهي كذلك إذا أطلت التمعن بها. في كل مرة أقرأ عنها أو استمع لبرنامج أو مسلسل يتحدث عنها أجد نفسي منصته ومتعجبه في آن واحد, تدور في خلدي أسئلة كثيرة عن رحلته الطويلة من الشرق إلى الغرب وعن إحساس الوحدة الذي كان حتماً ملازماً له بعد أن فقد كل أفراد عائلته سواءً من عرف منهم أم لم يعرف.

قصة أخرى أرادت أن تكون إسبانيا مسرحاً لها لتروى وهي المعنونة بـ”زرياب” القادم من بغداد, الذي أسس أول مدرسة للموسيقى في أوروبا, وتخصص زرياب معروف إلا وهو العود, فكرة الثقافة الموسيقية التي قام بنقلها من الشرق إلى الغرب كانت من الأولويات التي تحسب له, وانطلاقاً من تلك اللحظة أصبح للموسيقى هواة وباحثين ومثقفين مولعين بها وعالمين بكافة خلفياتها وتفاصيلها.

قرطبة في عهد عبدالرحمن الناصر أصبحت من أعظم المدن في أوروبا أن لم تكن الأعظم, كما ذكر زميلنا المقدم في السطر التالي “وبالمقارنة مع مدن عظيمة كباريس ولندن في ذلك الوقت, لم تكن سوى مجرد قرى صغيرة”.

في أواخر حكم العرب في الأندلس بدأت الدويلات تتشكل والحروب الداخلية بينهم تظهر فيما بينهم معلنة بذلك بداية النهاية لقرون مضت على وجودهم هناك لكن لفت نظري قصة روت في الحلقة عن شخص يدعى EL CID وهي كلمة إسبانية مأخوذة من الكلمة العربية السيد, كان “السيد” قائداً حربياً محنكاً لم يخض معركة إلا وكتب له الأنتصار بها الغرابة لا تكمن هنا بل بمن حارب معه, ستستغربون وتتعجبون أن قلت لكم أنه حارب مع الطرفين الإسلامي والمسيحي بمعنى أكثر دقة كان يحارب مع من يدفع له مبلغاً مالياً أكثر. غرناطة ظلت صامدة كآخر دليل على وجود العرب في شبة الجزيرة الإيبيرية كانت تحت حكم الناصريين كان الرعب يحوم في أجواء تلك المدينة وكدليل على هذا الخوف ذكر المذيع قصة الباب الذي لم يفتح لأي أحد من شدة الظنون السيئة تجاه الزائرين للقصر. إيزابيلا وزوجها فيردناند في شهر يناير من عام 1492 أعلنوا سقوط غرناطة وتبعاً لهذا السقوط بشهرين أمروا اليهود التحول للمسيحية أو مغادرة البلاد, نصفهم تحول والبقية رحلوا وما هي إلا سنوات قليلة بعدها حتى تم اصدار منع للمارسات الإسلامية وتم الإجبار على التحول للمسيحية.

لفت انتباهي مقدم الوثائقي ومعده والذي هو بطبيعة الحال مؤرخ, كان جل كلامه اعجاباً بفترة حكم الأمويين للأندلس ومنتقداً نقداً لاذعاً لمن أتى من بعدهم واصفاً إياهم بالدمويين, لا أعلم دائماً ما كنت استمع للتاريخ من مؤرخينا نحن واللذي دائماً يكون مصاحباً بتبجيل زائد لكل ما يتعلق بنا وتحطيم كل من يخالفه من أمم وحضارات أخرى. من وجهة نظري الشخصية التاريخ يمر بمراحل مختلفة كل بنو البشر مساهمين في علوها تختص بها شعوب وثقافات دون غيرها من فترة لأخرى, لا أفضلية لأحد ولا تنقيصاً من أحد الجميع مساهم ومشارك في آن واحد الأستغراب هذا تلاشى عندما وضح المذيع قصته الشخصية وكونه قد قدِم من عائلة لها جذور يهودية إسبانية أدعت المسيحية في هذه الفترة وظلوا يمارسون ديانتهم في الخفاء, جدته استقرت في المكسيك حتى تبتعد عن الأعين لكن تم اصدار حكم بحرقها بعد اكتشاف ممارستها لليهودية في هذه الأثناء تمكن ابنها من الفرار والتخفي تحت اسم عائلة مختلفة في توسكاني. في هذه الأثناء كولمبوس الذي كان يود الوصول للقدس من الشرق اصطدم في طريقه بأرضِ جديدة.

الحلقة الثالثة والأخيرة من السلسلة كانت تتحدث عن إسبانيا الكاثوليكية (الدموية), لسبعة قرون كانت إسبانيا رومانية ولسبعة قرون أخرى كانت إسلامية والثلاثمئة سنة القادمة ستكون حافلة بالكثير. في العام 1527م الأمبراطور فيليب الثاني واللذي تذكر له قصة غريبة عند ولادته, كانت أمه الملكة ايزابيلا تعاني مخاضاً صعبة لمدة ثلاثة عشر ساعة, طُلب منها من قِبل الأطباء بالصراخ أكثر رفضت بشدة قائلة: “أفضل الموت على أن أصدر أي ضوضاء”.

في صفقة معتادة في ذلك الزمان تم عقد زواج الملكة ماري ملكة انجلترا والملك فيليب الثاني ليصبح بذلك فيليب ملكاً لإسبانيا وانجلترا رغم اختلاف مذهبيهما البروتستانتي لماري والكاثوليك لفيليب, هذه الزواج لم يكتب له الأطفال فبالتالي لا يوجد هناك وريث يرث حكم البلدين. بعد وفاة ماري انتقل عرش انجلترا لشقيقتها اليزابيث ليخرج فيليب خالي الوفاض من هذه الأرض, لكنه قرر غزو انجلترا راغباً في جعلها أرض كاثوليكية كبقية الأراضي التي تقع تحت حكم إسبانيا.

قصة مهمة ذكرت على خلفية الصراع الكاثوليكي البروتستانتي في أوروبا يوم السابع عشر من مارس عام 1623 كان هناك طرق لباب السفير البريطاني في مدريد, رجل انجليزي قدم نفسه كالسيد توماس سميث أصر على محادثة السفير شخصياً, وفي الجانب الآخر من الطريق كان هناك رجل مختبأ في انتظار المقابلة أن تتم. نزل السفير لمقابلة هذا الرجل ليفاجأ بأن توم سميث لم يكن إلا وزير الملك جيمس والرجل المفضل لديه والرجل المختبئ في ظلمة الشارع كان أمير ويلز تشارلز, كلاهما كان متنكراً بلحى مزيفة, الثلاثة أشخاص تناقشوا وتفاوضوا من أجل زواج الأمير تشارلز البروتستانتي من مارينا الكاثوليكية, ذلك الأجتماع مقدمة لحرب ستستمر لثلاثين سنة بين أوروبا البروتستانتية وأوروبا الكاثوليكية.

بعد سنوات طويلة قام نابليون بإحتلال إسبانيا هذا الأحتلال لخص في لوحة لغويا تحت عنوان الثالث من مايو معبرة للثلاثة وأربعين شخصاً اللذين قاوموا القوات الفرنسية وقتلوا نتيجة لتلك المقاومة.

في بدايات القرن العشرين كانت أوروبا تقاوم الفاشية الممتدة عبر أراضيها بشكل سريع, رجل أراد أن يضع بصمته في هذا التمدد عازماً على جعل بلاده واحدة منها مقلداً بذلك ألمانيا والمتمثلة بهتلر وموسوليني المتمركز في إيطاليا, فرانكو كون جيشاً حارب فيه الجمهورية الإسبانية, قائلاً سأحرر إسبانيا بلدة بلدة من أيدي الشيوعيين. بدأت الحرب الأهلية في إسبانيا عام 1936م لتمتد لثلاثة أعوام, وكأي حرب أهلية أو أي حرب ينتشر الدمار والتشرد والجوع كحصاد دائم ومستمر. بلدة الأشباح بالقرب من سرقسطة تركت كما هي منذ تلك الأيام لتكون شاهدة على فظاعة تلك الحرب بجدران مبانيها الممتلئة بطلقات الرصاص فترة كانت عصبية عاشتها إسبانيا تحت حكم فرانكو تحولت بسرعة فيها البلد بعد رحيله لتعود كبلد ديموقراطي من ضمن دول الأتحاد الأوروبي.

خمول


تمر علي فترات في السنة أشعر فيها بأن الطاقة لدي تهبط لأسفل مستوياتها, الطاقة المسؤولة عن الأستمتاع بأبسط الأمور الكفيلة بجعلك في مزاج أفضل. دائماً ما أحاول محاربة هذه الفترات رغم إيماني القوي بأهمية وجودها في حياتنا, مثلما هنالك مراحل تكون فيها طاقة الأبداع والأستمتاع في أعلى مستوياتها يوجد هنالك فترات لمستوى منخفض من تلك الطاقات. ولكن السبب الرئيسي لدي لمحاربتها هو كونها بدأت تؤثر على من هم حولي وأصبحت تضايقهم أو بدأو يشعرون بالتغير الغير محبب.

لمحاربة هذه الأشياء أقوم بأمور بسيطة أولها محاولة تأدية تمارين رياضية مختلفة عن التي أعتدت عليها ,أن كنت من ممارسينها, وإجراء تحديات تخصها. الرياضة أفضل ناقل لك من مستوى نفسي منخفض لمستوى نفسي أعلى لم تتخيل أنك ستصله في يوم ما, الرياضة بجميع أنواعها مشي, ركض, يوغا, زومبا, كمال أجسام, تنس, كرة قدم, كرة سلة أي شيء يتم فيه تحريك جسدك وكافة أطرافك الأربعة هو حتماً مهم.

الأفلام, رغم عشقي اللامتناهي تجاهها وإدراكي بأهميتها ومتعتها إلا أن زيادة مشاهدتها عن المعدل الطبيعي قد يدخلك في حالة من الخمول والكسل, لنجعل مشاهدتها مثلاً في عطلة نهاية الأسبوع بمعدل فيلمين على الأكثر, والحديث هنا ينطبق على المسلسلات أيضاً بل وأشدد عليها بشكل أكبر نظراً لكمية الساعات الكثيرة التي تستهلكها في المتابعة بالمقابل سينتج عنها هدر كبير في الطاقة, ويمكن هنا استثناء الكوميدية منها فتلك لا تجعلك متعلق بها لدرجة تود أن تنهيها بأسرع وقت ممكن, بل هي مجرد تسلية خفيفة في نهاية يوم طويل وشاق.

قراءة الكتب في حالة الركود التي تصيبني أحاول قدر المستطاع الأبتعاد عنها, لأن العقل خامل غير قادر على تحمل قراءة صفحات قصيرة كانت أم طويلة وأن تم قرائتها ستكون على شكل متقطع تجعل من الكتاب الذي أمامي غير مفهوم وغير مستساغ.

الشراء, ليس للملابس بل لكريمات الترطيب وكل ما يتعلق بالعناية بالبشرة. دائماً ما أحاول تغيرها باستمرار حتى لا أصاب بالملل منها وحتى استمتع بتجربة واكتشاف أشياء جديدة. قبل فترة ذكرت كريم خاص لليدين من بودي شوب وقعت في غرامه ظننت بإستحالة استبداله بأي نوع آخر لكن تبدل الحال وحل مكانها منتجات شركة LAINO للعناية بالجسم مع استعمال متقطع لمقشر فرانك برائحة القهوة المميزة, الغريب في الأمر أنِ لا أشرب القهوة مطلقاً لكن أستمتع برائحتها, الذي لم أجد له بديل حتى هذه اللحظة فقمت بتركه لفترات والعودة له فترات أخرى.

قم بعمل غير اعتيادي لمرة واحدة فقط. في هذه الفترة قمت بتصوير نفسي وأنا أغني, رغم خجلي الشديد وصوتي الغير مرضي أصلاً ثم قمت بإرسالها للمقربين مني ردات الفعل التي أتت بعدها كان رائعة فُتحت أبواب للحديث مع أناس قل كلامي معهم وأصبح هنالك تحدي مع آخريات لمعرفة من يملك الصوت الأبشع.

هذه مجرد اقتراحات نفعت معي ولا أعلم أن ناسبتكم أم لا, كل نفس لها ميولها وهواياتها التي تجعلها متميزة عن غيرها ومتفردة بأمور لا يقبل بها سواها, هي خطوات بسيطة أحاول القيام بها للخروج من حالة الركود والخمول التي أصابتني مؤخراً وكما هو واضح جعلتني أبتعد عن الكتابة قليلاً, المقاومة مازالت موجودة للعودة شيئاً فشيئاً للروتين المحبب الا وهو الكتابة.

Another Day of Sun

20130718_084607

Taken By me 2013

أواخر شهر مارس من عام 2013 أخبرني أخي بإقتراح وهو قضاء فترة الصيف في الولايات المتحدة بسبب ترشحه من قِبل عمله لدورة مدتها شهر مع 10 أيام أضافية بإمكانه قضائها هناك, اتذكر حالة الجمود التي أصابتني, سعادة مع استغراب, استغراب لأنِ كنت دائماً مستبعدة فكرة السفر لأمريكا لأسباب عديدة أحدها عدم وجود قريب هناك لأقوم بزيارته, بعد المسافة والتي دائماً ما يتعذر بها والدي إذا ذكرت لهم اسم البلد فقط, فأصبحت زيارة أمريكا مثل الحلم لا أعلم أن كان سيتحقق يوماً ما أم لا, ولأكون أكثر صدقاً كنت مستبعدة هذا الأمر كثيراً, نعود لتلك اللحظة تصوروا رغم معرفتي التامة بالرغبة الشديدة بالذهاب إلا أنني قلت سأفكر, في اليوم التالي وأنا أقوم بعملي المعتاد وهو الشرح للطالبات عن مكونات التربة وعوامل التجوية والتعرية عقلي كان في مكان آخر يعرض صوراً عديدة عن كاليفورنيا ونيويورك ولقطات بانورامية لمدن أخرى طُبعت في ذاكرتي من أفلام كنت قد شاهدتها مراراً وتكراراً. في داخلي قلت بصوت عالي أنتِ مجنونة لما لم تقبلي بالعرض مباشرة لكن هذه الصرخة لم يتمكن من سماعها أحد. عدت مسرعة من بعد العمل لأتصل بأخي وأخبره بموافقتي الأكيدة للذهاب, المضحك في الأمر أنني وافقت ولم أكن أعلم أين هي الوجهة بالضبط في الولايات المتحدة والمعروف عنها المساحة الشاسعة هذه النقطة إلى يومنا هذا عندما استعيدها من الذاكرة أجد نفسي غارقةً في الضحك أكلم نفسي وأقول: ماذا لوكانت الوجهة ولاية صغيرة في الوسط الغربي الحمدالله أن الوجهة كانت كاليفورنيا في مدينة مونتري وتقع بالقرب من سان فرانسيسكو, الأحتيار كان موفق.

شاهدت الأسبوع الماضي فيلم “LA LA Land“, أن كنت من عشاق السينما حتماً اسم الفيلم لن يبدو غريباً عليك, استمتعت جداً بالفيلم, استمتعت لا أعلم اشعر بأن الكلمة مجحفة بحق الفيلم نوعاً ما, دعوني أبحث عن كلمة أخرى تستطيع وصف هذا الجمال؟ للأسف لم أستطع إيجادها. سأحاول قليلاً أن ابسطها أكثر يكفي عندما شاهدت الفلم قمت بإعادة المشاهدة مباشرة, أعتقدت بأنِ وفقت هذه المرة. لن أكتب سرد عن القصة سأذكر وأعبر بالكلمات عن الشعور الذي انتابني مع مشاهدة الفيلم وعند الأنتهاء منه, الفيلم ينقلك لعالم آخر تشعر بإن العالم الحقيقي توقف من حولك ونقلك لقصة واقعية ممزوجة بالقليل من الخيال, كل مشهد هو لوحة فنية رُسمت بعناية, الألوان المختارة, مكان التصوير الذي اقتصت منه تلك المشاهد, تلك اللوحة الفنية ليست جامدة كما هي الحال دوماً, بالعكس هنا مليئة بالحركة والرقصات الخفيفة مضافة إليها موسيقى عظيمة أجزم أنها ستظل عالقة في ذهنك لفترة طويلة (أكتب هذه التدوينة ومازالت تلك الموسيقى والأغاني تصدح في رأسي) عند انتهائك من مشاهدة الفيلم ستشعر بالحنين بسرعة وهو شيء غير معتاد لأنه وكما هو معلوم نحن نحن للأشياء التي حدثت لنا على الأقل منذ سنوات وليس منذ ساعتين, وربما هذا يفسر سبب أعادة تشغيل الفيلم بعد انتهائي من مشاهدته مباشرة. أعجبني أيضاً أن الثيم الأساسي للفيلم هو المكان, كانت لوس انجلوس, دائماً هذه النوعية من القصص تجذبني كثيراً, في الأفلام أو الكتب التي أعشقها أجدها تندرج تحت هذا البند. أشعر بأن من أفضل النعم هو تعلقك بالمكان الذي تسكنه حتى تجعله يسكن بداخلك. آه أشعر بأنِ تكلمت كثيراً عن الفيلم, طوال الأيام الماضية حديثي مع الأهل والصديقات والتغريدات في تويتر في أي مكان أجد نفسي أتحدث عنه. أنا متأكدة بأن الفيلم سيظل أيقونة سينمائية لفترة طويلة وأنا محظوظة كونِ عشت في تلك الفترة عند ظهوره.

يوم الأربعاء السابع عشر من شهر يوليو من عام 2013 كانت المصافحة الأولى لي مع أرض أمريكية وكانت من نصيب مدينة لوس أنجلوس, عندما فُتح باب المطار الزجاجي لتهب معه نسمات لطيفة مع رطوبة منعشة وشمس شارفت على الغروب كانت الساعة تقارب الثامنة مساءً هذه المصافحة أتت بعد رحلة شاقة مدتها 13 ساعة من الرياض لواشنطن ثم توقف لمدة ساعتين ونصف لنحلق بعدها مرة أخرى بإتجاه الغرب ولمدة 5 ساعات, اختصرها الكابتن على حد زعمه وجعلها 4 ساعات ونصف, منظر لوس انجلوس من شباك الطائرة كان جميلاً تلال مرتفعة وخضرة بسيطة مع صخور جبلية وأشجار النخيل الشاهقة, بالتأكيد بعد هذا اليوم الطويل في السماء وبين المطارات جرعة كبيرة من النوم كان لا مفر منها فأجلت المصافحة الفعلية إلى اليوم التالي, صباح الخميس اخترت رحلة بالباص داخل مدينة لوس انجلوس وضواحيها من موقع Trip Advisor صاحب الباص كان ظريفاً جداً عرف عن نفسه بأنه ممثل وكاتب وبالطبع يجب عليه العمل كنادل في أحد المطاعم ليوفر لقمة العيش بالأضافة لهذا الباص السياحي. كانت نقطة الأنطلاق من منطقة سانتا مونيكا الشاطئية أجمل مناطق لوس أنجلوس إلى هذه اللحظة مازالت الصور الرائعة باقية داخل رأسي من جمالها وجمال الطقس فيها, أخذ السائق يدور بنا على مناطق عديدة هوليوود, بيفرلي هيلز ومنازل النجوم والذي بالطبع تحدث عنها بإسهاب لعلاقته بهذا المجال وماليبو المزدحمة والبعيدة نوعاً ما عن لوس انجلوس, ومنتزه غريفيث ومرصده الفلكي حيث المقعد الذي جلس عليه كلاً من ميا وسباستيان وأدوا بجانبه أحدى رقصاتهم الجميلة.

داميان شيزيل مخرج الفيلم أحب بشدة أن يذكرنا بأن السينما هي فرصة جيدة للأنسحاب قليلاً من الحياة والتحليق في عالم الخيال الممزوج بالواقع أو دعونا نصفها بالأحلام, في الفترة الأخيرة قلت هذه النوعية من الأفلام والدليل تسميتها بالكلاسيكية. الجميل أن المخرج من مواليد عام 85م أي أكبر مني بعام ومازال عقله متعلق بتلك الحقبة, شخص من جيلنا, الجيل الذي أتى معه عصر الفضائيات والأنترنت وعالم التقنية ومازال متمسك بهذه الأمور بل وأضاف عليها بعض اللمسات العصرية لتجعلها تبدو أكثر حداثة  ولا يظهر الفيلم مجرد حنين للأفلام الكلاسيكية, أعتقد أنه سيثري السينما بقادم أفلامه حتماً, شيزيل أصبح من المفضلين عندي مع  وودي آلان و ويس أندرسون وريتشارد لينكليتر.

Cuatro

Uno

في الفترة الماضية استمعت لمذكرات فيل نايت مؤسس نايكي عبر تطبيق Audible, بسبب تفضيلي لسماع المذكرات على قراءتها وهنا أتحدث طبعاً عن الأنجليزية منها نظراً لندرة الكتب العربية الصوتية, الكتاب ممتع جداً, حتى أن لم تكن شخص مولع بالتجارة أو تريد خوض مغامرتك الخاصة فيها هذا الكتاب سسيتوقفك حتماً عند أسطره. لا أنكر أنِ شعرت بالملل في بعض الفصول خاصةً المتعلقة بالقضية بينه وبين الممول للأحذية من اليابان في شركته الأولى Blue River, لكن شغفه وتعلقه بالركض جعلته ملم بكل مايتعلق بالأحذية الرياضية ومنها إلى الأتجار من خلالها, صفة الولع بالركض لدى نايت هي من جعلتني مستمعه جيده للمذكرات (شيء مشترك بيننا). جونسون ونايت الصديقان , بدأ كل شيء من البداية شهدا التحديات والصعوبات من البداية معاً, صحيح أن جونسون كان يعمل لدى نايت من فرع الشركة في كاليفورنيا لأن موقع الشركة يقع في ولاية أوريغون, لكن تلك العلاقة تستحق تركيز انتباهك عليها. جونسون شخص شغوف ظل يمد نايت بأفكار لتصاميم أحذية, أفكار لطرق توزيعها, أفكار لتوسيع رقعة تجارتهم لكن كل هذا كان يقابل بالصمت من قِبل نايت ,لا تعليق, لا تأكيد ولا حتى رفض كان جونسون يختم رسائله بقول ” أحتاج إلى تشجيع أكبر أو قل لي هل هذا الأمر رائع أم سيء” وفي كل مرة نايت يكتفي بالصمت بعد فترة قال جونسون لنايت طريقتك في إدارة الأمور جعلتني حراً أكثر أتخذ قراري بنفسي أفكر في أمر ما وأقوم بفعله على الفور دون أن أنتظر الموافقة من أحد. طريقة إدارته للعمل لفتت انتباهي هل فعلاً بتلك الطريقة تجعل الموظفين من غير قيود, يتخذون قرارات مصيرية ومهمة دون الرجوع إلى رب العمل أم هي عشوائية كُتب لها النجاح بالصدفة؟

الكتاب الثاني كان ورقي وأنهيته قبل مذكرات نايت ولعلي ذكرته في تويتر للمتابع لحسابي هناك بل واقتبست منه بعض الأسطر, الكتاب يصنف ضمن الكتب التاريخية التصنيف العشق بالنسبة لي, تحت مسمى “الموت في فلورنسا” للكاتب بول ستراثيران الكتاب يقع في أكثر من 600 صفحة من القطع المتوسطة ويتحدث بإسهاب عن عائلة ميديتشي وتأثيرهم الكبير في عصر النهضة من مسقط رأسهم في فلورنسا لجميع أنحاء أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي, لم يكتفي الكاتب بذكر عائلة ميديتشي بل انتقل إلى صراعهم مع سافونارولا مؤسس المسيحية الجديدة أو بما معناه المسيحية من العهد القديم قبل أن تلوثها أيدي كهنة وباباوات الكنيسة الكاثلوكية على حسب رأيه.

الكتاب ممتع كُتب وسرد بطريقة الرواية عنصر الملل والفتور اللذان كانا يصيبانك عند قراءة الكتب التاريخية سيختفي في هذا الكتاب, صراعات العوائل وتحالفاتهم, عائلة ميديتشي بسلبياتها وإيجابياتها وتأثيرها على المدينة وعلى أوروبا بشكل عام, وأيضاً ظهور لفناني ذلك العصر مثل ميكيايل أنجلو وليوناردو دافينشي وبوتشيلي وغيرهم كثير جميعها مغريات لقراءة الكتاب والأستمتاع به.

إذن الكتاب أنصح به وبشدة لكل مهتم بالتاريخ وخصوصاً معرفة بداية عصر النهضة في أوروبا, ولن أنسى الصراع الذي تلا هذه الأحداث صراع العلمانية مع الدين (الصراع الأبدي).

Dos

صباح الأثنين الماضي عرض حفل الغولدن غلوب, شخصياً أنا مغرمة بمثل هذا النوع من الحفلات ابتداءً بالأوسكار إلى الإيمي وانتهاءً بالغولدن غلوب وغيرها كثير, ليس الأهتمام لمعرفة من سيربح الجائزة ومن سيهزم (رغم انها تضيف الحماس لا أنكر هذا) أو ماهي الكلمة التي سوف يلقيها الفائز بالجائزة وسوف تندرج تحت أي موضوع سياسي مناخي فكاهي, لا ليس لهذه الأسباب بل لأجل الجو المصاحب لمثل هذه الحفلات كنوعية الفساتين التي ترتديها النجمات لتسريحات الشعر الكلاسيكية أو الجريئة منها للمجوهرات المشعة أمامنا من خلال الشاشة, أعشق تتبع هذه الأمور ولم لا الضحك على بعض الأطلالات الغير موفقة (سارة جيسكا باركر كان لها النصيب الأكبر).

في هذا الحفل لفت نظري بشكل كبير طلة إيما ستون, الفستان بقصته الكلاسيكية  والنجوم المطرزة على القماش  والعقد الذي أضاف جمالية أخرى , تسريحة الشعر الناعمة, أحسست بكمال هذه الطلة لا يهمني رأي مجلات الموضة وخبرائها كل اللذي يهمني عندما رأيت الفستان والهيئة لأول مرة هل أعجبتني أم لا؟ الجواب نعم أعجبتني بشكل كامل.

Tres

أسبوعان مضيا وأنا أحاول تأدية التمارين الرياضية وتطبيقها مباشرة من اليوتيوب, وأحياناً أخرى من خلال بعض الأوراق التي تشرح بعض التقنيات والحركات اللازمة لأنواع مختلفة من الرياضة. أعترف بفشلي في تأدية الرياضة في المنزل منفردة , أمر يصعب تحقيقه الوضع مختلف عما كان عليه في النادي بمعية فتيات أخريات ومدربة تصرخ لكي توقظ الحماس بداخلك والجو العام المحيط بك كلها دوافع تجعل من الرياضة أمراً ممتعاً.

سبب تحولي من النادي الرياضي إلى المنزل هو انقضاء فترة اشتراكي الممتدة لـ8 أشهر متواصلة في ديسمبر الماضي, لن أدعي بأنِ كنت من المواظبين على الذهاب أسبوعياً ففي بعض الأسابيع أجد نفسي احضر من ثلاث لأربع أيام في الأسبوع وبعضها الأخر أتغيب عن كامل الأيام, ولكن تقضية الوقت هناك كان شيئاً ممتعاً والنتيجة واضحة على الصعيدين النفسي والبدني, لا أعلم أشعر بأن فكرة العودة تراودني ولكن مازال المبلغ المبالغ فيه من وجهة نظري عائقاً كبيراً لكن سأمهل نفسي مدة أطول لعلي أغير نظرتي تجاه التمارين المنزلية أو حتماً يجب علي العودة للنادي.

Cuatro

التغيرات المناخية, الأحتباس الحراري, لعلها أكثر الجمل التي تتكرر على مسامعنا هذه الأيام , أتذكر جيداً المرة الأولى التي لفت انتباهي هذا الموضوع بسبب الوثائقي الخاص بآل غور “An Inconvenient Truth” لن أنسى حماسي عندما قمت بالتسجيل في الموقع الخاص به لمعرفة آخر التطورات ولم لا التطوع  في بعض الأمور, ما زلت إلى الآن أتلقى الإيميلات من الموقع لتطلعني على آخر المؤتمرات المنعقدة وأهم القرارات الصادرة بشأن تلك التغيرات المناخية, لكن هل قمت بعمل شيء, لا.

سبب تطرقي لهذا الأمر هو عنوان الكتاب القادم الذي أنوي القيام بقرائته خلال الأسبوعين القادمين (نعم أحد أهداف العام الجديد  ان أقوم بقراءة كتاب كل أسبوعين) يحمل عنوان “مستقبل الماء” من تأليف إريك أورسينا كُتب في تعريف الكتاب

بالنسبة إلى إريك أورسينا لن تحصل أزمة مائية شاملة تطال العالم بأسره بصورة متزامنة, إنما أزمات محلية وإقليمية متفرقة  فالأحتباس الحراري سيؤدي بالأحرى إلى رفع كمية الماء الإجمالية على الأرض. لكنه سيفاقم بشكل مأساوي إنعدام المساواة على صعيد مناطق العالم فبعضها سيواجه فيضانات عارمة, وبعضها سيعاني من جفاف متزايد

إذاً حتماً الموضوع سيكون شيقاً أتمنى أن أستمتع مع هذا الكتاب وأن أنقل لكم ملخصاً لأهم ماورد فيه إذا أعجبني طبعاً.

تجربة أولى

r4hx5jsrrpz2fm7j

Google

للقطار سحره الخاص, أو على الأقل بالنسبة لي, بداية معرفتي بهذا الشيء اتضحت أمامي بعد أن قمت بعمل قائمة لأجمل الأفلام التي شاهدتها أو الكتب التي قرأتها. كمثال سلسلة Before  للمخرج ريتشارد لينكليتر وفيلم رحلة الأخوة داخل الهند لويس أندرسون تحت عنوان The Darjeeling Limited هذا من ناحية الأفلام أما من ناحية الكتب لا أنكر انبهاري برواية التحول للكاتب الفرنسي ميشيل بوتور حيث أن جل الرواية تقع في رحلة قطار من باريس إلى روما.

حسناً روايتي الواقعية التي سأسردها في الأسطر القادمة تشابة تلك الخيالية في رواية بوتور كلانا كان نقطة الأنطلاق بالنسبة له محطة غار دي ليون في باريس لكن الوجهة النهائية تختلف, في قصتي تنتهي في كان بينما في خيال بوتور تصل لروما, لا أنكر رغبتي الشديدة بأن يكون خط سير الرحلة  باريسفلورنساروما, لكن قدر الله وماشاء فعل. (خصوصاً كوني كنت ضمن رحلة عائلية فغالباً الأمور لا تسير على حسب رغبتك بل على رأي الأغلبية).

سأحكي القصة من البداية, في مطلع شهر يوليو أي قبل موعد الرحلة بشهرين تم حجز التذاكر ألكترونياً من موقع voyage sncf اخترت اليوم والزمن ونوع القطار وبدأت بتعبئة بيانات المسافرين ولسبب ما لا أعرف ماهو أدخلت تاريخ ميلاد والدي بشكل خاطئ, كتبت سنة الولادة صحيحة لكن الشهر كان خاطئاً, بصراحة أنتابني خوف شديد خصوصاً أن فرنسا شهدت في الأشهر الماضية أعمالاً إرهابية ومازالت تحت بند حالة الطوارئ, أخذت الأفكار تأتي وتذهب جميعها في الأتجاه السيء, لا بد أن أفعل شيئاً لأصلاح هذا الخطأ قمت بكتابة ايميل للموقع موضحة لهم الخطأ الذي ارتكبته وعن امكانية تصحيحه من قِبلهم, لم يأتي الرد. تذكرت أخي الذي كان عائداً للتو من رحلة في أسبانيا والبرتغال مرتحلاً بين مدنها بالقطار أو بالسيارة, قمت بسؤاله عن الأجراءات قال لي بالحرف الواحد ” لا أحد يقوم بالتدقيق في تلك الأمور كل مايهم بالنسبة لهم أن تكون في يدك التذكرة فقط” ارتحت قليلاً لكن الشك رجع يراودني مرة أخرى بأن تلك إسبانيا وهذه فرنسا, الأوضاع الأمنية هناك غير مقلقة بينما هنا متوترة جداً.

مرت الأيام والأسابيع إلى أن أتى اليوم الموعود, صباح الجمعة 2/9/2016, فيعد قضاء أسبوع كامل في باريس بدأنا بترتيب رحلة الذهاب لكان عن طريق القطار الرحلة كان محدد لها بأن تنطلق في الساعة 10 والثلث صباحاً نقطة الأنطلاق كان محطة غار دي ليون وهي محطة بُنيت قديماً أبان معرض أكسبو الذي أقيم في باريس عام 1900م اشتهرت المحطة ببرج الساعة الخاصة بها والموجودة في الساحة الخارجية ولعل ما جعل سمعة هذه المحطة أكثر توهجاً كان مطعم  “Le Train Bleu” والذي اشتهر بتقديم الوجبات للمسافرين منذ عام 1901م, عند دخولك للمحطة تشعر بعبق التاريخ بين جدرانها, ولعلها سمة بارزة في باريس كلها وليس المحطة فقط, للأسف مكوثي في المحطة لم يتعدى النصف ساعة نظراً لتأخرنا بعد أن علقنا في زحام مروري قبل الوصول لها.على ما أذكر وصلنا في الساعة العاشرة إلا ربع ذهبت مسرعة لجهاز الخدمة الذاتية باحثةً عن معلومات الرحلة كموقع الرصيف الذي سينطلق منه القطار وتأكيد موعد الأنطلاق , لم أجد شيئاً ذهبت للشخص المتواجد عند مكتب المعلومات سألته عن رحلة القطار رقم 6175 والمتوجهة لكان, قال لي نعم لنيس ستظهر بعد قليل على الشاشة, في العادة قبل 20 دقيقة, أنا مازالت تحت وقع كلمة نيس. قلت: نيس. قال: نعم الرحلة تنتهي في نيس وتقف في خمس محطات وكان هي المحطة الرابعة. أعتقد أن هذا التشويش الذي أصابني كوني شخص غير معتاد على السفر بالقطار بشكل عام, كما قلت هي تجربة أولى.

ظهر على الشاشة رقم الرصيف لقطار رحلتنا كنت خائفة من أن يكون في الطابق السفلي, فمع حمولة كثيرة ذات حقائب ثقيلة يعتبر مجرد التفكير فيه مرهقاً, لكن حمداً لله وجد الرصيف في نفس الطابق الذي نقف فيه “الرصيف رقم 2”, مع ذكر رقم الرصيف يذكر بجانبه ايضاً معلومات لمواقف المقطورات, مقصورتنا كانت تحمل الرقم 7 وجدت في الموقف H بالمشاركة مع المقطورة الثامنة. حسناً تم الذهاب سريعاً مع أناس كثر, وكما أتضح لي انها احدى أوقات الذروة, أغلبهم كانوا يحملون حقائب ظهر أو حقيبة يد من الحجم المتوسط, الجميع على عجلة من أمره القطار يتحرك خلال 10 دقائق نظرت نظرة خاطفة على حقائبنا وأحجامها الكبيرة في تلك اللحظة علمت بأن الرحلة لن تكون سهلة بدأنا في التوجه لبوابة المقطورة , دخلنا داخل القطار يجب علينا الآن الصعود للطابق العلوي, الطابق العلوي!!.

نسيت أن أخبركم بأمر, عندما قمت بحجز التذاكر من الموقع الذي قمت بذكره سابقاً وددت أن استقصي عن مدى مصداقيتة قبل أن أأكد الحجز. اخترت موقع Trip Advisor لأنشر هذا الأستفسار جاءني الرد من شاب انجليزي يؤكد لي بأن الموقع جيد بل هو الأفضل وذكر لي نصيحة بأن الرحلة تكون على متن احدى قطارات شركة TGV كونه الأسرع والأحدث ولوجود ميزة خاصة به ألا وهي وجود طابق علوي يتيح لك التمتع بالمناظر الطبيعية, نعم المناظر أليس هذا هو الهدف الأساسي من السفر بالقطار, في تلك اللحظة عملت بنصيحة الشاب وتم حجز أربعة مقاعد متقابلة في الطابق العلوي. نعود الآن إلى تلك اللحظة في داخل القطار أبي كان يسأل أين هي مقاعدنا قلت في الأعلى. في الأعلى!! لن أنسى تلك النبرة أبداً كون الحقائب أتعبتنا في حملها وتبقى لنا صعود درج ضيق يكاد يفوق ما عانيناه من تعب قبل هذا اللحظة. كأنِ أراه يقول هذا جنون لكنه لم يقلها. لا أعلم أحسست وقتها بالدموع تملأ عيني عندما نظرت لهذا السلم الماثل أمامي ومن خلفي عائلتي وخلفهم أناس يريدون أن يكملون طريقهم بسرعة قبل أن يغلق القطار أبوابه, استجمعت قواي وبدأت في حمل الحقيبة أمامي درجة درجة من بعدي أتى والدي ثم أمي وشقيقتي وابنائها الأطفال, لم يستطيعوا حمل الحقائب قفام شاب فرنسي بمساعدتهما (جزاه عنا كل خير) ذهب بالحقائب صعوداً ونزولاً ثم وضعها في المكان المخصص لها. بدأت الآن في البحث عن المقاعد, كون أنِ شخص مهووس بتنظيم الأمور كنت أحفظ المقاعد عن ظهر قلب لكن لزم التأكد للمرة الأخيرة نظرت نظرة خاطفة على التذاكر حسناً المقطورة السابعة المقاعد 91,92,93,94 نظرت للشاشة أعلى البوابة كتب عليها COACH 7 جيد نحن في المكان الصحيح قمت بضغط الزر يدوياً حتى يتم فتح الباب ثم أشحت بالنظر بعيداً لأعلى بدأت الأرقام تظهر 84,86,87,91 اخيراً وجدتها, لكن لسوء الحظ كان هناك امرأة عجوز وابنتها أو لا أعلم من تكون يجلسان على 2 من المقاعد متقابلتان بشكل عكسي. ارتبكت قليلاً لوهلة حتى ظهر صوت والدي من خلفي قائلاً: أتلك هي مقاعدنا أجبته بـ لا أعلم. قال: كيف؟ وأثناء حديتنا الامرأتان مازالتا جالستين أمامنا لم تحركا ساكناً وفي نفس اللحظة أتى الشخص المسؤول عن التذاكر وعن أمن القطار سألته أتلك هي مقاعدنا؟ نظر إلى التذاكر وإلى الأرقام الموجودة في الأعلى وقال: وي. في تلك اللخظة نهضت المرأة العجوز مبتسمة وقالت لي بلكنة أمريكية: سواح؟ قلت: نعم. قالت: من أين؟ قلت: السعودية. قالت: مرحباً بكم في فرنسا. ثم ذهبت للمقطورة الأخرى, لم أستطع ربط تلك اللكنة مع الترحيب وكأنها من أهل البلد. أسلوبها لم يعجبني حتى مع وجود ابتسامة عريضة على وجهها.

حمداً لله استقرينا في مقاعدنا وبدأ القطار في التحرك وبدأت أنا في تأمل المسافرين, في الحقيقة القطار لم يكن ممتلأً تحديداً في المقطورة التي أجلس فيها, المقاعد التي بجانبي جلست فيها امرأة عجوز لوحدها تاركةً ثلاث مقاعد خالية اثنتان أمامها وواحدة بجانبها ما أن بدأ القطار في التحرك حتى أخرجت عدة حياكة الصوف وبدأت تحيك, كأنه روتين اعتادت عليه منذ زمن طويل, مر الوقت وبدأ القطار في الخروج من مدينة باريس وبدأت تظهر معها المساحات الخضراء الشاسعة, قطعان خراف تأكل من العشب, أكواخ مهجورة, أعمدة كهربائية طويلة كلما مررنا بمنظر خلاب أبطأ القطار من سرعته ليتسنى لنا رؤية المنظر بتمعن ولما لا ألتقاط الصور. بعد مرور أكثر من ساعة بدأت معالم مدينة بالظهور, وبدأت معها حروف كبيرة بالأبيض على لوحة مستطيلة الشكل بالبروز شيئاً شيئاَ من بعيد, تحت هذه اللوحة أناس كثر ينتظرون أن تفتح البوابة وما أن فُتحت حتى دخل نصفهم والنصف الآخر كان مودعاً لهم بدأ الركاب في الظهور بين أروقة المقاعد, جاءت امرأة شابة في مقتبل العمر ذو شعر غامق اللون ترتدي الجينز وتي شيرت أسود وصلت للكرسي المجاور لي أمام تلك السيدة العجوز التي تحيك الصوف, وقفت بجانب المقعد وأخذت تنظر بعينيها بإتجاه الباب وكأنها تنتظر أحدهم ثم فتح الباب وأتى رجل شاب متوسط الطول ذو جسم رياضي ولحية كثيفة وانضم للفتاة. ثم أتى شاب آخر يوحي من هيئته أنه مهووس بالتقنية (كلنا مهووسون) طويل القامة, ذو شعر أشقر حليق الذقن عيناه تبرزان خلف نظارة طبية, والسماعات منغمسة داخل أذنيه والأصابع تنقر باستمرار على لوحة مفاتيح الهاتف الجوال, أتى ووقف بالمقعد بجانب المرأة العجوز وأمام الشابين العاشقين وقف قليلاً ثم تكلم مع المرأة بالفرنسية يبدو وكأنه سألها عن رقم المقعد الخاص بها تكلمت معه ثم أخرجت التذكرة لتطلعه على رقم المقعد وتأكد له أنه مقعدها صمت قليلاً وبدأت ملامح الأستغراب تتضح على وجهه ثم جلس بجانبها وهو غير راضي, مما فهمته أن كلاهما لهما نفس المقعد, لا أعلم لماذا خطر على بالي العجوز الأمريكية ربما كنا نعاني من نفس المشكلة.

مر الوقت وبدأ العاشقان في الغزل, شعرت بأن الرجل “القيك” كان متضايقاً من خلال تعابير وجه وطريقة جلوسه التي ما أنفك يغيرها كل دقيقة حتى نهض من الكرسي واختفى ظننت أنه كان ذاهب لدورة المياه حتى مضى وقت طويل لم يظهر فيها. بعدها بوقت ليس بالقصير ذهبت أنا بدوري لدورة المياه لأجده يقف بجانب الباب متكأً على عامود حديدي يحمل الحقائب وبيده هاتف الجوال لا أعلم لماذا ضحكت, لهذه الدرجة كان متضايق من وجودهما لم تتأكد لي هذه الجملة إلا بعد أن توقفنا في المحطة الثالثة قبل النزول لكان حين عاد للمقعد ليجلس فيه مرة أخرى, بعد نزولهما في تلك المدينة, بجانب المرأة العجوز حائكة الصوف. أم لعل هناك سبب آخر لا أعلم؟.

منعاً لذكر تفاصيل مملة سأقفز سريعاً لرحلة العودة, صباح يوم الأربعاء 7/9 كنا أكثر خبرة هذه المرة ومتأهبين لتعب قادم, أي أنه لم يحصل مباغتاً, بعد أن استقريت في مقعدي وبدأت بالتركيز في ملامح وجوه من حولي لفت انتباهي عائلة مكونة من الأب والأم وأبنائهم, اثنان أعمارهم تتراوح بين الخامسة والسابعة تقريباً, يرتدون قمصان المنتخب الألماني مع والدهم أعتقدت بأنهم ألمان إلى أن تحدثت الأم مع أطفالها بلغة فرنسية, معقول أنهم فرنسين ولكنهم معجبين بالمنتخب الألماني, مضى وقت بسيط حتى سمعت الأب يتحدث إليهم باللغة الألمانية. آه الآن اتضحت الصورة الأب ألماني والأم فرنسية. كانوا من أكثر الناس لطفاً وأدباً, أبنائهم كانوا يريدون متابعة اللعبة التي تلعبها ابنة أختي على جهاز الأي باد استأذن الأب طالباً أن كان بإمكان ابنه الجلوس بجانبها لمتابعة اللعبة. طبعاً لا مانع ردت أختي بسرعة. أشاهدهم أمامي ليس بينهم أي لغة مشتركة سوى هذه اللعبة التي بين أيديهم يتحمسون معاً ويغضبون معاً, ظل الأب طوال هذا الوقت يعتذر بأن ربما كان الأبن قد ضايقكم, رددنا عليه بالعكس اضاف جو من المرح على الرحلة. في محطة الوقوف الأولى دخلت فتاة لتقف أمامنا ثم تحدثت مسرعةً بلغة فرنسية, لا أفهم الفرنسية بالطبع لكن توقعي كان بأنها تريد أن تسأل عن المقاعد التي نجلس عليها, لأننا جلسنا في مقاعد مختلفة عن ما ذكر لنا في التذكرة بسبب زوج وزوجته كبار في السن شعرنا بالخجل من أن نوقفهما من مكانهما والكراسي الأربعة بجوارهما كانت شاغرة, رددت على الفتاة بالأنجليزية شارحة لها الموقف ردت مرة أخرى بالفرنسية, قمت بالرد عليها بأن تلك مقاعدنا ذهبت وجلست هناك. كان أغرب حديث خضته, لغتين محتلفتين عن بعضهما لكن الحياة استمرت. نعود لزوج والزوجة الأنجليز, ظل الزوج ممسكاً بكتاب يقرأ فيه وكل ما سنحت الفرصة يريها بعضاً منه, أظن أن الكتاب كان يتحدث عن القطارات في أوروبا, أستنتجب بنفسي أنهم في رحلة في  أرجاء أوروبا بالقطار كأنه نوع من رحلات مابعد التقاعد. حتماً ستكون هذه أحدى خططي المستقبلية.

 

ملاحظات عن السفر بالقطار:

  • القطار يسبب دوار بعد نزولك منه تظل يوماً كاملاً تشعر بأن الأرض تهتز من تحتك.
  • اجلب مشروبات ومأكولات خفيفة معك داخل القطار, الأكل داخله لا يعول عليه.
  • حاول أن تكون رحلتك في القطار لأشخاص قليلين في العدد, كبار السن والأطفال سيتعبهم القطار حتماً.
  • الحقائب, الحقائب, كل ما قل وخف وزنه.