كيف ترى العالم؟

out of africa

يتم الإنصات يوميًا إلى عدد الإصابات الجديدة لمرضى الكورونا أو ما يعرف بفيروس كوفد 19 كجزء من حملة التوعية بهذا المرض واستشعار المسؤولية من قِبل الكل بلا إستثناء. لعل هذه الجائحة لامست مشاعر الناس كثيرًا وأضافت شعورًا بمصير واحد لكل سكان الأرض، إحساسٌ بأن الكل واحد والجميع مشارك من أجل القضاء عليه. لغة الأختلافات بين البلدان والثقافات ومن هو الأكثر تطورًا ومن مازال خلف ركب التقدم، جميعها معايير اختفت وظل الجميع سواسية في كيفية الإصابة بهذا الفيروس وربما حتى بكميات الإصابة والتشافي. إذن هل نحن بالفعل نعيش في عالم منقسم لمتطور حضاري وعالم آخر نامي لا تتوفر فيه سبل الحياة الكريمة، هل مازال مصطلح “هم” و “نحن” يصح استعماله في أوقاتنا الحاضرة؟.

في مشهد من أحد أفلامي المفضلة ومن بطولة ميريل ستريب وروبرت ريدفورد “Out OF Africa”، والذي تمتلك فيه كارين الارستقراطية أرضًا في أفريقيا ويقع تحت أمرتها العديد من الأفارقة مع عوائلهم. كانت كارين حريصة بشدة على جعل هؤلاء السكان أكثر تحضرًا على حد زعمها فكانت تقترح على دينيس، وهو مغامر أمريكي قِدم إلى أفريقيا حبًا في طبيعتها و لممارسة هوايته المحببة الصيد، بناء مدارس لهم لكي يتمكنوا من القراءة والكتابة غضب دينيس من هذه الفكرة قائلًا لها لا تفكري بالنيابة عنهم أجعليهم هم من يقرروا مصيرهم لا تقومي بفرض ثقافتك عليهم نحن هنا مجرد عابرون. استحضرت هذا المشهد كثيرًا عند قراءة كتاب “الإلمام بالحقيقة” لهانس روسلينغ، عالمنا لم يعد ذو اختلافات كبيرة أو كما يطلق عليه بمسميات مثل الشرق والغرب أو دول العالم النامية ودول العالم المتقدمة، هذه الاختلافات كانت موجودة ولازالت أيضًا لكن العالم لم يستوعب بعد حجم التطور الهائل الذي خطته معظم الشعوب، لازالت تلك الصورة القديمة تسكن العقول مغيبةً عنهم العديد من الحقائق الجميلة و المبشرة بمستقبل أفضل. 

فكرة تأليف الكتاب أتت لهانس في حوارته مع الطلبة، دائمًا ما يصر طلبته على وجود حدود وفروقات بين دول إقامتهم وأماكن العيش المختلفة في العالم، فحين تم ذكر معلومة عن أن وفيات الأطفال تزداد وتبلغ ذروتها في المجتمعات القبلية في الغابات المطيرة، وبين المزارعين التقليدين في المناطق الريفية النائية، قفز أحد طلاب هانس ليقاطعه قائلًا “هؤلاء لا يمكنهم أبدًا أن يعيشوا مثلنا” وتم دعمه من قِبل جميع الحاضرين لتلك المحاضرة بإيماءة من رؤوسهم. قام هانس بطرح عدة أسئلة على هذا الطالب وعن ما يقصده ب”هم”؟ ليبدأ الطالب بالتبرير ومدافعًا عن نظرته بأنه يقصد الناس في البلدان الأخرى، وبما أن موقع هذه الحادثة كان في السويد قاطعه هانس باستنتاج أنه يقصد بذلك جميع بلدان العالم غير السويد نفى الطالب تلك العبارة بتفسير أكثر وضوحًا بأنه يقصد البلدان غير الغربية. استاء هانس كثيرًا لتلك الأوصاف فدائمًا ما يزرع الإنسان بداخله غريزة الفجوة و تقسيم الأشياء إلى فريقين متضادين في كل شيء: الأغنياء والفقراء الغرب والشرق. أراد الدكتور هانس روسلينغ إيضاح الحقيقة كاملةً وتوضيح أننا نعيش في عالم أفضل ما توصل إليه الإنسان والخطوات المتخذة في شتى المجالات زادت في أعمارنا وسهلت عمليات تنقلنا وأصبح التعليم متواجدًا عند الأغلبية بمن فيهم الفتيات والنسب مازالت في ازدياد، سبب اطلاع هانس على كل تلك الأمور هو عمله في منظمة الصحة العالمية وإرساله من وقت إلى آخر لتلك البلدان المختلفة عنهم كما يشاع لرؤية الأوضاع هناك ومعالجة ما يمكن إصلاحه خصوصًا فيما يتعلق بالصحة. توصل هانس إلى عشرة أسباب تجعلنا لا نرى العالم كما هو أولها ما ذكرته سابقًا بغريزة الفجوة والغرائز الأخرى تتوالى تباعًا في الكتاب مع ذكر قصص عايشها الدكتور بنفسه مستخلصًا منها تجارب تثبت وجهة نظره راجيًا من القارئ أن يقتنع بها أيضًا.

عند قراءة الكتاب ستستشعر نبرة التفاؤل الكبيرة لدى هانس، ستصلك تلك النظرة الإيجابية للأمور فالعالم الذي نعيش فيه والذي نسمع عنه بعض القصص المروعة كفقر شديد في بعض زواياه وكوارث طبيعية لم تحدث من قبل، يواجهها هانس بإحصائيات وبيانات وأرقام ستصدمك، إيجابًا وليس سلبًا، مع أن كاتبنا أعاد مرارًا وتكرارًا أنه ليس هذا الشخص الذي من الممكن أن تنطبق عليه المواصفات التي ذكرتها في الأعلى، فهو ليس بهذه السذاجة على حد قوله. يتحدث عن نفسه بأنه شخص “إمكاني” ومعنى هذا المصطلح والذي هو من إبتكاره أنه شخص لا يأمل بدون سبب، ولا يخاف بدون سبب، شخص يقاوم باستمرار النظرة العالمية الدراماتيكية بإفراط. تلك النظرة الدراماتيكية المفرطة والتي نعيشها يوميًا من مختلف الأخبار التي نتلقاها ولعل الجائحة الحالية زادت من تلك الجرعة لحدٍ بدأ من الصعب التخلص منها. في أحد الفصول ذكر روسلينغ غريزة يجب تفاديها لرؤية الأمور على حقيقتها إلا وهي غريزة الإلحاح كأن يضعك الشخص أمام خيارين أما الآن وأما فلا، ربط تلك الغريزة بمشكلة تغير المناخ والتي هي حقيقة لا يقبل الجدال فيها، ليست هنا النقطة التي لفتت انتباهي وشعرت بتقاطع رأي مع الدكتور، فعند ذكر مشكلة تغير المناخ تبرز سمة المبالغات واختيار كل من يتبنى هذا الفكر للسيناريو الأسوأ وتخويف الناس بأمور ستحدث هي مستبعدة إلى حد كبير، عادةً ما يبرر ناشطي المناخ أنه لا بد من إثارة الخوف والإلحاح بادعاءات مبالغ فيها أو غير مدعومة لأنها الطريقة الوحيدة التي ستجعل الناس يتحركون لمعالجة المخاطر المستقبلية، يبررون لها بأنها استراتيجية ذكية على نمط الغاية تبرر الوسيلة.  لطالما كنت أنا من أكثر المتحمسين لتلك المشكلة العالمية، ولازلت، مع رغبتي الدائمة في الاطلاع على المقالات المتعلقة بهذا الموضوع والوثائقيات ذات الصلة والحملات التي تحدث لكن مؤخرًا بدأت استشعر أن هنالك نبرة درامية مبالغ فيها لدرجة غير مقبولة مع تجنب الحديث عن الأصلاحات التي أتت ثمارها في وقتنا الحاضر من تخفيض نسب الغازات الدفيئة في الجو، يكفي متابعة صعود سهم الناشطة غريتا ثونبرغ لتفهموا المغزى من حديثي.

الكتب الرائعة هي التي تجعلك تبدل مفاهيم بداخلك مع اكتساب معلومات جديدة ذات أهمية وأيضًا هي من تجعلك تناقش وتطرح أفكار مناقضة نوعًا لما لبعض ما ذكر، أحدها كانت فكرة تم طرحها في بداية الكتاب وتحديدّا في فكرة نحن وهم وتقسيم العالم إلى فريقين فقط. صنف هانس روسلينغ الدول والشعوب إلى أربعة مستويات ترتقي من مستوى إلى آخر بإضافة بعض المزايا، فالمستوى الأولى هو ما يمكن وصفه بقوت عيش يبلغ دولار واحد لليوم، أبناؤك لا يرتدون الأحذية وعليهم الأنتقال من مكان إلى آخر سيرًا على الأقدام، إذن نحن هنا نتحدث عن فقر مدقع. في المستوى الثاني يتضاعف دخلك أربعة أضعاف أي ما يعادل 4 دولارات بإمكانك الآن أن تشتري طعامك، ستتمكن من شراء أحذية لأطفالك وتوفير موقد غاز، الكهرباء ستكون حاضرة لكن بشكل متقطع وهنا يوجد أكبر نسبة من شعوب العالم. المستوى الثالث مرة أخرى سيتضاعف راتبك أربعة أضعاف ليصبح 16 دولار معها ستتمكن من توفير وسيلة نقل، ليست سيارة بالطبع بل دراجة مع توفر خط كهربائي ثابت وهنا أيضًا يقع ثاني أكبر نسبة من سكان العالم بعد المستوى الثاني. المستوى الرابع والأخير هو أذا تمكنت من اكتساب أكثر من 64 دولارًا في اليوم فأنت هنا مستهلك غني لن تؤثر فيك الزيادات الطفيفة كثلاثة دولارات كما فعلت بمن ينتمى للمستوى الأول عندما نقلته للمستوى الثاني لكن ستتمكن حتمًا من اقتناء السيارة وركوب الطائرة. عندما تعرفت على تلك المستويات الأربعة والذي أسرف هانس في الحديث عنها في الكتاب وحتى آخر أيام حياته قبل رحيله محاولًا اقناع الأمم المتحدة بتلك التصنيفات بدلًا من دول نامية ودول متقدمة، شعرت أن هانس قد خفض كثيرًا من ضروريات الحياة فالفروقات بعد قراءتك لمختصر ما حاول قوله تبدو طفيفة جدًا بين المستويات الثلاثة الأولى تكاد تكون مستويات للفقر لكنه يقع بين السيء والأسوأ. أعلم أن الحياة تتطلب مأكل ومشرب وسقف يحمي ويأوي الأشخاص عند حدوث الأزمات لكن أليس من المخجل أن نتحدث عن تلك الأمور ونحن نعيش في زماننا الحالي مع كل التقدمات الحالية وضروريات العيش التي حتمًا تغيرت وأصبحت أكثر من مجرد مأكل ومشرب ومأوى بسيط؟.

 قراءة الكتاب أتت في ظروف ملائمة، فالكاتب من المنتمين لمنظمة الصحة العالمية والكثير من القصص والتجارب المذكورة داخلة تتحدث عن أوبئة تم التعامل معها فيما سبق ومصطلحات ذُكرت أصبحت مفهومة من قِبلي مع أجواء تبدو مألوفة كثيرة بالنسبة لي، أصبح بإمكاني إدراك طريقة عمل وتفكير من يعمل تحت نطاقها مع كيفية السيطرة على تلك الأمراض. عند اقفال الكتاب ستكتسب حتمًا صفة التواضع وهي موجودة مسبقًا عند الجميع لكنها ستنمو بشكل أكبر، رؤيتك للعالم وللأشخاص المنتمين له ستتبدل، ستعلم أن الجميع يتطور والجميع يحاول ونحن في وقت لم يسبق له مثيل من السيطرة على الأمراض وتوفير الأستقرار النفسي والأمان، لنحمد الله جميعًا على هذه النعمة.

 

من السهل أن نكون مدركين لكل الأمور السيئة التي تحدث في العالم. من الأصعب أن نعرف بشأن الأمور الجيدة.

-هانس روسلينغ

أنا وأنطوان والطائرة

الطائرة، تلك الآلة المسؤولة عن تنقلنا من خط عرض إلى آخر في فترة زمنية قصيرة. تبعدنا عن كل ما هو صلب لنغوص معها في أعماق الهواء دون شعورنا بأن أوزاننا باتت كالريشة. دائمًا ما ترتبط الطائرة بعنصر الخوف، ففكرة كونها معلقة في السماء دون أساس ترتكز عليه مرعبة إلى حد ما، فقد عانيت لسنوات طويلة من رهاب السفر بالطائرة، فعند ركوبها لا يمكنني النطق بكلمة واحدة، لساني ينعقد وكأنه لم يتعلم الكلام من قبل وقوة التركيز على التفاصيل الصغيرة تزداد عند تواجدي بداخلها، هنا اعوجاج على جناحها، وقطعة قماش الأرضية منزوعة من مكانها، كلها ملاحظات تبدو بسيطة لكن عقلي يضخمها بدرجة كبيرة جاعلًا منها حاجزًا وهميًا بين الطمأنينة والقلق. لا أعلم منذ متى بدأت تلك الرهبة من الطائرة لكن تتضح جليًا صور لرحلة من الرياض إلى الطائف وأنا صغيرة بالعمر والمطبات الهوائية كانت شديدة لدرجة فتح أدراج الأمتعة العلوية لتتساقط الحقائب بشكل متتالي ليتبعها خط الأنارة الأحمر على الأرضية ويقوم الكابتن بترديد دعاء السفر مرة أخرى، حيث جرت العادة ذكره عند بداية الرحلة، مرت الأوضاع السيئة بالطبع ليتبعها هبوط بسلام أو على ما أعتقد هذا ما حصل كون الذاكرة ليست دقيقة بسبب صغر عمري. على العكس تمامًا أذكر تمامًا تلك اللحظة التي تلاشت فيها جميع المخاوف المتعلقة بالطيران، تلك اللحظة أتت دون مقدمات ولا تهيئة للنفس من خلال دورات معدة لمثل هذه الأمور بل على العكس تمامًا كأن نفسي هدئت من روعها من تلقاء نفسها. كانت الرحلة من الرياض إلى واشنطن، والمدة الزمنية تزيد قليلاً عن ثلاثة عشر ساعة وهناك ملحق آخر لرحلة أخرى تصلني بمدينة لوس أنجلوس والتي يبلغ طولها 4 ساعات و45 دقيقة. أن أجريتم عملية حسابية بسيطة ستجدون مجموع الرحلتين يساوي 18 ساعة. يوم كامل وأنا معلقة بين السحاب فوق بحار ومحيط وجبال وصحاري وكل ما تفرزه الجغرافية من تضاريس مختلفة. كنت مشغولة البال قبل الرحلة بأسبوع، أو لعله أكثر، كيف سأقضي كل تلك الفترة الزمنية في السماء ماذا سأفعل كيف سأتمكن من تهدأت نفسي،  لأن الوضع الغريب الذي أصبح عليه لا يحتمل زيادة مدته الزمنية. ذاكرتي الصورية الجيدة ترسل لي مقاطع من تلك الرحلة اللامنتهية الركاب كانوا قلة وعدد الكراسي الخالية أكثر بكثير من عدد المسافرين. سهولة التنقل بين المقاعد كان أجمل ما في الرحلة، هنا أستطيع الاستلقاء ومحاولة النوم، وهنا أستطيع إعادة الكرسي إلى الخلف لإراحة الأقدام والرقبة والتي نادرًا ما تحدث في الدرجات الخلفية من الطائرة. أذكر مشاهدتي لمسرحية لولاكي كاملة، وبعض حلقات فريندز وأذكر أيضًا تنقلي إلى المقعد المجاور للنافذة لرؤية المحيط الأطلسي، بعد ظهور الطائرة على المسار الموازي له على الخريطة التفاعلية، تلك الزرقة الممتدة كانت عظيمة تشعر بأنها كتاب أزرق مفتوح يحوي من الأسرار ما يعجز الإنسان عن اكتشافه، هناك طمأنينة غريبة سرت في جسدي عند رؤيتي للمحيط ورغم قوة المطبات التي كانت تحدث أثنائها وإضاءة إشارة تنبيه ربط الأحزمة، إلا أن كل هذه الأمور لم تكن تعنيني أمام منظر المحيط من الأعلى، هنا حدث السكون وكانت نقطة التحول.

كان أنطوان طيارًا متخصصًا في نقل الشحنات الجوية بين قارات عدة، و لتمييزه عن بقية طياري عصرنا الحالين كان يمتهن تلك الوظيفة في العام 1926 وكنتيجة لذلك يعتبر من الأوائل الذين مارسوا هذه الوظيفة. فمازالت الطائرة اختراعًا حديثًا تقام عليه التجارب، واكتشاف الطرق الواصلة بين المدن والقارات في طور بداياتها وتولد من خلال الطيارين أنفسهم، فمهمتهم هنا انتحارية، كون الآلة التي يمتطونها غير مهيأة بمعدات السلامة والمتوفرة في أيامنا هذه، و يمكن القول أن معدل تعطل محرك الطائرة أعلى بكثير من معدل نجاته. غالبًا ما يجد نفسه أنطوان وهو مظطرًا للهبوط في أعماق الصحراء بين قبائل الطوارق واللذين يرغبون في رؤيته ميتًا قبل الترحيب به من أجل الضيافة أو في أعالي قمم جبال الأنديز حيث يندر وجود البشر وأن وجدوا تتضح على ملامحهم سمات بعيدة كل البعد عن ما أعتاد عليه بنو البشر في أصقاع الأرض الأخرى. كل هذا جعل قلم أنطوان يخط حروف وجمل جميلة عن مراقبة الأرض من الأعلى من خلال رحلاته المختلفة لتوصيل الطرود البريدية. هذه الأداة كانت وسيلة لأنطوان من أجل اختلائه بنفسه ومراقبته لأناس آخرين لن تتاح له رؤيتهم بوظيفة مكتبية في بلده الأم فرنسا، رؤية الأراضي الشاسعة من الأعلى تجعل الإنسان يصغر بهمومه وأوهامه التي ما انفكت تملأ رأسه من غير جدوى حارمةً أياه متع الحياة البسيطة.

*من خلال هذه الطائرة عاش أنطوان مغامرة حياة وموت في أعماق الصحراء الليبية، فتمت أصابته بالهذيان لفترة من الوقت لتأتي أمامه صور لأناس ومعالم ليس لها وجود على أرض الواقع وكل مرة يخبو الأمل ليعود مرة أخرى بعلو أكبر معلنة استمراره في هذه الحياة رغم اعتقاده بمغادرتها. هذه المغامرة حدثت بسبب هبوط الطائرة في المكان الخطأ لرداءة تحديد المواقع والاتجاهات التي توفرها تلك الآلة وضعف الإشارات المرسلة من قِبل المراقبين الجويين، ولقلة عددهم أيضًا، كل تلك العوامل اصطفت لتحكي لنا قصصًا لا أظن أن تكتب في زماننا هذا أو ستقل حتمية حدوثها على عكس ذلك العصر، تلك المغامرات المثيرة تتكرر بشكل مستمرة لأنطوان أو زملائه الطيارين.

 

لسنوات قليلة اعتدت على شراء الأجندة من ماركة moleskine، لتصميمها المميز والذي يُسهل علي العديد من المهام المطلوب مني كتابتها. اعتادت الشركة على تزيين تلك الأجندات ببعض الشخصيات الخيالية القادمة من القصص الشهيرة، عليكم تجربة تصفح منتجاتهم على الأنترنت ورؤية جمال الرسومات التي تزيين أغلفة تلك الأجندات، أحد تلك الشخصيات هي شخصية الأمير الصغير. جميعنا نعرف ذلك الكرتون الشهير المقتبس منه وقصص تنقل أميرنا من كوكب لآخر، ذلك الخيال المفعم بالسعادة والفضول في آن كانت رسوماته ملازمة لأجنداتِ. وما زال اختياري يقع عليه كل عام حتى ولو كان مجرد دفتر ملاحظات يومية المهم هو رؤية ذلك الأمير الصغير قبل كتابة ما في رأسي من أفكار. زميلنا أنطوان هو مخترع تلك الشخصية فيصعب علي عدم الربط بين مغامراته في الطيران وميلاد تلك الشخصية، فلا يمكن تصور تلك الرائعة دون خوض كاتبنا مغامراته مع الطائرة وبقائه معلقًا في السماء ومتمسكًا بها أكثر من تلك الأرض الصلبة. ساعات الطيران الطويلة  جعلت خياله خصبًا لتلد لنا تلك الشخصية اللطيفة والتي ظلت ملازمة لجميع دفاتر ملاحظاتي.

لعل الطائرة ليست بالآلة الموحشة بعد كل هذا، فهي تتيح لنا آفاقًا لم نتخيل أنفسنا أن نصلها يومًا ما، وكما فعلت بأنطوان حين أخرج للعام تحفته “الأمير الصغير”، من يدري ماذا يمكن أن تفعل بك أنت. فتحية إجلال وتقدير لتلك الرائعة.

 

“الطائرة آلة من غير شك، ولكن يا لها من من أداة تحليل عظيمة. فلقد مكنتنا هذه الأداة من رفع النقاب عن وجه الأرض فعرفناه على حقيقته.  و للطائرة معجزة أخرى فهي تلقي بك مباشرة في صميم السر الغامض. تكون في الطائرة كعالم الحياة، تدرس من وراء نافذتك قرية النمل الإنسانية وتفحص هذه المدائن المستقرة بين السهول وسط الطرق التي تتفرع كالنجوم وتغذي البلاد برحيق الحقول كأنها الشرايين”

-أنطوان دو سانت اكزوبيري

 

*القصة ذكرت في كتاب المذكرات الشخصية لأنطوان دو سانت اكزوبيري “أرض البشر”.

جنتلمان في ورشة عمل

حُكم علي بالإقامة الجبرية ليس من أجل قتل غير متعمد كنت قد ارتكبته، ولكن لكوني ولدت أرستقراطيًا، قبل قيام الثورة في بلدي كانت الألقاب تصطف قبل ذكر اسمي بعدها أصبحت أنادى بأقل أحرف من الممكن أن تقود الشخص إلى اسمي الأول، لا يهم من أنا و ابن من كل ما يهم هو ذلك الأسم والذي نادرًا ما كنت استمع إليه في سنواتي عيشي الأولى. أغلب من أعرفهم كانوا قد تسللوا إلى خارج البلد إلا أنا كنت قد قررت العودة إلى الوطن لمحاولة انقاذ بعض الممتلكات لأجد نفسي و قد أصبحت من ممتلكات أشخاص آخرين يقررون مصيري. لعل حظي كان سعيدًا إلى حد ما كوني لم أرسل إلى مشنقة الإعدام فمحكمة الوطن والشعب كانت قد قررت أن ترسلني للإقامة الجبرية داخل فندق المتروبول، طبعًا ليس داخل أروقة أجنحتها الفاخرة بل في العلية في غرفة مساحتها تسعة أمتار مربعة، كانت بالنسبة لي رغم صغرها العالم بأكمله. 

الحياة داخل الفندق لم تكن مملة بل على العكس قد شَغلتُ أوقات فراغي بالعمل داخل المطعم كنادل وأصبحت الأب الروحي لأبنة اعتز بمنادتها لي “بابا”، وصديق الدراسة كان يزورني بين الحين والآخر ليطلعني على أحوال البلاد في الخارج أو لعلي كنت أستشف من هيئته ومزاجه الوضع العام للوطن وللأسف لم تكن التكهنات مبشرة. أصبح لي مجلس رئاسي داخل أروقة المطبخ مع مساعدي الشيف والخادم المسؤول عن الحجوزات  كنا نقرر مصير ضيوف المطعم واللذين دائماً ما يصادف أن يكونوا أحد أكبر رجالات البلد فهذا المبنى القديم المنتمي للعهد الأرستقراطي وجد له مكانًا داخل دولة البلاشفة رغم الاختلافات الجذرية كليًا فيما بينهما، لكن تلك هي غرابة الحياة تندد بشيء وتنهى عنه ثم تجد نفسك متتبعًا تلك الخطوات القديمة والتي سبق لك انكارها. 

لن أكذب مرت علي لحظات عديدة كرهت فيها ذلك المكان وشعرت بأنه يخنقني رغم وجود المشتتات والتي من الممكن أن تنقذني، قد حاولت الهرب من الحياة مرة ولكن شاء القدر بأن لن تحدث. عمري نصفه قضيته في الخارج ونصفه الآخر قضيته داخل المتروبول، حدثني صديقي ميشكا ذات مرة وفي عينيه غبطةً للحياة التي أعيشها هنا قائلًا “”من كان يتخيل عندما حُكم عليك بالإقامة الجبرية مدى الحياة في المتروبول قبل كل تلك السنين، أنك قد أصبحت أكثر رجل محظوظ في عموم روسيا”، كان جدار الفندق وأن بدأ بكونه مانعًا لي من رؤية الحياة في الخارج أصبح على غير العادة حاجزًا حاميًا لي من كل تلك التحولات الجذرية في البشر والأبنية. أصبح كل شيء غريبًا لا ينتمي لما كانت عليه الحال في أيام حريتي.


يمكن اعتبار “جنتلمان في موسكو” رواية كلاسيكية بروح عصرية، لأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مع كل التحولات الموجودة في ذلك الوقت على عموم أوروبا مع التركيز على بلد الراوي للقصة روسيا. تشعر أن كاتب الرواية وهو أميركي كان متأثرًا بشكل كبير بأدباء روسيا فتقمص منهم القصص والأحداث وانتقاء الكلمات. هي رواية طويلة ستجعلك تنغمس جدًا في شخصياتها، فكل شخصية رُسمت بطريقة تفصيلية رائعة لتتداخل مع بطل قصتنا بطرق لا يمكنك تصورها مضيفةً أحداث مشوقة لرواية من المفترض أن تتخذ من مكان واحد مركزًا لأحداثها. ستثير تلك الأسطر الفضول بداخلك وتطرح تساؤلات عديدة عن الحياة وحتمية الخيارات وماذا لو فعلت كذا ولم أفعل كذا، التفاؤل المغلف بتقبل سوء الأقدار التي وُضعت أمام بطلنا. قصته لن تكون مختلفة عن أي شخص في هذا العالم في أي بقعة جغرافية وزمنية ينتمي إليها كلهم يشتركون مع الكونت روستوف تأمل الحياة ومحاولة تجاوز العقبات الواحدة تلو الأخرى.

أراد الكاتب أن يسلط الضوء على تلك الطبقة الأرستقراطية والتي تم إزاحتها بفعل الثورات على امتداد قارة أوروبا، يمكن اعتبارها وجهة نظر مختلفة ورؤية للجانب الآخر لأولئك الأشخاص المنتمين للطبقة، مثلًا طريقة تعاملهم مع الآخرين، وطريقة تثقيفهم لأنفسهم بجمع أكبر قدر من المعلومات الثقافية من هنا وهناك وتجنب افتعال أمور سيئة والابتعاد عنها قدر الأمكان. وكأن الكاتب أراد إيصال فكرة أنهم ليسوا مجرد جامعي أموال معزولون عن بقية البشر (والذي يمكن القول أنه صحيح نوعًا ما)، بل توجد بهم صفات تستحق أن يشاد بها قد نفتقدها في عصرنا الحالي. كل تلك الأمور تتجلى وتتضح في شخصية ألكسندر روستوف.

 

يوم السبت الماضي شاركت في ورشة عمل بسيطة تم الإعلان عنها في تطبيق meet up، تتحدث الورشة عن ليلة تنكرية أدبية، على الراغب في المشاركة أن يتقمص شخصية من أحد الروايات، ويفضل لو كانت كلاسيكية ومشهورة، ويخبر بقية الحاضرين عن تلك الشخصية من خلال نص يتم كتابته من قِبل الكاتب نفسه وله كامل الحرية في اختيار الأسلوب. عند قرائتي للأعلان كنت للتو قد انتهيت من قراءة الرواية وما زلت تحت تأثيرها فأحسست برغبة الحديث عن الكونت روستوف، رغم أن الرواية حديثة فلم يتجاوز عمرها ثلاثة أعوام والترجمة العربية صدرت العام الماضي، لكن تلك الحماسة التي كانت تغمرني لم تمنعني من الكتابة عنها والحديث مع أشخاص غرباء كليًا عنها. فخرج النص الظاهر في أعلى المدونة وكما توقعت لم يستطع أحد التنبؤ بشخصيتي الروائية لكن تلمست حماسة الكل لأقتناء الرواية وقرائتها.


“لكن عندما تنفي رجلًا داخل بلده، فلا وجود لبداية جديدة. فبالنسبة للمنفيَ داخل وطنه، لن يُصبح حب الوطن أمرًا غامضًا أو مكفنًا بضباب الزمن. في الحقيقة، ولأن جِنسنا قد تطور على نحو جعلنا نولي أكبر اهتمامنا للأشياء التي تقع بعيدًا عن متناول أيدينا، فإن هؤلاء الرجال، على الأغلب، سيظلون التفكير في مباهج موسكو أكثر من أي موسكوفي لديه حرية التمتع به”

-ألكسندر روستوف

 

 

رباعي الأضلاع

SAY NOTHING:

جين أرملة تبلغ من العمر 38 عامًا وأم لعشرة أطفال تعيش في بلفاست الغربية، كانت جين طوال سنوات زواجها أما حاملًا أو تتعافى من ولادة. وفي ليلة من ليالي ديسمبر وقبل أيام قليلة من عيد الميلاد طرق طارق باب المنزل ليفتح الأطفال الباب و يجدوا مجموعة من الأغراب يأمرونهم بجلب أمهم في الحال، سمعت أمهم الحديث، فالشقة لم تكن بالبناء الضخم ناهيك عن ضعف الحوائط المستخدمة والتي من خلالها يمكن الاستماع لأحاديث الجيران كاملةً، قدِمت الأم عند الباب ليتم سحبها بقوة رغم أرادتها ومعها يبدأ صراخ الأولاد ومحاولاتهم الضعيفة لإرجاع أمهم وكل هذا يحدث على مرأى من الجيران الذين لم يتدخلوا لمساعدة هؤلاء الأطفال اليتامى، الأبن الأكبر ظل ممسكًا بأمه إلى أن طلبت الأم منه المغادرة قائلةً لهانتظرني، سأعود“.

بهذه القصة يبدأ الكاتب باتريك كييف كتابه عن الأوقات المضطربة التي عاشتها إيرلندا الشمالية من الستينات إلى أواخر التسعينات حتى تم توقيع اتفاقيةالجمعة العظيمةوالذي وضع نهاية لأحداث الحرب الأهلية القائمة هناك بين البروتستانت والكاثوليك

هذا الكتاب ظهر كثيرًا على قوائم أفضل الكتب لعام 2019، وربح في تصويت موقع أمازون لأفضل كتاب تاريخي للعام الماضي. في العادة أحب أن أطلع على هذه القوائم ليس لأنها فعلاً الكتب الأفضل ولكن لتعطيني لمحة عن الكتاب الصوتي القادم الذي سأستمع إليه، فقد أصبحت لدي عادة أن أستمع للكتب الأنجليزية بدلًا من قرائتها فعلى ما يبدو أن مهارتي السمعية تتفوق كثيرًا على القرائية. في البداية اعترف بأن الموضوع لم يشدنيإيرلندا الشماليةلم أفكر بها إطلاقها و معلوماتي بسيطة عنها فمعرفتي تقتصر على إيرلندا و استقلالها من بريطانيا لتصبح جمهورية مستقلة. الجزء الشمالي لم يلفت انتباهي كثيرًا فقررت صرف النظر عن الكتاب إلى أن أتت لحظة حاسمة لا اعلم سببها فقررت شراءه.

الكتاب يركز على قصص الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة المضطربة بجميع اختلافاتها، فلن تجده مثل كتب التاريخ التي تسرد الحقائق والمعلومات والقادة السياسيين الذين شهدوا تلك الأيام والمسببين لها بل يذكرهم بشكل عرضي ويصرف كامل تركيزه على تلك الشخصيات و القصة الغامضة لاختفاء جين ماكمفن، فتظل طوال صفحات الكتاب متشوقًا لمعرفة ماذا حصل لهذه الأم المسكينة؟الأشخاص الذين ذُكروا في الكتاب كأنهم خرجوا من رواية، أولهم دوريس برايس وشقيقتها ماريس وهم من أوائل النساء المنتمين لحزب IRA كأعضاء أساسين وليس مجرد متعاطفين، جيري آدامز وبراندون هيوز شخصيتان تختلف طرقهم مع مرور السنوات رغم التشابه الكبير بينهما في البداية، والأم جين والتي تعتبر قصتها مفتاح البداية و قفل النهاية وتقاطعها مع الأبطال الآخرين، ستجد في هذا الكتاب حقائق عن الأحزاب السياسية مثل IRA والذي يعتبر حزبًا محظورًا، و من أهم مطالبه إعادة إيرلندا الشمالية لحضن البلد الأم جمهورية أيرلندا.

في الأخير الكتاب يستحق الأقتناء لمحبين التاريخ بالذات رغم أن الكاتب ظل يعيد ويكرر بأنه لا يمكن تصنيف الكتاب تحت هذا البند، بسبب أن أحداث القصة تمتد إلى عصرنا الحالي والكثير من الأسئلة ما زالت بدون إجابة واضحة لها، ففي إيرلندا الشمالية هذه الأيام الجميع لا يريد ذكر الأفعال التي حصلت خلال تلك الحقبة قد يكون خجل من بعض التصرفات التي ظهرت منهم

بعبارة أخرى:

تشدني كثيرًا كتب المذكرات الشخصية سواءً كانت لشخص عرفته مسبقًا أو لا، في حالة هذا الكتاب لم أكن قد سمعت من قبل عن الكاتبة جومبا لاهيري. كُتب على الكتاب هذا الوصف المبسطصراع الهوية على مائدة اللغةاستنتجت سريعًا بأنه كتاب يبين مدى معاناة الكاتبة الأمريكية من أبوين قد قدما من بنغلاديش وكيف تأقلمت مع كل تلك المتناقضات لكن المفاجأة كانت صادمة، تبين من بعد قرائتي للصفحات الأولى أن الكاتبة تتحدث عن رغبتها في إتقان اللغة الإيطالية بشكل كامل واتخاذها القرار الجريء بمغادرة الولايات المتحدة والعيش في إيطاليا. ذكرت الكاتبة مرارًا وتكرارً أن ما يميز الإيطالية أنها اللغة التي اختارتها لم تفرض عليها كما حصل مع البنغالية من قِبل أبويها أو من خلال الإنكليزية كونها تقيم في مجتمع أميركي

هذا الكتاب ألهمني في علاقتي أنا مع اللغة الإنجليزية فلا أنا التي أتقنتها كاملة لأمارس مهارات عديدة من خلالها ولا يمكن أن أعتبر نفسي لا أعلم شيئًا عن اللغة. الكاتبة تقوللا بد من العوم في أعماق اللغة بدلاً من الجلوس قرب الشاطئ“. شبهت الكاتبة الشاطئ في الجملة السابقة بلغتها الإنجليزية والتي من خلالها تشعر بالأمان تمامًا كما هو الحال بالسباحة بالقرب من الشاطئ بدلًا من الذهاب بعيدًا في الأعماق لأختبار مدى فاعلية السباحة وهو الحال معها في اللغة الإيطالية.

الكتاب خفيف جدًا لغةً وحجمًا هو من نوعية الكتب التي من الممكن انهائها في جلسة واحدةلم يحدث هذا الشيء معيوحتمًا سيوقظ شيئًا بداخلك تجاه مهارة من مهارات الحياة والتي لم تستطع إلى الآن إتقانها على وجه التمام، وقبل أن أنهي الحديث عن هذا الكتاب أردت أن أذكر معلومة أخرى عنه، هذا الكتاب كُتب من قَبل الكاتبة باللغة الإيطالية، إذن قد أجادت جومبا العوم في المياه العميقة.

نقطة التحول:

كيف يمكن لتنظيف خربشات على جدران المترو في مدينة نيويورك أن يخفض من نسبة الجريمة؟ وما الذي جعل أحذية رياضية محلية قادمة من الغرب الأوسط الأميركي ينتشر بسرعة البرق قبل إعلان إفلاس الشركة؟.

مثل هذه اللحظات المفصلية في العديد من القصص ذو الخلفيات المختلفة تحدث فجأة و تعنون كنقطة تحول قد يصعب تفسيرها، لكن مالكوم غلادويل هنا حاول أن يلخص الأمور ويوضحها بإلتقاط العديد من التجارب وإيجاد تفسيرات لها من قِبل مختصين. مثل هذه النوعية من الكتب تشحذ الهمة لأمكانية التغيير في مختلف توجهات الحياة و لدى غلادويل أسلوب شيق ومميز في ربط القصص والحقائق بعضها ببعض، أن كان في عالمنا أشخاصًا يمتلكون قوى خارقة فتلك المهارة هي قوته الخارقة.

لكن يبدو خلال قرائتي لهذا الكتاب قد وقعت في الفخ، ففي الأشهر الماضية زاد معدل قراءتي واستماعي ومشاهدتي لمالكوم غلادويل لدرجة أن أصبحت لا أتفاجأ بمعلومة قد يذكرها، أشعر بأن الأسلوب معروف وينتابني إحساس دائم بأن القصة ذُكرت في مكان ما وأنا الآن أتحمل إعادة الأستماع إليها مرة أخرى، كانت غلطة مني بلا شك في اختيار التوقيت الغير مناسب لقراءة هذا الكتاب، في الفترة القادمة سأحرص على التحرر قليلًا من مالكوم غلادويل على مختلف المنصات المتواجد بها حتى أتمكن من قراءة كتاب آخر له ينتظر على رف مكتبتي لأعيد لنفسي تلك المتعة الرائعة مع قراءة كلماته وربطه المبهر للأحداث.

عالم الأمس:

أن تكون شاهدًا على أحداث غيرت مجرى التاريخ وغيرت الكثير من ثقافة المجتمعات وأن تلاحظها لقطةً بلقطة، حتمًا سيكون أمرًا يستحق أن يروى، أضف إلى ذلك أنك في الأصل كاتب وتعشق الحروف كلغة تعبيرة لما يجول بخاطرك ووسيلة مهمة لتغيير ما يضايقك من أمور طارئة على مجتمعك، فكيف سيكون كتاب ستيفاين تسفايج أو بالأحرى كما ينطق بلغته الأم الألمانية شتيفان تسفايغ؟

أنت هنا أمام كتاب بعتبر أرشيف مهم لفترة حساسة من تاريخ أوروبا، سترقبه من خلال عين المواطن المنتمي لهذه المجتمعات والمعتز كثيرًا بأوربيته والمؤمن أكثر بوحدتها الثقافية، هو المثقف المنتقي لكلماته بعناية لتصل لك جميع المشاعر المختلطة التي أصابت العديد من البشر بمختلف طبقاتهم خلال تلك الظروف الإستثنائية. لن تجد المصطلحات الصعبة والتحليلات السياسية الغير مفهومة والغير مبررة بل على العكس تمامًا ذكر لك بأن الحرب العالمية الأولى حصلت من دون معرفة سبب واحد بعينه، هي هكذا ببساطة حدثت

لأكون أكثر صدقًا في وصف هذا الكتاب سأكتب عبارة معبرة لعلها تكون دافعًا لاقتناء هذا الكتاب وقراءته، لم أستعمل في حياتي قلمهاي لايتبهذه الكثرة كما أستعملتها خلال قرائتي لهذا الكتاب، قد تكون تلك المعلومات المهمة وقد تكون عبارات لها وقع جميل يكاد ينطبق على أيامنا هذه وعلى حالتي الشخصية أيضًا. الكتاب سيلامسك شخصيًا من خلال كل ما مر به ستيفاين تسفايج، تشعر بالقهر أحيانًا وبجمال الحياة أحيانًا أخرى، فهو في أوقات معينة كان متفائلًا جدًا لحاله وأحيانًا أخرى الحياة تصبح سوداوية لا نجاة منها مهما حاول. هي درس من دروس الحياة ستخرج به بعد انتهائك من الكتاب بأن لا شيئ دائم وحاول قدر المستطاع عيش اللحظة دون تفكير مبالغ في مستقبل قريب أو تعلق بماضي قد رحل دون عودة.

نكهة إسبانية

p03b2npv

Google

الكلاسيكيات, لها سمعتها الواسعة لعل أحد أهم أسباب هذه السمعة هو عمرها الزمني الكبير والكم الهائل من عدد الصفحات التي تتضمنها, ليس معظمها بالطبع لكن بسبب ارتباط قوي في ذهني بين كلمة كلاسيكي وأدب روسي, روايات مثل الحرب والسلم وأنا كارنينا والجريمة والعقاب كلهم تقريباً تجاوزوا الـ700 صفحة بل ووصلوا على مشارف الـ1000 صفحة هي حتماً حمل ثقيل على من يريد قرائتها. من ناحيتي هناك خوف يجتاحني تجاهها, خوف من الشعور بالملل والخوف من الوقت الطويل الذي سأستهلكه قبل أن أنهيها مما يؤدي لتأخير القيام بقراءة كتب أخرى. من الأسطر الماضية يتضح لكم أن المصافحة بيني وبين تلك الروايات لم تتم, إذاً لماذا هذه المقدمة؟ لأنِ أنهيت لتوي أول 100 صفحة من إحدى الكلاسيكات في الأدب العالمي, ليست لتولستوي أو دوستويفسكي بل هي لكاتب إسباني كُتبت روايته في القرن السابع عشر ميلادي تحت عنوان “دون كيخوت” للأديب ميغيل دثربانتس, تم شراء الكتاب الضخم من إحدى معارض الكتاب هنا في الرياض ليس بالقريب لكن لا أذكر أي عام تحديداً. إلى الآن لازلت مستمتعة باللمسة الكوميدية اللطيفة في أسطر هذه الرواية والجو الكلاسيكي المصحوب بوصف وشخصيات الرواية, بدأت في قراءتها منذ أسبوعين ولا أهتم متى سأنهيها المهم هنا هو الأستمتاع بالرحلة.

وبجو ليس ببعيد عن إسبانيا تابعت مؤخراً وثائقي من الرائعة BBC انتج في عام 2016 من ثلاث حلقات يتحدث فيها المؤرخ والرحالة سايمون سباج مونتفير عن تاريخ إسبانيا الطويل والمضطرب عبر القرون, الوثائقي كان تحت عنوان Blood and Gold – The Making of Spain. كل حلقة اتخذت من عهدِ معين موضوعاً أساسياً لها. لماذا إسبانيا؟ إسبانيا من أكثر البلدان الأوربية غرابة هي بالنسبة لهم وكأنها تنتمي لأفريقيا أما من ناحية الأفريقيين فينظرون لها كبوابة عظيمة توصلهم للجنة المزعومة أوروبا, ما اللذي جعل إسبانيا بهذه الصورة وبهذا النمط المختلف والمتشابه في آن واحد . حتماً هو تاريخ طويل من صراعات لأمم وأعراق وديانات حدثت فوق أراضيها, في البدء كانوا القرطاجيين ضد الرومان بعدهم أتى صراع المسيحيين مع المسلمين ومن ثم الكاثوليك والبروتستانت حتى نصل لآخر صراع والمنتمى للعصر الحديث أبان الحرب الأهلية والمعنون لها بالفاشية ضد الشيوعية.

في الحلقة الأولى تحدث المذيع عن نشأة إسبانيا وكيف استعادها هانيبال القائد القرطاجي المعروف من أيد الرومان وبدأ رحلته الشهيرة لأحتلال روما سالكاً كل الطرق الصعبة والشاهقة من خلال جبال الألب سائراً بجيشه المكون من المقاتلين والفيلة الثقيلة, هذه الرحلة ذكرتني بوثائقي لطيف كنت قد شاهدته قبل سنوات عن 3 من راكبي الدراجات الهوائية اتخذوا خط سير الرحلة كتحد لهم وليختبروا إذا ما كان فعلاً جسداً الإنسان قادر على تحمل هذه الرحلة, نعود لسرد القصة سكيبو القائد الروماني استغل خروج هانيبال من إسبانيا فقرر احتلالها فنجح في ذلك فأصبحت إسبانيا منذ ذلك اليوم رومانية ليست قرطاجية, أوروبية ليست أفريقية.

طارق بن زياد القائد الإسلامي المعروف دخل إسبانيا في القرن السابع الميلادي معلناً حقبة جديدة في عهد هذا البلد, دخلها بعد أن استغاث به حاكم إسباني ضد حاكم إسباني آخر بعد قيام الأخير بإغتصاب ابنته, تذكرني هذه الأسطر بأمر كان ولازال يتكرر عبر التاريخ لا يمكن لجيش أن يحتل بلداً آخر ما لم تكن هنالك مساعدة لهم من قِبل أناس في الداخل. من بعدها أتت قصة عبدالرحمن الداخل الرجل الذي سقط حكم أهله بنو أمية في الشرق ليعيد تأسيسها في الغرب, الرجل اللذي استطاع الفرار من أقربائه العباسيين قاطعاً رحلة طويلة من دمشق إلى الأندلس واستطاع بعدها أن يقيم حكماً لأهله فيها ويؤسس مملكته هناك كل هذا وهو في عمر التاسعة عشر. الداخل الرجل الوسيم كما وصفه مؤرخنا هنا كان ذو شعر أحمر ولا أعلم أهو أحمرار قدِم من صبغة الحنا المشهورة عند العرب أو هو فعلاً ذو شعر أصهب, المذيع علق على قصة عبدالرحمن الداخل قائلاً”هي قصة تشعرك بأنك أمام أحد أفلام هوليوود المليئة بالأكشن والأثارة”, وهي كذلك إذا أطلت التمعن بها. في كل مرة أقرأ عنها أو استمع لبرنامج أو مسلسل يتحدث عنها أجد نفسي منصته ومتعجبه في آن واحد, تدور في خلدي أسئلة كثيرة عن رحلته الطويلة من الشرق إلى الغرب وعن إحساس الوحدة الذي كان حتماً ملازماً له بعد أن فقد كل أفراد عائلته سواءً من عرف منهم أم لم يعرف.

قصة أخرى أرادت أن تكون إسبانيا مسرحاً لها لتروى وهي المعنونة بـ”زرياب” القادم من بغداد, الذي أسس أول مدرسة للموسيقى في أوروبا, وتخصص زرياب معروف إلا وهو العود, فكرة الثقافة الموسيقية التي قام بنقلها من الشرق إلى الغرب كانت من الأولويات التي تحسب له, وانطلاقاً من تلك اللحظة أصبح للموسيقى هواة وباحثين ومثقفين مولعين بها وعالمين بكافة خلفياتها وتفاصيلها.

قرطبة في عهد عبدالرحمن الناصر أصبحت من أعظم المدن في أوروبا أن لم تكن الأعظم, كما ذكر زميلنا المقدم في السطر التالي “وبالمقارنة مع مدن عظيمة كباريس ولندن في ذلك الوقت, لم تكن سوى مجرد قرى صغيرة”.

في أواخر حكم العرب في الأندلس بدأت الدويلات تتشكل والحروب الداخلية بينهم تظهر فيما بينهم معلنة بذلك بداية النهاية لقرون مضت على وجودهم هناك لكن لفت نظري قصة روت في الحلقة عن شخص يدعى EL CID وهي كلمة إسبانية مأخوذة من الكلمة العربية السيد, كان “السيد” قائداً حربياً محنكاً لم يخض معركة إلا وكتب له الأنتصار بها الغرابة لا تكمن هنا بل بمن حارب معه, ستستغربون وتتعجبون أن قلت لكم أنه حارب مع الطرفين الإسلامي والمسيحي بمعنى أكثر دقة كان يحارب مع من يدفع له مبلغاً مالياً أكثر. غرناطة ظلت صامدة كآخر دليل على وجود العرب في شبة الجزيرة الإيبيرية كانت تحت حكم الناصريين كان الرعب يحوم في أجواء تلك المدينة وكدليل على هذا الخوف ذكر المذيع قصة الباب الذي لم يفتح لأي أحد من شدة الظنون السيئة تجاه الزائرين للقصر. إيزابيلا وزوجها فيردناند في شهر يناير من عام 1492 أعلنوا سقوط غرناطة وتبعاً لهذا السقوط بشهرين أمروا اليهود التحول للمسيحية أو مغادرة البلاد, نصفهم تحول والبقية رحلوا وما هي إلا سنوات قليلة بعدها حتى تم اصدار منع للمارسات الإسلامية وتم الإجبار على التحول للمسيحية.

لفت انتباهي مقدم الوثائقي ومعده والذي هو بطبيعة الحال مؤرخ, كان جل كلامه اعجاباً بفترة حكم الأمويين للأندلس ومنتقداً نقداً لاذعاً لمن أتى من بعدهم واصفاً إياهم بالدمويين, لا أعلم دائماً ما كنت استمع للتاريخ من مؤرخينا نحن واللذي دائماً يكون مصاحباً بتبجيل زائد لكل ما يتعلق بنا وتحطيم كل من يخالفه من أمم وحضارات أخرى. من وجهة نظري الشخصية التاريخ يمر بمراحل مختلفة كل بنو البشر مساهمين في علوها تختص بها شعوب وثقافات دون غيرها من فترة لأخرى, لا أفضلية لأحد ولا تنقيصاً من أحد الجميع مساهم ومشارك في آن واحد الأستغراب هذا تلاشى عندما وضح المذيع قصته الشخصية وكونه قد قدِم من عائلة لها جذور يهودية إسبانية أدعت المسيحية في هذه الفترة وظلوا يمارسون ديانتهم في الخفاء, جدته استقرت في المكسيك حتى تبتعد عن الأعين لكن تم اصدار حكم بحرقها بعد اكتشاف ممارستها لليهودية في هذه الأثناء تمكن ابنها من الفرار والتخفي تحت اسم عائلة مختلفة في توسكاني. في هذه الأثناء كولمبوس الذي كان يود الوصول للقدس من الشرق اصطدم في طريقه بأرضِ جديدة.

الحلقة الثالثة والأخيرة من السلسلة كانت تتحدث عن إسبانيا الكاثوليكية (الدموية), لسبعة قرون كانت إسبانيا رومانية ولسبعة قرون أخرى كانت إسلامية والثلاثمئة سنة القادمة ستكون حافلة بالكثير. في العام 1527م الأمبراطور فيليب الثاني واللذي تذكر له قصة غريبة عند ولادته, كانت أمه الملكة ايزابيلا تعاني مخاضاً صعبة لمدة ثلاثة عشر ساعة, طُلب منها من قِبل الأطباء بالصراخ أكثر رفضت بشدة قائلة: “أفضل الموت على أن أصدر أي ضوضاء”.

في صفقة معتادة في ذلك الزمان تم عقد زواج الملكة ماري ملكة انجلترا والملك فيليب الثاني ليصبح بذلك فيليب ملكاً لإسبانيا وانجلترا رغم اختلاف مذهبيهما البروتستانتي لماري والكاثوليك لفيليب, هذه الزواج لم يكتب له الأطفال فبالتالي لا يوجد هناك وريث يرث حكم البلدين. بعد وفاة ماري انتقل عرش انجلترا لشقيقتها اليزابيث ليخرج فيليب خالي الوفاض من هذه الأرض, لكنه قرر غزو انجلترا راغباً في جعلها أرض كاثوليكية كبقية الأراضي التي تقع تحت حكم إسبانيا.

قصة مهمة ذكرت على خلفية الصراع الكاثوليكي البروتستانتي في أوروبا يوم السابع عشر من مارس عام 1623 كان هناك طرق لباب السفير البريطاني في مدريد, رجل انجليزي قدم نفسه كالسيد توماس سميث أصر على محادثة السفير شخصياً, وفي الجانب الآخر من الطريق كان هناك رجل مختبأ في انتظار المقابلة أن تتم. نزل السفير لمقابلة هذا الرجل ليفاجأ بأن توم سميث لم يكن إلا وزير الملك جيمس والرجل المفضل لديه والرجل المختبئ في ظلمة الشارع كان أمير ويلز تشارلز, كلاهما كان متنكراً بلحى مزيفة, الثلاثة أشخاص تناقشوا وتفاوضوا من أجل زواج الأمير تشارلز البروتستانتي من مارينا الكاثوليكية, ذلك الأجتماع مقدمة لحرب ستستمر لثلاثين سنة بين أوروبا البروتستانتية وأوروبا الكاثوليكية.

بعد سنوات طويلة قام نابليون بإحتلال إسبانيا هذا الأحتلال لخص في لوحة لغويا تحت عنوان الثالث من مايو معبرة للثلاثة وأربعين شخصاً اللذين قاوموا القوات الفرنسية وقتلوا نتيجة لتلك المقاومة.

في بدايات القرن العشرين كانت أوروبا تقاوم الفاشية الممتدة عبر أراضيها بشكل سريع, رجل أراد أن يضع بصمته في هذا التمدد عازماً على جعل بلاده واحدة منها مقلداً بذلك ألمانيا والمتمثلة بهتلر وموسوليني المتمركز في إيطاليا, فرانكو كون جيشاً حارب فيه الجمهورية الإسبانية, قائلاً سأحرر إسبانيا بلدة بلدة من أيدي الشيوعيين. بدأت الحرب الأهلية في إسبانيا عام 1936م لتمتد لثلاثة أعوام, وكأي حرب أهلية أو أي حرب ينتشر الدمار والتشرد والجوع كحصاد دائم ومستمر. بلدة الأشباح بالقرب من سرقسطة تركت كما هي منذ تلك الأيام لتكون شاهدة على فظاعة تلك الحرب بجدران مبانيها الممتلئة بطلقات الرصاص فترة كانت عصبية عاشتها إسبانيا تحت حكم فرانكو تحولت بسرعة فيها البلد بعد رحيله لتعود كبلد ديموقراطي من ضمن دول الأتحاد الأوروبي.

الماء سر الحياة

 

tumblr_ojf066kfts1snegd3o1_1280

Tumblr

 

في الأسبوعين الماضيين اتممت قراءة كتاب “مستقبل الماء” للكاتب الفرنسي إريك أورسينا سأوجز في الأسطر القادمة بشكل مبسط أهم النقاط التي تناولها أورسينا عن هذا الموضوع.

أورسينا ظل مدة عامين يجوب العالم بغية دراسة الماء مستقبله وتأثير الأنحباس الحراري وتقلبات المناخ المختلفة عليه. في الفصل الأول تحدث عن الماء وعن تكوينه كمركب ناتج من اتحاد ذرتين هيدروجين مع ذرة أوكسيجين واستطرد في حديثه ليتكلم عن أهميته القصوى في حياتنا, وفي اعتقادي كلنا نعي اهمية هذا المورد الحيوي في حياتنا. إذن سأنتقل بسرعة لتلخيص أهم ماجاء في رحلات أورسينا. بدأ رحلته في أستراليا ولخص حال هذا البلد في جملة “استبداد البعد” نظراً لبعد القارة عن بقية بلدان العالم. أهم مشكلة تعاني منها أستراليا من ناحية الثروة المائية هي الجفاف ناهيك عن مناجمها والتي تخلف فضلات كبيرة وخطيرة تسبب أضراراً بالغة للبيئة ولمحاولة تقليل تلك الأضرار يتوجب عليهم غسلها بكميات كبيرة من الماء, سبعة ملايين لتر يومياً لمنجم نيومون وحده, إذن الطلب على الماء كبير جداً في بلاد الكنغر. دليل آخر على حالة الجفاف التي تعم البلاد بحيرة جورج أصبحت مرعى لقطعان الخراف تسرح فيها لتأكل من العشب النابت من الأرض التي كانت في يوماً ما قعر البحيرة, والجفاف أصبح يؤثر في الحالة النفسية للمزارعين بسبب قلة المباه التي تغذي أراضيهم فبالتالي يبدأ مصدر رزقهم الوحيد بالتلاشي فأصبح الحل الوحيد أمام الكثير منهم هو الأنتحار حيث ينتحر مزارع كل أربعة أيام, رقم مرعب. في سنغافورة الوضع مشابه نوعاً ما لأستراليا في حاجتها للمياه لكن الأمطار غزيرة هنا بمعدل 2,5 متر سنوياً بحكم موقعهم المتميز على خط الأستواء ومع ذلك يفتقرون إلى الماء لدرجة اعتمادهم على الجارة ماليزيا لكن حسب ما يدَعون هم لا يحبون الأعتماد على الآخرين لذلك العمل على قدم وساق في سنغافورة لمحاولة توفير الأحتياجات المائية للسكان. الكاتب أعلن اعجابه بالبلد وبالعمل الدؤوب الذي تقوم به في سعيها لتوفير المباه, ووصفها بوصف بليغ حين قال ” لا مناص للزائر الأوربي من أن يتساءل هل ما يزال على كوكبه. ربما وهو غارق في النوم , انتهزت سفينة فضائية الفرصة فحملته إلى مجرة أخرى”. الهند الوضع مختلف كلياً هنا الماء متوفر بكثرة, أمطار غزيرة دائماً ما تسبب في حدوث فيضانات, المياه ملوثة ومحملة بالأمراض هنا الخوف من وجود الماء أكبر من نقصه, وقد ذكر لكاتبنا طبيب هندي كان قد اجتمع معه للحديث عن هذه المشكلة فلخص الحال في جملة واحدة “نقص الماء يقتل, هذا أكيد, لكن نقص وسائل التطهير يقتل أكثر“. بنغلاديش تشبه جارتها السابقة في مشاكل التلوث والفيضانات لكن في هذا البلد تعطى لك دروس في الجغرافيا السياسية وكيفية تحكمها بحياة الشعوب فنهرا الغانج وبراهمابوترا لا تديرهما أي وكالة دولية, ومن هذا المنطلق أصبحت الهند تقرر مصير مياههما والصين كذلك تدلي بدلوها ولا يتبقى لبنغلاديش سوى بعض ما يترك لها من أمتار مكعبة, الوضع لم يقف عند هذا الحد فقد شيدت الهند سد فاراكا قبل الحدود مع بنغلاديش والنتيجة أن تلك المياه أعانت الفلاحين الهنود لكن بعد السد , أي في بنغلاديش, النهر لم يعد يسيل بل أصبح النهر غائصاً في الرمال. لم تكن المباه وحدها التي حُرمت منها بنغلاديش بفعل القوانين السياسية بل الأحجار أيضاً, فالهند عمدت على مد شباك في قعري نهر براهمابوتراو ورافد كوميارا لحبس الأحجار المنحدرة وحرمانهما من نقلهما إلى البلد الجار بنغلاديش. الصين ذلك التنين العظيم, مشكلتها مع المياه من نوع مختلف, وفرة الأمطار موجودة لكن إذا قسمت خريطة الصين من المنتصف لتصبح نصف شمالي ونصف جنوبي تجد أن النصف الشمالي لا يحظى سوى بـ17 في المئة من المياه, إذن تعاني الصين من الأمرين الفيضانات والجفاف كما يذكر مدير عام المياه في وزارة الموارد المائية الصينية بأن بلادنا ثرية بالماء لكن شعبنا بالغ العدد ومياهنا غير موزعة بعدالة في المكان والزمان وذكر جملة أعجبتني كثيراً حين قال “المناخ يتطور لكننا نتحمل جزءاً من المسؤولية, لقد قطعنا أشجار الغابات, وأفرغنا البحيرات وزرعنا مناطق رطبة. النتيجة تتوسع الأرض الجافة عاماً أثر عام”. أورسينا لم يتوقف عند تلك البلدان بل أكمل رحلته حول العالم لمعرفة مستقبل هذا الشريان الأساسي لحياتنا. اعتقد بعد قراءة الكتاب وقراءة الخلاصة التي توصل لها الكاتب وقناعاته السبع التي من خلالها يعتقد بأنها تضع الحلول لأزمة المياه تمثل أمامي أمر واحد لا جدال فيه , الماء موجود وبوفرة لكن المشكلة تكمن في انعدام المساواة في توزيع المياه واستحواذ بعض الدول على الوفير منها تاركةً الأخرين يقبعون في جفاف قاحل لا مصدر للماء فيه يروي عطشهم, وانعدام المساواة في توزيع مورد في أهمية الماء يوفر تربة خصبة لشتى أنواع النزاعات, الحق يقال, لا سيما عندما يكون عدد السكان في تزايد يومي مطرد. قبل أن أختم الحديث عن هذا الكتاب وردت معلومات بسيطة عن نهر جوليبا, ابحثوا عنه ستدهشون وتعجبون منه.

في اليومين الماضين دخلت في تحدي 31 يوماً مع أدريان لليوجا أو كما وصفته تحت مسمى الـ “Revolution” هي تقول أنها ليست مجرد حركات تؤديها لتنفيذ اليوجا ولكن هي رحلة سكينة وتأمل للنفس لمدة شهر, سأرى أن كان ما تقوله صحيحاً أم لا, خصوصاً أن تجربتي السابقة في اليوجا كانت خجولة ولم تكن بشكل مكثف, كنت أمارسها تقريباً مرة كل أسبوعين أو حتى ثلاثة في النادي قبل انتهائي اشتراكي هناك. انضموا معي في هذا التحدي أن أحببتم لنتشارك جميعاً فيما بعد في آرائنا حوله, اليوم سأودي التحدي الثالث.

قبل الختام فيدرير ونادال مرة أخرى يلتقيان في نهائي للجراند سلام, لا أذكر اخر نهائي جمع بينهما لكنه حتماً منذ فترة ليست بالبسيطة, العاشق للتنس والمتابع الجيد يجزم على أنه لم يوجد في تاريخ هذه اللعبة مثل عظمة تحد هذين اللاعبين أن لم تخني الذاكرة فقد تقابلا في ثمانية نهائيات للجراند سلام (ناهيك عن بطولات الماسترز) ويعتبر رقماً قياسياً للعبة لكن يظل عالقاً في ذاكرتي نهائي أستراليا المفتوحة 2009 حين تغلب نادال على فيدرير (للأسف أن الأحصائيات تؤكد علو كعب نادال في مواجهاته مع فيدرير) وبكى بعدها فيدرير بكاءً شديداً, الجميع أستغرب ردة فعل فيدرير خصوصاً أنها قِدمت من لاعب بحجمه حصل على بطولات كثيرة في الجراند سلام وعلى مقربة من تحطيم رقم سامبراس القياسي فيها لكن هذا البكاء كان له تفسير آخر, فيدرير أحس باليأس, باليأس من عدم تمكنه من هزيمة نادال أحس أن كل شيء بناه وأجتهد فيه قد يهدمه مضرب هذا اللاعب الماثل أمامه, الصدفة مرة أخرى تعود وفي نفس المكان, هل سيفعلها فيدرير غداً ويبدل تلك الدموع بابتسامة عريضة؟ أتمنى هذا.

Cuatro

Uno

في الفترة الماضية استمعت لمذكرات فيل نايت مؤسس نايكي عبر تطبيق Audible, بسبب تفضيلي لسماع المذكرات على قراءتها وهنا أتحدث طبعاً عن الأنجليزية منها نظراً لندرة الكتب العربية الصوتية, الكتاب ممتع جداً, حتى أن لم تكن شخص مولع بالتجارة أو تريد خوض مغامرتك الخاصة فيها هذا الكتاب سسيتوقفك حتماً عند أسطره. لا أنكر أنِ شعرت بالملل في بعض الفصول خاصةً المتعلقة بالقضية بينه وبين الممول للأحذية من اليابان في شركته الأولى Blue River, لكن شغفه وتعلقه بالركض جعلته ملم بكل مايتعلق بالأحذية الرياضية ومنها إلى الأتجار من خلالها, صفة الولع بالركض لدى نايت هي من جعلتني مستمعه جيده للمذكرات (شيء مشترك بيننا). جونسون ونايت الصديقان , بدأ كل شيء من البداية شهدا التحديات والصعوبات من البداية معاً, صحيح أن جونسون كان يعمل لدى نايت من فرع الشركة في كاليفورنيا لأن موقع الشركة يقع في ولاية أوريغون, لكن تلك العلاقة تستحق تركيز انتباهك عليها. جونسون شخص شغوف ظل يمد نايت بأفكار لتصاميم أحذية, أفكار لطرق توزيعها, أفكار لتوسيع رقعة تجارتهم لكن كل هذا كان يقابل بالصمت من قِبل نايت ,لا تعليق, لا تأكيد ولا حتى رفض كان جونسون يختم رسائله بقول ” أحتاج إلى تشجيع أكبر أو قل لي هل هذا الأمر رائع أم سيء” وفي كل مرة نايت يكتفي بالصمت بعد فترة قال جونسون لنايت طريقتك في إدارة الأمور جعلتني حراً أكثر أتخذ قراري بنفسي أفكر في أمر ما وأقوم بفعله على الفور دون أن أنتظر الموافقة من أحد. طريقة إدارته للعمل لفتت انتباهي هل فعلاً بتلك الطريقة تجعل الموظفين من غير قيود, يتخذون قرارات مصيرية ومهمة دون الرجوع إلى رب العمل أم هي عشوائية كُتب لها النجاح بالصدفة؟

الكتاب الثاني كان ورقي وأنهيته قبل مذكرات نايت ولعلي ذكرته في تويتر للمتابع لحسابي هناك بل واقتبست منه بعض الأسطر, الكتاب يصنف ضمن الكتب التاريخية التصنيف العشق بالنسبة لي, تحت مسمى “الموت في فلورنسا” للكاتب بول ستراثيران الكتاب يقع في أكثر من 600 صفحة من القطع المتوسطة ويتحدث بإسهاب عن عائلة ميديتشي وتأثيرهم الكبير في عصر النهضة من مسقط رأسهم في فلورنسا لجميع أنحاء أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي, لم يكتفي الكاتب بذكر عائلة ميديتشي بل انتقل إلى صراعهم مع سافونارولا مؤسس المسيحية الجديدة أو بما معناه المسيحية من العهد القديم قبل أن تلوثها أيدي كهنة وباباوات الكنيسة الكاثلوكية على حسب رأيه.

الكتاب ممتع كُتب وسرد بطريقة الرواية عنصر الملل والفتور اللذان كانا يصيبانك عند قراءة الكتب التاريخية سيختفي في هذا الكتاب, صراعات العوائل وتحالفاتهم, عائلة ميديتشي بسلبياتها وإيجابياتها وتأثيرها على المدينة وعلى أوروبا بشكل عام, وأيضاً ظهور لفناني ذلك العصر مثل ميكيايل أنجلو وليوناردو دافينشي وبوتشيلي وغيرهم كثير جميعها مغريات لقراءة الكتاب والأستمتاع به.

إذن الكتاب أنصح به وبشدة لكل مهتم بالتاريخ وخصوصاً معرفة بداية عصر النهضة في أوروبا, ولن أنسى الصراع الذي تلا هذه الأحداث صراع العلمانية مع الدين (الصراع الأبدي).

Dos

صباح الأثنين الماضي عرض حفل الغولدن غلوب, شخصياً أنا مغرمة بمثل هذا النوع من الحفلات ابتداءً بالأوسكار إلى الإيمي وانتهاءً بالغولدن غلوب وغيرها كثير, ليس الأهتمام لمعرفة من سيربح الجائزة ومن سيهزم (رغم انها تضيف الحماس لا أنكر هذا) أو ماهي الكلمة التي سوف يلقيها الفائز بالجائزة وسوف تندرج تحت أي موضوع سياسي مناخي فكاهي, لا ليس لهذه الأسباب بل لأجل الجو المصاحب لمثل هذه الحفلات كنوعية الفساتين التي ترتديها النجمات لتسريحات الشعر الكلاسيكية أو الجريئة منها للمجوهرات المشعة أمامنا من خلال الشاشة, أعشق تتبع هذه الأمور ولم لا الضحك على بعض الأطلالات الغير موفقة (سارة جيسكا باركر كان لها النصيب الأكبر).

في هذا الحفل لفت نظري بشكل كبير طلة إيما ستون, الفستان بقصته الكلاسيكية  والنجوم المطرزة على القماش  والعقد الذي أضاف جمالية أخرى , تسريحة الشعر الناعمة, أحسست بكمال هذه الطلة لا يهمني رأي مجلات الموضة وخبرائها كل اللذي يهمني عندما رأيت الفستان والهيئة لأول مرة هل أعجبتني أم لا؟ الجواب نعم أعجبتني بشكل كامل.

Tres

أسبوعان مضيا وأنا أحاول تأدية التمارين الرياضية وتطبيقها مباشرة من اليوتيوب, وأحياناً أخرى من خلال بعض الأوراق التي تشرح بعض التقنيات والحركات اللازمة لأنواع مختلفة من الرياضة. أعترف بفشلي في تأدية الرياضة في المنزل منفردة , أمر يصعب تحقيقه الوضع مختلف عما كان عليه في النادي بمعية فتيات أخريات ومدربة تصرخ لكي توقظ الحماس بداخلك والجو العام المحيط بك كلها دوافع تجعل من الرياضة أمراً ممتعاً.

سبب تحولي من النادي الرياضي إلى المنزل هو انقضاء فترة اشتراكي الممتدة لـ8 أشهر متواصلة في ديسمبر الماضي, لن أدعي بأنِ كنت من المواظبين على الذهاب أسبوعياً ففي بعض الأسابيع أجد نفسي احضر من ثلاث لأربع أيام في الأسبوع وبعضها الأخر أتغيب عن كامل الأيام, ولكن تقضية الوقت هناك كان شيئاً ممتعاً والنتيجة واضحة على الصعيدين النفسي والبدني, لا أعلم أشعر بأن فكرة العودة تراودني ولكن مازال المبلغ المبالغ فيه من وجهة نظري عائقاً كبيراً لكن سأمهل نفسي مدة أطول لعلي أغير نظرتي تجاه التمارين المنزلية أو حتماً يجب علي العودة للنادي.

Cuatro

التغيرات المناخية, الأحتباس الحراري, لعلها أكثر الجمل التي تتكرر على مسامعنا هذه الأيام , أتذكر جيداً المرة الأولى التي لفت انتباهي هذا الموضوع بسبب الوثائقي الخاص بآل غور “An Inconvenient Truth” لن أنسى حماسي عندما قمت بالتسجيل في الموقع الخاص به لمعرفة آخر التطورات ولم لا التطوع  في بعض الأمور, ما زلت إلى الآن أتلقى الإيميلات من الموقع لتطلعني على آخر المؤتمرات المنعقدة وأهم القرارات الصادرة بشأن تلك التغيرات المناخية, لكن هل قمت بعمل شيء, لا.

سبب تطرقي لهذا الأمر هو عنوان الكتاب القادم الذي أنوي القيام بقرائته خلال الأسبوعين القادمين (نعم أحد أهداف العام الجديد  ان أقوم بقراءة كتاب كل أسبوعين) يحمل عنوان “مستقبل الماء” من تأليف إريك أورسينا كُتب في تعريف الكتاب

بالنسبة إلى إريك أورسينا لن تحصل أزمة مائية شاملة تطال العالم بأسره بصورة متزامنة, إنما أزمات محلية وإقليمية متفرقة  فالأحتباس الحراري سيؤدي بالأحرى إلى رفع كمية الماء الإجمالية على الأرض. لكنه سيفاقم بشكل مأساوي إنعدام المساواة على صعيد مناطق العالم فبعضها سيواجه فيضانات عارمة, وبعضها سيعاني من جفاف متزايد

إذاً حتماً الموضوع سيكون شيقاً أتمنى أن أستمتع مع هذا الكتاب وأن أنقل لكم ملخصاً لأهم ماورد فيه إذا أعجبني طبعاً.

متعة الاكتشافات الجديدة

tumblr_m5znwtXCtZ1rppeeoo1_r1_500

كنت أتصفح موقع تمبلر لتقع عيني على هذه الصورة كُتب تحتها (فيليب روث روائي أمريكي متقاعد – 1968م). في البدء أعترف بإنجذابي للصورة , لما لا وفيها مقومات الجمال بالنسبة لي رجل في منتصف الثلاثينات كرسي وآلة كاتبة  نظارة في الوجه  والسر الأكبر الألوان (الأبيض والأسود).

كنت قد قررت منذ فترة ليست بالقريبة الخوض في غمار الأدب الأمريكي لماذا؟حسناً نظراً لكم الأفلام والمسلات وبرامج التلفاز التي تنتج في تلك البلاد, ولشعبيتها الجارفة بيننا من بينهم أنا إذاً من الضروري استنادها على أدب (روايات – قصص قصيرة) حتى تبرز بهذا الشكل الكبير.

كانت لي محاولات عديدة لإقتحام هذا الأدب, في البداية كانت المصافحة مع إرنست هيمنجواي وروايته “لمن تقرع الأجراس” ويبدو ان تلك الأجراس قد خبت صوتها فصعب علي الأستماع لها, ناهيك عن أحداث تلك الرواية تجري في الأراضي الإسبانية وليس الأمريكية, كانت مصافحة سيئة للغاية جعلت مني وحيدة مرة أخرى في عالم هذا الأدب ثم اتى جون ستاينبيك وروايته ” عناقيد الغضب” هنا سأذكر اعترافاً صغيراً ربما لم أكن مهيئة تماماً لقراءة رواية بهذا الحجم وبتلك الأهمية نتج عن ذلك نفور أدى إلى ترك الرواية جانباً وربما العودة لها في وقت لاحق ان شاءالله. إلى ان جاء بول أوستر وكتابه ” في بلاد الأشياء الأخيرة” انهيتها بسرعة ربما لقصر حجم الرواية أعجبتني لم تكن بالعمل المذهل لكن تركيبة الرواية وشخوصها كانت أمريكية بحتة هنا وجدت نفسي أخيراً في رواية ذو عالم أمريكي ومن أجل هذا السبب بحثت عن روايات أخرى لأوستر فكانت روايته “رجل في الظلام” ويالحسن الحظ كانت أجمل من سابقتها ذلك الأعجاب دفعني لشراء كتابي سيرة ذاتية له (باللغة الإنجليزية) هما: “The Invention of Solitude – Winter Journal” بدأت في قراءة الأولى لكن مع الأسف لم انهها إلى الآن والسبب لأن قراءتي الإنجليزية مازالت بطيئة وتحتاج إلى تدريب أكثر ما ان أصل إلى جملة يصعب علي فهمها حتى يتعكر المزاج مما يؤدي لعودة الكتاب إلى الرف, لكنني مازالت أمني النفس على إكمالها.

نعود لتلك الصورة بعد ما رأيتها أخذت الاسم “فيليب روث” كتبته في محرك البحث غوغل ظهرت لي نتائج عديدة قرأت بعض المراجعات الحسنة لرواياته في موقع الـGoodreads  وأتكلم هنا عن النسخ المترجمة للعربية , قررت إضافة كلمة أخرى بجانب فيليب روث في مربع البحث وهي PDF  كان أول خيار أمامي “الوصمة البشرية – فيليب روث ترجمة فاطمة ناعوت” ضغطت زر التحميل لأتفاجئ برواية من الحجم الكبير جداُ حوالي 600 صفحة, هذه مشكلة أخرى كتاب بمثل هذا الحجم يصعب قرائته من خلال قاريء إلكتروني أو ببساطة كما في حالتي من شاشة الجوال, هدئت من روعي وقلت لا بأس سأحاول ولما لا تجربة الأشياء الجديدة شيء جميل, بدأت في قراءة الرواية الصفحة تلو الصفحة وجدت نفسي أمام قلم جذاب وساحر الكلمات تنساب منه بسهولة ولعبة الضمائر كانت عظيمة, و أماكن حدوث الرواية جذابة وأزمنتها ايضاً حيث أنها تتخذ من العام 1998م نقطة انطلاق لها مع العودة إلى الوراء لنصل إلى خمسينيات القرن الماضي ذاكرة أهم الأحداث التي مرت على البلاد. بطل هذه القصة هو البروفيسور كولمن سيلك متخصص في أدب الكلاسيكيات في جامعة صغيرة تدعى أثينا يتهم في آخر عمره المهني بالعنصرية  والسبب نعته لطالبين متغيبين دوماً عن محاضراته بالـ “Spooks”  وهي كلمة تحمل معنيين أحدهما حميد وندر استعماله في ذلك الوقت والآخر عنصري وهي الدارجة  بشكل أكبر لكن السر العظيم هو أن البروفيسور سيلك كان قد تنكر منذ زمن بعيد لأصله خوفاً من معاملته بالعنصرية . ووصف روث هذه الحالة بتلك الأسطر:

السفر والترحال عبر الحياة بشخصية مستعارة, كان ببساطة يغلق الباب في وجه الماضي والناس والعرق الذي لم يرد أن يربطه به أي شيء حميمي أو رسمي. هل كان ذلك هو الحاجز الأجتماعي الذي أراد أن يتخطاه؟ هل كان وحسب كأي أمريكي آخر خلف حدود التقاليد الضخمة رحب بدعوة الديمقراطية التي تنادي بإلقاء أصوله في البحر إذا ما أسهم ذلك في سعادته؟

 

بالطبع الرواية لم تسلط الضوء على سيلك فقط بل هناك شخصيات عدة بمرجعيات مختلفة كالبروفيسورة دلفين روكسي تلك الشابة الطموحة , المستقلة بذاتها والقادمة من فرنسا لتشق طريقها بنفسها هنا في بلاد العم سام بعيداً عن الطبقة البروجوازية المحيطة بها في فرنسا, وكما وصفها روث لنا “العاشقة المتيمة بكونديرا” , هي ستكون السبب الرئيسي في إثارة تهمة العنصرية ضد البروفيسور سيلك مما يؤدي إلى اتخاذه قرار التقاعد, لكنك قد تشعر بالعطف عليها خصوصاً بعد معرفتك بنجاحاتها العملية وفي سن صغيرة جداً إلا انها كانت ومازالت تشعر بالوحدة الشديدة, الوحدة القاتلةالتي تصيب الإنسان عندما يفتقد لإنسان آخر يشاركه حياته. نأتي للشخصية الأغرب والتي غيرت مجرى حياة سيلك, فونيا, ستربطها علاقة مع كولمن سيلك بعد وفاة زوجته وتقاعده, تلك الشخصية النقيض لسيلك في العمر, في المهنة (عاملة نظافة), وفي المستوى التعليمي (لم تتم تعليمها المدرسي). مرت هي الأخرى بظروف صعبة موت طفليها بحريق ونزوات طليقها فيرلي (كالضرب والأعتداء عليه) الجندي السابق في حرب فيتنام والذي مازال يعاني من اضطرابات عصبية نتيجةً لذهابه إلى هناك.

أشياء عديدة سوف تكتشفها في الرواية كالعنصرية, التخفي وراء ماضي مجهول, الوحدة القاتلة, والطبقية. ستكتشف أيضاً تطورات في المجتمع الأمريكي في بدايات القرن العشرين حتى نهايته. إذاً هذه الرواية لم تكن مجرد مصافحة بل كانت عناقاً طويلاً, أعتبرتها عتبة أولى في سلم التواصل مع فكر وخيالات فيليب روث. ذكرني هذا الأندفاع بإندفاع عشته قبل عامين مع الكاتب التركي أورهان باموق ألتهمت له ثلاث روايات وكتاب سيرة ذاتية وآخر مقالي لم يخذلني إلا في واحدة فقط وأتمنى أن ينتابني هذا الرضا حين أقرأ المزيد من كتب فيليب روث.

لكن لو عدنا للصورة مرة أخرى ستجدون كلمة كُتبت تحتها “كاتب متقاعد” هي بصراحة المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الوصف لكاتب مازال على قيد الحياة, دائماً مايكون الحد الفاصل بين الكتابة والتوقف عنها هو الموت. بحثت في لقاءات فيليب روث في الأنترنت ووجدت هذا اللقاء المترجم في مجلة الدوحة في صحيفة فرنسية بعد إعلانه عن التقاعد, سأذكر بعض المقتطفات منه لعلها تشرح الأسباب التي أدت لإتخاذه هذا القرار:

لم أعد أريد كتابة الروايات. لقد اكتفيت بعد خمسين سنة, لقد تخلصت من سيدي وصرت أتنفس بحرية, لم أعد أريد أن أكون عبداً لمتطلبات الأدب ودقته, لم أكن أرغب في المتابعة وتوقفت هذا كل شيء

وهنا يتحدث عن انحدار القراءة في عصرنا الحالي:

الأشخاص الذين يأخذون القراءة على محمل الجد يتراجع بسرعة في الولايات المتحدة, هذا الأمر أكيد حتماً نحن مضطرون إلى الإقرار بالنجاح الكبير للشاشات من كل الأنواع. المطالعة الجدية أو العابرة لاتتمتع بفرصة أمام الشاشات: أولاً شاشة السينما ثم شاشة التليفزيون, وحالياً شاشة الكمبيوتر التي تنتشر, واحدة في الجيب, وأخرى على المكتب وثالثة في اليد وقريباً ستوضع واحدة بين أعيننا. لماذا لاتتمتع المطالعة الحقيقة بأي فرصة؟ لأن المتعة التي يشعر بها المرء أمام الشاشة أسرع وأكثر حسية.لم تعرف المطالعة عصراً ذهبياً في الولايات المتحدة ولكنني شخصياً لا أتذكر أنني شهدت عصراً حزيناً كهذا بالنسبة للمطالعة

 

tumblr_mropiwNrxg1r8z8kao1_400

مخرج:

في الصيف الماضي كنت في رحلة سياحية لمدة شهر في الولايات المتحدة الأمريكية زرت فيها الساحلين الشرقي والغربي ركبت العديد من الطائرات حتى ضجرت منها. عندما أقترب موعد رحلة العودة أقترحت على أخي الذهاب إلى مطار مدينة واشنطن بالسيارة وإلغاء رحلة نيويورك – واشنطن, لأن سير الرحلة كان كالآتي (نيويورك-واشنطن-جدة-الرياض) كانت فرصة لاتعوض لأكتشاف المساحات الخضراء الشاسعة بين المدينتين, لأن الطبيعة في هذه المكان من البلاد تختلف كلياً عما كانت عليه في كاليفورنيا, الصخرية إلى حد ما, هي أشبه بالطابع الأوروبي. وافق أخي على الأقتراح سريعاً. سرنا في الطريق الواصل بين المدينتين كانت المسافة تزيد بقليل عن الـ300 ميل أي مايعادل ثلاث ساعات ونصف أو أربع ساعات, إذا كان هناك زحام وهو ماشهدناه على الطريق, بالسيارة. بعد خروجنا من نيويورك مررنا بولاية نيوجرسي لن أنسى تلك اللوحة الخضراء ذات السهم الأبيض المشير إلى مخرج قادم لمدينة تدعى Newark  نيوآرك؟ أذكر استغرابي من الأسم وقلت لأخي “هذه المدينة تريد أن تستنسخ اسم مدينة نيويورك لعله يضفي أهمية عليها لكن ياللفرق الشاسع” قلت هذا وأنا أنظر من نافذة السيارة على أطلال المدينة كانت صغيرة قديمة “متسخة” لا أعلم لماوصفتها بذلك لكنها كانت تبدو فعلاً متسخة.

الآن بعد تعرفي على روث أكتشفت أن تلك المدينة هي مسقط رأسه وجل أحداث رواياته تحدث فيها رغم مغادرته لها في سن السادسة عشر بعد خلاف مع والده, لا أعلم لكن ينتابني شعور بالندم لو كنت عرفت روث قبل تلك الرحلة لكان حتماً علي اتخاذ مسار المخرج والذهاب لتلك المدينة.