40x400x40

لاحظت تعلقي بمعادلة لم أكتشف مكوناتها سوى مؤخرًا. كشخص يحبذ القراءة والكتابة وممارسة الرياضة، وجدت نفسي متعلقة بهم تعلقًا غير مشروط بتقدير أو اعتلاء مناصب أعلى. هو الفعل لأجل الفعل لا أكثر، لكن حتى هذا الفعل الغير مقيد يتطلب مجهودًا من قِبلي حتى ينتابني الإحساس بالكمال وإن كان ناقصًا. هي أرقام برزت من خلال ممارستي لتلك الهوايات الثلاثة نتج عنها تكرار متوالي مرتبط بعلاقة طردية مع الشعور بالإنجاز.

القراءة:

هنالك علاقة معينة بين القارئ وكتابه يصعب الاندماج فيها حتى يشغل حيزًا من العقل لفترة طويلة خلال اليوم، جاعلًا ذلك الصباح (أو أي كانت فترة قراءة الكتاب) ممتلئة بالدهشة والتخمة الحميدة. وجدت أن العدد 40 يعد ملائمًا لحالتي، فبعد هذا الرقم تبلغ السعة الاحتمالية الخاصة بشهيتي القرائية في أعلى مستوياتها، وإن كان أقل من هذا العدد أحسست بعدم وجود ارتباطِ وثيق مع الكتاب المقروء. أعلم أن هناك العديد من أنواع الكتب التي تختلف في طريقة قراءتها، فقد يسهل تعداد الصفحات في الرواية في حين أن العداد يبدأ بالتناقص ما أن يتم قراءة كتابِ علمي أو تاريخي، لكن لا يمنع أن هذا الرقم أوجد التوازن في علاقتي مع كافة الكتب، فربما يزيد كثيرًا أن كان ذو قراءة سهلة أو يقل بعدد لا يذكر أن كان ذو محتوى ثقيل. 

الرياضة:

تحريك الجسد بأي طريقة كانت لتزداد معها نبضات القلب يعد من الأمور المبهجة للنفس، علاقتي مع الرياضة تمتد طويلًا، وفي كل مرة تتجدد تلك العلاقة أجد نفسي أتساءل لماذا ابتعدت عنها. لكن هنالك لحظات تصبح فيها ممارسة الرياضة ثقيلة نوعًا ما، خصوصًا مع تطبيق حركات معينة وإعادة تنفيذها مرات مختلفة. لذا كان لا بد من عمل خلطة خاصة بي تحافظ على روح المتعة الموجودة في الرياضة دون الإغفال عن الأساسيات المتبعة في عالمها. الرقم 40 يبرز مرة أخرى ولا أعلم ما هي الصدف التي جمعت بين الأول والثاني ولكن حتمًا الرقم 4 له مفتاح سحري لروحي. 40 دقيقة من ممارسة الرياضة اليومية. هنا يشعر الجسد بأداء مجهود مرضي ولكن غير متعب، وتلك الأربعين دقيقة ليس بالضرورة أن تكون متصلة، فقد تُجزأ إلى جزأين كممارسة اليوغا لعشر دقائق في الصباح و المشي لنصف ساعة أو أكثر في المساء، أو دمج الرياضة بكافة أنواعها في لعب التنس لمدة ساعة كاملة، هنا تصبح معادلة الجسد مكتملة عند الوصول لآخر دقائق محسوبة داخل اليوم.

الكتابة:

الكتابة، ذلك الفعل الملتصق بشدة بالقراءة، من الصعب أن تحتفظ بهواية القراءة دون تفعيلها بالكتابة، وأقصد هنا بكتابة الكلمات المكتظة بداخلك دون إلزامها بالنشر في أي مكان أردت. هذا لايقلل أبدًا من فعل النشر لما تكتب، لكن الغرض الأساسي هو تفريغ الطاقة الكلامية، والتي من الممكن أن تؤدي إلى انفجارات غير حميدة تتساءل أنت فيما بعد عن مصدرها. أكتب عن أحداث حصلت في ذاك اليوم، عن قصة استغربت أحداثها وأردت بشدة توثيقها بالكلمات حتى لا تختطف مني، أكتب عن مراجعات لكتب أسرتني لتتملكني بعدها رغبة شديدة بتوثيق تلك المشاعر وإيصالها لأكبر عدد من المعارف، لتصنع بعدها جدالاً داخل روح شخص آخر يتساءل عن مدى حماقة هذا الكتاب فكيف وثِق بذوق ذلك القارئ (أليس هذا الهدف الأساسي من المراجعات). 400 كلمة في اليوم تعد كافية بالنسبة لي لتفريغ ما يتراكم من حروف بداخلي، فبعد هذا العدد أشعر بأن الفعل يصبح إلزاميًا، وتبرز بعدها محاولات مستميتة للبحث عن كلمات من هنا وهناك لأشعر بعدها في ندرة ما كان قبل لحظات ممتلأً.  

كالوصفة الدقيقة لخبز الكعكة والتي تبدو سهلةً حين تنفيذها، وفي أسوأ الاحتمالات حتما ستظهر الكعكة في النهاية، إلا أن هناك لمسة بسيطة لمقادير معينة ودرجة حرارة فرن موزونة تجعل تلك الكعكة الألذ على الإطلاق، وتلك المعادلة ذو تأثير مشابه على روحي فقد تختلف الأرقام صعودًا أو نزولًا لكن حتمًا الشعور يكمن خلف تلك الأرقام الثلاثة 40x400x40. 

وأنتم هل اكتشفتم بعد معادلاتكم الخاصة؟

قطعة من يوميات

3cfc6c54296ab8234f3a1c0f9f42c4f9

 

الإثنين 11 مايو

 

24 يومًا مرت منذ آخر مرة كتبت فيها يوميات وهي أطول فترة تمضي منذ بداية العام، لأنه ومع بدايته عاهدت نفسي على الكتابة الشبه يومية لكل ما يجول بخاطري من أحداث وخواطر أبوح بها. التزمت بالأمر مع وجود استثناءات ليومين أو ثلاثة على أقل تقدير لكن هذه المدة الطويلة تعد سابقة طيلة الخمسة أشهر. كتابة اليوميات ليست جديدة بالنسبة لي فمنذ زمن غير قليل مارست حديث النفس لفترات متباعدة ولكن لم أكن ملتزمة تجاه نفسي من هذه الناحية، لكن مع بداية العام أتى القرار الشخصي الفاصل والمعاهدة على تطوير الكتابة أكثر عن طريق تسجيل اليوميات، فطالما شدد العديد من مطوري الذات ومهارات الحياة على أن الأفعال الصغيرة المستمرة يكون لها الأثر الكبير في المستقبل القريب فلا يمكن أن تضع لنفسك هدفًا بأن تؤلف كتابًا دون عمل تمارين الكتابة اليومية البسيطة (الشكر موصول لمؤلف كتاب العادات الذرية على هذا الإلهام). ذلك التغير شمل أيضًا طريقة الكتابة فسابقًا كنت أكتب تلك السطور داخل دفاتر شخصية تتنوع تصاميمها وأهدافها لكنها تتشابه بوجود ورق مفرغ وقلم حبر يملأ تلك الخطوط المتفرقة، مع بداية هذا العام وكنوع من التحدي جعلت المذكرة ألكترونية تزيد صفحاتها بازدياد الأيام وعنونة كل كتابة باليوم والتاريخ المصاحب لتلك الذكريات. النتائج كانت رائعة فالاستمرارية حدثت وتوليد الأفكار لمواضيع أسجلها في المدونة ازدادت، في المقابل أتت الأيام الأخيرة مبشرةً بفتور عجيب، فتكملة ترجمة المقالات التي كان من المفترض انهائها في أسبوعين، سأكمل الشهر وإلى الآن لم أنتهي منها بعد رغم توفر الوقت الكافي، الرغبة في خلق أفكار جديدة أصبح صعبًا. في بداية الحجر لم أكن أعتقد أن يكون هنالك تأثير كبير علي، كان يغمرني شعور بالاطمئنان والراحة، ما مصدرها؟ لا أملك الإجابة الوافية لكن يمكن اختصارها بحدس، بدأ عداد الأيام في الزيادة ومعه ظهرت معالم عدم وضوح الرؤية وكثرت التساؤلات حولها، إلى متى سيستمر هذا الوضع؟ وإلى متى سأسأل نفسي مئة سؤال قبل الخروج من المنزل وتصنيف الفعل إلى ضروري أو غير ضروري، مواعيد للمستشفى ألغيتها بسبب تلك التساؤلات، الخوف من الأغراض المنزلية القادمة من الخارج، التعقيم المستمر، عدم رؤية أشقائي وشقيقاتي منذ أكثر 50 يومًا، أفتقادي للعب مع أبنائهم والذهاب لمحل الألعاب لشراء بعض المفاجئات لهم. نعم يوجد نصف كأس ممتلئ هنا فممارسة اليوغا أصبحت جزء من الروتين اليومي وعادة لا أعتقد الآن بأنها ستغادرني قريبًا وهو شيء عملت على اكتسابه منذ سنوات، في المقابل عادة المشي بدأت أفقدها تدريجيًا ففي السابق اعتدت على 40 دقيقة إلى ساعة عند ممارسة هذه الرياضة أما الأن قلت عدد مرات تكرارها في الأسبوع وانخفض المعدل إلى 20 دقيقة أن لم يكن أقل. هذا العام كنت سعيدة بعودة شهية القراءة من جديد حتى وصلت لإتمام 10 كتب بمعدل 2ونصف كل شهر تقريبًا لكن منذ شهر إلى الآن يوجد كتاب توقفت عند منتصفه ولم أستطع إنهائه. التسلية بمشاهدة المسلسلات والأفلام والتي أحب صحبتها كثيرًا خف وهجها ولم تعد هناك الرغبة. 

الغريب من أين يأتي ذلك الخوف والقلق، هل هناك مشاريع كنت عاقدةً العزم على إتمامها فأتى الوضع الحالي عائقًا على إكمالها؟ لا، هل هناك قرارات مصيرية كانت تلوح في الأفق فأصبح من الصعب علي أتخاذ الصائب منها؟ لا. إذن من أين يأتي كل هذا؟ الواقع يقول أنه شعور عام فمع الأستماع للأخبار المتفرقة والتي تتحدث عن الجائحة، و تعليقات مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي حيال كيفية التعامل مع هذه الأزمة خلق نوعًا من القلق المبرر والغير مبرر من قِبلي على الأوضاع الراهنة والغير مستقرة. هل يكون الحل بالابتعاد عن تلك الجدالات؟ لا يمكن الجزم بالفعل نيابةً عن الآخرين لكن من ناحيتي أستطيع التأكيد على عدم استطاعتي عن عزل نفسي عن تلك الأحاديث، في الحقيقة عزلة المنزل حاليًا كافية بالنسبة لي. 

أكتب هذه الأسطر والتلفاز يعمل على وثائقي تم تأجيل مشاهدته عدة مرات يدعى The Men Who Built America ومستمتعة به كثيرًا وبكمية الدهشات التي يجلبها لي مع فهم تام لماذا أصبحت أمريكا رائدة في الاقتصاد العالمي. لعل الحجر لم يكن سيئًا إلى هذه الدرجة لكن علينا الأعتراف فقد وضعنا في مواضع غريبة وغير اعتيادية مستغربين من ردات الفعل الخارجة من قِبلنا أما عن تقييم تلك الأفعال فالزمن كفيل بها.