هيدروجين وهيليوم

في البدء مُلئ الكون الفسيح بعنصري الهيدروجين والهيليوم. لم يستفرد الهيدروجين بالكون لوحده بل أراد أن يستأنس رفقة عنصر آخر يشابهه إلى حد ما في العديد من الصفات. شجع هذا الأمر غاز الهيليوم ليقدِم على الخطوة الأولى، دون أن يفرض نفسه، بعد علمه برغبة الطرف الآخر المندفع إليه. قَدِم كمؤنس لوحدة الهيدروجين مفتخرًا بما سيحظى به من مكانة عزيزة داخل أعماق ذرته. أقاما معًا سنين عدة دون أن يشاركهما أحد، كل ذلك الفضاء الفسيح فُرغ لغاية إحداث التقارب فيما بينهم. ألا إن هذه الخلوة لم تدم طويلًا بعد قدوم أشقاء آخرين من بقية العناصر المختلفة، إحداها كان غاز الأكسجين والذي لم يتوارى عن إظهار عظمته في إعطاء معنى للحياة، ظل الخليلان غير قادرين على توريدها. 

تصل إلى المطعم لتجد طاولات مربعة الشكل وأن طالت قليلًا ستصنف كشكل هندسي يعد مستطيلًا. من الواجب ملء أبعاد هذين الشكلين بمقاعد تضفي فائدة على الجماد ذي القوائم الأربعة، هذه المقاعد تأتي مصاحبة لنظير لها أما ملاصق أو محملق بها دون أن يرمش في الجهة المقابلة منه. تخدر أطرافك في عملية البحث عن مقاعد ذات عدد فردي فإن وجدتها ستتيقن من وجود خلل ما عن طريق تحريك هذا المقعد الشاذ بواسطة أحد الزبائن ليلائم عدد الرفقة المصاحبين له. تبزغ بعض النوادر عن تلك الصورة المرسومة من خلال تواجد بعض الطاولات الدائرية والتي تسمح بتواجد عدد فردي. بيد إن كُتب لأحدى هذه المقاعد الوحدة وجب نقلها صوب رفيق متواجد على طاولة أخرى يترقب قدومه ليسَيِّر معه الوقت لحين انتهاء وجبة الطعام لقاطنيهم.

رغبت في حضور مسرحية غنائية. قمت بالإطلاع على موقع حجز التذاكر لتحيلك بدورها إلى صفحة اختيار المقاعد. تم اختيار الصف المرغوب به، والذي كان خاليًا. تُفاجئ برفض إكمال العملية بسبب مقعدِ خاوي تراءى بينك وبين مقاعد أخرى مُلئت بواسطة أشخاص آخرين. تتساءل مُتَعَجِبًا عن الذنب الذي اقترفته حتى تضطر لشراء هذا المقعد الشاغر لتستلم بعدها تذاكر المسرحية، وما المشكلة في خلو مقعد في صفك. أيعد مستحيلًا أن يشغله شخص ينوي شراء تذكرة واحدة، وما المعضلة في أن يظل المقعد وحيدًا.

تعود بعد انتهاء يومك الطويل لذات الغرفة التي غادرتها صباحًا. تحاول أن تستلقي على السرير المخصص لشخصين ألا أنه شُغل بك وحدك. تتساءل هل سيُقبل الهيليوم عليك كما فعل مع الهيدروجين لغاية تعديل المعادلة. تلك المعادلة التي ما انفكت تسطع أمامك في كل لحظة من تفاصيل يومك على شكل عدد زوجي، في تذكير مستمر لعقب أخيل الملتصق بك. يتردد صدى مجهول المصدر بنبرة يعتريها الكثير من لوم النفس قائلًا “أنت المسؤول وحدك عن تلك الوحدة، لا تنتظر قدوم الهيليوم بل أسرع أنت ناحيته”. يطيل هذا الصوت في إلحاحه ما وطد العزم عليه. تمسك مسرعًا بالقشة المنجية لك بعد تذكرك لمَقدم الأكسجين والذي من شأنه أن ينغص عليك خلوتك مع الهيليوم، إذن فلا داعي لاستعجال حضوره.

ثلاث نخلات

من نافذة المقهى تقف ثلاث نخلات على التوالي، يبلغ طول كل واحدةٍ منهم مترين أعلى من سطح المنزل المحتضن لهم، حتمًا عندما ابتاع صاحب المنزل تلك النخلات الثلاث لم يدرك تلك الحقيقة العلمية البحتة، بأن تلك النخلات تنتمي لتصنيف المخلوقات الحية والتي يزداد حجمها مع مرور الزمن إلى أن تقرر أن لا جدوى من التضخم معلنةً رحيلها عن هذا العالم.

كانت أقلهم حظًا من اتخذت جهة اليمين، فملامح الجفاف تبدو عليها بدرجة اكبر مما يظهر على شقيقاتها، فعلى ما يبدو أنها فقدت جميع سعفها في منظر يكاد أن يكون غريبًا على نخلة، لكن ظروف الحياة لم تكن على الشكل الذي رغبت به، وكل خططها وأحلامها تبخرت عندما اجتاحها الجفاف. الوسطى بخير، إن قارناها بمن حولها، فهي مصابة أيضًا ببعض الجفاف لكن على الأقل ما زالت محتفظة بالسعف المتيبس على رأسها، تحمد الله كثيرًا ان مصيبتها أهون بكثير من غيرها وهذا من شأنه أن يبث الطمأنينة بداخلها لتترك معها المحاولات الجادة في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من الجسد المتشبث على هذه الأرض. النخلة اليسرى تبدو مختلفة قليلًا عن الأخريات ومتمردة نوعًا ما، فالمسافة التي تفصل بينها وبين زميلاتها في السكن أطول مما هي عليه الحال، فعلى ما يبدو أنها تحبذ الاختلاء بنفسها لتتمكن من صقل شخصيتها بعيدا عن أعين الأشباه. حالتها الصحية تبدو مستقرة فجميع أجزائها على قيد الحياة لكن المشكلة التي تعصف بهم جميعًا متواجدة بوضوح على هيئتها. 

الجفاف، بدأ في التوغل داخل جسد كل واحدة منهن منذ اليوم الأول لمجيئهم، لا تسعفهم الذاكرة كثيرًا في مسألة أين كانوا وكيف أصبحوا هنا، لكن تظهر بعض الصور القادمة من الذاكرة حاملةً معها مكانًا ذو طقس مختلف، مع الكثير والكثير من الأمطار والمزيد من الحرارة، وكنتيجة حتمية لتلك الظواهر تبرز الرطوبة العالية كوصف دقيق لما كان عليه الحال في ذلك المسكن البعيد.

نصيب تلك النخلات الثلاث حنين لمكان لم يعد موجودًا رغم الشعور به، هذا الحنين عادةً ما يؤدي لحزن لا يُعرف له علاج، فهذا المكان الغريب لا يعطي النخلات الثلاث ما اعتادت على أخذه داخل وطنهم الغامض. تتملكهم الرغبة بالمغادرة وتحدي كل المستحيلات العديدة والتي تبدأ بعدم قدرتهم على الحركة وتنتهي بعدم معرفة خط الوجهة. مع بدء النية بخوض تلك المغامرة، تهب رياح عاصفة محملة بالأتربة لتزيد من منظر الحاجة الملحة للماء بشكل أكبر على محيا النخلات الثلاث وتثقل كاهلهم بصعوبة المهمة المرغوبة. 

اليأس، بدأ بالتوغل بداخلهم، كانت اليمنى أكثر من شعرت به نظرًا لكثرة ما تراكم عليها من مصائب والتي لا تنفك أن تظهر إحداها حتى تستدعي الأخرى. المتمردة اليسرى ما زالت عزيمتها ظاهرة رغم هذا العارض المفاجئ والذي ظهر من دون سابق إنذار. الوسطى ما زالت حائرة لا هي في موقف صاحبة اليمين ولا في موقف صاحبة اليسار تشعر بعدم رغبتها في المغادرة في ذات الحين التي تجد نفسها مصممة على التحليق بعيدًا عن هذا المكان.

 اهتزازات خفيفة يفصل بينها ثواني معدودة قبل أن تعاود الحدوث مرة أخرى، وفي كل مرة تزداد شدتها لتعلن معها الرغبة الملحة لصاحب المنزل في تعجيل الأمر والانتهاء منه في أقرب فرصة. الرغبة لدى النخلات الثلاث مرتفعة من أجل المقاومة، لكن الإمكانات التي بحوزتهم لا تسعفهم إلا بالقليل الذي لا يمكنه مجابهة هذا التغير الكبير.بدأت الثلاث نخلات بالشعور شيئًا فشيئًا بالخدر ومعها بدأت الأمور تتضح أكثر، فالحياة التي لم تعجبهم بتاتًا على استعداد تام لطردهم جميعًا منها. على الرغم من الرغبة في التوديع المرغوب به لهذا المكان إلا أنه لم تتصور واحدة منهن أن يكون بهذا الشكل البشع.