فصل التيار

تود بشدة فصل التيار الكهربائي الموصل بجهاز العرض والمتمركز داخل دماغها، والذي ما انفك مقلقًا سكينتها من خلال تشغيل مقاطع مصورة لا ترغب في رؤيتها. بيد أنه يأبى ألا أن يجبرها على المشاهدة الكاملة. يصيبها الضيق في كثير من الأوقات، والحماسة المعيبة في أحيانِ أقل. كان له ميعاد ثابت، أو بالأصح ميعادان. يبدأ في البث عند الخلود للنوم مع إعادة ما تم عرضه، رفقة مشاهد إضافية، عند الاستيقاظ منه. مذكرًا إياها بالواقع الذي لم يحصل، نسمة الحياة التي تفتقدها أن استيقظت. كانت تلك اللقطات الواردة هي وحدها المصدر المحفز لخلقها. فتلك الآلة لم تكن سوى عبد مطيع لما تأمر به رغباتها. 

تجد نفسها تارةً وقد اضطجعت على كرسي وثير داخل شقة تقبع في مدينةِ مختلفة عن المدينة التي تقطنها. والباعث لذلك المشهد هو حالة الانسحاب الملازمة لها دومًا والتي تتنامى لها في جميع الحالات. لا يهم أن كانت سعيدة أم لا، فرغبة الانسحاب تقتات على أحلام يقظتها بالكامل. هنالك متعة تعتريها عندما تتخيل مرحلة البدء من جديد، هي بارعة في فترة البدايات مخفقة في إيجاد خَاتِمَات

ضربت موعدًا الليلة لقتل المسبب الأول لتلك الحالة، الخيال. اختارت الليل لاصطباغه بالعبوس. يصعب عليها تخيل عملية قتل تحدث في وضح النهار رفقة حزمة ضوء مشعة تعبر النافذة الزجاجية فاضحة أفعالها المشينة. ذلك أمر مستبعد. دون الإغفال عن ميزة قلة الشهود المتواجدين بالقرب من مسرح الجريمة، غرفتها، والذي من شأنه أن يوقع بها عن طريق سرد الأحاديث لعملية القتل كاملةً إلى ضابط الشرطة المناوب تلك الليلة، لتجد نفسها وقد سُحبت لساحة الإعدام.

جهزت السلاح، مسدس. كانت تلك المرة الأولى التي تتلمس فيه تلك الآلة، لم تختبر بعد مدى صلاحيته. ظنت أن إبطال حركة الهدف يفي بالغرض. وجدته مهجورًا في غرفة والدها الراحل، والذي طالما تباهى بخبراته المتعددة في الأسلحة النارية، حربية كانت أم مخصصة لصيد بعض الحيوانات السائرة. تلت دعاءًا بالرحمة لوالدها. رغم غرابة حضوره. ألا أنها أرادت أن تثبت لروحها مدى نقاء سريرتها. وحتى تطرد الشؤم الحائم حولها، والذي تولد لاإراديًا رفقة الظروف الراهنة.

 قبل حلول منتصف الليل، شرعت قدماها في جر الجسد المنهك ناحية السرير. انضمت يداها في عملية الانخراط نحو الانسلاخ من عالم اليقظة، وذلك عندما باشرت في التحليق ناحية المفتاح الكهربائي. انطفأ ضوء الغرفة لتلتحق بهم العينان في عملية التحول. وجدت نفسها متأهبةً للغوص في أعماق النوم. قلقت من أن يحدث خلل في الخطة المرسومة بدقة. أعادت سرد تلك الخطوات واحدة تلو الأخرى، في تسلسل شبيه بقطع دومينو صُفت بعناية في انتظار لحظة السقوط الأولى. تلك الهنيهة تخشى أن تفلت من قبضتها. تذكرت براعته في التخفي، فهو لم يتجسد لها من قبل. جل ما يصله منها تهيؤات يزرعها داخل العقل. 

بدأت الشحنات الكهربائية في التوافد لمعقلها المعتاد، منذرةً بوصول الهدف المنشود. تحت اللحاف، كانت يداها قابضة بشدة على المسدس. تحاول أن تبقى متيقظة رغم جرها رُوَيْدًا رُوَيْدًا ناحية ذلك الشريط المصور، والذي يتعين عليها مشاهدته. تخشى أن يجرها هذا الأمر لرؤيته كاملًا مما يعني تجلي النهار وتبدد خطتها المرسومة. لا ترغب في خوض محاولات أخرى لإنهاء تلك المهمة، هي هذه المرة لا غير “أما أنا أو هو”. 

أدركت خطواته المتأرجحة داخل الغرفة، هي المرة الأولى التي تستمع فيها لوقع تلك الخطوات، تلك حتمًا بركة الدعاء في تحقيق المعجزات. حاولت جاهدةً فتح عينيها حتى تتمكن من رؤيته إلا أنهم تمنعوا فيّ الانصياع للأوامر. في خطوة واضحة لإعلان التمرد والانضمام لصفوف العدو. لم تبالِ بتلك الاضطرابات المزعزعة لاستقرار الخطة. أحست بأنها لا تزال المسيطرة على أهم عضو في تلك العملية، يداها. بيد أن رعشة بدأت تسري في عروقها البارزة عند الكفين، حركة لا إرادية يصعب التحكم بها قد تؤدي لعواقب وخيمة في دقة تصويب الهدف المنشود. تمالكت نفسها لتجد قبضة اليد قد اشتدت متحركة صوب وجهة معلومة. لم تقاومها، على الأرجح لم تتمكن من ذلك فهي عند تلك اللحظة قد بدأت في الانتقال لعالم آخر لم تكن اليقظة مرادفًا لها.

أيقظتها صوت الطلقة. صوت قوي كاد أن يخترق طبلة أذنها. حاولت أن تنهض من السرير، قاومت بشدة قوة مضادة لم ترد لها النهوض. أبى جسدها أن يستيقظ. تاهت عيناها في بحث دؤوب عن الجثة، لم تجدها. لمحت المسدس بالقرب من السرير محاطًا بدماء قريبة منها. تتبعت مجرى ذلك السيلان، بطريقة معاكسة، حتى تصل للمصدر. كل لقطة تقربها أكثر فأكثر ناحية جسدها. كانت قد نسيت بأن الخيال يقبع داخل رأسها، وأن قتله هو حتمًا يعني قتلها.

مسبح مهجور

وقف الأب المنتشي بقرب نهاية منجزه الأعظم، والذي لم يكن الأوحد، بافتخار كبير ناحية ما صنعته يداه مجازًا. فبعد مرور ثلاثين عام لنشأة عائلته، لازمته خلالها هواجيس بناء المنزل وتملكه كاملًا، محتلة بذلك كافة تفاصيل حياته اليومية وخيالات عز الظهيرة. تلك الملحمة مرت عبر مراحل، بدأت تتشابك خيوطها عند لحظة اختيار الموقع لتتم معها عملية شراء الأرض البكر. صحيحُ أن تلك اللحظة  كانت سابقة لأوانها، فلم يراد بها أن تؤدي إلى بناء منزل الاستقرار لكن شاءت الصدف وضع تلك الأرض أمام ناظريه بعد أن عرضها زميل له في العمل أدعى أن الأراضي الآن تعد في أسعارِ لا مثيل لها ولا يمكن أن تعاد تلك الفرصة مرة أخرى، فالوضع العام لا ينم عن استتباب، بالأخص مع دق طبول الحرب. “اشتريها الآن لأقوم ببيعها لاحقًا” نطق بتلك العبارة داخل جوفه لتتخذ معها تلك الأرض موقعًا على خارطة المستقبل تجاه ما يعتزم رسمه في ذلك العالم. رغب في إلقاء نظرة على تلك الأرض، دله الزميل لمسار تلك الرحلة، عجل في اتباع الخطوات إلى أن وصل للنقطة المنشودة، تفحص بناظريه المكان رغم تشابه اللوح المحيطة بالموقع. اراضي صحراوية لم تخطط بعد، مليئة بصخور ذات تراكيب مبعثرة لا ترمز لشيء ذو قيمة. هبت رياح أواخر الصيف اللاهبة على وجنتيه كعادتها في تلك البقعة بعد إطالته للحظة الوقوف، غمره احساس برسوخ تلك اللقطة، رغم عدم كماليتها، آمن بشدة أن تلك الأرض لن تمر مرورًا عابرًا في حياته. هي حتمًا ستصبح مسكنه الدائم.

الاستمرارية، كلمة مُحيت تمامًا من قاموسه. أصبح هاجس الاستقرار بعيد المنال بالنسبة له، فمنذ الصغر لم يعرف مسكنًا يليق بمصطلح “منزل”، يذكر أحيانًا أماكن طينية ضيقة عديمة الضوء داخل بلدة نائية لا ذكر لها في الخرائط. ظلت والدته تردد على مسمعه عن ضرورة مغادرة هذا المكان وإلا تم لهم الفناء. تبرز الفرص في البلدة المجاورة لذا يستلزم الرحيل عن تلك الحفرة. حمل هو ووالدته الأمتعة القليلة مرتحلين صوب تلك البلدة العظيمة. لم تتغير الحال كثيرًا في البدايات فقد ظلت تلك المساكن الطينية تبزغ حينًا بعد حين، ألا أنه بعد ما أشتد عوده تمكن هو من تأسيس عائلته، لتنزح معها فكرة المنزل الأمثل ومحاولاته الدؤوبة معهم في إحداث تلك المعجزة. ظل هو وعائلته التي تتوسع مع مرور الأعوام يتنقلون من منزل إلى آخر كلما تقدم بهم العمر. شقة صغيرة في عمارة تابعة لمقر عمله تعد متنفسًا مثاليًا لعملية ادخار الأموال نحو البيت الأمثل. ومن تلك الشقة تنتقل العائلة ناحية شقة شبيهة بها لكن في عمارة مختلفة، إلا أن هذا الأختلاف لم يُلحظ أبدًا حتى في رؤية الصور الملتقطة من تلك المرحلتين بعمق. تشابه غريب لا يميز تلك الفترات المختلفة بأي سمة سوى ببعض الحوادث المفتعلة من قبل الأطفال/المراهقين على جدران تلك الشقتين، فمن خلالها تمكن الأب من التمييز بين معالم المنزليين. “كم هي رتيبة تلك المناظر” لم يجد تعليقًا أفضل من ذلك لوصف ما التقطته عيناه عبر تلك الصور. 

استحوذ تصميم المنزل على معظم يومه، فتراه متنقلًا بين مكتب مهندس وآخر بحثًا عن التصميم الأمثل. والذي عُد إيجاده صعبًا في ذلك الزمان داخل مدينته، هو أمرُ يشبه إلى حد كبير استخراج الذهب في أرض افتقرت لها منذ عقود. هو في رحلة دائمة لاستقصاء الكمال، لكن ظل الكمال دومًا مبتعدًا عنه. منزل بطابقين رفقة قبو تتمكن فيه العائلة الممتدة في ذلك الحين من إقامة احتفالاتها ونجاحات أفرادها. “مسبح، لا بد من وضع المسبح” رغم رفاهية تلك الفكرة ومع الوضع المالي المحكوم بأطر وقيود قادرة على منعه من التفكير في تلك المتع. رغم كل هذا أصر على طرح هذا المقترح على مسمع المهندس المكلف لتلك المهمة. 

بدأت العائلة في زيارة موقع المنزل رغم عدم اكتماله بعد، فبعد مرور ستة أعوام على بدء عمليات البناء، وستة أعوام تسبقها منذ شراء الأرض. باتت معالم اللحظة الختامية تتضح أكثر وأكثر لتبرز معها ملامح المنزل السعيد. رغم اختفاء بعض أعضاء المنزل نظير انتقالهم لمنازل أصغر في رحلة تكوين عائلاتهم الخاصة، إلا أن المشهد كان فاتنًا بالنسبة للأب، فكل شيء وضع في موقعه الصحيح والذي يليق به. تم الانتقال بسرعة بالغة مقارنةً بما مر به المنزل من عمليات تشكيل انتقيت بعناية فائقة، لم تتبلور تلك اللحظة كما أرادها الأب فالأبناء المشاركين في تلك الرحلة لم يشعروا بفارق يذكر ناحية تغير مسكنهم، فعملية النوم مرت بسلام كما كان معتادًا في المنزل السابق. أحبط الأب قليلًا إلا أن هذا الأمر لم يهبط من عزيمته في الفرحة الكبرى المتمثلة في الانتقال لمسكن دائم. 

المسبح، منذ تبديل عنوان السكن لم يقم الأب بملء حوض السباحة المبني بإصرار منه رغم اعتراض المهندس على هذا المقترح، ناهيك عن المواصفات التي اتخذها لشكل المسبح. كان عميقًا لدرجة يصعب معها السباحة بداخله إلا من قِبل محترفين بتلك الرياضة أو على دراية بسيطة بها وهو ما كان مفقودًا لدى ما تبقى من أبنائه. “لن أسمح بحدوث هذا الأمر أتريد أن أفقد أحدهم داخل تلك البركة العميقة” ظلت الزوجة عازمة على رأيها والذي بني على خوف وقلق يليق بأم جل ما تحسنه في هذه الحياة حماية أطفالها وأن بلغوا من الكبر عتيًا. لم يكترث لتهديداتها عاقدًا العزم على ملء المسبح، لتبدأ معها جولات الترويح التي طالما تخيلها منذ بدايات تشييد هذا المنزل ولحظة رسم المخططات الورقية له. أصبح الصيف، أو بالأصح الفصل السابق للصيف، أيامًا ممتعة لا نظير لها ينزع الجميع فيها غطاء الاحترام المصطنع لتنتشر بذلك عفوية لا تؤدي لضرر ظل تصور قدومه ملازمًا لمخيلة كبار العائلة.

مرت السنون البسيطة لتزداد معها عمليات الخروج من بوابة المنزل، ليستبدلوا بأحفاد تقل مدة مكوثهم داخل المنزل على نقيض آبائهم المتواجدين خلال ساعات اليوم كاملة. تم مضاعفة القلق القابع داخل صدر الأم على جميع الأبناء ناحية أطفالهم، خصوصًا الإناث منهم. صراخ وعويل رفقة تهديد للاحفاد بعدم الاقتراب من المسبح، والعمل على إغلاق الباب المؤدي له حتى لا يسقط أحدهم عند قدومهم في أيام العطل. بدأت ملامح المسبح تبهت ليس في أوقات تقلب الطقس ناحية البرودة بل امتد ناحية الأشهر المفضلة للقيام بالسباحة. فرِغ من الماء وأصبح مجمعًا لحبات الرمل المتطايرة بين الحين والآخر. تتكفل الجدة بمهمة تنظيف ما يعلق بداخله رغم عدم عقد النية في ملئه بالماء مجددًا، صار موقعًا أثريًا رغم عدم اكتمال الشروط اللازمة لتحويله لذلك. 

يستيقظ الجد من نومه فزعًا، يرتب حاجياته الأساسية داخل حقيبة اليد المعدنية. يصرخ مناديًا الجدة بسرعة إخبار السائق بتجهيز السيارة حتى يتمكنوا من الذهاب لمنزلهم. فهذا المسكن يشعره بالغربة، لم يعد مألوفًا بالنسبة له. يستغرب تلك التصاميم والسلالم القريبة من باب غرفته. غرفته التي بات الوصول إليها صعبًا وغريبًا، فمن هو الغبي الذي قام بوضعه داخل هذا الموقع تحديدًا، حيث يصعب الوصول إليه في رحلة الذهاب من مدخل المنزل صوبه. لما بذل كل تلك المشقة لقطع المسافة الطويلة في حين كان بالإمكان وضعه بالقرب من المدخل.  ترد الجدة في ضجر بعد تكرار حدوث ذلك الأمر مرات عديدة، ألا أنها هذه المرة قررت مواجهته بطرح سؤال يشغل بالها قائلةً: “عن أي منزل تتحدث، هذا هو منزلنا ولا نملك غيره”. ينظر إليها باستغراب، متسائلُا عن امتلاكها كل تلك الثقة للرد عليه بأن ما يقف بداخله الآن هو “منزلنا”. فهذا المبنى لا يعلم  عنه شيء. كأنه اقتلع من أرضه المألوفة جهة تلك التربة العجيبة. أيعقل أن يبني شخص داخل مسكنه مسبح بهذا العمق، ومن أين أتته فكرة المسبح فهي لا تلائم نمط حياته ولا حتى وضعه المادي. من هو الغريب الذي أدخل هذا الدخيل داخل أرضِ تجزم شريكته أنها ملكه.

بقرة السيدة أوليري

في إحدى ليالي شهر أكتوبر الباردة، وفي مرعى السيدة أوليري، كانت إحدى البقرات تعاني ألمًا حادًا داخل جسدها. وبطبيعتها الحيوانية لم يكن منها ألا أن تقاوم هذا الألم بالتحرك يمينًا و يسارًا، مع محاولات حثيثة في رفع باطن القدم إلى الأعلى في آملًا منها في ركل شخص متخيل تجسد لها في صورة الألم. بالطبع لم تصب تلك الركلات المسبب الحقيقي لتلك الأوجاع التي تأن منها، لكنها في المقابل أصابت فانوسًا مشتعلًا كان قد وُضع بالقرب منها. فما كان من هذا الفانوس إلا أن لبى مطالب البقرة معلنًا نشوب حريق ألتهم كل ما يصبو أمام عينيه. 

ظلت مدينة شيكاغو مضاءة ليومين متتاليين في حادثةِ قلما ظهرت. لم تكن تلك هي الإضاءة المنشودة والتي يرغب سكان مدينة الرياح في قدومها حتى تملأ لياليهم بالدفء، بل على العكس تمامًا كانت قد اتصفت بكونها مدمرة ومهلكة لكل ما يملكونه من أماكن إيواء، وعتاد مخزن. وبعد انطفاء الحريق أُهلكت أرواح أو ذبُل بريقها.

36 ساعة كانت كافية لتغير مظهر المدينة الصاعدة لتتحول بعدها إلى خشب مكوم وأجساد ملقاة وطرقٌ قُطعت أوصالها حتى ما عادت تفي بالغرض الرئيسي من تشييدها. عُمم اللون الأسود على كافة أرجاء المدينة بشكل قسري ومن دون استشارة لقاطنيها ومعها خيم الحزن على جميع ساكنيها.

كان لا بد من إلقاء اللوم على أحد وجعله المسبب الرئيسي للكارثة، صحيحٌ أن المدينة ظلت معرضة بشكل متواصل لحرائق متفرقة، حيث تم تسجيل ثلاثة حرائق في الأسبوع الذي سبق الكارثة، إلا أن أحدًا منها لم يصل للنتائج البشعة التي توصل لها حريق شهر أكتوبر. نُقلت الأحاديث بين الأفراد عن إصابة السيدة أوليري بالاكتئاب الشديد نتيجة إحساسها بالذنب لما فعلته بقرتها داخل المزرعة والذي عُد ضمنيًا الشرارة الأولى للحريق الهائل. كان هذا الفعل كافيًا لإلقاء اللوم الكامل على السيدة متناسين الفوضى التي تعم المدينة من أكوام الخشب الملقاة والمستعدة دومًا لأن تخدم أي حريق مفتعل مهما كان بسيطًا. لكن كعادة بني البشر حين تتملكهم الرغبة في جمع كل الأسباب وتكويمها على هيئة كرةً ثقيلة وإلقائها على ظهر الشخص الأول ومن تشير إليه أصابع الظنون.

بدأت العقول تصطنع قصصًا حول حقيقة ما جرى تلك الليلة لتتمكن بعدها من محاكمة السيدة أوليري، فأحدهم ذكر أن السيدة كانت هي المسؤولة عن إلقاء الفانوس على الأرض بسبب حالتها الغير مستقرة نظر احتساءها كميات كبيرة من الكحول، ومتحدث آخر يجزم أنها أخفت جميع الأدلة التي تربط تورطها بتلك الحادثة. أحد الجيران ادعى أنه رأى الدليل القاطع على إحداث ذلك الحريق والذي كان الفانوس المحطم لكنه أقسم أنه سُرق بواسطة رجال آخرين.

ومن أجل الدفاع عن نفسها و لتزيح عن كاهلها ذلك الحمل الثقيل، أوضحت السيدة أوليري أن الحريق قد يكون مفتعلًا لكن ليس من قِبل بقرتها بل بواسطة جماعة إرهابية مرتبطة بكومونة باريس حتى أن قصيدة نُشرت في صحيفة الفضائح النيويورك بوست تدعي اعتراف ذلك الشخص بافتعال الحريق الضخم:

خرج هذا الطائر من رماد باريس

ليحلق بقمة مشتعلة فوق المحيط

آتيًا بالبلاء لملكة الغرب.

 

في العام 1997 تم تبرئة السيدة أوليري من الذنب الملصق بها حول افتعال بقرتها حريق شيكاغو العظيم، لكن لا السيدة أوليري ولا بقرتها كانا من ضمن حضور جلسة التبرئة في مجلس مدينة شيكاغو.

ثلاث نخلات

من نافذة المقهى تقف ثلاث نخلات على التوالي، يبلغ طول كل واحدةٍ منهم مترين أعلى من سطح المنزل المحتضن لهم، حتمًا عندما ابتاع صاحب المنزل تلك النخلات الثلاث لم يدرك تلك الحقيقة العلمية البحتة، بأن تلك النخلات تنتمي لتصنيف المخلوقات الحية والتي يزداد حجمها مع مرور الزمن إلى أن تقرر أن لا جدوى من التضخم معلنةً رحيلها عن هذا العالم.

كانت أقلهم حظًا من اتخذت جهة اليمين، فملامح الجفاف تبدو عليها بدرجة اكبر مما يظهر على شقيقاتها، فعلى ما يبدو أنها فقدت جميع سعفها في منظر يكاد أن يكون غريبًا على نخلة، لكن ظروف الحياة لم تكن على الشكل الذي رغبت به، وكل خططها وأحلامها تبخرت عندما اجتاحها الجفاف. الوسطى بخير، إن قارناها بمن حولها، فهي مصابة أيضًا ببعض الجفاف لكن على الأقل ما زالت محتفظة بالسعف المتيبس على رأسها، تحمد الله كثيرًا ان مصيبتها أهون بكثير من غيرها وهذا من شأنه أن يبث الطمأنينة بداخلها لتترك معها المحاولات الجادة في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من الجسد المتشبث على هذه الأرض. النخلة اليسرى تبدو مختلفة قليلًا عن الأخريات ومتمردة نوعًا ما، فالمسافة التي تفصل بينها وبين زميلاتها في السكن أطول مما هي عليه الحال، فعلى ما يبدو أنها تحبذ الاختلاء بنفسها لتتمكن من صقل شخصيتها بعيدا عن أعين الأشباه. حالتها الصحية تبدو مستقرة فجميع أجزائها على قيد الحياة لكن المشكلة التي تعصف بهم جميعًا متواجدة بوضوح على هيئتها. 

الجفاف، بدأ في التوغل داخل جسد كل واحدة منهن منذ اليوم الأول لمجيئهم، لا تسعفهم الذاكرة كثيرًا في مسألة أين كانوا وكيف أصبحوا هنا، لكن تظهر بعض الصور القادمة من الذاكرة حاملةً معها مكانًا ذو طقس مختلف، مع الكثير والكثير من الأمطار والمزيد من الحرارة، وكنتيجة حتمية لتلك الظواهر تبرز الرطوبة العالية كوصف دقيق لما كان عليه الحال في ذلك المسكن البعيد.

نصيب تلك النخلات الثلاث حنين لمكان لم يعد موجودًا رغم الشعور به، هذا الحنين عادةً ما يؤدي لحزن لا يُعرف له علاج، فهذا المكان الغريب لا يعطي النخلات الثلاث ما اعتادت على أخذه داخل وطنهم الغامض. تتملكهم الرغبة بالمغادرة وتحدي كل المستحيلات العديدة والتي تبدأ بعدم قدرتهم على الحركة وتنتهي بعدم معرفة خط الوجهة. مع بدء النية بخوض تلك المغامرة، تهب رياح عاصفة محملة بالأتربة لتزيد من منظر الحاجة الملحة للماء بشكل أكبر على محيا النخلات الثلاث وتثقل كاهلهم بصعوبة المهمة المرغوبة. 

اليأس، بدأ بالتوغل بداخلهم، كانت اليمنى أكثر من شعرت به نظرًا لكثرة ما تراكم عليها من مصائب والتي لا تنفك أن تظهر إحداها حتى تستدعي الأخرى. المتمردة اليسرى ما زالت عزيمتها ظاهرة رغم هذا العارض المفاجئ والذي ظهر من دون سابق إنذار. الوسطى ما زالت حائرة لا هي في موقف صاحبة اليمين ولا في موقف صاحبة اليسار تشعر بعدم رغبتها في المغادرة في ذات الحين التي تجد نفسها مصممة على التحليق بعيدًا عن هذا المكان.

 اهتزازات خفيفة يفصل بينها ثواني معدودة قبل أن تعاود الحدوث مرة أخرى، وفي كل مرة تزداد شدتها لتعلن معها الرغبة الملحة لصاحب المنزل في تعجيل الأمر والانتهاء منه في أقرب فرصة. الرغبة لدى النخلات الثلاث مرتفعة من أجل المقاومة، لكن الإمكانات التي بحوزتهم لا تسعفهم إلا بالقليل الذي لا يمكنه مجابهة هذا التغير الكبير.بدأت الثلاث نخلات بالشعور شيئًا فشيئًا بالخدر ومعها بدأت الأمور تتضح أكثر، فالحياة التي لم تعجبهم بتاتًا على استعداد تام لطردهم جميعًا منها. على الرغم من الرغبة في التوديع المرغوب به لهذا المكان إلا أنه لم تتصور واحدة منهن أن يكون بهذا الشكل البشع.