اللقاء الأول

تخيل معي لو قدمت الكائنات الفضائية، بعد كل تلك التساؤلات عن وجودها من عدمه. تلك الصور المتخيلة لهيئتهم، طريقة تحدثهم، والأسئلة الملحة التي تنتظر الإجابة: هل يملكون عقولاً كما نملك، هل يعيشون وفق أنظمة وبلدان كما هو الحال لدينا؟ ماذا عن مواردهم الطبيعية التي تغذيهم وتمدهم بالطاقة وتمتد حسناتها لتخلق مخترعات تدفع بعجلتهم التنموية سريعًا. 

أحد الطرفين سيكون متقدمًا على الطرف الآخر بسنين عديدة لمميزات توفرت له ولم تتوفر للآخر، جاعلة منه فريسة سهلة يمكن القضاء عليها. لكن هل من الضروري أن يكون التقاء الطرفين حلبة صراع ليبرهن أحدهما قوته وليكتب له الانتصار وتطمئن ذاته بفوقيته. أم أن اللقاء سيكون لطيفًا وودوداً نتبادل فيه خبرات بعضنا البعض ويعجب كل أحد بالآخر وبمدى روعة انجازاته ليصبح التقدير فيما بيننا هو الانطباع السائد لذلك اللقاء.

لندع الخيال العلمي جانبًا ونعود لنغوص في قصصنا نحن في كوكب الأرض فمنذ 500 سنة، كان هنالك قصة شبيهة بقصتنا المتخيلة مع الكائنات الفضائية، قصة التقاء عالمين مختلفين لم يتسنى لهما رؤية الآخر من قبل رغم التواجد في نفس الزمان و تحت نفس السماء. لماذا تأخر هذا اللقاء؟ أحد الأسباب الرئيسية وجود محيط شاسع يفصل بين يابستين، فلا طرق برية يمكن السير عليها، فأن طالت المسافة سيظل الإنسان مطمئنًا لوجود أرض صلبة يطأ عليها بدلاً من قطعة مياه تمتاز بسيولتها مهددةً ثباته ليقع غريقًا داخل عالمها الغامض. دون الإغفال عن  الحاجة الملحة لصنع مركبات نقل تستطيع تحمل السير داخل تلك المياه.

تمكن هذا الإنسان الأول والذي وطأت قدماه تلك الأرض البعيدة من مفاجأة من كانوا يسكنون العالم الجديد. أولًا بسبب اختلاف الهيئة، فذلك الرجل أبيض بشعر أشقر و بلحى طويلة عكس ما اعتادوا على رؤيته. فهم يمتازون بنفس درجة اللون الحنطية وشعر داكن يمتاز بسواده، والمؤكد هو عدم وجود شعيرات كثيفة في وجوههم. يوجد قبائل منهم يعتبرون أنفسهم مختلفين فيما بينهم لكن في الحقيقة هم يحملون نفس السمات الرئيسية. ذلك الضيف الغامض كان مختلفًا واثقًا من نفسه لم تمسه الرهبة من مقابلة هؤلاء المحليين يحمل أدوات غريبة ويرتدي أثقالاً لا يُعرف كيف أمكنه من تحملها. يحمل معه شيئًا لامعًا يضعه حول خصره ويمتطي حيوانًا غريب الشكل.

 “أتراه آلهة، نصف إنسان ونصف حيوان” ظلوا السكان الأصليين يتهامسون فيما بينهم بتلك الأحاديث مضيفين “قد يكون هو الآلهة المخلصة والتي ننتظر قدومها منذ زمن”. على الجانب الآخر ظل الأوروبيين يتسائلون عن ماهية أولئك البشر، في البدء حاولوا إثبات انتمائهم لفئة العقلاء وبالتالي يصبحون أناسًا مهيئين لاعتناق الديانة المراد لها من قِبلهم، ثم تحاوروا بشكل أكبر حول عاداتهم الغريبة فهم يقدمون بعضًا منهم قربانًا للآلهة تقربًا لها وأثاروا بعض الظنون حول قدرتهم على أكل لحوم البشر.  “مستحيل، هؤلاء لا يستحقون البقاء على قيد الحياة أو على الأقل لنستعبدهم”، أقاويل من هنا وأقاويل من هناك رسمت صورًا متخيلة ممزوجةً ببعض الحقيقة وبعض الريبة جعلت كل طرف يتبنى أفعالاً بناءً عليها، النتيجة النهائية كانت انتصارًا كبيرًا لصالح الأوربيين ضد السكان المحليين أو من عُرفوا بالهنود الحمر.

وجد كل من كولومبوس ،و كورتيز ،وبيزارو نفسهم في اللقاء الأول، فمن مهمات للبحث عن خيرات العالم الجديد وتبادل الخبرات لتتحول بعدها إلى قادة مستعمرين امتلكوا الأرض بمن عليها. لماذا حصل هذا التغير؟ تتكرر دائمًا على مسامعنا مقولة العالم قبل حدث ما (بإمكانك وضع ما تراه مناسبًا) ليس هو العالم بعد هذا الحدث، العام 1492 سيتخذ لنفسه موقعًا ملائمًا داخل تلك العبارة.

فبعد أن وطأت أقدام كولمبوس الأرض الجديدة، والتي لا يُعرف موقعها بالضبط في يومنا هذا، اتخذت حياة السكان المحليين منحى آخر لم يتسنى لهم التنبؤ به. فإن كانوا يمتلكون كورة سحرية لتريهم ماذا سيحدث في المستقبل، ستذكر لهم قتل، أمراض، واستعباد وتصرح لهم علانية “ستكونون أقلية في بلادكم ولن تعودوا أصحاب الأرض”.

دخل كورتيز على حاكم الأزتك كضيف مرحب به، ليطمع في مدينة يوكاتان ويدبر الخطط للانقلاب على الحاكم وتحقق له ما أراد. بيزارو الآخر تم إرشاده داخل الطرق الجبلية الوعرة من قِبل سكان محليين ليتمكن في النهاية بالإطاحة بـ مملكتهم، حاضرة الإنكا. كولومبوس الشخص الأول و المسؤول الأكبر عن كل تلك الأحداث ابتدع فكرة استعباد السكان المحليين، لكن السؤال الذي يصرخ عاليًا في هذه اللحظات هو ماذا استفاد الأوروبيون من كل هذا؟ 

رواية البرازيل الحمراء تبدأ أحداثها بعد وصول كولمبوس بستين عامًا ، ولكن هذه المرة في مكان معلوم عند شواطئ ريو دي جانيرو في البرازيل، عندما كانت أرضًا معزولة وخالية من مظاهر الحياة. الأبطال فرنسيون، مع عددٍا لا بأس به من المرتزقة المتعددة الجنسيات، فبعد سنوات من سيطرة الإسبان والبرتغاليين على أتربة العالم الجديد أراد شعب النورماندي تجريب حظه في تلك الأراضي والظفر بقطعة الكعك الشهية وما تخبئه من مفاجئات بداخلها. فيلوغانيون قائد يريد أن يكتب مجده أسوة بمن سبقوه في هذا المجال، كان كورتيز أحد أبطاله الذي أراد أن يتشبه به ويفعل مع فرنسا ما فعله هو مع الإمبراطورية الإسبانية. 

من أبطال هذه القصة أطفال أُخذوا من الميتم ليتمكنوا من اقتباس لغة السكان الأصليين بسرعة ويساهمون في بناء المستعمرة من خلال العمل كمترجمين، من بينهم أخ وأخته تم إقناعهم بالذهاب في هذه الحملة للبحث عن والدهم المختفي منذ سنوات، بسبب سريان إشاعة عن ذهابه هناك للظفر بالكنوز المتوفرة في تلك البلاد البعيدة. 

مع هذه الأحداث الحقيقية والممزوجة ببعض الخيال ولدت لنا قصة ذات تشعبات عديدة، فلا يمكن حصرها أبدًا داخل تلك الشخصيات، فهناك قبائل السكان الأصليين مع عاداتهم المستنكرة ومحاولة التأقلم مع القادم الغريب، وهناك أيضًا صراعات دينية انتقلت من أوروبا لتلتهم تلك المساحة الصغيرة في الأرض الجديدة بين الكاثوليك والبروتستانت، فعلى ما يبدو كل طرف كان يدعي أحقيته في حمل لواء التبشير بين مقيمي تلك الغابات. 

الاستنكار والغربة والخشية من الآخر وظهور العديد من العلامات على جنون أفعال البعض وسمو خُلق البعض المضاد. كل تلك المحصلة تجعل من قصص اكتشاف العالم الجديد ممتعة وشيقة، ومبرزة لهوية الصراعات بين البشر. تجعلك تتفكر في هذا الإنسان وقدراته العجائبية والغرائبية في آن واحد لتحتار في صف من ستنحاز وهل هنالك حقًا من رابح؟

______________________________________________________________

في الماضي وكعادة طفولية في التعلق بأفلام الكرتون، أُعجبت بشدة بمسلسل “الأحلام الذهبية” وقصة رحلة استبيان مع أصدقائه للبحث عن الذهب في أراضي العالم الجديد. لن أدعي فهمي للخلفيات التاريخية والتي بُني عليها هذا المسلسل فقد كُنت ما أزال طفلة لا تعي كثيرًا ما حدث ويحدث في هذا العالم، لكن الأجواء شدتني وأحداثها علقت في ذهني طويلًا. هذا التعلق ظل كامنًا بداخلي إلى أن نما فجأة منذ سنوات بالاهتمام الشديد بقراءة كتب تاريخية متعلقة بتلك الحُقبة، فمن “A Land so Strange” إلى وثائقيات مايكل وود ومنها إلى رواية “ما رواه المغربي” والتي تعتبر سرد شبه خيالي لأحداث تاريخية ذُكرت في كتاب “A Land so Strange” عن طريق الشخصية المنسية من الناجين الأربعة داخل أراضي السكان الأصليين وانتهاءًا برواية “البرازيل الحمراء”. أنا متأكدة من أن رحلة البحث والتنقيب عن قصص ذلك العالم لن تنتهي عند هذا الحد بل على الأرجح أنني ما زلت في بدايتها، وقد تم ايقاد هذه الرحلة الطويلة بفضول وشغف تجاه الكلمات المعبرة والقصص المروية  لذلك الزمان.

العيش في زمن مختلف

تنتابني أحلام يقظة مختلفة من حين إلى آخر متخيلةً نفسي أعيش في زمن مختلف وفي بقعة جغرافية أخرى، غالبًا ما تنتمي لزمان قديم ذو عنوان يشير بسهامه ناحية أوروبا. بالطبع هنالك محفزات مختلفة لتلك التأويلات; من أحدها قراءة كتاب يغدق بالكثير من تلك التلميحات أو مشاهدة فيلم يصور تلك الحياة البعيدة، اما المحفز الحقيقي لكتابة التدوينة والبوح بهذه الأفكار والتي تظل تحوم داخل رأسي هو قراءة لقصة قصيرة حدثت لغوته خلال إقامته خارج مسقط رأسه ألمانيا داخل أجواء إيطالية. لم يكن غوته حاضرًا في حياتي القرائية سوى أن اسمه ظل مألوفًا وحتى لو لم أطلع على أعماله، لكن حظر في ذهني مؤخرًا بعد قرائتي للسيرة الذاتية الخاصة بالمستكشف فون هومبولت وعن الصداقة العجيبة التي جمعتهم، نظرًا لمدى تشابه أرواحهم، رغم اختلاف أعمارهم، فقد اجتمعوا على حب الحياة و الاكتشاف والمغامرات والطبيعة والمتعة القادمة من وراء تلك الأمور والتي ظل كل واحد منهم يصبو للسير خلفها. 

عندما أتم غوته عامه السادس والثلاثين وبعد أن حقق العديد من الإنجازات الشخصية على مستوى الكتابة، ظن أن الوقت قد حان لخوض مغامرة لطالما حلُم بها، ترتكز كليًا على الذهاب والتوجه لإيطاليا وحيدًا ليكون بذلك مبتعدًا كل البعد عما اعتاد عليه من أُناس وطبيعة جغرافية ظل طوال سنواته معاشرًا لها. وهو فعلًا ما تحقق له فبعد تخطيط وإعداد وقراءة بعض المراجع حزم حقائبه وما أحتاج إليه من معدات تلائم عزلته الجديدة ليطلق بعدها لقدميه العنان. 

بلد جديد ذو ثقافة غريبة ولغة تواصل مختلفة كلها كانت تحديات أمام غوته ورغم ذلك ظل متحمسًا لها، وأراد أن يظل اجتماعيًا وأن يتواصل مع أكبر قدر من البشر، فإيطاليا مليئة بالمسافرين و الذين يشبهونه في خوض مغامراتهم الخاصة بهم هناك دون إغفال تنوع الجنسيات والذي مكن غوته من التعرف على أصدقاء جدد من غير الجنسية الالمانية. 

مرت الأشهر وطاب لغوته الأقامة هناك وكل ما أعتقد زملاؤه في أرض الوطن عودته أطال مكوثه أكثر، وظل غوته متحاشيًا خوض مغامرات عاطفية لاعتقاده الجازم بأنها ستؤثر بشكل كبير على حسه الإبداعي وتعيقه عن مهمة كتابة مسرحيات جديدة والتي كانت الدافع الأساسي لرحلته تلك، لكن الإنسان يظل غير مسؤول عن ما يعتري قلبه من مشاعر أن أراد لها القدير الظهور في لحظة ما، وكان هذا ما حصل في شهر أكتوبر بعد إكماله العام على إقامته في روما ومن أجل التمتع بعطلة إيطالية خريفية، قبِل دعوة ثري إنجليزي يملك قصرًا في ضواحي روما ويملك العديد من التحف واللوحات الفنية والتي حتمًا ستكون مفاتيح لأحاديث مع غرباء عدة من مختلف الجنسيات الأوروبية. 

في محاولة له للاندماج مع المدعوين لقصر الثري الإنجليزي لمح غوته سيدة إيطالية مع ابنتها كان قد عرفهما من خلال تواجدهم بالقرب من سكنه في روما إلا أنه لم تتح له الفرصة أبدًا للتواصل معهما إلا الآن في هذا الريف البعيد عن ضجيج العاصمة، ليطيب له الجلوس وقضاء الأمسيات معهم ومع صديقة أخرى قادمة من ميلان والتي تم دعوتها بسبب عمل شقيقها مع ذلك السير الإنجليزي. غوته طاب له الحديث مع تلك النسوة ومع شقيق الميلانية وبدأ في تجاذب الأحاديث عن كل شيء يثير اهتمامه ويطيب لهم الأستماع إليه ولما لا المشاركة فيه، لكن ولأن الأمور السعيدة دائمًا ما تنغص ببعض التوافه التي لا تخطر على البال، قامت والدة الشابة القادمة من روما بعقد محادثات مع غوته حول ما طبيعة العلاقة التي يرغب غوته في تكوينها مع ابنتها، فقد يجهل هذا الشاب الألماني أن الأمور في هذه البلاد قد تكون مختلفة عما هي عليه الحال في بلاده، فبمجرد ما تزداد أحاديثك مع فتاة عزباء يجب على الشاب أن يقدم على الخطوة الجدية ليتمكن من إطالة الجلوس معها والحديث بأريحية أمام الملأ. تلك الحادثة العرضية فتحت عين غوته عن مشاعره الداخلية والتي ظلت محبوسة بإرادته الشخصية رغبةً منه بعدم الأرتباط في علاقات جدية، وأحس أنه أمام الأختيار بين الفتاتين، ومن دون تردد وجد غوته نفسه معلنًا القرار النهائي، والذي أرشده له قلبه بالطبع، بأن الفتاة الميلانية كانت من يطيب خاطره بها وأنه حتمًا يستمتع بالتواجد بقربها للحديث عن مختلف الأمور. تلك الفتاة كانت محبة للأطلاع والمعرفة بكافة التفاصيل التي تحدث من حولها على الرغم من قلة تعليمها كونها حُرمت على حد قولها من الحق في التعليم، كون ذلك الزمان ينظر للمرأة بنظرة مختلفة عما اعتدنا عليه في زماننا الحالية، فما الهدف على حد زعمهم من تعليم المرأة الكتابة؟  لتكتب رسائل غرام للحبيب المحرم،  وما الفائدة أيضًا من تعليمها القراءة؟ فما الذي يجب أن يُقرأ غير التراتيل التي نتلوها في الكنائس. بتلك الجمل الغاضبة عبرت تلك الفتاة لغوته عما يعتري بداخلها لكن هذا الأمر لم يكن ليصيبها بكآبة ذو غمامة سوداء تجعلها مبتعدة تمامًا عن الحياة والتمتع بها، بل على العكس ظلت راغبة بأن تتعلم وأن تشارك من سبقوها في هذا المجال لتتمكن من مجاراتهم. أحد تلك الأمور التي ظلت تشغلها هو اللغة الأنجليزية، فكما هو معروف من يقطنون في ضيافة مضيف إنجليزي، يتجادل الضيوف معه بلغته وأن اختلفت أعراقهم، فما كان من غوته إلا أن هب لمساعدتها لتعليمها تلك اللغة العصية عليها، كونه يمتلك امتياز التحدث باللغتين الإيطالية المفهومة لدى تلك الفتاة والإنجليزية المرغوبة من قِبل نفس الفتاة. 

مرت الليالي الجميلة وظل غوته معلمًا وفيًا للفتاة الإيطالية، ولكن مرة أخرى وكعادة الحياة ما أن تعلن فتحها بابًا من أجلك تركض مسرعةً لغلق نافذةً أخرى، وصدفة وجد غوته نفسه يستمع لحديث نساء عن فتاة تستعد من أجل زواجها وكيفية الأجراءات المتبعة من قِبلها لهذا الحدث الكبير، وأن الزوج متحمس للغاية وقد أعد الكثير والكثير من الأمور لتلك الليلة المهمة في حياته، إلى أن وجد غوته نفسه متسائلًا عن هوية تلك الفتاة ليتفاجأ بأنها التلميذة المجتهدة والتي تتعلم اللغة الإنجليزية على يديه. 

أصبح غوته بعدها متحاشيًا الحديث المنفرد معها دون قطيعة كبرى بينهما بحيث تصبح أمسياتهم ممتلئة بأُناس من حولهم حتى لا يضفي عليها بعض الحميمة والتي لم تظهر حتى قبل تلك الصدمة ولكن قلبه ظل محدثًا له عن مشاعر عديدة كلها لا تصب في صالح أنها مجرد فتاة عادية، لكن عزاؤه الوحيد أنه لم يقم بإطلاق وعود لتلك الفتاة مؤملًا لها بأماني قد لا يكتب لها الحدوث. 

مرت الأيام وعاد كل منهما لمكان إقامته لتأتي بعدها أعياد الميلاد بكل أجوائها الاحتفالية ليتلقى غوته أخبارًا أقلقت مضجعه، فقد تم تبليغه بأن الفتاة الميلانية أصابتها الحمى لتجعلها ملازمةً الفراش، وحدث ذلك بعد أن تم هجرها من قِبل خطيبها. كان غوته يأمل بشدة أن لا يكون لهذا الموضوع صلة به; فقد مضى على وقت تعارفهم مدة ليست بالبسيطة مما يؤكد عدم ربط الحادثتين مع بعضهما البعض.

تلك القصة المتكاملة الأركان من خوض مغامرة في بلاد غريبة واتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالقلب وفكرة الحب المستحيل تجعل منها رواية ملائمة لفيلم أكثر من كونها قصة حقيقة دونها غوته في مراسلاته لأصدقائه والتي نُشرت في كتاب “رحلة إيطالية”. هذا الأمر يجعلني أعيد رسم أحلام اليقظة مرة أخرى في أمنيتي أن أنتمي لذلك العصر وبقعته الجغرافية، لكن سرعان ما أتراجع عندما أتذكر المشاكل الصحية الكثيرة المتعلقة بالرعاية الطبية السيئة في ذلك العصر، وصعوبة التنقل بسهولة من مكان إلى آخر دون أن اغفل عن المعيق الأساسي الأول وهو أن تلك المغامرات محصورة على فئة قليلة من المجتمع لا تزيد نسبتهم عن الثلاثة بالمئة من مجموع الشعب. فها أنا هنا أطرد تلك الأحلام لأعيش الواقع الصعب لكن المقبول نوعًا ما على حسب معاييري الخاصة.

العيش في الظل

فان غوخ لم يكن معروفًا أثناء عيشه، ظل متخبطًا في حياته وفي حاجة ماسة للآخرين من أجل دعمه. الكثير منهم أعتقد بعدم أهمية ما يقدمه من فن، بل تم نعته بأقبح الألفاظ حين تم تقيم أعماله من قِبل أناس مختصة. هذا الأمر كان له التأثير الجلل على روح فان غوخ، فظلت الكآبة رفيقة له في درب الحياة التي عاشها. عاشر فان غوخ الكثير من الأناس المحرومين والذي ظلوا يغذونه بالمزيد والمزيد من النظرة السوداوية رغم واقعيتها على حد زعمه. تلك الضبابية نتجت عنها أعمال حين يراها المرء للوهلة الأولى وتحت تأثير الألوان الزاهية سيتلمس شيء من السرور والسعادة، على الأقل بالنسبة لي. تلك المعادلة المتناقضة تمثل تعقيدات الحياة التي نعيشها فحرمان شخص هو إبداع يجلب الفرح لمتذوقه، وتلك القصيدة والتي حُرم كاتبها من رؤية عشيقته هي حلقة الوصل بين محبوب وصاحبته في الليالي المقفرة. السؤال المشروع هنا، هل لو عايش فان جوخ تلك الشهرة التي حصدها بعد وفاته ستتغير معها طبائعه ليعدل عن قراره و الذي  اتخذه  بإنهاء حياته؟

بيزيل براون منقب انجليزي تم استدعائه من قبل سيدة أرملة تمتلك العديد من الأراضي، إحداها أرضُ ظلت منذ الصغر وبمعية والدها الراحل تعتقد بأهميتها التاريخية، سَخِر براون قليلًا منها، فالحدس لا يعتد به كأداة في التنقيب فهناك العديد من الأمور التي يترتب عليها الشروع في البدء عن تنقيب تلك الآثار المزمع إيجادها. مرت الأيام والأسابيع ليتم تأكيد شعور السيدة بريتي، ليخرج معها حطام سفينة انجلوساكسونية من القرن السابع الميلادي أو ما يعرف سابقًا بالعصور المظلمة، ليكتب لهذا الأكتشاف النجاح الباهر كونه أحدث نقلة كبيرة في قراءة التاريخ الإنجليزي لتلك الحقبة. القصة لم تكن وردية على الأطلاق فمع حدوث اكتشاف بهذا الحجم كان من الضروري تدخل المتحف البريطاني لتبني ذلك الركام، نظرًا لأهميته القصوى للشعب الأنجليزي كافة، فمن غير المعقول أن يظل حبيس متحف محلي والذي ينتمي إليه المنقب براون، مكتشف تلك السفينة. تم الأمر فعلًا بعد قرار من السيدة بريتي والتي اعتقدت بأهمية رؤية ذلك الحطام لكافة الجمهور والذي يسهل توفيره من خلال المتحف البريطاني. النتيجة كانت متوقعة بطمس اسم المنقب براون وربط الاكتشاف بعلماء آثار ومنقبين متمرسين، على عكس مكتشفنا والذي كان هاويًا. من المؤكد أن براون لم يكن سعيدًا بتلك التطورات وأن أمور عديدة حالت بينه وبين سلم المجد والشهرة، لعل اهمها أن ممارسته للتنقيب لم تكن يومًا مبنيةً على دراسة مختصة بل كهواية ظل مطورًا لها بالقراءة والعديد من الرحلات مع والده الخبير بأنواع التربة. 

النظرة المسبقة ذلك الحائط الصلب والذي يصلب على أحدى جانبيه طموحات العديد من أصحاب المواهب والاكتشافات، ففان غوخ ظل قابعًا في داخلها نطرًا لأعماله المختلفة عما هو سائد و عدم انتمائه لمدرسة الرسامين المتخصصين و الذين امتهنوا الرسم من خلال الدراسة وداخل الأبواب المغلقة، فرسامنا كان مغايرًا لذلك وجعله ذلك الاختلاف بعيدًا عن مجتمع الفنانين العظام خلال حياته، براون الآخر حُرم من إنجازه كونه اتى مغايرًا لمواصفات أُعدت من قِبل أشخاص آخرين لم ترق لهم سيرته الذاتية، فهي حتمًا لا تلائم أكتشافًا يعد مؤثرًا في التاريخ الإنجليزي فيصعب معها أن تربط بهاوي تنقيب أمتهنها من خلال ذهابه في رحلات عديدة مع والده.

الشخصية الثالثة والتي سأتناولها في هذه المقالة عايشت ظروفًا معاكسة لما اختبره كلًا من براون وفان غوخ. المستكشف ألكساندر فون هومبولت عاش حياة مليئة بالمغامرة والتطلع لاكتساب معلومات جديدة حول حقيقة المخلوقات الحية من حولنا وعن تلك الأرض التي نسكنها،  فقام بتسلق جبال لم يجرؤ احدًا من قبل على الأقتراب منها، وحدد مناخات ملائمة لنباتات مختلفة حتى أنه توصل لفكرة أن قارة أمريكا الجنوبية كانت متصلة بالقارة الأفريقية، تلك النظرية التي أُكدت حديثًا، فكم يعد جنونًا أن يؤمن شخصُ بها في ذلك الزمان ومع قلة الأجهزة والمعدات الدقيقة. كل تلك الروعة والتي كانت تغلف وجوده في هذا الكون ذهبت أدراج الرياح بعد وفاته فبعد أكثر من مئة سنة لم يعد أحد يذكر فون هومبولت ولم يصبح ذلك الشخص الذي يشار له بالبنان والتطوير في مجال العلوم بل أصبح منسيًا، ولعل من الأمور المضحكة في قصته أن نابليون كان على معرفة كبيرة به وظل مترصدًا لتحركاته نظرًا لما يمتلكه من علاقات مع مختلف الأطياف والأعراق، وإذا صح لنا القول فقد كان نوعًا ما يصاب بالغيرة ناحيته نظرًا لرغبته الجامحة في امتلاك كل من حوله لينال نصيبًا عاليًا من المديح والثناء كما كان يتلقى فون هومبولت بنفسه، لكن في زماننا الحاضر أصبح نابليون معروفًا بشكل أكبر للعامة من فون هومبولت فالسنين كانت كفيلة بإبراز أحدهما مع الإطاحة بالآخر.

ملاحظة تلك الشخصيات الثلاثة برزت لي من خلال قراءة كتابي “اكتشاف الطبيعة” و “فنسنت فان غوخ: الرواية الكلاسيكية لحياة عاشها بين الشهوة والحرمان” ومشاهدة فيلم “The Dig”، قد تكون الصدفة المحضة في قرب الفترة الزمنية لرؤية وقراءة تلك الأعمال جعلتني اربط فيما بينهم، وقد يتواجد هناك فيما بينهم بعضًا من التشابه يجعل حياتهم قريبة إلى حد ما. أم من الممكن استنتاج أنها الحياة بتعقيداتها وتناقضاتها الكبيرة والتي ظهرت جلية في حياة أولئك الثلاثة ليصح القول معها أنها بارزة في جميع حيوات البشر.

القراءة المختصة

من محاسن 2020 القليلة هو عودة شهيتي للقراءة، أصبح لزامًا علي شراء 5 كتب دفعة واحدة ثم قراءتها جميعًا لتبدأ بعدها رحلة البحث عن خمسة كتب أخرى، تزيد أو تنقص لا يهم المغزى هنا هو امتلاك نسخ ورقية. طريقة نجحت معي بشكل كبير وتعتبر أفضل مقارنةً بالتكديس من خلال شراء عدد كبير من الكتب وانطفاء الحماس بعد مرور الوقت. 

الكتب القديمة والتي لم تُقرأ بعد كُتب لها الوداع وعما قريب سأحاول التخلص منها ولكن مازال التفكير مشغولًا بكيفية الطريقة. شعرت بالحماسة أكبر عند امتلاك كتاب جديد وقراءته في حينها على عكس ما قد يحصل من كتاب قد مضى على شرائه سنوات لتتسائل وقتها لماذا هو موجود هنا؟. فكما يعلم جميع القراء هنالك مراحل في حياة القارئ تتنقل اهتماماته من مجالات عدة تقل حينًا وتزيد أحيانًا أخرى، تجتمع جميعها لتشكل رحلته القرائية في هذه الحياة.

العلامة الفارقة في هذا السنة القرائية هو عودة قراءة كتب متعلقه بتخصص الجامعة أو ما يدور في فلكها، فمع مرور الأيام سينسى الإنسان لا محالة ما تم تداوله داخل قاعات الدراسة خصوصًا إذا أرتبط بعمل لا يتعلق كثيرًا بما تم دراسته، من سيكون المنقذ هنا؟ الكتب طبعًا. سعادتي لا توصف وأنا أقرأ تلك الأسطر فقد انتابني شعور جميل وممتع مليء بالاكتشاف والحماسة وكل ما دار في ذهني حينها هو تساؤل كبير يطرح مرارًا” لماذا ابتعدت؟.”

الجواب على هذا السؤال سيبقى غير معلوم، لكن سأذكر بعض الأمور التي حفزتني على الإبحار أكثر داخل الكتب المتخصصة، الكتاب الأول كان تحت عنوان “أينشتاين، بيكاسو المكان والزمان والجمال” كان الكتاب يقع في قسمين قسم عن حياة أينشتاين وإبداعاته وقسم عن بيكاسو وتحفه الفنية. حماستي عند شراء الكتاب كانت متجهة نحو بيكاسو إلا أن ما حدث كان على العكس تمامًا وجدت نفسي أقرأ صفحات أينشتاين بسرعة كبيرة متنقلة بحماسه بين الأسطر بينما على الطرف الآخر استثقلت صفحات بيكاسو لدرجة بدأت أشك في استطاعتي على إنهائها. كان هذا الكتاب كمنبه أراد مني الاستيقاظ والانتباه عن ما ترغب فيه نفسي وما يوده عقلي أن يستقبله، فقد مرت سنوات عديدة على سماع تلك المصطلحات، وكأني أتخيل خلايا دماغي تتراقص فرحًا بعودة ضيف قديم طال انتظاره. 

الأبتعاد طوال تلك السنوات لم يكن كليًا فقد تنقلت بين صفحات مجلات تعتبر علمية ناهيك عن مشاهدة وثائقيات تقع ضمن ذات التصنيف، لكن جميعها لا يعادل المتعة في قراءة كتاب علمي. كتاب “أينشتاين وبيكاسو” دفعني للبحث أكثر عن نوعية تلك الكتب ومنذ زمن وأنا على إطلاع بإصدارات مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للتراث والثقافة، ويلتزم المشروع بترجمة العديد من الكتب حول العالم تقع ضمن تصنيفات تم اختيارها من قِبلهم ولحسن الحظ تم إيجاد تصنيف يعنى بالعلوم والمعارف. بدأت في تصفح العناوين العديدة والمتنوعة في موقعهم الألكتروني ليتم جذبي إلى عنوان يذكر فيه “تاريخ الطاقة والحضارة”. ذلك العنوان لم يلفتني فقط كونه يقع ضمن الكتب العلمية لكنه أيضًا جمع جانبًا آخر لطالما استمتعت به واقتنيت العديد من الكتب ضمن عالمه إلا وهو التاريخ، اقتنيت الكتاب بسرعة رغم سعره المبالغ فيه ولكنه أمر ستعتادونه عند شرائكم لكتب من إصدارهم. حماسي لم يخيب رغم كبر حجم الكتاب وغزارة المعلومات الموجودة بداخله، فما أن أنهي 10 صفحات حتى أشعر بالأمتلاء والرغبة بالتوقف لاستيعاب ما قرأت، ولعل هذا السبب الذي جعل رحلتي مع الكتاب تطول شهرًا كاملًا. وهنا أضع اقتباسًا لمراجعتي للكتاب والتي كتبت عنها في موقع Goodreads:

خلاصة الأمر هو توصلي لأمور قد تكون مرت على كل عاشق للقراءة والتي تجعل منه ممتلئًا بالشغف والبحث بين فترة وأخرى، قد لا يتحدث كثيرًا عما قرأ أو ماذا أستفاد من تلك الكتب التي قرأها لكن حتمًا كان هنالك متعة هو الوحيد الذي يعلم عن مدى روعتها، ولا يعلم ماذا يخبئ له القدر في قادم الأيام أن أستعمل ما تم قرائته في مشاريع وخطط مستقبلية تفتح له أبواب كانت مغلقة، دعونا نتمنى جميعًا أن نجد تلك الفائدة وفي أثنائها لنستمتع معًا بالرحلة.

كيف ترى العالم؟

out of africa

يتم الإنصات يوميًا إلى عدد الإصابات الجديدة لمرضى الكورونا أو ما يعرف بفيروس كوفد 19 كجزء من حملة التوعية بهذا المرض واستشعار المسؤولية من قِبل الكل بلا إستثناء. لعل هذه الجائحة لامست مشاعر الناس كثيرًا وأضافت شعورًا بمصير واحد لكل سكان الأرض، إحساسٌ بأن الكل واحد والجميع مشارك من أجل القضاء عليه. لغة الأختلافات بين البلدان والثقافات ومن هو الأكثر تطورًا ومن مازال خلف ركب التقدم، جميعها معايير اختفت وظل الجميع سواسية في كيفية الإصابة بهذا الفيروس وربما حتى بكميات الإصابة والتشافي. إذن هل نحن بالفعل نعيش في عالم منقسم لمتطور حضاري وعالم آخر نامي لا تتوفر فيه سبل الحياة الكريمة، هل مازال مصطلح “هم” و “نحن” يصح استعماله في أوقاتنا الحاضرة؟.

في مشهد من أحد أفلامي المفضلة ومن بطولة ميريل ستريب وروبرت ريدفورد “Out OF Africa”، والذي تمتلك فيه كارين الارستقراطية أرضًا في أفريقيا ويقع تحت أمرتها العديد من الأفارقة مع عوائلهم. كانت كارين حريصة بشدة على جعل هؤلاء السكان أكثر تحضرًا على حد زعمها فكانت تقترح على دينيس، وهو مغامر أمريكي قِدم إلى أفريقيا حبًا في طبيعتها و لممارسة هوايته المحببة الصيد، بناء مدارس لهم لكي يتمكنوا من القراءة والكتابة غضب دينيس من هذه الفكرة قائلًا لها لا تفكري بالنيابة عنهم أجعليهم هم من يقرروا مصيرهم لا تقومي بفرض ثقافتك عليهم نحن هنا مجرد عابرون. استحضرت هذا المشهد كثيرًا عند قراءة كتاب “الإلمام بالحقيقة” لهانس روسلينغ، عالمنا لم يعد ذو اختلافات كبيرة أو كما يطلق عليه بمسميات مثل الشرق والغرب أو دول العالم النامية ودول العالم المتقدمة، هذه الاختلافات كانت موجودة ولازالت أيضًا لكن العالم لم يستوعب بعد حجم التطور الهائل الذي خطته معظم الشعوب، لازالت تلك الصورة القديمة تسكن العقول مغيبةً عنهم العديد من الحقائق الجميلة و المبشرة بمستقبل أفضل. 

فكرة تأليف الكتاب أتت لهانس في حوارته مع الطلبة، دائمًا ما يصر طلبته على وجود حدود وفروقات بين دول إقامتهم وأماكن العيش المختلفة في العالم، فحين تم ذكر معلومة عن أن وفيات الأطفال تزداد وتبلغ ذروتها في المجتمعات القبلية في الغابات المطيرة، وبين المزارعين التقليدين في المناطق الريفية النائية، قفز أحد طلاب هانس ليقاطعه قائلًا “هؤلاء لا يمكنهم أبدًا أن يعيشوا مثلنا” وتم دعمه من قِبل جميع الحاضرين لتلك المحاضرة بإيماءة من رؤوسهم. قام هانس بطرح عدة أسئلة على هذا الطالب وعن ما يقصده ب”هم”؟ ليبدأ الطالب بالتبرير ومدافعًا عن نظرته بأنه يقصد الناس في البلدان الأخرى، وبما أن موقع هذه الحادثة كان في السويد قاطعه هانس باستنتاج أنه يقصد بذلك جميع بلدان العالم غير السويد نفى الطالب تلك العبارة بتفسير أكثر وضوحًا بأنه يقصد البلدان غير الغربية. استاء هانس كثيرًا لتلك الأوصاف فدائمًا ما يزرع الإنسان بداخله غريزة الفجوة و تقسيم الأشياء إلى فريقين متضادين في كل شيء: الأغنياء والفقراء الغرب والشرق. أراد الدكتور هانس روسلينغ إيضاح الحقيقة كاملةً وتوضيح أننا نعيش في عالم أفضل ما توصل إليه الإنسان والخطوات المتخذة في شتى المجالات زادت في أعمارنا وسهلت عمليات تنقلنا وأصبح التعليم متواجدًا عند الأغلبية بمن فيهم الفتيات والنسب مازالت في ازدياد، سبب اطلاع هانس على كل تلك الأمور هو عمله في منظمة الصحة العالمية وإرساله من وقت إلى آخر لتلك البلدان المختلفة عنهم كما يشاع لرؤية الأوضاع هناك ومعالجة ما يمكن إصلاحه خصوصًا فيما يتعلق بالصحة. توصل هانس إلى عشرة أسباب تجعلنا لا نرى العالم كما هو أولها ما ذكرته سابقًا بغريزة الفجوة والغرائز الأخرى تتوالى تباعًا في الكتاب مع ذكر قصص عايشها الدكتور بنفسه مستخلصًا منها تجارب تثبت وجهة نظره راجيًا من القارئ أن يقتنع بها أيضًا.

عند قراءة الكتاب ستستشعر نبرة التفاؤل الكبيرة لدى هانس، ستصلك تلك النظرة الإيجابية للأمور فالعالم الذي نعيش فيه والذي نسمع عنه بعض القصص المروعة كفقر شديد في بعض زواياه وكوارث طبيعية لم تحدث من قبل، يواجهها هانس بإحصائيات وبيانات وأرقام ستصدمك، إيجابًا وليس سلبًا، مع أن كاتبنا أعاد مرارًا وتكرارًا أنه ليس هذا الشخص الذي من الممكن أن تنطبق عليه المواصفات التي ذكرتها في الأعلى، فهو ليس بهذه السذاجة على حد قوله. يتحدث عن نفسه بأنه شخص “إمكاني” ومعنى هذا المصطلح والذي هو من إبتكاره أنه شخص لا يأمل بدون سبب، ولا يخاف بدون سبب، شخص يقاوم باستمرار النظرة العالمية الدراماتيكية بإفراط. تلك النظرة الدراماتيكية المفرطة والتي نعيشها يوميًا من مختلف الأخبار التي نتلقاها ولعل الجائحة الحالية زادت من تلك الجرعة لحدٍ بدأ من الصعب التخلص منها. في أحد الفصول ذكر روسلينغ غريزة يجب تفاديها لرؤية الأمور على حقيقتها إلا وهي غريزة الإلحاح كأن يضعك الشخص أمام خيارين أما الآن وأما فلا، ربط تلك الغريزة بمشكلة تغير المناخ والتي هي حقيقة لا يقبل الجدال فيها، ليست هنا النقطة التي لفتت انتباهي وشعرت بتقاطع رأي مع الدكتور، فعند ذكر مشكلة تغير المناخ تبرز سمة المبالغات واختيار كل من يتبنى هذا الفكر للسيناريو الأسوأ وتخويف الناس بأمور ستحدث هي مستبعدة إلى حد كبير، عادةً ما يبرر ناشطي المناخ أنه لا بد من إثارة الخوف والإلحاح بادعاءات مبالغ فيها أو غير مدعومة لأنها الطريقة الوحيدة التي ستجعل الناس يتحركون لمعالجة المخاطر المستقبلية، يبررون لها بأنها استراتيجية ذكية على نمط الغاية تبرر الوسيلة.  لطالما كنت أنا من أكثر المتحمسين لتلك المشكلة العالمية، ولازلت، مع رغبتي الدائمة في الاطلاع على المقالات المتعلقة بهذا الموضوع والوثائقيات ذات الصلة والحملات التي تحدث لكن مؤخرًا بدأت استشعر أن هنالك نبرة درامية مبالغ فيها لدرجة غير مقبولة مع تجنب الحديث عن الأصلاحات التي أتت ثمارها في وقتنا الحاضر من تخفيض نسب الغازات الدفيئة في الجو، يكفي متابعة صعود سهم الناشطة غريتا ثونبرغ لتفهموا المغزى من حديثي.

الكتب الرائعة هي التي تجعلك تبدل مفاهيم بداخلك مع اكتساب معلومات جديدة ذات أهمية وأيضًا هي من تجعلك تناقش وتطرح أفكار مناقضة نوعًا لما لبعض ما ذكر، أحدها كانت فكرة تم طرحها في بداية الكتاب وتحديدّا في فكرة نحن وهم وتقسيم العالم إلى فريقين فقط. صنف هانس روسلينغ الدول والشعوب إلى أربعة مستويات ترتقي من مستوى إلى آخر بإضافة بعض المزايا، فالمستوى الأولى هو ما يمكن وصفه بقوت عيش يبلغ دولار واحد لليوم، أبناؤك لا يرتدون الأحذية وعليهم الأنتقال من مكان إلى آخر سيرًا على الأقدام، إذن نحن هنا نتحدث عن فقر مدقع. في المستوى الثاني يتضاعف دخلك أربعة أضعاف أي ما يعادل 4 دولارات بإمكانك الآن أن تشتري طعامك، ستتمكن من شراء أحذية لأطفالك وتوفير موقد غاز، الكهرباء ستكون حاضرة لكن بشكل متقطع وهنا يوجد أكبر نسبة من شعوب العالم. المستوى الثالث مرة أخرى سيتضاعف راتبك أربعة أضعاف ليصبح 16 دولار معها ستتمكن من توفير وسيلة نقل، ليست سيارة بالطبع بل دراجة مع توفر خط كهربائي ثابت وهنا أيضًا يقع ثاني أكبر نسبة من سكان العالم بعد المستوى الثاني. المستوى الرابع والأخير هو أذا تمكنت من اكتساب أكثر من 64 دولارًا في اليوم فأنت هنا مستهلك غني لن تؤثر فيك الزيادات الطفيفة كثلاثة دولارات كما فعلت بمن ينتمى للمستوى الأول عندما نقلته للمستوى الثاني لكن ستتمكن حتمًا من اقتناء السيارة وركوب الطائرة. عندما تعرفت على تلك المستويات الأربعة والذي أسرف هانس في الحديث عنها في الكتاب وحتى آخر أيام حياته قبل رحيله محاولًا اقناع الأمم المتحدة بتلك التصنيفات بدلًا من دول نامية ودول متقدمة، شعرت أن هانس قد خفض كثيرًا من ضروريات الحياة فالفروقات بعد قراءتك لمختصر ما حاول قوله تبدو طفيفة جدًا بين المستويات الثلاثة الأولى تكاد تكون مستويات للفقر لكنه يقع بين السيء والأسوأ. أعلم أن الحياة تتطلب مأكل ومشرب وسقف يحمي ويأوي الأشخاص عند حدوث الأزمات لكن أليس من المخجل أن نتحدث عن تلك الأمور ونحن نعيش في زماننا الحالي مع كل التقدمات الحالية وضروريات العيش التي حتمًا تغيرت وأصبحت أكثر من مجرد مأكل ومشرب ومأوى بسيط؟.

 قراءة الكتاب أتت في ظروف ملائمة، فالكاتب من المنتمين لمنظمة الصحة العالمية والكثير من القصص والتجارب المذكورة داخلة تتحدث عن أوبئة تم التعامل معها فيما سبق ومصطلحات ذُكرت أصبحت مفهومة من قِبلي مع أجواء تبدو مألوفة كثيرة بالنسبة لي، أصبح بإمكاني إدراك طريقة عمل وتفكير من يعمل تحت نطاقها مع كيفية السيطرة على تلك الأمراض. عند اقفال الكتاب ستكتسب حتمًا صفة التواضع وهي موجودة مسبقًا عند الجميع لكنها ستنمو بشكل أكبر، رؤيتك للعالم وللأشخاص المنتمين له ستتبدل، ستعلم أن الجميع يتطور والجميع يحاول ونحن في وقت لم يسبق له مثيل من السيطرة على الأمراض وتوفير الأستقرار النفسي والأمان، لنحمد الله جميعًا على هذه النعمة.

 

من السهل أن نكون مدركين لكل الأمور السيئة التي تحدث في العالم. من الأصعب أن نعرف بشأن الأمور الجيدة.

-هانس روسلينغ

أنا وأنطوان والطائرة

الطائرة، تلك الآلة المسؤولة عن تنقلنا من خط عرض إلى آخر في فترة زمنية قصيرة. تبعدنا عن كل ما هو صلب لنغوص معها في أعماق الهواء دون شعورنا بأن أوزاننا باتت كالريشة. دائمًا ما ترتبط الطائرة بعنصر الخوف، ففكرة كونها معلقة في السماء دون أساس ترتكز عليه مرعبة إلى حد ما، فقد عانيت لسنوات طويلة من رهاب السفر بالطائرة، فعند ركوبها لا يمكنني النطق بكلمة واحدة، لساني ينعقد وكأنه لم يتعلم الكلام من قبل وقوة التركيز على التفاصيل الصغيرة تزداد عند تواجدي بداخلها، هنا اعوجاج على جناحها، وقطعة قماش الأرضية منزوعة من مكانها، كلها ملاحظات تبدو بسيطة لكن عقلي يضخمها بدرجة كبيرة جاعلًا منها حاجزًا وهميًا بين الطمأنينة والقلق. لا أعلم منذ متى بدأت تلك الرهبة من الطائرة لكن تتضح جليًا صور لرحلة من الرياض إلى الطائف وأنا صغيرة بالعمر والمطبات الهوائية كانت شديدة لدرجة فتح أدراج الأمتعة العلوية لتتساقط الحقائب بشكل متتالي ليتبعها خط الأنارة الأحمر على الأرضية ويقوم الكابتن بترديد دعاء السفر مرة أخرى، حيث جرت العادة ذكره عند بداية الرحلة، مرت الأوضاع السيئة بالطبع ليتبعها هبوط بسلام أو على ما أعتقد هذا ما حصل كون الذاكرة ليست دقيقة بسبب صغر عمري. على العكس تمامًا أذكر تمامًا تلك اللحظة التي تلاشت فيها جميع المخاوف المتعلقة بالطيران، تلك اللحظة أتت دون مقدمات ولا تهيئة للنفس من خلال دورات معدة لمثل هذه الأمور بل على العكس تمامًا كأن نفسي هدئت من روعها من تلقاء نفسها. كانت الرحلة من الرياض إلى واشنطن، والمدة الزمنية تزيد قليلاً عن ثلاثة عشر ساعة وهناك ملحق آخر لرحلة أخرى تصلني بمدينة لوس أنجلوس والتي يبلغ طولها 4 ساعات و45 دقيقة. أن أجريتم عملية حسابية بسيطة ستجدون مجموع الرحلتين يساوي 18 ساعة. يوم كامل وأنا معلقة بين السحاب فوق بحار ومحيط وجبال وصحاري وكل ما تفرزه الجغرافية من تضاريس مختلفة. كنت مشغولة البال قبل الرحلة بأسبوع، أو لعله أكثر، كيف سأقضي كل تلك الفترة الزمنية في السماء ماذا سأفعل كيف سأتمكن من تهدأت نفسي،  لأن الوضع الغريب الذي أصبح عليه لا يحتمل زيادة مدته الزمنية. ذاكرتي الصورية الجيدة ترسل لي مقاطع من تلك الرحلة اللامنتهية الركاب كانوا قلة وعدد الكراسي الخالية أكثر بكثير من عدد المسافرين. سهولة التنقل بين المقاعد كان أجمل ما في الرحلة، هنا أستطيع الاستلقاء ومحاولة النوم، وهنا أستطيع إعادة الكرسي إلى الخلف لإراحة الأقدام والرقبة والتي نادرًا ما تحدث في الدرجات الخلفية من الطائرة. أذكر مشاهدتي لمسرحية لولاكي كاملة، وبعض حلقات فريندز وأذكر أيضًا تنقلي إلى المقعد المجاور للنافذة لرؤية المحيط الأطلسي، بعد ظهور الطائرة على المسار الموازي له على الخريطة التفاعلية، تلك الزرقة الممتدة كانت عظيمة تشعر بأنها كتاب أزرق مفتوح يحوي من الأسرار ما يعجز الإنسان عن اكتشافه، هناك طمأنينة غريبة سرت في جسدي عند رؤيتي للمحيط ورغم قوة المطبات التي كانت تحدث أثنائها وإضاءة إشارة تنبيه ربط الأحزمة، إلا أن كل هذه الأمور لم تكن تعنيني أمام منظر المحيط من الأعلى، هنا حدث السكون وكانت نقطة التحول.

كان أنطوان طيارًا متخصصًا في نقل الشحنات الجوية بين قارات عدة، و لتمييزه عن بقية طياري عصرنا الحالين كان يمتهن تلك الوظيفة في العام 1926 وكنتيجة لذلك يعتبر من الأوائل الذين مارسوا هذه الوظيفة. فمازالت الطائرة اختراعًا حديثًا تقام عليه التجارب، واكتشاف الطرق الواصلة بين المدن والقارات في طور بداياتها وتولد من خلال الطيارين أنفسهم، فمهمتهم هنا انتحارية، كون الآلة التي يمتطونها غير مهيأة بمعدات السلامة والمتوفرة في أيامنا هذه، و يمكن القول أن معدل تعطل محرك الطائرة أعلى بكثير من معدل نجاته. غالبًا ما يجد نفسه أنطوان وهو مظطرًا للهبوط في أعماق الصحراء بين قبائل الطوارق واللذين يرغبون في رؤيته ميتًا قبل الترحيب به من أجل الضيافة أو في أعالي قمم جبال الأنديز حيث يندر وجود البشر وأن وجدوا تتضح على ملامحهم سمات بعيدة كل البعد عن ما أعتاد عليه بنو البشر في أصقاع الأرض الأخرى. كل هذا جعل قلم أنطوان يخط حروف وجمل جميلة عن مراقبة الأرض من الأعلى من خلال رحلاته المختلفة لتوصيل الطرود البريدية. هذه الأداة كانت وسيلة لأنطوان من أجل اختلائه بنفسه ومراقبته لأناس آخرين لن تتاح له رؤيتهم بوظيفة مكتبية في بلده الأم فرنسا، رؤية الأراضي الشاسعة من الأعلى تجعل الإنسان يصغر بهمومه وأوهامه التي ما انفكت تملأ رأسه من غير جدوى حارمةً أياه متع الحياة البسيطة.

*من خلال هذه الطائرة عاش أنطوان مغامرة حياة وموت في أعماق الصحراء الليبية، فتمت أصابته بالهذيان لفترة من الوقت لتأتي أمامه صور لأناس ومعالم ليس لها وجود على أرض الواقع وكل مرة يخبو الأمل ليعود مرة أخرى بعلو أكبر معلنة استمراره في هذه الحياة رغم اعتقاده بمغادرتها. هذه المغامرة حدثت بسبب هبوط الطائرة في المكان الخطأ لرداءة تحديد المواقع والاتجاهات التي توفرها تلك الآلة وضعف الإشارات المرسلة من قِبل المراقبين الجويين، ولقلة عددهم أيضًا، كل تلك العوامل اصطفت لتحكي لنا قصصًا لا أظن أن تكتب في زماننا هذا أو ستقل حتمية حدوثها على عكس ذلك العصر، تلك المغامرات المثيرة تتكرر بشكل مستمرة لأنطوان أو زملائه الطيارين.

 

لسنوات قليلة اعتدت على شراء الأجندة من ماركة moleskine، لتصميمها المميز والذي يُسهل علي العديد من المهام المطلوب مني كتابتها. اعتادت الشركة على تزيين تلك الأجندات ببعض الشخصيات الخيالية القادمة من القصص الشهيرة، عليكم تجربة تصفح منتجاتهم على الأنترنت ورؤية جمال الرسومات التي تزيين أغلفة تلك الأجندات، أحد تلك الشخصيات هي شخصية الأمير الصغير. جميعنا نعرف ذلك الكرتون الشهير المقتبس منه وقصص تنقل أميرنا من كوكب لآخر، ذلك الخيال المفعم بالسعادة والفضول في آن كانت رسوماته ملازمة لأجنداتِ. وما زال اختياري يقع عليه كل عام حتى ولو كان مجرد دفتر ملاحظات يومية المهم هو رؤية ذلك الأمير الصغير قبل كتابة ما في رأسي من أفكار. زميلنا أنطوان هو مخترع تلك الشخصية فيصعب علي عدم الربط بين مغامراته في الطيران وميلاد تلك الشخصية، فلا يمكن تصور تلك الرائعة دون خوض كاتبنا مغامراته مع الطائرة وبقائه معلقًا في السماء ومتمسكًا بها أكثر من تلك الأرض الصلبة. ساعات الطيران الطويلة  جعلت خياله خصبًا لتلد لنا تلك الشخصية اللطيفة والتي ظلت ملازمة لجميع دفاتر ملاحظاتي.

لعل الطائرة ليست بالآلة الموحشة بعد كل هذا، فهي تتيح لنا آفاقًا لم نتخيل أنفسنا أن نصلها يومًا ما، وكما فعلت بأنطوان حين أخرج للعام تحفته “الأمير الصغير”، من يدري ماذا يمكن أن تفعل بك أنت. فتحية إجلال وتقدير لتلك الرائعة.

 

“الطائرة آلة من غير شك، ولكن يا لها من من أداة تحليل عظيمة. فلقد مكنتنا هذه الأداة من رفع النقاب عن وجه الأرض فعرفناه على حقيقته.  و للطائرة معجزة أخرى فهي تلقي بك مباشرة في صميم السر الغامض. تكون في الطائرة كعالم الحياة، تدرس من وراء نافذتك قرية النمل الإنسانية وتفحص هذه المدائن المستقرة بين السهول وسط الطرق التي تتفرع كالنجوم وتغذي البلاد برحيق الحقول كأنها الشرايين”

-أنطوان دو سانت اكزوبيري

 

*القصة ذكرت في كتاب المذكرات الشخصية لأنطوان دو سانت اكزوبيري “أرض البشر”.

جنتلمان في ورشة عمل

حُكم علي بالإقامة الجبرية ليس من أجل قتل غير متعمد كنت قد ارتكبته، ولكن لكوني ولدت أرستقراطيًا، قبل قيام الثورة في بلدي كانت الألقاب تصطف قبل ذكر اسمي بعدها أصبحت أنادى بأقل أحرف من الممكن أن تقود الشخص إلى اسمي الأول، لا يهم من أنا و ابن من كل ما يهم هو ذلك الأسم والذي نادرًا ما كنت استمع إليه في سنواتي عيشي الأولى. أغلب من أعرفهم كانوا قد تسللوا إلى خارج البلد إلا أنا كنت قد قررت العودة إلى الوطن لمحاولة انقاذ بعض الممتلكات لأجد نفسي و قد أصبحت من ممتلكات أشخاص آخرين يقررون مصيري. لعل حظي كان سعيدًا إلى حد ما كوني لم أرسل إلى مشنقة الإعدام فمحكمة الوطن والشعب كانت قد قررت أن ترسلني للإقامة الجبرية داخل فندق المتروبول، طبعًا ليس داخل أروقة أجنحتها الفاخرة بل في العلية في غرفة مساحتها تسعة أمتار مربعة، كانت بالنسبة لي رغم صغرها العالم بأكمله. 

الحياة داخل الفندق لم تكن مملة بل على العكس قد شَغلتُ أوقات فراغي بالعمل داخل المطعم كنادل وأصبحت الأب الروحي لأبنة اعتز بمنادتها لي “بابا”، وصديق الدراسة كان يزورني بين الحين والآخر ليطلعني على أحوال البلاد في الخارج أو لعلي كنت أستشف من هيئته ومزاجه الوضع العام للوطن وللأسف لم تكن التكهنات مبشرة. أصبح لي مجلس رئاسي داخل أروقة المطبخ مع مساعدي الشيف والخادم المسؤول عن الحجوزات  كنا نقرر مصير ضيوف المطعم واللذين دائماً ما يصادف أن يكونوا أحد أكبر رجالات البلد فهذا المبنى القديم المنتمي للعهد الأرستقراطي وجد له مكانًا داخل دولة البلاشفة رغم الاختلافات الجذرية كليًا فيما بينهما، لكن تلك هي غرابة الحياة تندد بشيء وتنهى عنه ثم تجد نفسك متتبعًا تلك الخطوات القديمة والتي سبق لك انكارها. 

لن أكذب مرت علي لحظات عديدة كرهت فيها ذلك المكان وشعرت بأنه يخنقني رغم وجود المشتتات والتي من الممكن أن تنقذني، قد حاولت الهرب من الحياة مرة ولكن شاء القدر بأن لن تحدث. عمري نصفه قضيته في الخارج ونصفه الآخر قضيته داخل المتروبول، حدثني صديقي ميشكا ذات مرة وفي عينيه غبطةً للحياة التي أعيشها هنا قائلًا “”من كان يتخيل عندما حُكم عليك بالإقامة الجبرية مدى الحياة في المتروبول قبل كل تلك السنين، أنك قد أصبحت أكثر رجل محظوظ في عموم روسيا”، كان جدار الفندق وأن بدأ بكونه مانعًا لي من رؤية الحياة في الخارج أصبح على غير العادة حاجزًا حاميًا لي من كل تلك التحولات الجذرية في البشر والأبنية. أصبح كل شيء غريبًا لا ينتمي لما كانت عليه الحال في أيام حريتي.


يمكن اعتبار “جنتلمان في موسكو” رواية كلاسيكية بروح عصرية، لأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مع كل التحولات الموجودة في ذلك الوقت على عموم أوروبا مع التركيز على بلد الراوي للقصة روسيا. تشعر أن كاتب الرواية وهو أميركي كان متأثرًا بشكل كبير بأدباء روسيا فتقمص منهم القصص والأحداث وانتقاء الكلمات. هي رواية طويلة ستجعلك تنغمس جدًا في شخصياتها، فكل شخصية رُسمت بطريقة تفصيلية رائعة لتتداخل مع بطل قصتنا بطرق لا يمكنك تصورها مضيفةً أحداث مشوقة لرواية من المفترض أن تتخذ من مكان واحد مركزًا لأحداثها. ستثير تلك الأسطر الفضول بداخلك وتطرح تساؤلات عديدة عن الحياة وحتمية الخيارات وماذا لو فعلت كذا ولم أفعل كذا، التفاؤل المغلف بتقبل سوء الأقدار التي وُضعت أمام بطلنا. قصته لن تكون مختلفة عن أي شخص في هذا العالم في أي بقعة جغرافية وزمنية ينتمي إليها كلهم يشتركون مع الكونت روستوف تأمل الحياة ومحاولة تجاوز العقبات الواحدة تلو الأخرى.

أراد الكاتب أن يسلط الضوء على تلك الطبقة الأرستقراطية والتي تم إزاحتها بفعل الثورات على امتداد قارة أوروبا، يمكن اعتبارها وجهة نظر مختلفة ورؤية للجانب الآخر لأولئك الأشخاص المنتمين للطبقة، مثلًا طريقة تعاملهم مع الآخرين، وطريقة تثقيفهم لأنفسهم بجمع أكبر قدر من المعلومات الثقافية من هنا وهناك وتجنب افتعال أمور سيئة والابتعاد عنها قدر الأمكان. وكأن الكاتب أراد إيصال فكرة أنهم ليسوا مجرد جامعي أموال معزولون عن بقية البشر (والذي يمكن القول أنه صحيح نوعًا ما)، بل توجد بهم صفات تستحق أن يشاد بها قد نفتقدها في عصرنا الحالي. كل تلك الأمور تتجلى وتتضح في شخصية ألكسندر روستوف.

 

يوم السبت الماضي شاركت في ورشة عمل بسيطة تم الإعلان عنها في تطبيق meet up، تتحدث الورشة عن ليلة تنكرية أدبية، على الراغب في المشاركة أن يتقمص شخصية من أحد الروايات، ويفضل لو كانت كلاسيكية ومشهورة، ويخبر بقية الحاضرين عن تلك الشخصية من خلال نص يتم كتابته من قِبل الكاتب نفسه وله كامل الحرية في اختيار الأسلوب. عند قرائتي للأعلان كنت للتو قد انتهيت من قراءة الرواية وما زلت تحت تأثيرها فأحسست برغبة الحديث عن الكونت روستوف، رغم أن الرواية حديثة فلم يتجاوز عمرها ثلاثة أعوام والترجمة العربية صدرت العام الماضي، لكن تلك الحماسة التي كانت تغمرني لم تمنعني من الكتابة عنها والحديث مع أشخاص غرباء كليًا عنها. فخرج النص الظاهر في أعلى المدونة وكما توقعت لم يستطع أحد التنبؤ بشخصيتي الروائية لكن تلمست حماسة الكل لأقتناء الرواية وقرائتها.


“لكن عندما تنفي رجلًا داخل بلده، فلا وجود لبداية جديدة. فبالنسبة للمنفيَ داخل وطنه، لن يُصبح حب الوطن أمرًا غامضًا أو مكفنًا بضباب الزمن. في الحقيقة، ولأن جِنسنا قد تطور على نحو جعلنا نولي أكبر اهتمامنا للأشياء التي تقع بعيدًا عن متناول أيدينا، فإن هؤلاء الرجال، على الأغلب، سيظلون التفكير في مباهج موسكو أكثر من أي موسكوفي لديه حرية التمتع به”

-ألكسندر روستوف

 

 

رباعي الأضلاع

SAY NOTHING:

جين أرملة تبلغ من العمر 38 عامًا وأم لعشرة أطفال تعيش في بلفاست الغربية، كانت جين طوال سنوات زواجها أما حاملًا أو تتعافى من ولادة. وفي ليلة من ليالي ديسمبر وقبل أيام قليلة من عيد الميلاد طرق طارق باب المنزل ليفتح الأطفال الباب و يجدوا مجموعة من الأغراب يأمرونهم بجلب أمهم في الحال، سمعت أمهم الحديث، فالشقة لم تكن بالبناء الضخم ناهيك عن ضعف الحوائط المستخدمة والتي من خلالها يمكن الاستماع لأحاديث الجيران كاملةً، قدِمت الأم عند الباب ليتم سحبها بقوة رغم أرادتها ومعها يبدأ صراخ الأولاد ومحاولاتهم الضعيفة لإرجاع أمهم وكل هذا يحدث على مرأى من الجيران الذين لم يتدخلوا لمساعدة هؤلاء الأطفال اليتامى، الأبن الأكبر ظل ممسكًا بأمه إلى أن طلبت الأم منه المغادرة قائلةً لهانتظرني، سأعود“.

بهذه القصة يبدأ الكاتب باتريك كييف كتابه عن الأوقات المضطربة التي عاشتها إيرلندا الشمالية من الستينات إلى أواخر التسعينات حتى تم توقيع اتفاقيةالجمعة العظيمةوالذي وضع نهاية لأحداث الحرب الأهلية القائمة هناك بين البروتستانت والكاثوليك

هذا الكتاب ظهر كثيرًا على قوائم أفضل الكتب لعام 2019، وربح في تصويت موقع أمازون لأفضل كتاب تاريخي للعام الماضي. في العادة أحب أن أطلع على هذه القوائم ليس لأنها فعلاً الكتب الأفضل ولكن لتعطيني لمحة عن الكتاب الصوتي القادم الذي سأستمع إليه، فقد أصبحت لدي عادة أن أستمع للكتب الأنجليزية بدلًا من قرائتها فعلى ما يبدو أن مهارتي السمعية تتفوق كثيرًا على القرائية. في البداية اعترف بأن الموضوع لم يشدنيإيرلندا الشماليةلم أفكر بها إطلاقها و معلوماتي بسيطة عنها فمعرفتي تقتصر على إيرلندا و استقلالها من بريطانيا لتصبح جمهورية مستقلة. الجزء الشمالي لم يلفت انتباهي كثيرًا فقررت صرف النظر عن الكتاب إلى أن أتت لحظة حاسمة لا اعلم سببها فقررت شراءه.

الكتاب يركز على قصص الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة المضطربة بجميع اختلافاتها، فلن تجده مثل كتب التاريخ التي تسرد الحقائق والمعلومات والقادة السياسيين الذين شهدوا تلك الأيام والمسببين لها بل يذكرهم بشكل عرضي ويصرف كامل تركيزه على تلك الشخصيات و القصة الغامضة لاختفاء جين ماكمفن، فتظل طوال صفحات الكتاب متشوقًا لمعرفة ماذا حصل لهذه الأم المسكينة؟الأشخاص الذين ذُكروا في الكتاب كأنهم خرجوا من رواية، أولهم دوريس برايس وشقيقتها ماريس وهم من أوائل النساء المنتمين لحزب IRA كأعضاء أساسين وليس مجرد متعاطفين، جيري آدامز وبراندون هيوز شخصيتان تختلف طرقهم مع مرور السنوات رغم التشابه الكبير بينهما في البداية، والأم جين والتي تعتبر قصتها مفتاح البداية و قفل النهاية وتقاطعها مع الأبطال الآخرين، ستجد في هذا الكتاب حقائق عن الأحزاب السياسية مثل IRA والذي يعتبر حزبًا محظورًا، و من أهم مطالبه إعادة إيرلندا الشمالية لحضن البلد الأم جمهورية أيرلندا.

في الأخير الكتاب يستحق الأقتناء لمحبين التاريخ بالذات رغم أن الكاتب ظل يعيد ويكرر بأنه لا يمكن تصنيف الكتاب تحت هذا البند، بسبب أن أحداث القصة تمتد إلى عصرنا الحالي والكثير من الأسئلة ما زالت بدون إجابة واضحة لها، ففي إيرلندا الشمالية هذه الأيام الجميع لا يريد ذكر الأفعال التي حصلت خلال تلك الحقبة قد يكون خجل من بعض التصرفات التي ظهرت منهم

بعبارة أخرى:

تشدني كثيرًا كتب المذكرات الشخصية سواءً كانت لشخص عرفته مسبقًا أو لا، في حالة هذا الكتاب لم أكن قد سمعت من قبل عن الكاتبة جومبا لاهيري. كُتب على الكتاب هذا الوصف المبسطصراع الهوية على مائدة اللغةاستنتجت سريعًا بأنه كتاب يبين مدى معاناة الكاتبة الأمريكية من أبوين قد قدما من بنغلاديش وكيف تأقلمت مع كل تلك المتناقضات لكن المفاجأة كانت صادمة، تبين من بعد قرائتي للصفحات الأولى أن الكاتبة تتحدث عن رغبتها في إتقان اللغة الإيطالية بشكل كامل واتخاذها القرار الجريء بمغادرة الولايات المتحدة والعيش في إيطاليا. ذكرت الكاتبة مرارًا وتكرارً أن ما يميز الإيطالية أنها اللغة التي اختارتها لم تفرض عليها كما حصل مع البنغالية من قِبل أبويها أو من خلال الإنكليزية كونها تقيم في مجتمع أميركي

هذا الكتاب ألهمني في علاقتي أنا مع اللغة الإنجليزية فلا أنا التي أتقنتها كاملة لأمارس مهارات عديدة من خلالها ولا يمكن أن أعتبر نفسي لا أعلم شيئًا عن اللغة. الكاتبة تقوللا بد من العوم في أعماق اللغة بدلاً من الجلوس قرب الشاطئ“. شبهت الكاتبة الشاطئ في الجملة السابقة بلغتها الإنجليزية والتي من خلالها تشعر بالأمان تمامًا كما هو الحال بالسباحة بالقرب من الشاطئ بدلًا من الذهاب بعيدًا في الأعماق لأختبار مدى فاعلية السباحة وهو الحال معها في اللغة الإيطالية.

الكتاب خفيف جدًا لغةً وحجمًا هو من نوعية الكتب التي من الممكن انهائها في جلسة واحدةلم يحدث هذا الشيء معيوحتمًا سيوقظ شيئًا بداخلك تجاه مهارة من مهارات الحياة والتي لم تستطع إلى الآن إتقانها على وجه التمام، وقبل أن أنهي الحديث عن هذا الكتاب أردت أن أذكر معلومة أخرى عنه، هذا الكتاب كُتب من قَبل الكاتبة باللغة الإيطالية، إذن قد أجادت جومبا العوم في المياه العميقة.

نقطة التحول:

كيف يمكن لتنظيف خربشات على جدران المترو في مدينة نيويورك أن يخفض من نسبة الجريمة؟ وما الذي جعل أحذية رياضية محلية قادمة من الغرب الأوسط الأميركي ينتشر بسرعة البرق قبل إعلان إفلاس الشركة؟.

مثل هذه اللحظات المفصلية في العديد من القصص ذو الخلفيات المختلفة تحدث فجأة و تعنون كنقطة تحول قد يصعب تفسيرها، لكن مالكوم غلادويل هنا حاول أن يلخص الأمور ويوضحها بإلتقاط العديد من التجارب وإيجاد تفسيرات لها من قِبل مختصين. مثل هذه النوعية من الكتب تشحذ الهمة لأمكانية التغيير في مختلف توجهات الحياة و لدى غلادويل أسلوب شيق ومميز في ربط القصص والحقائق بعضها ببعض، أن كان في عالمنا أشخاصًا يمتلكون قوى خارقة فتلك المهارة هي قوته الخارقة.

لكن يبدو خلال قرائتي لهذا الكتاب قد وقعت في الفخ، ففي الأشهر الماضية زاد معدل قراءتي واستماعي ومشاهدتي لمالكوم غلادويل لدرجة أن أصبحت لا أتفاجأ بمعلومة قد يذكرها، أشعر بأن الأسلوب معروف وينتابني إحساس دائم بأن القصة ذُكرت في مكان ما وأنا الآن أتحمل إعادة الأستماع إليها مرة أخرى، كانت غلطة مني بلا شك في اختيار التوقيت الغير مناسب لقراءة هذا الكتاب، في الفترة القادمة سأحرص على التحرر قليلًا من مالكوم غلادويل على مختلف المنصات المتواجد بها حتى أتمكن من قراءة كتاب آخر له ينتظر على رف مكتبتي لأعيد لنفسي تلك المتعة الرائعة مع قراءة كلماته وربطه المبهر للأحداث.

عالم الأمس:

أن تكون شاهدًا على أحداث غيرت مجرى التاريخ وغيرت الكثير من ثقافة المجتمعات وأن تلاحظها لقطةً بلقطة، حتمًا سيكون أمرًا يستحق أن يروى، أضف إلى ذلك أنك في الأصل كاتب وتعشق الحروف كلغة تعبيرة لما يجول بخاطرك ووسيلة مهمة لتغيير ما يضايقك من أمور طارئة على مجتمعك، فكيف سيكون كتاب ستيفاين تسفايج أو بالأحرى كما ينطق بلغته الأم الألمانية شتيفان تسفايغ؟

أنت هنا أمام كتاب بعتبر أرشيف مهم لفترة حساسة من تاريخ أوروبا، سترقبه من خلال عين المواطن المنتمي لهذه المجتمعات والمعتز كثيرًا بأوربيته والمؤمن أكثر بوحدتها الثقافية، هو المثقف المنتقي لكلماته بعناية لتصل لك جميع المشاعر المختلطة التي أصابت العديد من البشر بمختلف طبقاتهم خلال تلك الظروف الإستثنائية. لن تجد المصطلحات الصعبة والتحليلات السياسية الغير مفهومة والغير مبررة بل على العكس تمامًا ذكر لك بأن الحرب العالمية الأولى حصلت من دون معرفة سبب واحد بعينه، هي هكذا ببساطة حدثت

لأكون أكثر صدقًا في وصف هذا الكتاب سأكتب عبارة معبرة لعلها تكون دافعًا لاقتناء هذا الكتاب وقراءته، لم أستعمل في حياتي قلمهاي لايتبهذه الكثرة كما أستعملتها خلال قرائتي لهذا الكتاب، قد تكون تلك المعلومات المهمة وقد تكون عبارات لها وقع جميل يكاد ينطبق على أيامنا هذه وعلى حالتي الشخصية أيضًا. الكتاب سيلامسك شخصيًا من خلال كل ما مر به ستيفاين تسفايج، تشعر بالقهر أحيانًا وبجمال الحياة أحيانًا أخرى، فهو في أوقات معينة كان متفائلًا جدًا لحاله وأحيانًا أخرى الحياة تصبح سوداوية لا نجاة منها مهما حاول. هي درس من دروس الحياة ستخرج به بعد انتهائك من الكتاب بأن لا شيئ دائم وحاول قدر المستطاع عيش اللحظة دون تفكير مبالغ في مستقبل قريب أو تعلق بماضي قد رحل دون عودة.

نكهة إسبانية

p03b2npv

Google

الكلاسيكيات, لها سمعتها الواسعة لعل أحد أهم أسباب هذه السمعة هو عمرها الزمني الكبير والكم الهائل من عدد الصفحات التي تتضمنها, ليس معظمها بالطبع لكن بسبب ارتباط قوي في ذهني بين كلمة كلاسيكي وأدب روسي, روايات مثل الحرب والسلم وأنا كارنينا والجريمة والعقاب كلهم تقريباً تجاوزوا الـ700 صفحة بل ووصلوا على مشارف الـ1000 صفحة هي حتماً حمل ثقيل على من يريد قرائتها. من ناحيتي هناك خوف يجتاحني تجاهها, خوف من الشعور بالملل والخوف من الوقت الطويل الذي سأستهلكه قبل أن أنهيها مما يؤدي لتأخير القيام بقراءة كتب أخرى. من الأسطر الماضية يتضح لكم أن المصافحة بيني وبين تلك الروايات لم تتم, إذاً لماذا هذه المقدمة؟ لأنِ أنهيت لتوي أول 100 صفحة من إحدى الكلاسيكات في الأدب العالمي, ليست لتولستوي أو دوستويفسكي بل هي لكاتب إسباني كُتبت روايته في القرن السابع عشر ميلادي تحت عنوان “دون كيخوت” للأديب ميغيل دثربانتس, تم شراء الكتاب الضخم من إحدى معارض الكتاب هنا في الرياض ليس بالقريب لكن لا أذكر أي عام تحديداً. إلى الآن لازلت مستمتعة باللمسة الكوميدية اللطيفة في أسطر هذه الرواية والجو الكلاسيكي المصحوب بوصف وشخصيات الرواية, بدأت في قراءتها منذ أسبوعين ولا أهتم متى سأنهيها المهم هنا هو الأستمتاع بالرحلة.

وبجو ليس ببعيد عن إسبانيا تابعت مؤخراً وثائقي من الرائعة BBC انتج في عام 2016 من ثلاث حلقات يتحدث فيها المؤرخ والرحالة سايمون سباج مونتفير عن تاريخ إسبانيا الطويل والمضطرب عبر القرون, الوثائقي كان تحت عنوان Blood and Gold – The Making of Spain. كل حلقة اتخذت من عهدِ معين موضوعاً أساسياً لها. لماذا إسبانيا؟ إسبانيا من أكثر البلدان الأوربية غرابة هي بالنسبة لهم وكأنها تنتمي لأفريقيا أما من ناحية الأفريقيين فينظرون لها كبوابة عظيمة توصلهم للجنة المزعومة أوروبا, ما اللذي جعل إسبانيا بهذه الصورة وبهذا النمط المختلف والمتشابه في آن واحد . حتماً هو تاريخ طويل من صراعات لأمم وأعراق وديانات حدثت فوق أراضيها, في البدء كانوا القرطاجيين ضد الرومان بعدهم أتى صراع المسيحيين مع المسلمين ومن ثم الكاثوليك والبروتستانت حتى نصل لآخر صراع والمنتمى للعصر الحديث أبان الحرب الأهلية والمعنون لها بالفاشية ضد الشيوعية.

في الحلقة الأولى تحدث المذيع عن نشأة إسبانيا وكيف استعادها هانيبال القائد القرطاجي المعروف من أيد الرومان وبدأ رحلته الشهيرة لأحتلال روما سالكاً كل الطرق الصعبة والشاهقة من خلال جبال الألب سائراً بجيشه المكون من المقاتلين والفيلة الثقيلة, هذه الرحلة ذكرتني بوثائقي لطيف كنت قد شاهدته قبل سنوات عن 3 من راكبي الدراجات الهوائية اتخذوا خط سير الرحلة كتحد لهم وليختبروا إذا ما كان فعلاً جسداً الإنسان قادر على تحمل هذه الرحلة, نعود لسرد القصة سكيبو القائد الروماني استغل خروج هانيبال من إسبانيا فقرر احتلالها فنجح في ذلك فأصبحت إسبانيا منذ ذلك اليوم رومانية ليست قرطاجية, أوروبية ليست أفريقية.

طارق بن زياد القائد الإسلامي المعروف دخل إسبانيا في القرن السابع الميلادي معلناً حقبة جديدة في عهد هذا البلد, دخلها بعد أن استغاث به حاكم إسباني ضد حاكم إسباني آخر بعد قيام الأخير بإغتصاب ابنته, تذكرني هذه الأسطر بأمر كان ولازال يتكرر عبر التاريخ لا يمكن لجيش أن يحتل بلداً آخر ما لم تكن هنالك مساعدة لهم من قِبل أناس في الداخل. من بعدها أتت قصة عبدالرحمن الداخل الرجل الذي سقط حكم أهله بنو أمية في الشرق ليعيد تأسيسها في الغرب, الرجل اللذي استطاع الفرار من أقربائه العباسيين قاطعاً رحلة طويلة من دمشق إلى الأندلس واستطاع بعدها أن يقيم حكماً لأهله فيها ويؤسس مملكته هناك كل هذا وهو في عمر التاسعة عشر. الداخل الرجل الوسيم كما وصفه مؤرخنا هنا كان ذو شعر أحمر ولا أعلم أهو أحمرار قدِم من صبغة الحنا المشهورة عند العرب أو هو فعلاً ذو شعر أصهب, المذيع علق على قصة عبدالرحمن الداخل قائلاً”هي قصة تشعرك بأنك أمام أحد أفلام هوليوود المليئة بالأكشن والأثارة”, وهي كذلك إذا أطلت التمعن بها. في كل مرة أقرأ عنها أو استمع لبرنامج أو مسلسل يتحدث عنها أجد نفسي منصته ومتعجبه في آن واحد, تدور في خلدي أسئلة كثيرة عن رحلته الطويلة من الشرق إلى الغرب وعن إحساس الوحدة الذي كان حتماً ملازماً له بعد أن فقد كل أفراد عائلته سواءً من عرف منهم أم لم يعرف.

قصة أخرى أرادت أن تكون إسبانيا مسرحاً لها لتروى وهي المعنونة بـ”زرياب” القادم من بغداد, الذي أسس أول مدرسة للموسيقى في أوروبا, وتخصص زرياب معروف إلا وهو العود, فكرة الثقافة الموسيقية التي قام بنقلها من الشرق إلى الغرب كانت من الأولويات التي تحسب له, وانطلاقاً من تلك اللحظة أصبح للموسيقى هواة وباحثين ومثقفين مولعين بها وعالمين بكافة خلفياتها وتفاصيلها.

قرطبة في عهد عبدالرحمن الناصر أصبحت من أعظم المدن في أوروبا أن لم تكن الأعظم, كما ذكر زميلنا المقدم في السطر التالي “وبالمقارنة مع مدن عظيمة كباريس ولندن في ذلك الوقت, لم تكن سوى مجرد قرى صغيرة”.

في أواخر حكم العرب في الأندلس بدأت الدويلات تتشكل والحروب الداخلية بينهم تظهر فيما بينهم معلنة بذلك بداية النهاية لقرون مضت على وجودهم هناك لكن لفت نظري قصة روت في الحلقة عن شخص يدعى EL CID وهي كلمة إسبانية مأخوذة من الكلمة العربية السيد, كان “السيد” قائداً حربياً محنكاً لم يخض معركة إلا وكتب له الأنتصار بها الغرابة لا تكمن هنا بل بمن حارب معه, ستستغربون وتتعجبون أن قلت لكم أنه حارب مع الطرفين الإسلامي والمسيحي بمعنى أكثر دقة كان يحارب مع من يدفع له مبلغاً مالياً أكثر. غرناطة ظلت صامدة كآخر دليل على وجود العرب في شبة الجزيرة الإيبيرية كانت تحت حكم الناصريين كان الرعب يحوم في أجواء تلك المدينة وكدليل على هذا الخوف ذكر المذيع قصة الباب الذي لم يفتح لأي أحد من شدة الظنون السيئة تجاه الزائرين للقصر. إيزابيلا وزوجها فيردناند في شهر يناير من عام 1492 أعلنوا سقوط غرناطة وتبعاً لهذا السقوط بشهرين أمروا اليهود التحول للمسيحية أو مغادرة البلاد, نصفهم تحول والبقية رحلوا وما هي إلا سنوات قليلة بعدها حتى تم اصدار منع للمارسات الإسلامية وتم الإجبار على التحول للمسيحية.

لفت انتباهي مقدم الوثائقي ومعده والذي هو بطبيعة الحال مؤرخ, كان جل كلامه اعجاباً بفترة حكم الأمويين للأندلس ومنتقداً نقداً لاذعاً لمن أتى من بعدهم واصفاً إياهم بالدمويين, لا أعلم دائماً ما كنت استمع للتاريخ من مؤرخينا نحن واللذي دائماً يكون مصاحباً بتبجيل زائد لكل ما يتعلق بنا وتحطيم كل من يخالفه من أمم وحضارات أخرى. من وجهة نظري الشخصية التاريخ يمر بمراحل مختلفة كل بنو البشر مساهمين في علوها تختص بها شعوب وثقافات دون غيرها من فترة لأخرى, لا أفضلية لأحد ولا تنقيصاً من أحد الجميع مساهم ومشارك في آن واحد الأستغراب هذا تلاشى عندما وضح المذيع قصته الشخصية وكونه قد قدِم من عائلة لها جذور يهودية إسبانية أدعت المسيحية في هذه الفترة وظلوا يمارسون ديانتهم في الخفاء, جدته استقرت في المكسيك حتى تبتعد عن الأعين لكن تم اصدار حكم بحرقها بعد اكتشاف ممارستها لليهودية في هذه الأثناء تمكن ابنها من الفرار والتخفي تحت اسم عائلة مختلفة في توسكاني. في هذه الأثناء كولمبوس الذي كان يود الوصول للقدس من الشرق اصطدم في طريقه بأرضِ جديدة.

الحلقة الثالثة والأخيرة من السلسلة كانت تتحدث عن إسبانيا الكاثوليكية (الدموية), لسبعة قرون كانت إسبانيا رومانية ولسبعة قرون أخرى كانت إسلامية والثلاثمئة سنة القادمة ستكون حافلة بالكثير. في العام 1527م الأمبراطور فيليب الثاني واللذي تذكر له قصة غريبة عند ولادته, كانت أمه الملكة ايزابيلا تعاني مخاضاً صعبة لمدة ثلاثة عشر ساعة, طُلب منها من قِبل الأطباء بالصراخ أكثر رفضت بشدة قائلة: “أفضل الموت على أن أصدر أي ضوضاء”.

في صفقة معتادة في ذلك الزمان تم عقد زواج الملكة ماري ملكة انجلترا والملك فيليب الثاني ليصبح بذلك فيليب ملكاً لإسبانيا وانجلترا رغم اختلاف مذهبيهما البروتستانتي لماري والكاثوليك لفيليب, هذه الزواج لم يكتب له الأطفال فبالتالي لا يوجد هناك وريث يرث حكم البلدين. بعد وفاة ماري انتقل عرش انجلترا لشقيقتها اليزابيث ليخرج فيليب خالي الوفاض من هذه الأرض, لكنه قرر غزو انجلترا راغباً في جعلها أرض كاثوليكية كبقية الأراضي التي تقع تحت حكم إسبانيا.

قصة مهمة ذكرت على خلفية الصراع الكاثوليكي البروتستانتي في أوروبا يوم السابع عشر من مارس عام 1623 كان هناك طرق لباب السفير البريطاني في مدريد, رجل انجليزي قدم نفسه كالسيد توماس سميث أصر على محادثة السفير شخصياً, وفي الجانب الآخر من الطريق كان هناك رجل مختبأ في انتظار المقابلة أن تتم. نزل السفير لمقابلة هذا الرجل ليفاجأ بأن توم سميث لم يكن إلا وزير الملك جيمس والرجل المفضل لديه والرجل المختبئ في ظلمة الشارع كان أمير ويلز تشارلز, كلاهما كان متنكراً بلحى مزيفة, الثلاثة أشخاص تناقشوا وتفاوضوا من أجل زواج الأمير تشارلز البروتستانتي من مارينا الكاثوليكية, ذلك الأجتماع مقدمة لحرب ستستمر لثلاثين سنة بين أوروبا البروتستانتية وأوروبا الكاثوليكية.

بعد سنوات طويلة قام نابليون بإحتلال إسبانيا هذا الأحتلال لخص في لوحة لغويا تحت عنوان الثالث من مايو معبرة للثلاثة وأربعين شخصاً اللذين قاوموا القوات الفرنسية وقتلوا نتيجة لتلك المقاومة.

في بدايات القرن العشرين كانت أوروبا تقاوم الفاشية الممتدة عبر أراضيها بشكل سريع, رجل أراد أن يضع بصمته في هذا التمدد عازماً على جعل بلاده واحدة منها مقلداً بذلك ألمانيا والمتمثلة بهتلر وموسوليني المتمركز في إيطاليا, فرانكو كون جيشاً حارب فيه الجمهورية الإسبانية, قائلاً سأحرر إسبانيا بلدة بلدة من أيدي الشيوعيين. بدأت الحرب الأهلية في إسبانيا عام 1936م لتمتد لثلاثة أعوام, وكأي حرب أهلية أو أي حرب ينتشر الدمار والتشرد والجوع كحصاد دائم ومستمر. بلدة الأشباح بالقرب من سرقسطة تركت كما هي منذ تلك الأيام لتكون شاهدة على فظاعة تلك الحرب بجدران مبانيها الممتلئة بطلقات الرصاص فترة كانت عصبية عاشتها إسبانيا تحت حكم فرانكو تحولت بسرعة فيها البلد بعد رحيله لتعود كبلد ديموقراطي من ضمن دول الأتحاد الأوروبي.

الماء سر الحياة

 

tumblr_ojf066kfts1snegd3o1_1280

Tumblr

 

في الأسبوعين الماضيين اتممت قراءة كتاب “مستقبل الماء” للكاتب الفرنسي إريك أورسينا سأوجز في الأسطر القادمة بشكل مبسط أهم النقاط التي تناولها أورسينا عن هذا الموضوع.

أورسينا ظل مدة عامين يجوب العالم بغية دراسة الماء مستقبله وتأثير الأنحباس الحراري وتقلبات المناخ المختلفة عليه. في الفصل الأول تحدث عن الماء وعن تكوينه كمركب ناتج من اتحاد ذرتين هيدروجين مع ذرة أوكسيجين واستطرد في حديثه ليتكلم عن أهميته القصوى في حياتنا, وفي اعتقادي كلنا نعي اهمية هذا المورد الحيوي في حياتنا. إذن سأنتقل بسرعة لتلخيص أهم ماجاء في رحلات أورسينا. بدأ رحلته في أستراليا ولخص حال هذا البلد في جملة “استبداد البعد” نظراً لبعد القارة عن بقية بلدان العالم. أهم مشكلة تعاني منها أستراليا من ناحية الثروة المائية هي الجفاف ناهيك عن مناجمها والتي تخلف فضلات كبيرة وخطيرة تسبب أضراراً بالغة للبيئة ولمحاولة تقليل تلك الأضرار يتوجب عليهم غسلها بكميات كبيرة من الماء, سبعة ملايين لتر يومياً لمنجم نيومون وحده, إذن الطلب على الماء كبير جداً في بلاد الكنغر. دليل آخر على حالة الجفاف التي تعم البلاد بحيرة جورج أصبحت مرعى لقطعان الخراف تسرح فيها لتأكل من العشب النابت من الأرض التي كانت في يوماً ما قعر البحيرة, والجفاف أصبح يؤثر في الحالة النفسية للمزارعين بسبب قلة المباه التي تغذي أراضيهم فبالتالي يبدأ مصدر رزقهم الوحيد بالتلاشي فأصبح الحل الوحيد أمام الكثير منهم هو الأنتحار حيث ينتحر مزارع كل أربعة أيام, رقم مرعب. في سنغافورة الوضع مشابه نوعاً ما لأستراليا في حاجتها للمياه لكن الأمطار غزيرة هنا بمعدل 2,5 متر سنوياً بحكم موقعهم المتميز على خط الأستواء ومع ذلك يفتقرون إلى الماء لدرجة اعتمادهم على الجارة ماليزيا لكن حسب ما يدَعون هم لا يحبون الأعتماد على الآخرين لذلك العمل على قدم وساق في سنغافورة لمحاولة توفير الأحتياجات المائية للسكان. الكاتب أعلن اعجابه بالبلد وبالعمل الدؤوب الذي تقوم به في سعيها لتوفير المباه, ووصفها بوصف بليغ حين قال ” لا مناص للزائر الأوربي من أن يتساءل هل ما يزال على كوكبه. ربما وهو غارق في النوم , انتهزت سفينة فضائية الفرصة فحملته إلى مجرة أخرى”. الهند الوضع مختلف كلياً هنا الماء متوفر بكثرة, أمطار غزيرة دائماً ما تسبب في حدوث فيضانات, المياه ملوثة ومحملة بالأمراض هنا الخوف من وجود الماء أكبر من نقصه, وقد ذكر لكاتبنا طبيب هندي كان قد اجتمع معه للحديث عن هذه المشكلة فلخص الحال في جملة واحدة “نقص الماء يقتل, هذا أكيد, لكن نقص وسائل التطهير يقتل أكثر“. بنغلاديش تشبه جارتها السابقة في مشاكل التلوث والفيضانات لكن في هذا البلد تعطى لك دروس في الجغرافيا السياسية وكيفية تحكمها بحياة الشعوب فنهرا الغانج وبراهمابوترا لا تديرهما أي وكالة دولية, ومن هذا المنطلق أصبحت الهند تقرر مصير مياههما والصين كذلك تدلي بدلوها ولا يتبقى لبنغلاديش سوى بعض ما يترك لها من أمتار مكعبة, الوضع لم يقف عند هذا الحد فقد شيدت الهند سد فاراكا قبل الحدود مع بنغلاديش والنتيجة أن تلك المياه أعانت الفلاحين الهنود لكن بعد السد , أي في بنغلاديش, النهر لم يعد يسيل بل أصبح النهر غائصاً في الرمال. لم تكن المباه وحدها التي حُرمت منها بنغلاديش بفعل القوانين السياسية بل الأحجار أيضاً, فالهند عمدت على مد شباك في قعري نهر براهمابوتراو ورافد كوميارا لحبس الأحجار المنحدرة وحرمانهما من نقلهما إلى البلد الجار بنغلاديش. الصين ذلك التنين العظيم, مشكلتها مع المياه من نوع مختلف, وفرة الأمطار موجودة لكن إذا قسمت خريطة الصين من المنتصف لتصبح نصف شمالي ونصف جنوبي تجد أن النصف الشمالي لا يحظى سوى بـ17 في المئة من المياه, إذن تعاني الصين من الأمرين الفيضانات والجفاف كما يذكر مدير عام المياه في وزارة الموارد المائية الصينية بأن بلادنا ثرية بالماء لكن شعبنا بالغ العدد ومياهنا غير موزعة بعدالة في المكان والزمان وذكر جملة أعجبتني كثيراً حين قال “المناخ يتطور لكننا نتحمل جزءاً من المسؤولية, لقد قطعنا أشجار الغابات, وأفرغنا البحيرات وزرعنا مناطق رطبة. النتيجة تتوسع الأرض الجافة عاماً أثر عام”. أورسينا لم يتوقف عند تلك البلدان بل أكمل رحلته حول العالم لمعرفة مستقبل هذا الشريان الأساسي لحياتنا. اعتقد بعد قراءة الكتاب وقراءة الخلاصة التي توصل لها الكاتب وقناعاته السبع التي من خلالها يعتقد بأنها تضع الحلول لأزمة المياه تمثل أمامي أمر واحد لا جدال فيه , الماء موجود وبوفرة لكن المشكلة تكمن في انعدام المساواة في توزيع المياه واستحواذ بعض الدول على الوفير منها تاركةً الأخرين يقبعون في جفاف قاحل لا مصدر للماء فيه يروي عطشهم, وانعدام المساواة في توزيع مورد في أهمية الماء يوفر تربة خصبة لشتى أنواع النزاعات, الحق يقال, لا سيما عندما يكون عدد السكان في تزايد يومي مطرد. قبل أن أختم الحديث عن هذا الكتاب وردت معلومات بسيطة عن نهر جوليبا, ابحثوا عنه ستدهشون وتعجبون منه.

في اليومين الماضين دخلت في تحدي 31 يوماً مع أدريان لليوجا أو كما وصفته تحت مسمى الـ “Revolution” هي تقول أنها ليست مجرد حركات تؤديها لتنفيذ اليوجا ولكن هي رحلة سكينة وتأمل للنفس لمدة شهر, سأرى أن كان ما تقوله صحيحاً أم لا, خصوصاً أن تجربتي السابقة في اليوجا كانت خجولة ولم تكن بشكل مكثف, كنت أمارسها تقريباً مرة كل أسبوعين أو حتى ثلاثة في النادي قبل انتهائي اشتراكي هناك. انضموا معي في هذا التحدي أن أحببتم لنتشارك جميعاً فيما بعد في آرائنا حوله, اليوم سأودي التحدي الثالث.

قبل الختام فيدرير ونادال مرة أخرى يلتقيان في نهائي للجراند سلام, لا أذكر اخر نهائي جمع بينهما لكنه حتماً منذ فترة ليست بالبسيطة, العاشق للتنس والمتابع الجيد يجزم على أنه لم يوجد في تاريخ هذه اللعبة مثل عظمة تحد هذين اللاعبين أن لم تخني الذاكرة فقد تقابلا في ثمانية نهائيات للجراند سلام (ناهيك عن بطولات الماسترز) ويعتبر رقماً قياسياً للعبة لكن يظل عالقاً في ذاكرتي نهائي أستراليا المفتوحة 2009 حين تغلب نادال على فيدرير (للأسف أن الأحصائيات تؤكد علو كعب نادال في مواجهاته مع فيدرير) وبكى بعدها فيدرير بكاءً شديداً, الجميع أستغرب ردة فعل فيدرير خصوصاً أنها قِدمت من لاعب بحجمه حصل على بطولات كثيرة في الجراند سلام وعلى مقربة من تحطيم رقم سامبراس القياسي فيها لكن هذا البكاء كان له تفسير آخر, فيدرير أحس باليأس, باليأس من عدم تمكنه من هزيمة نادال أحس أن كل شيء بناه وأجتهد فيه قد يهدمه مضرب هذا اللاعب الماثل أمامه, الصدفة مرة أخرى تعود وفي نفس المكان, هل سيفعلها فيدرير غداً ويبدل تلك الدموع بابتسامة عريضة؟ أتمنى هذا.