القهوة

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

 

لا يوجد مادة أو منتج أثر على طريقة عيشنا أكثر من القهوة، ظلت صباحات الذهاب للعمل مرتبطة مع كوب القهوة المحمول باليد، ذلك الكوب سوف يكون المسؤول عن تحفيز المخ لأداء عمل أفضل والعكس صحيح، أو هذا ما نحاول إثباته لأنفسنا. هذه العادة الجديدة أدت لخلق نوع من السعادة ومتعة لعل الجميع يتفق عليها. في البدء قدِمت لنا القهوة من نبتة البن وفي علم الأحياء قسم ترشيح النباتات يعتبر جنس من فصيلة فَويّة وله 124 فصيلة ولكن نوعان فقط يمكن حرثها الأول هو البن العربي والآخر هو البُن القصبي أو البن الصلب. يمكن الجزم بأن العربية تعتلي مكانة أعلى من الأخرى لطعمها الخفيف والنكهة الشهية المصاحبة لها وبناءً عليه ترتفع أسعارها مقارنة بغيرها في أسواق القهوة.

البن العربي لم يأتي من شبه الجزيرة العربية كما يقترح الأسم، بل مصدره يقع في غابات اثيوبيا الكثيفة في مكان معزول بمساحات خضراء شاسعة في الجزء الجنوبي الغربي على بعد مئاتِ قليلة من الكيلومترات من العاصمة أديس أبابا. في وسط الوديان العميقة والغابات الكثيفة تظهر ضيع المزارعين، يقومون بزراعة تلك الحبوب في حدائقهم. يشترونها ويبيعونها ويتم تخزينها لحين ارتفاع الأسعار، دون الأغفال عن شرب العديد من أكواب القهوة يوميًا.

لا يوجد تاريخ محدد لوصول البن داخل شبه الجزيرة العربية، حيث تم له الانتشار من خلالها، لكن تقريبًا عُرف أنه في العام 1550 حينما كانت المنطقة تحكم بواسطة الأمبراطورية العثمانية. بدأت القهوة تباع تجاريًا ويتم شحنها من موانئ البحر الأحمر وتحديدًا ميناء المخاء في اليمن.

يرجح المؤرخون أن السبب الرئيسي لأنتشار القهوة يعود إلى الصوفية، تلك الطائفة الدينية المسلمة والتي أستعمل اتباعها القهوة لزيادة خاصية التركيز لديهم حتى يتسنى لهم البقاء مستيقظين فترة أطول أثناء أدائهم للصلوات الطويلة. وفي ترحالهم لمختلف بلدان الشرق الأوسط مثل مصر وفارس كانوا دائمًا حاملين لتلك الحبوب. ظل الصوفيين محتكين بمختلف البشر، في عمليات البيع والشراء داخل الأسواق الشعبية وعند أخذ حمام ساخن في الحمامات العامة حيث يمكنهم مشاركة قصصهم مع العامة، ولم يمر وقت طويل حتى انتقلت القهوة من كونها عادة دينية إلى عادة دنيوية.

في أواخر القرن السادس عشر تم افتتاح العديد من المقاهي في عدة مدن أهمها  مكة والمدينة وبغداد والقاهرة واسطنبول. ظلت أوروبا في ذلك الوقت على جهل بتلك الحبوب إلى أن وصلت أول شحنة ميناء البندقية في العام 1615، وفي إنجلترا تم افتتاح أول مقهى داخل أكسفورد ويعود السبب لمواطن لبناني يهودي كان يعمل هناك في العام 1650، وأيضًا شخص آخر ينتمي لليونان التابعة للإمبراطورية العثمانية حينها يدعى باسكوا روسي ينسب إليه الفضل في افتتاح أول مقهى في العاصمة لندن في العام 1652. أصبحت بعدها المقاهي المكان المثالي للالتقاء ومناقشة الأحاديث.  تعرف القهوة بتأثيرها القوي، وعلى عكس الكحول، هذه القوة تولد  صفاءً ذهنيّا وأفكار خلاقة. لم تكن تمر 100 عام على دخول القهوة لإنجلترا حتى أصبح عدد المقاهي فيها يتجاوز الثلاثة آلاف مقهى، وفي لندن وحدها يتواجد خمسمائة منها.

ظل ميناء المخاء طيلة قرنين محتكرًا لتصدير حبوب البن ومعها تصاعدت شعبية القهوة إلى أن بلغت ذروتها في العام 1720. خلال تلك السنوات وتحديدًا في العام 1699 أصبح للقهوة أرض أخرى تُزرع وتتنتج فيها، ففي جاوه قلب مستعمرة الهند الشرقية الهولندية (والتي تعرف حاليًا بأندونيسيا) أصبحت حبوب البن تتوفر بشدة تلك الوفرة أدت إلى انتقالها إلى المستعمرات الهولندية مثل سورينام ومنها إلى جارتها غويانا الفرنسية حتى أستقر بها الحال داخل الأراضي البرازيلية في العام 1727، ظلت تلك النبتة تنمو بثبات وبسرعة كبيرة في الظروف الملائمة لها ومع مرور 30 سنة أصبحت القهوة متواجدة في القارات الخمس مما ادى إلى الحاجة لعمالة كبيرة خاصة داخل البرازيل، ومع ازدياد تجارة القهوة بجانب كل من قصب السكر واستخراج المعادن تم استقدام أعداد كبيرة من العبيد الأفارقة من الغرب الأوسط الأفريقي، بلغت أعدادهم حوالي 4.9 مليون أفريقي وصلوا للبرازيل قبل إلغاء العبودية في العام 1888. 

يزرع اليوم البن العربي ما بين البلدان الاستوائية والمدارية في داخل أراضي أكثر من أربعين دولة، وتشير الأحصائيات إلى بلوغ محصولها في العام 2017/2018 إلى 6000000000 كيلوغرام من حبوب القهوة الخضراء. شعبية القهوة في ازدياد ومع ظهور طرق جديدة في إعدادها كما هو الحال مع القهوة المختصة، يبدو أننا اليوم في وقت لم تكن قد بلغت فيه القهوة ذلك الطعم الرائع أو تلك الوفرة والشعبية الجارفة بين عموم البشر.


 

*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

الشاي

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

gettyimages-163448922-594x594

British tea plantation with owners and workers posing in front of a bungalow, India 1880s. (Photo by Mansell/The LIFE Picture Collection via Getty Images)

 

في شهر يونيو من العام 1667 كان صموئيل بيبيس قد عاد لمنزله ليجد زوجته تقوم بتحضير مشروب ساخن معد مع أوراق مجففة من نبتة تدعى كاميليا سينينسيس، كل ذلك الأمر تم بناءً على وصفة أوصاها بها الصيدلي، ذلك المشروب المهدئ عرف فيما بعد بالشاي. تم التعرف على الشاي في أوروبا عن طريق تجار شركة الهند الشرقية، ففي أثناء رحلاتهم من أجل الأتجار بالفلافل في أقصى الشرق، ظلوا مستمتعين بشرب مشروب عشبي يوفر لهم الراحة اللازمة بعد عناء الترحال. اعتبر العديد منهم ذلك المشروب الصيني الجديد كدواء ولم يدخل بعد في قائمة الإفطار اليومية مثل القهوة والشوكولاتة الساخنة. لكن مع مرور الوقت أصبح المشروب الأكثر استهلاكًا في المستعمرات.

السبب الرئيسي وراء اشتهار شرب الشاي في بريطانيا هو العادة المرتبطة بالشرب لديهم فيمكن اعتباره كنوع من الانضباط بطريقة مقبولة، وطريقة سهلة لإستهلاك السكر معه، والذي بدوره شهد صعودًا كبيرًا في كميات استهلاكه في ذلك الوقت. بين القرنين السابع عشر والثامن عشر تم ارتفاع استهلاك المنتجين السكر والشاي بالترادف، وأصبح الشاي المحلى هو الأختيار الأول من المشروبات للعديد من أفراد المجتمع من السادة النبلاء إلى العاملين البسطاء.

استهجن الفقراء هذه العادة الجديدة في البداية واعتبروها تبديدًا للأموال وعلامة واضحة من علامات التبذير، ناهيك بأنها تساهم في زيادة فقرهم، لكن مع مرور الوقت وإذا علمنا بأنه لم يكن باستطاعتهم تحمل قيمة الوقود من أجل طبخ وجباتهم ولا  تكاليف مشروب البيرة المحبب لهم اضطروا للتحول إلى بديل أرخص وكان الشاي الخيار الأمثل في هذه الحالة. وبناء على ذلك من الممكن اعتبار الشاي المحلى المحرك الأساسي للثورة الصناعية في بريطانيا. 

في الربع الثالث من القرن الثامن عشر وبفضل احتياج بريطانيا للشاي أصبحت هذه السلعة الأكثر طلبًا من قبل المستهلكين مما أدى إلى الحاجة من أجل عمل توازن  في الصادرات والواردات بينها وبين الصين فقامت بريطانيا وعن طريق ممثلتها شركة الهند الشرقية ببدأ خلق تجارة الأفيون مع الصين، التجارة التي اعتبرت غير نزيهة، فقد تم زراعة هذا العقار في الأراضي التابعة للمستعمرات البريطانية في الهند ومن ثم تصديره للصين ومقاضاته بالشاي . لم يكتف البريطانيون بهذا   فقد استخدموا القوة مع الصين لفتح موانئها من أجل التجارة الحرة مع إجبار سكان الهند على زراعة الأفيون من أجل تصديره للصين مما ساهم في رفع معدلات الإدمان بين المواطنين ليتم تحويل الصين لبلد مليء بالمدمنين. في الحقيقة أصبحت عادة تدخين الأفيون منتشرة بين فقراء الصين كما هو الحال مع فقراء بريطانيا مع شرب الشاي، فالكل يبحث عن تلك الرغبة. لكن ظلت الحكومة الصينية تشيطن الأفيون باعتبارها تذكيرًا لإهانة الصينيين من قِبل قوى الأستعمار الأجنبية وبالتالي تحريم هذه السلعة لكن تم إكمال تهريبها من قِبل بريطانيا.

في وقت لاحق، أصبح المشروب الصيني أحد رموز الوجاهة البريطانية، فقد قام المستكشفون و المستعمرين الأوائل بالانتقال للغابات والأراضي الزراعية الكبيرة  الجديدة يحملون معهم العديد من الحاجيات الموضوعة في أكياس ضخمة، جزء لا بأس منه كان مخصص لتلك الأوراق المجففة (الشاي)، وهناك قاموا بتعريف الناس والسكان الأصليين في تلك المناطق على هذه العادة الجديدة في محاولة منهم لإكسابهم هذه المهارة، غالبيتهم كانوا في الأراضي الاسترالية والكندية.

 أحد هؤلاء المستعمرين الأوائل هو جون وليامز، عمل كمبشر في القرن التاسع عشر في جزر جنوب المحيط الهادي،يذكر لنا بأن أول خطوة لعمل حوار مع السكان الأصليين كان من خلال تأسيس عادات حضارية مثل شرب الشاي وبتفصيل أكثر يقول وليامز “عندما يصبح لديهم شاي سيرغبون بالسكر ومن ثم بأكواب الشاي وطاولة تحمل تلك الأكواب و لتكتمل العدة حتمًا سيقومون بشراء المقاعد”. والرغبة الشديدة لشراء تلك البضائع ستحفزهم للعمل حتى يستطيعوا امتلاك النقود اللازمة. وبهذه الطريقة نجد أن الشاي كان الطعم لجذب السكان الأصليين للاقتصاد الرأسمالي.

في بداية القرن التاسع عشر قامت شركة الهند الشرقية بالبحث عن أماكن أكثر آمانًا لأنتاج سلعتها الأكثر ربحًا، ووقع الأختيار على زرعها في الهند، في هذه الأثناء تم تحويل عملية إنتاج الشاي من حرفة إلى صناعة،وتم التعاقد مع عمال بأجور معينة من أجل التشغيل، أولئك العمال لم يعيشوا في ظروف طبيعية فالعصابات تحيط بمصانع إنتاج الشاي مهددةً بذلك حياتهم. ومع مرور السنوات خسرت الصين مكانتها في تصدير الشاي إلى بريطانيا لصالح الهند وسيرلانكا وشرق أفريقيا والذي أُسس في تلك الأماكن من قِبل المستعمر الأبيض أيضًا. 

إذا تحدثنا قليلًا عن تأثير الشاي على البلاد المصدرة له كالهند، يمكننا ذكر أن الهنود اعتبروها عادة غربية دخيلة، وكنوع من المبادرة لترغيب الشعب بها قامت الشركة الهندية للشاي بدخول السوق عن طريق أفكار إبداعية فتم وضع كشكات لبيع الشاي داخل المكاتب الحكومية والمصانع وتم تحويل سكك القطارات وتخصيصها لعربات نقل الشاي. وأصبحت محلات بيع الشاي متواجدة في كل مكان وأصبحت منطقة التقاء للمواطنين الهنود من مختلف الطوائف والعقائد لقراءة الصحف وعقد مناقشات سياسية كل ذلك يأتي تزامنًا مع شربهم لكأس من الشاي الممزوج بالحليب.

 لم يأتي القرن العشرين إلا وكان قد بنى الشاي أواصر ترابط بين العديد من شعوب العالم، حتى أصبح عادة يتبعها الكثير من الناس في مختلف أنحاء المعمورة.

 


 

*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

النفط

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

 

gettyimages-3296822-594x594

First oil well Derrick invented by Edwin L. Drake

منذ العصور القديمة والبشر قد ألتقوا بمادة سوداء تخرج من باطن الأرض وتسبب في حدوث حرائق من الصعب إخمادها، حتى أتى العام 1859 بشيء مغاير فتمكن الإنسان من حفر أول بئر للنفط الخام التجاري في بلدة تيتوسفيل الواقعة في ولاية بنسلفانيا. أحتار رواد الأعمال والمخترعين كثيرًا في كيفية  إيجاد استعمالات تجارية لهذا السائل فتم تكريره لمادة الكيروسين للاستفادة منه في إضاءة المصابيح، ومرة أخرى وهب لهم هذا السائل منتجًا آخر يمكن الأستفادة منه فقد لاحظ العمال أثناء عمليات الحفر تكون مادة شمعية على الحفارات كانت تعمل على تخفيف الأحتكاكات فتم الأستفادة من هذا الزيت المخفف والذي عُرف فيما بعد بالجل النفطي (أو كما أصبح شائعًا تحت مسمى الفازلين). 

في بدايات القرن العشرين ومع بداية انتشار محركات الاحتراق الداخلي، عوضًا عن المحركات البخارية والتي كانت شائعة الأستعمال والتي عُرفت بوجود غرفة احتراق خارجية للوقود، تم نقل المجتمعات والاقتصادات العالمية إلى مستوى آخر، تلك المحركات والتي تستعمل النفط الخام كوقود لها أحدثت ثورة هائلة في نظام السفر بمختلف طرقه أن كان بالسيارة أو الطائرة. المجتمعات الغربية الصناعية بدأت في الاعتماد كليًا على النفط في الصناعات المختلفة ولم يأتي العام 1945 حتى أصبح العالم يتلقى تسهيلات لتكرير النفط الخام ليصبح بذلك العامل الحيوي والضروري لأي مجتمع مهتم بتطوير عمليات النقل والصناعة وخلق مجتمعات حديثة وعصرية. 

سهولة الحصول على الجازولين جعلت نمو الطبقة الوسطى أسهل بكثير خصوصًا لمن يعيش خارج المدن، ففي الولايات المتحدة تم إنشاء مكون جديد في المجتمع يقع بين المدني والريفي. أصبح السفر عبر العالم سهلاً وفي متناول الجميع وتنقل البضائع عبر المحيطات والقارات صار ممكنًا. كذلك صار بمقدور الشركات إدارة مصالحها بسرعة وفعالية أكبر على بعد مسافات بعيدة، والسياحة العالمية قربت الثقافات بعضها ببعض والهجرة بين البلدان أصبحت أقل خطورة و بمرونة أكبر. وبعد الخراب الذي حل بأوروبا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أصبح البترول أساسيًا في عملية إعادة الإعمار للكثير من البلدان المتضررة.

للنفط أيضًا أهمية استراتيجية والمتعلقة في العمليات الدفاعية، فمع اشتداد الحرب الباردة أصبحت عمليات استخراج النفط ضرورية لرفع اقتصاديات البلدان ومن أجل رخاء أكبر للمجتمعات. الطلب على البترول ارتفع بشكل كبير  في منتصف القرن العشرين للحاجة الكبيرة إليه في توليد الكهرباء وتشغيل محركات المصانع، في هذه الأثناء بدأ العالم يتجه للاعتماد على المواد البلاستيكية المصنوعة من النفط، و كدليل حي على هذا نصف عمليات تكرير النفط في الولايات المتحدة تتجه لصناعة المنتجات كالبلاستيك مثلاً عوضًا عن وقود المركبات.

قام النفط بتحويل مجتمعات بأكملها خصوصًا من تشتهر بوفرة الإنتاج على أراضيها مثل المملكة العربية السعودية وفنزويلا والعراق وإيران، أصبحت هذه الدول حديثة وتم تطوير التعليم فيها، بعد اعتمادها من قبل على الحياة البسيطة والزراعية. لكن الاعتماد الكلي على النفط  قد يؤدي إلى عواقب وخيمة كما حصل في فنزويلا عند انخفاض أسعار النفط عام 2015 وبسبب إهمال الحكومة نفسها باتخاذ إجراءات إصلاحية تم تعريض الكثير من الناس لمواجهة الفقر وقلة توفير الحاجات الأساسية للحياة الطبيعية.

كما جرت العادة مع أهمية المورد تخرج الصراعات والاختلافات أحدها كان في العام 1951 عندما نشأ خلاف حول إيرادات النفط بين بريطانيا وإيران، تفجرت تلك المواجهة وأصبحت علنية عندما قامت إيران بتأميم شركة تعود ملكيتها لبريطانيا وتعرف ب (Anglo-Iranian)، سميت لاحقًا BP، رفضت الشركة البريطانية التخلي عن أصولها فقامت إيران بطرد المواطنين البريطانيين من أراضيها. كان الرد البريطاني عنيفًا بحصار فُرض على النفط الإيراني، ذلك الحصار أستمر لحين حدوث انقلاب على حكومة رئيس الوزراء محمد مصدق بدعم بريطاني وأميركي  في العام 1953 واستبداله بقائد يتوائم مع سياسة البلدين.

السيطرة على مصادر النفط كانت أحد أسباب اندلاع حرب الخليج الثانية 91-1990. السبب الأول الذي كان صدام حسين يستخدمه لاحتلال دولة الكويت هو رفع كميات إنتاج النفط من قِبل الكويت مما أدى لإنخفاض الأسعار في الوقت التي كانت فيه العراق بأمس الحاجة لبقاء الأسعار مرتفعة بعد انتهائها من حرب دامت ثمان سنوات مع إيران، العراق لم تكتفي بهذا السبب بل أدعت أن الكويت تقوم بسرقة نفطها عبر الحدود فيما بينهما. بعد احتلال الكويت أصبحت العراق مهيمنة على ما يقرب من 20% من مصادر النفط في العالم وجنودها تقف على مسافة قريبة من الأراضي النفطية في المملكة العربية السعودية.  ظل صدام حسين يطلق تهديداته لتوسيع امتلاكه على حصص النفط في الشرق الأوسط ، وعلى ضوء كل تلك الأحداث تبنت الأمم المتحدة عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت.

من الواضح أن للنفط تأثيرات عديدة ومتناقضة أحدها يتعلق بتلوث الهواء والتسبب في ضرر بالغ تجاه البيئة والآخر النمو الهائل في اقتصادات البلدان وتطوير المجتمعات. في وقتنا الحاضر اتجهت العديد من وسائل النقل لاستخدام بطاريات كهربائية مسؤولة عن تشغيل تلك المركبات من الممكن أن تزيح هذا المورد بعيدًا لكن ليس في المستقبل القريب.

 


 

*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

السكر

هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات مترجمة تلقي الضوء على موارد طبيعية غيرت من شكل الحياة

 

Corte de Canna. – Gathering Sugarcane. Cuba, 1900. Artist: Unknown. (Photo by The Print Collector/Getty Images))

من الصعب تخيل طاولة طعامنا من دون وجود عنصر السكر فيها، فقد وصل إنتاج السكر في وقتنا الحاضر لأعلى مستوياته، فالعديد من الدول فاقت كميات ما تنتجه من سكر الرقم 180 مليون طن كل عام. ونتيجة لذلك أصبح السكر عنصرًا أساسيًا لعاداتنا الغذائية اليومية، نضيفه إلى مشروباتنا الساخنة ليكتسب نكهةً شهية وإذا أردنا تحلية الأكل المر الغير مستساغ أكله لنجعل منه طبقًا محببًا. الطبقان السابقان كان لنا اليد العليا في إدخال السكر ضمن مكوناته  لكن أكبر الكميات المضافة تحدث بعيدًا عن أعيننا داخل الأكل المصنع والمشروبات المعلبة. ومع كثرة استهلاك السكر بدأ الناس يستشعرون خطورته و الأضرار المترتبة على تناوله.

لقرون كان العسل هو المحلي الأساسي إذا أراد شخصٌ التمتع بذلك المذاق الجميل إلى أن حل القرن السابع عشر ليبرز عنصر آخر ويهيمن على هذا المجال من دون منازع إلا وهو قصب السكر، أضيف إليه فيما بعد، تحديدًا في القرن التاسع عشر، سكر البنجر لتأتي بعدها المحليات الصناعية وعلى رأسها شراب الذرة. في تلك الأثناء بدأ العالم في استساغة تلك النكهات المحلية والاعتياد عليها واستغلت مصانع السكر تلك الحاجة لإشباع تلك الرغبات. 

قبل تطوير وتأهيل مستعمرات السكر (الأراضي الزراعية المخصصة لها في جزر الأطلسي مادييران و ساو تومي وفيما بعد الكاريبي والبرازيل ) كانت تكلفة تصنيعة عالية جدًا، وتم تمكين تحويل السكر إلى منتج رخيص وذو شهرة واسعة في أوروبا والعالم أجمع فيما بعد ومن خلال جهود العمال الأفارقة في الأراضي الخصبة. وجه العالم بدأ يتغير نوعًا ما خصوصًا في التأثير الأفريقي الكبير على جزر الكاريبي والبرازيل فأصبحت القارة الأميركية صورة مصغرة من أفريقيا من خلال هيئة سكان محليين يرتدون الملابس الأفريقية مصاحبة مع عاداتهم وثقافتهم الخاصة.

عمل السكر على فرض تنقلات هائلة للعديد من البشر مع تبعات ثقافية وسياسية مازال تأثيرها إلى يومنا الحاضر، ومع توسع انتشار العبودية  في أوائل القرن التاسع عشر زاد استقدام العمال من مناطق أخرى إلى جزر الكاريبي والمحيط الهندي فتم توطين العديد من الصينيين في كوبا واليابانيين في هاواي والهنود في شرق وجنوب إفريقيا وسريلانكا وجزر فيجي. 

وكنتيجة للعمل الإجباري للعديد من المستعبدين الأفارقة أصبح السكر الرخيص في قيمته متواجد على طاولة الأشخاص العاديين وليس محصورًا على طبقة معينة ومع زيادة أعداد مستهلكي السكر ظل اعتقادهم السائد أنه طعام منتج للطاقة ولكن يتضح فيما بعد أنه يسبب بضرر كبير على الأسنان.

كما هو معروف فالعبودية لم تكن يومًا مخصصة للأعمال الملزمة لإنتاج السكر ولكن هذا المجال هو الذي تسيد وصمم نظام العمل الخاص بالعبودية في المستعمرات الأميركية. تلك الصناعة لم تلحق الضرر بالعمال الأفارقة بل أيضًا بالنظام البيئي وأماكن العيش، فمن خلال الطريقة المتبعة في مزارع السكر والمعروفة بالتقطيع والحرق حُولت الكثير من الغابات المطيرة والأراضي الخضراء الشاسعة إلى دخان من أجل إنتاج كميات السكر اللازمة. هذا الدمار البيئي مستمر إلى يومنا الحاضر وملاحظ بشدة في منتزه ايفرجليدز الوطني في ولاية فلوريدا والمسبب الرئيسي له هو التوسع في أراضي السكر. 

طورت موانئ أوروبا وأميركا الشمالية مصافي للسكر وأصبحت بذلك السلعة الأكثر طلبًا من قِبل عامة الناس. لم يحل نهاية القرن الثامن عشر إلا وأصبح غالبية البشر من الفقراء يستهلكون السكر بكميات كبيرة ففي بريطانيا مثلًا اعتادوا أضافته على الشاي وفيما بعد على المربى بينما في الولايات المتحدة وتحديدًا في القرن التاسع عشر كان إضافة السكر عادة ملازمة لمن يشرب القهوة البرازيلية المرة. أما أيامنا الحاضرة فيتم إضافة السكر إلى المشروبات المرة كالقهوة والشوكولاته والشاي.

 

الأهمية الإستراتيجية للسكر:

بإمكاننا اعتبار السكر في ذلك الوقت كأهمية النفط في القرن العشرين فالدول الأوربية قاتلت بعضها بعض في أواخر القرن السابع عشر من أجل الاستيلاء على الجزر الغنية بالسكر ولم يكتفوا بذلك بل أيضًا بالسيطرة على الطرق المؤدية من وإلى تلك الأراضي. أما الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر فاعتبرت بلاد الكاريبي حديقتها الخلفية وأصبحت عدوانية في ما يتعلق بمصالحها المتعلقة بالسكر في كل من سانتو دومينكو (تعرف حاليًا بجمهورية الدومينيكان) وبورتوريكو وفي مقدمتهم جميعًا كوبا، على مدى عقود نشأت علاقات معقدة ومتوترة بين هذين البلدين وبداية الشرارة كانت في تلك الأيام والمرتبطة بالسكر. في أواخر القرن العشرين أصبحت المنتجات السكرية مخادعة نوعًا ما فلم يصبح السكر بشكله المعتاد في الأكياس المعقودة واللازم أضافتها من قِبل المستهلك نفسه  بل أصبح غير مرئيًا ومتواجدًا بشكل كبير في العديد من الأطعمة والمشروبات التي تأخذ من السوبر ماركت، وأصبحت الأسر تشتري أقل ما يمكنها من السكر ومع ذلك وصلت لمراحل متقدمة في استهلاكه لم يسبقها أي جيل آخر في هذه العادة.

تلك الزيادة الخفية في استهلاك السكر لفتت انتباه المختصين بالصحة وعلماء التغذية وخبراء الطهاة ومؤخرًا العديد من السياسيين إلى تلك المعضلة الكبيرة والتي تمثلت في ظهور ظاهرة لا يمكن التغافل عنها يجزم الكثير على ربطها بالاستهلاك الكبير للسكريات، البدانة.

في انجلترا على سبيل المثال ازدادت حالات خلع الأسنان للأطفال أو من هم دون الثامنة عشر وأصابع الاتهام كلها تشير إلى نوعية الأغذية والمشروبات المليئة بالسكر. كل تلك الأحصائيات أدت إلى اتخاذ إجراءات بشأن تقليل استهلاك السكر، ففي بريطانيا مثلًا أضيفت ضريبة خاصة بهذا المنتج تعرف بضريبة السكر، لكن مع كل تلك السلبيات المتعلقة باستهلاك السكر يظل أكبرها على الأطلاق بما  هو متعلق بمنتجات التبغ، فكما هو معلوم تتم صناعة تلك المنتجات بإضافة كميات غير بسيطة من السكر إليها لتساهم هي الأخرى في كل ما تسببه تلك المنتجات من مضار صحية لمستهلكيها.

المذاق الحلو والذي يعجب الكثير من البشر كان في بدايته على هيئة عسل لينتقل بعدها إلى قصب السكر ومع هذا التحول الكبير ظهرت لنا مشاكل صحية لم توجد من قبل ومشاكل إجتماعية أيضًا. إذا أردنا اختصار تاريخ السكر في عبارة واحدة ستكون “التاريخ الحزين للسكر نقلنا من تجارة العبيد إلى البدانة.”

 


*هذه المقالة نشرت في مجلة BBC World Histories العدد التاسع، لتصفح وشراء العدد هنا

من هي؟

بعد أن بلغت الرابعة والثلاثين كانت لا تعلم عن ماهيتها ولازالت تتساءل، يؤلمها كثيرًا وجودها في وظيفة لا تحبها تحاول أن تشتت انتباهها ببعض الكتابات هنا وهناك وقراءات أعمق بكثير من مجرد لمحات، أصبحت خبيرة في تاريخ الشعوب القديمة في أميركا اللاتينية وأكثر خبرة في أخبار المستكشفين الأسبان الذين قدموا إليها ليجلبوا معهم متغيرات انهت عالمهم، وعن تاريخ الحرب الأهلية الأميركية ومالذي جعلها تبدأ في الأساس. هي لا تعلم لما عليها أن تجمع تلك المعلومات الهائلة فلا رسالة دكتوراة ستطرح ولا جلسة نقاش سوف تدعى لها، لكنها لا تتسائل عن الفائدة المرجوة من ذلك لأنها في المقابل كانت قد تخصصت في الكيمياء الحيوية، ذلك العلم المهم في تطوير الأبحاث حول إجراءات التحليل وصناعة الأدوية لكن هذا الآخر لم تستفد منه حتى الآن. وظيفتها التي تمارسها هي الأخرى بعيدة كل البعد عن تلك الموضوعات فهي تدرس الأطفال في المرحلة الابتدائية، تارة لمادة الرياضيات وتارةً لمادة العلوم حسب الاحتياج في كل عام. الرياضيات ذلك شيء كانت تبرع فيه في المدرسة نادرًا ما كانت تفشل في اختبار له علاقة به وأغلب معلمات الرياضيات كنا يحفظن أسمها عن ظهر قلب على عكس بقية معلمات المواد الأخرى والذين نادرًا ما يذكرونها نظرًا لخجلها في مشاركة ما تعرفه رغم وجود معرفة لا بأس بها في تلك العلوم الأخرى. 

اعتقدت في فترة من فترات حياتها أنها ملعونة بلعنة ما فكل طريق تسعى إليه لتغير وظيفتها أو الرفع من مستواها التعليمي يغلق عند آخر نقطة بلا رجعة، فلا نقص من قِبلها، هي تحقق جميع الشروط المنصوصة بل وأحيانًا تتخطاها قليلًا فيأتيها الفرج بحدوث النجاح لتتوقف للحظة منعطفةً عند أقرب طريق عودة مبتعدة عن ذلك الهدف. التشكيك هو صوتها الداخلي الذي لا ينطفئ التقليل من قدراتها بأنها غير صالحة لهذا الشيء وأن حياتها الحالية هي الصالحة لها فلا حاجة ماسة لخوض مغامرة لا يُعرف ما تؤول إليه. 

صديقات الجامعة أصبحت لا تخرج معهم بكثرة، فحين لقائهم لا تكاد تنفك عن التفكير في ماذا حصل لي ولم يحصل لهم؟، كلهم بلا استثناء تلقوا شهادات عليا أو مناصب مرتفعة أو كلاهما معًا أو على الأقل الألتحاق بوظيفة لها أهميتها وتميزها. لا يدل هذا على حسد بل نوع من الغربة تشعر بها عند الأستماع لأحاديثهم، فكلماتهم تتقاطع ومواقفهم تتشابك وهي يخيل لها أنها تجري مبتعدة عنهم في اتجاه معاكس لا تشعر بالانتماء لذلك المكان، ذات مرة في اجتماع معهن انتبهت لنفسها بأنها ظلت صامتة لساعة كاملة، هي انتبهت لكن لا تعلم إذا ما لوحظ هذا الشيء من قِبل صديقاتها. كأن عالمها أخذ يصغر شيئًا فشيئًا لينكمش فوق رأسها مباشرة تاركًا مساحة ضيقة لا تستطيع التعبير فيها عن نفسها. ماذا حصل كان العالم عند بدء دراستها الجامعية واسعًا متعدد الخيارات وسعيدًا في نفس الوقت، لا تفكير مبالغ به بمستقبل مجهول ودرجة لا بأس بها من الرصانة والثقة بالنفس تحميها من أي خدوش قد تصيبها.

الخطط، كانت تبرع في خلقها وصنع خطوات متسلسلة للوصول لغايتها، في كل مرة وبتركيز كبير تصل لأعلى درجة من درجات السلم صعودًا حتى يحدث تحول كبير في الأتجاه لتجد نفسها أسفل ذلك السلم. شعور الخوف من التغير والتشكيك بالقرارات المتخذة تجعل تلك الخطوة الغريبة مقبولة بالنسبة لها، في لحظتها على الأقل، لكن ما تنفك بعد مرور الوقت عن لوم نفسها على فعل تلك الخطوة الغبية الجبانة. كل مرة تواجه نفسها ينتهي بها الحال في دخول نفق مظلم تتقلص فيها رغبتها بالعيش فمتع الحياة البسيطة لا تعنيها حينها.

الهروب من الذات هو الحل المتاح لها حاليًا رغم سوءه وعدم فعاليته لكن لا خيار آخر أمامها، فما زالت تنتظر تلك اللحظة الخيالية والتي تقلب حالها رأسًا على عقب، كيف سيكون شكله لا تعلم لكن تعلم أن بين ثناياها تحقيق جميع الخيالات الواقعية التي تظل تحلم بها، للأسف بدأت تشعر بعجلة الزمن تمر بسرعة وأن خانة العمر قد تبدأ في خيانتها لتصل إلى النتيجة. “لم يبقى الكثير لي” تظل بإستمرار تخبر نفسها بذلك، لكن ستظل متمسكة بالأمل البعيد دون علمها عن كيفية تحقيقه هي فقط متمسكة بذلك الخيط الرفيع.

من هي؟ ظل هذا السؤال يدور بخلدها بعد أن طُلب منها التعبير عن نفسها، هل هي معلمة؟ لا تستطيع الجزم بهذا المصطلح ففي كل مرة تشعر بالغربة ناحيتها حتى أن أجابت به بشكل مقتضب وبسيط عند السؤال من قِبل شخص من أجل التعرف تذكره دون تعمق في التفاصيل لتنطلق إلى موضوع آخر على عجل حتى لا يلحظ السائل تلك الإجابة. هل هي كاتبة؟ تتلفت يمينًا وشمالاً باحثةً عن نتاج أدبي طبع عليه أسمها أو مسمى وظيفي يرمز لتلك الصفة ولا تجدها، الكتابة فعل تفعله لمجرد الحديث إلى نفسها أو تلخيص لأمور حازت على اهتمامها حتى لا تنساها وتذهب أدراج الرياح، بل أن المقربون من عائلتها وزميلات العمل لا يعلمون عن كتاباتها ولم تخبرهم بها قط. هل هي باحثة؟ مستحيل أن تطلق عن نفسها هذا المصطلح فالأمور التي تبحث عنها غالبًا ما تنتهي داخل رأسها أو بكتابة تعليقات على ما وجدته من إجابات لتلك الأسئلة التي كانت تدور في فلكها، فمهمة الباحث تتعلق بتسليم ما تتوصل إليه إلى جهة معنية لتقوم بدورها بنشره وذلك لم يحصل لها من قبل. هل هي كيميائية؟ آخر ما تذكره من هذا المصطلح هو كلمات نطقت بها المحاضرة في أروقة الجامعة منذ زمن بعيد يكاد يقرب من اثني عشر عامًا، فهذا الغياب الطويل وأن حاولت أن تعالجه ببعض القراءات المتعلقة بهذا المجال من هنا وهناك ولكن ذلك لن يشفع لها. فذلك البعيد قد أصبح من الماضي خلفها ولا يمكن استرجاعه. 

تحزنها تلك التساؤلات وهي في هذا العمر فهذا الضياع لا يليق بها في هذا الوقت، أثر بها مشهد من مسلسلها المفضل يقوم فيها البطل بالحديث مع مجموعة من المقلعين عن إدمان الكحول فيذكر لهم:  “صراحةً، لقد كنت أعاني كثيرًا اليوم، ‫رغبت في الشراب بشدة مؤخرًا . أستخدم تكنيكًا تعلّمته ‫يقولون أن عليك تخيّل أسبابك الخاصة لعدم الشرب ‫وتذكّر نفسك بهم كأنها ترنيمة، ‫بالنسبة لي مثلًا: أنا أتخيّل غرفة ابن أختي ‫أتخيّل بوستر الروبوت المعلّق ‫ومصباح الباندا. لديه مجسّم لملعب كرة صغير ‫يدويّ الصنع ‫وفيه تمثال صغير لـ”تيري برادشو” ‫لم أكن ممتنعًا عن الشراب عندما وُلد ابن أختي لكنني كذلك لكل يوم منذ ولادته ‫لكن أحيانًا أتساءل عن السبب، ‫أنا لا أفعل أي شيء بحياتي أحتاج من أجله للامتناع عن الشراب ‫كنت فقط أظن أنني عندما أصل لهذه المرحلة من حياتي ‫سأكون قد وجدتُ هدفًا لها انفصلت حديثًا عن امرأة رائعة ‫ورفضتُ لتوّي عرض المشاركة ‫في فيلمٍ رائع أكان هذا خطأ؟ ‫لا أعرف ‫المؤكد هو أنني لن أصغر ‫وآمل أنني مع كِبَري، سأنال بعض الوقار، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس بأيدينا ‫أعني، ربما يكون الوضع مثلًا ‫مرحبًا بكم بمدينة ترهّلات الخدّين ‫فقد وصلتم عمر الـ50، ثم ماذا؟ ‫ثم أصبح ذلك الرجل في إعلانات ‫مجلة “إيه إيه آر بي” ‫السعيد للغاية لأنه لا يزال قادرًا ‫على مسح مؤخرته بنفسه ‫أعني، إن كان هذا دافعي ‫للامتناع عن الشراب”

تمنت أن لا تطول المدة وأن تجد الخاتمة اللائقة بما ترغبه في هذه الحياة، ولعلها تشارك تلك التساؤلات مع كثير من البشر فكلهم مخلوقون من نفس الطينة.

 

أنا وأنطوان والطائرة

الطائرة، تلك الآلة المسؤولة عن تنقلنا من خط عرض إلى آخر في فترة زمنية قصيرة. تبعدنا عن كل ما هو صلب لنغوص معها في أعماق الهواء دون شعورنا بأن أوزاننا باتت كالريشة. دائمًا ما ترتبط الطائرة بعنصر الخوف، ففكرة كونها معلقة في السماء دون أساس ترتكز عليه مرعبة إلى حد ما، فقد عانيت لسنوات طويلة من رهاب السفر بالطائرة، فعند ركوبها لا يمكنني النطق بكلمة واحدة، لساني ينعقد وكأنه لم يتعلم الكلام من قبل وقوة التركيز على التفاصيل الصغيرة تزداد عند تواجدي بداخلها، هنا اعوجاج على جناحها، وقطعة قماش الأرضية منزوعة من مكانها، كلها ملاحظات تبدو بسيطة لكن عقلي يضخمها بدرجة كبيرة جاعلًا منها حاجزًا وهميًا بين الطمأنينة والقلق. لا أعلم منذ متى بدأت تلك الرهبة من الطائرة لكن تتضح جليًا صور لرحلة من الرياض إلى الطائف وأنا صغيرة بالعمر والمطبات الهوائية كانت شديدة لدرجة فتح أدراج الأمتعة العلوية لتتساقط الحقائب بشكل متتالي ليتبعها خط الأنارة الأحمر على الأرضية ويقوم الكابتن بترديد دعاء السفر مرة أخرى، حيث جرت العادة ذكره عند بداية الرحلة، مرت الأوضاع السيئة بالطبع ليتبعها هبوط بسلام أو على ما أعتقد هذا ما حصل كون الذاكرة ليست دقيقة بسبب صغر عمري. على العكس تمامًا أذكر تمامًا تلك اللحظة التي تلاشت فيها جميع المخاوف المتعلقة بالطيران، تلك اللحظة أتت دون مقدمات ولا تهيئة للنفس من خلال دورات معدة لمثل هذه الأمور بل على العكس تمامًا كأن نفسي هدئت من روعها من تلقاء نفسها. كانت الرحلة من الرياض إلى واشنطن، والمدة الزمنية تزيد قليلاً عن ثلاثة عشر ساعة وهناك ملحق آخر لرحلة أخرى تصلني بمدينة لوس أنجلوس والتي يبلغ طولها 4 ساعات و45 دقيقة. أن أجريتم عملية حسابية بسيطة ستجدون مجموع الرحلتين يساوي 18 ساعة. يوم كامل وأنا معلقة بين السحاب فوق بحار ومحيط وجبال وصحاري وكل ما تفرزه الجغرافية من تضاريس مختلفة. كنت مشغولة البال قبل الرحلة بأسبوع، أو لعله أكثر، كيف سأقضي كل تلك الفترة الزمنية في السماء ماذا سأفعل كيف سأتمكن من تهدأت نفسي،  لأن الوضع الغريب الذي أصبح عليه لا يحتمل زيادة مدته الزمنية. ذاكرتي الصورية الجيدة ترسل لي مقاطع من تلك الرحلة اللامنتهية الركاب كانوا قلة وعدد الكراسي الخالية أكثر بكثير من عدد المسافرين. سهولة التنقل بين المقاعد كان أجمل ما في الرحلة، هنا أستطيع الاستلقاء ومحاولة النوم، وهنا أستطيع إعادة الكرسي إلى الخلف لإراحة الأقدام والرقبة والتي نادرًا ما تحدث في الدرجات الخلفية من الطائرة. أذكر مشاهدتي لمسرحية لولاكي كاملة، وبعض حلقات فريندز وأذكر أيضًا تنقلي إلى المقعد المجاور للنافذة لرؤية المحيط الأطلسي، بعد ظهور الطائرة على المسار الموازي له على الخريطة التفاعلية، تلك الزرقة الممتدة كانت عظيمة تشعر بأنها كتاب أزرق مفتوح يحوي من الأسرار ما يعجز الإنسان عن اكتشافه، هناك طمأنينة غريبة سرت في جسدي عند رؤيتي للمحيط ورغم قوة المطبات التي كانت تحدث أثنائها وإضاءة إشارة تنبيه ربط الأحزمة، إلا أن كل هذه الأمور لم تكن تعنيني أمام منظر المحيط من الأعلى، هنا حدث السكون وكانت نقطة التحول.

كان أنطوان طيارًا متخصصًا في نقل الشحنات الجوية بين قارات عدة، و لتمييزه عن بقية طياري عصرنا الحالين كان يمتهن تلك الوظيفة في العام 1926 وكنتيجة لذلك يعتبر من الأوائل الذين مارسوا هذه الوظيفة. فمازالت الطائرة اختراعًا حديثًا تقام عليه التجارب، واكتشاف الطرق الواصلة بين المدن والقارات في طور بداياتها وتولد من خلال الطيارين أنفسهم، فمهمتهم هنا انتحارية، كون الآلة التي يمتطونها غير مهيأة بمعدات السلامة والمتوفرة في أيامنا هذه، و يمكن القول أن معدل تعطل محرك الطائرة أعلى بكثير من معدل نجاته. غالبًا ما يجد نفسه أنطوان وهو مظطرًا للهبوط في أعماق الصحراء بين قبائل الطوارق واللذين يرغبون في رؤيته ميتًا قبل الترحيب به من أجل الضيافة أو في أعالي قمم جبال الأنديز حيث يندر وجود البشر وأن وجدوا تتضح على ملامحهم سمات بعيدة كل البعد عن ما أعتاد عليه بنو البشر في أصقاع الأرض الأخرى. كل هذا جعل قلم أنطوان يخط حروف وجمل جميلة عن مراقبة الأرض من الأعلى من خلال رحلاته المختلفة لتوصيل الطرود البريدية. هذه الأداة كانت وسيلة لأنطوان من أجل اختلائه بنفسه ومراقبته لأناس آخرين لن تتاح له رؤيتهم بوظيفة مكتبية في بلده الأم فرنسا، رؤية الأراضي الشاسعة من الأعلى تجعل الإنسان يصغر بهمومه وأوهامه التي ما انفكت تملأ رأسه من غير جدوى حارمةً أياه متع الحياة البسيطة.

*من خلال هذه الطائرة عاش أنطوان مغامرة حياة وموت في أعماق الصحراء الليبية، فتمت أصابته بالهذيان لفترة من الوقت لتأتي أمامه صور لأناس ومعالم ليس لها وجود على أرض الواقع وكل مرة يخبو الأمل ليعود مرة أخرى بعلو أكبر معلنة استمراره في هذه الحياة رغم اعتقاده بمغادرتها. هذه المغامرة حدثت بسبب هبوط الطائرة في المكان الخطأ لرداءة تحديد المواقع والاتجاهات التي توفرها تلك الآلة وضعف الإشارات المرسلة من قِبل المراقبين الجويين، ولقلة عددهم أيضًا، كل تلك العوامل اصطفت لتحكي لنا قصصًا لا أظن أن تكتب في زماننا هذا أو ستقل حتمية حدوثها على عكس ذلك العصر، تلك المغامرات المثيرة تتكرر بشكل مستمرة لأنطوان أو زملائه الطيارين.

 

لسنوات قليلة اعتدت على شراء الأجندة من ماركة moleskine، لتصميمها المميز والذي يُسهل علي العديد من المهام المطلوب مني كتابتها. اعتادت الشركة على تزيين تلك الأجندات ببعض الشخصيات الخيالية القادمة من القصص الشهيرة، عليكم تجربة تصفح منتجاتهم على الأنترنت ورؤية جمال الرسومات التي تزيين أغلفة تلك الأجندات، أحد تلك الشخصيات هي شخصية الأمير الصغير. جميعنا نعرف ذلك الكرتون الشهير المقتبس منه وقصص تنقل أميرنا من كوكب لآخر، ذلك الخيال المفعم بالسعادة والفضول في آن كانت رسوماته ملازمة لأجنداتِ. وما زال اختياري يقع عليه كل عام حتى ولو كان مجرد دفتر ملاحظات يومية المهم هو رؤية ذلك الأمير الصغير قبل كتابة ما في رأسي من أفكار. زميلنا أنطوان هو مخترع تلك الشخصية فيصعب علي عدم الربط بين مغامراته في الطيران وميلاد تلك الشخصية، فلا يمكن تصور تلك الرائعة دون خوض كاتبنا مغامراته مع الطائرة وبقائه معلقًا في السماء ومتمسكًا بها أكثر من تلك الأرض الصلبة. ساعات الطيران الطويلة  جعلت خياله خصبًا لتلد لنا تلك الشخصية اللطيفة والتي ظلت ملازمة لجميع دفاتر ملاحظاتي.

لعل الطائرة ليست بالآلة الموحشة بعد كل هذا، فهي تتيح لنا آفاقًا لم نتخيل أنفسنا أن نصلها يومًا ما، وكما فعلت بأنطوان حين أخرج للعام تحفته “الأمير الصغير”، من يدري ماذا يمكن أن تفعل بك أنت. فتحية إجلال وتقدير لتلك الرائعة.

 

“الطائرة آلة من غير شك، ولكن يا لها من من أداة تحليل عظيمة. فلقد مكنتنا هذه الأداة من رفع النقاب عن وجه الأرض فعرفناه على حقيقته.  و للطائرة معجزة أخرى فهي تلقي بك مباشرة في صميم السر الغامض. تكون في الطائرة كعالم الحياة، تدرس من وراء نافذتك قرية النمل الإنسانية وتفحص هذه المدائن المستقرة بين السهول وسط الطرق التي تتفرع كالنجوم وتغذي البلاد برحيق الحقول كأنها الشرايين”

-أنطوان دو سانت اكزوبيري

 

*القصة ذكرت في كتاب المذكرات الشخصية لأنطوان دو سانت اكزوبيري “أرض البشر”.

جنتلمان في ورشة عمل

حُكم علي بالإقامة الجبرية ليس من أجل قتل غير متعمد كنت قد ارتكبته، ولكن لكوني ولدت أرستقراطيًا، قبل قيام الثورة في بلدي كانت الألقاب تصطف قبل ذكر اسمي بعدها أصبحت أنادى بأقل أحرف من الممكن أن تقود الشخص إلى اسمي الأول، لا يهم من أنا و ابن من كل ما يهم هو ذلك الأسم والذي نادرًا ما كنت استمع إليه في سنواتي عيشي الأولى. أغلب من أعرفهم كانوا قد تسللوا إلى خارج البلد إلا أنا كنت قد قررت العودة إلى الوطن لمحاولة انقاذ بعض الممتلكات لأجد نفسي و قد أصبحت من ممتلكات أشخاص آخرين يقررون مصيري. لعل حظي كان سعيدًا إلى حد ما كوني لم أرسل إلى مشنقة الإعدام فمحكمة الوطن والشعب كانت قد قررت أن ترسلني للإقامة الجبرية داخل فندق المتروبول، طبعًا ليس داخل أروقة أجنحتها الفاخرة بل في العلية في غرفة مساحتها تسعة أمتار مربعة، كانت بالنسبة لي رغم صغرها العالم بأكمله. 

الحياة داخل الفندق لم تكن مملة بل على العكس قد شَغلتُ أوقات فراغي بالعمل داخل المطعم كنادل وأصبحت الأب الروحي لأبنة اعتز بمنادتها لي “بابا”، وصديق الدراسة كان يزورني بين الحين والآخر ليطلعني على أحوال البلاد في الخارج أو لعلي كنت أستشف من هيئته ومزاجه الوضع العام للوطن وللأسف لم تكن التكهنات مبشرة. أصبح لي مجلس رئاسي داخل أروقة المطبخ مع مساعدي الشيف والخادم المسؤول عن الحجوزات  كنا نقرر مصير ضيوف المطعم واللذين دائماً ما يصادف أن يكونوا أحد أكبر رجالات البلد فهذا المبنى القديم المنتمي للعهد الأرستقراطي وجد له مكانًا داخل دولة البلاشفة رغم الاختلافات الجذرية كليًا فيما بينهما، لكن تلك هي غرابة الحياة تندد بشيء وتنهى عنه ثم تجد نفسك متتبعًا تلك الخطوات القديمة والتي سبق لك انكارها. 

لن أكذب مرت علي لحظات عديدة كرهت فيها ذلك المكان وشعرت بأنه يخنقني رغم وجود المشتتات والتي من الممكن أن تنقذني، قد حاولت الهرب من الحياة مرة ولكن شاء القدر بأن لن تحدث. عمري نصفه قضيته في الخارج ونصفه الآخر قضيته داخل المتروبول، حدثني صديقي ميشكا ذات مرة وفي عينيه غبطةً للحياة التي أعيشها هنا قائلًا “”من كان يتخيل عندما حُكم عليك بالإقامة الجبرية مدى الحياة في المتروبول قبل كل تلك السنين، أنك قد أصبحت أكثر رجل محظوظ في عموم روسيا”، كان جدار الفندق وأن بدأ بكونه مانعًا لي من رؤية الحياة في الخارج أصبح على غير العادة حاجزًا حاميًا لي من كل تلك التحولات الجذرية في البشر والأبنية. أصبح كل شيء غريبًا لا ينتمي لما كانت عليه الحال في أيام حريتي.


يمكن اعتبار “جنتلمان في موسكو” رواية كلاسيكية بروح عصرية، لأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين مع كل التحولات الموجودة في ذلك الوقت على عموم أوروبا مع التركيز على بلد الراوي للقصة روسيا. تشعر أن كاتب الرواية وهو أميركي كان متأثرًا بشكل كبير بأدباء روسيا فتقمص منهم القصص والأحداث وانتقاء الكلمات. هي رواية طويلة ستجعلك تنغمس جدًا في شخصياتها، فكل شخصية رُسمت بطريقة تفصيلية رائعة لتتداخل مع بطل قصتنا بطرق لا يمكنك تصورها مضيفةً أحداث مشوقة لرواية من المفترض أن تتخذ من مكان واحد مركزًا لأحداثها. ستثير تلك الأسطر الفضول بداخلك وتطرح تساؤلات عديدة عن الحياة وحتمية الخيارات وماذا لو فعلت كذا ولم أفعل كذا، التفاؤل المغلف بتقبل سوء الأقدار التي وُضعت أمام بطلنا. قصته لن تكون مختلفة عن أي شخص في هذا العالم في أي بقعة جغرافية وزمنية ينتمي إليها كلهم يشتركون مع الكونت روستوف تأمل الحياة ومحاولة تجاوز العقبات الواحدة تلو الأخرى.

أراد الكاتب أن يسلط الضوء على تلك الطبقة الأرستقراطية والتي تم إزاحتها بفعل الثورات على امتداد قارة أوروبا، يمكن اعتبارها وجهة نظر مختلفة ورؤية للجانب الآخر لأولئك الأشخاص المنتمين للطبقة، مثلًا طريقة تعاملهم مع الآخرين، وطريقة تثقيفهم لأنفسهم بجمع أكبر قدر من المعلومات الثقافية من هنا وهناك وتجنب افتعال أمور سيئة والابتعاد عنها قدر الأمكان. وكأن الكاتب أراد إيصال فكرة أنهم ليسوا مجرد جامعي أموال معزولون عن بقية البشر (والذي يمكن القول أنه صحيح نوعًا ما)، بل توجد بهم صفات تستحق أن يشاد بها قد نفتقدها في عصرنا الحالي. كل تلك الأمور تتجلى وتتضح في شخصية ألكسندر روستوف.

 

يوم السبت الماضي شاركت في ورشة عمل بسيطة تم الإعلان عنها في تطبيق meet up، تتحدث الورشة عن ليلة تنكرية أدبية، على الراغب في المشاركة أن يتقمص شخصية من أحد الروايات، ويفضل لو كانت كلاسيكية ومشهورة، ويخبر بقية الحاضرين عن تلك الشخصية من خلال نص يتم كتابته من قِبل الكاتب نفسه وله كامل الحرية في اختيار الأسلوب. عند قرائتي للأعلان كنت للتو قد انتهيت من قراءة الرواية وما زلت تحت تأثيرها فأحسست برغبة الحديث عن الكونت روستوف، رغم أن الرواية حديثة فلم يتجاوز عمرها ثلاثة أعوام والترجمة العربية صدرت العام الماضي، لكن تلك الحماسة التي كانت تغمرني لم تمنعني من الكتابة عنها والحديث مع أشخاص غرباء كليًا عنها. فخرج النص الظاهر في أعلى المدونة وكما توقعت لم يستطع أحد التنبؤ بشخصيتي الروائية لكن تلمست حماسة الكل لأقتناء الرواية وقرائتها.


“لكن عندما تنفي رجلًا داخل بلده، فلا وجود لبداية جديدة. فبالنسبة للمنفيَ داخل وطنه، لن يُصبح حب الوطن أمرًا غامضًا أو مكفنًا بضباب الزمن. في الحقيقة، ولأن جِنسنا قد تطور على نحو جعلنا نولي أكبر اهتمامنا للأشياء التي تقع بعيدًا عن متناول أيدينا، فإن هؤلاء الرجال، على الأغلب، سيظلون التفكير في مباهج موسكو أكثر من أي موسكوفي لديه حرية التمتع به”

-ألكسندر روستوف

 

 

رباعي الأضلاع

SAY NOTHING:

جين أرملة تبلغ من العمر 38 عامًا وأم لعشرة أطفال تعيش في بلفاست الغربية، كانت جين طوال سنوات زواجها أما حاملًا أو تتعافى من ولادة. وفي ليلة من ليالي ديسمبر وقبل أيام قليلة من عيد الميلاد طرق طارق باب المنزل ليفتح الأطفال الباب و يجدوا مجموعة من الأغراب يأمرونهم بجلب أمهم في الحال، سمعت أمهم الحديث، فالشقة لم تكن بالبناء الضخم ناهيك عن ضعف الحوائط المستخدمة والتي من خلالها يمكن الاستماع لأحاديث الجيران كاملةً، قدِمت الأم عند الباب ليتم سحبها بقوة رغم أرادتها ومعها يبدأ صراخ الأولاد ومحاولاتهم الضعيفة لإرجاع أمهم وكل هذا يحدث على مرأى من الجيران الذين لم يتدخلوا لمساعدة هؤلاء الأطفال اليتامى، الأبن الأكبر ظل ممسكًا بأمه إلى أن طلبت الأم منه المغادرة قائلةً لهانتظرني، سأعود“.

بهذه القصة يبدأ الكاتب باتريك كييف كتابه عن الأوقات المضطربة التي عاشتها إيرلندا الشمالية من الستينات إلى أواخر التسعينات حتى تم توقيع اتفاقيةالجمعة العظيمةوالذي وضع نهاية لأحداث الحرب الأهلية القائمة هناك بين البروتستانت والكاثوليك

هذا الكتاب ظهر كثيرًا على قوائم أفضل الكتب لعام 2019، وربح في تصويت موقع أمازون لأفضل كتاب تاريخي للعام الماضي. في العادة أحب أن أطلع على هذه القوائم ليس لأنها فعلاً الكتب الأفضل ولكن لتعطيني لمحة عن الكتاب الصوتي القادم الذي سأستمع إليه، فقد أصبحت لدي عادة أن أستمع للكتب الأنجليزية بدلًا من قرائتها فعلى ما يبدو أن مهارتي السمعية تتفوق كثيرًا على القرائية. في البداية اعترف بأن الموضوع لم يشدنيإيرلندا الشماليةلم أفكر بها إطلاقها و معلوماتي بسيطة عنها فمعرفتي تقتصر على إيرلندا و استقلالها من بريطانيا لتصبح جمهورية مستقلة. الجزء الشمالي لم يلفت انتباهي كثيرًا فقررت صرف النظر عن الكتاب إلى أن أتت لحظة حاسمة لا اعلم سببها فقررت شراءه.

الكتاب يركز على قصص الأشخاص الذين عاصروا تلك المرحلة المضطربة بجميع اختلافاتها، فلن تجده مثل كتب التاريخ التي تسرد الحقائق والمعلومات والقادة السياسيين الذين شهدوا تلك الأيام والمسببين لها بل يذكرهم بشكل عرضي ويصرف كامل تركيزه على تلك الشخصيات و القصة الغامضة لاختفاء جين ماكمفن، فتظل طوال صفحات الكتاب متشوقًا لمعرفة ماذا حصل لهذه الأم المسكينة؟الأشخاص الذين ذُكروا في الكتاب كأنهم خرجوا من رواية، أولهم دوريس برايس وشقيقتها ماريس وهم من أوائل النساء المنتمين لحزب IRA كأعضاء أساسين وليس مجرد متعاطفين، جيري آدامز وبراندون هيوز شخصيتان تختلف طرقهم مع مرور السنوات رغم التشابه الكبير بينهما في البداية، والأم جين والتي تعتبر قصتها مفتاح البداية و قفل النهاية وتقاطعها مع الأبطال الآخرين، ستجد في هذا الكتاب حقائق عن الأحزاب السياسية مثل IRA والذي يعتبر حزبًا محظورًا، و من أهم مطالبه إعادة إيرلندا الشمالية لحضن البلد الأم جمهورية أيرلندا.

في الأخير الكتاب يستحق الأقتناء لمحبين التاريخ بالذات رغم أن الكاتب ظل يعيد ويكرر بأنه لا يمكن تصنيف الكتاب تحت هذا البند، بسبب أن أحداث القصة تمتد إلى عصرنا الحالي والكثير من الأسئلة ما زالت بدون إجابة واضحة لها، ففي إيرلندا الشمالية هذه الأيام الجميع لا يريد ذكر الأفعال التي حصلت خلال تلك الحقبة قد يكون خجل من بعض التصرفات التي ظهرت منهم

بعبارة أخرى:

تشدني كثيرًا كتب المذكرات الشخصية سواءً كانت لشخص عرفته مسبقًا أو لا، في حالة هذا الكتاب لم أكن قد سمعت من قبل عن الكاتبة جومبا لاهيري. كُتب على الكتاب هذا الوصف المبسطصراع الهوية على مائدة اللغةاستنتجت سريعًا بأنه كتاب يبين مدى معاناة الكاتبة الأمريكية من أبوين قد قدما من بنغلاديش وكيف تأقلمت مع كل تلك المتناقضات لكن المفاجأة كانت صادمة، تبين من بعد قرائتي للصفحات الأولى أن الكاتبة تتحدث عن رغبتها في إتقان اللغة الإيطالية بشكل كامل واتخاذها القرار الجريء بمغادرة الولايات المتحدة والعيش في إيطاليا. ذكرت الكاتبة مرارًا وتكرارً أن ما يميز الإيطالية أنها اللغة التي اختارتها لم تفرض عليها كما حصل مع البنغالية من قِبل أبويها أو من خلال الإنكليزية كونها تقيم في مجتمع أميركي

هذا الكتاب ألهمني في علاقتي أنا مع اللغة الإنجليزية فلا أنا التي أتقنتها كاملة لأمارس مهارات عديدة من خلالها ولا يمكن أن أعتبر نفسي لا أعلم شيئًا عن اللغة. الكاتبة تقوللا بد من العوم في أعماق اللغة بدلاً من الجلوس قرب الشاطئ“. شبهت الكاتبة الشاطئ في الجملة السابقة بلغتها الإنجليزية والتي من خلالها تشعر بالأمان تمامًا كما هو الحال بالسباحة بالقرب من الشاطئ بدلًا من الذهاب بعيدًا في الأعماق لأختبار مدى فاعلية السباحة وهو الحال معها في اللغة الإيطالية.

الكتاب خفيف جدًا لغةً وحجمًا هو من نوعية الكتب التي من الممكن انهائها في جلسة واحدةلم يحدث هذا الشيء معيوحتمًا سيوقظ شيئًا بداخلك تجاه مهارة من مهارات الحياة والتي لم تستطع إلى الآن إتقانها على وجه التمام، وقبل أن أنهي الحديث عن هذا الكتاب أردت أن أذكر معلومة أخرى عنه، هذا الكتاب كُتب من قَبل الكاتبة باللغة الإيطالية، إذن قد أجادت جومبا العوم في المياه العميقة.

نقطة التحول:

كيف يمكن لتنظيف خربشات على جدران المترو في مدينة نيويورك أن يخفض من نسبة الجريمة؟ وما الذي جعل أحذية رياضية محلية قادمة من الغرب الأوسط الأميركي ينتشر بسرعة البرق قبل إعلان إفلاس الشركة؟.

مثل هذه اللحظات المفصلية في العديد من القصص ذو الخلفيات المختلفة تحدث فجأة و تعنون كنقطة تحول قد يصعب تفسيرها، لكن مالكوم غلادويل هنا حاول أن يلخص الأمور ويوضحها بإلتقاط العديد من التجارب وإيجاد تفسيرات لها من قِبل مختصين. مثل هذه النوعية من الكتب تشحذ الهمة لأمكانية التغيير في مختلف توجهات الحياة و لدى غلادويل أسلوب شيق ومميز في ربط القصص والحقائق بعضها ببعض، أن كان في عالمنا أشخاصًا يمتلكون قوى خارقة فتلك المهارة هي قوته الخارقة.

لكن يبدو خلال قرائتي لهذا الكتاب قد وقعت في الفخ، ففي الأشهر الماضية زاد معدل قراءتي واستماعي ومشاهدتي لمالكوم غلادويل لدرجة أن أصبحت لا أتفاجأ بمعلومة قد يذكرها، أشعر بأن الأسلوب معروف وينتابني إحساس دائم بأن القصة ذُكرت في مكان ما وأنا الآن أتحمل إعادة الأستماع إليها مرة أخرى، كانت غلطة مني بلا شك في اختيار التوقيت الغير مناسب لقراءة هذا الكتاب، في الفترة القادمة سأحرص على التحرر قليلًا من مالكوم غلادويل على مختلف المنصات المتواجد بها حتى أتمكن من قراءة كتاب آخر له ينتظر على رف مكتبتي لأعيد لنفسي تلك المتعة الرائعة مع قراءة كلماته وربطه المبهر للأحداث.

عالم الأمس:

أن تكون شاهدًا على أحداث غيرت مجرى التاريخ وغيرت الكثير من ثقافة المجتمعات وأن تلاحظها لقطةً بلقطة، حتمًا سيكون أمرًا يستحق أن يروى، أضف إلى ذلك أنك في الأصل كاتب وتعشق الحروف كلغة تعبيرة لما يجول بخاطرك ووسيلة مهمة لتغيير ما يضايقك من أمور طارئة على مجتمعك، فكيف سيكون كتاب ستيفاين تسفايج أو بالأحرى كما ينطق بلغته الأم الألمانية شتيفان تسفايغ؟

أنت هنا أمام كتاب بعتبر أرشيف مهم لفترة حساسة من تاريخ أوروبا، سترقبه من خلال عين المواطن المنتمي لهذه المجتمعات والمعتز كثيرًا بأوربيته والمؤمن أكثر بوحدتها الثقافية، هو المثقف المنتقي لكلماته بعناية لتصل لك جميع المشاعر المختلطة التي أصابت العديد من البشر بمختلف طبقاتهم خلال تلك الظروف الإستثنائية. لن تجد المصطلحات الصعبة والتحليلات السياسية الغير مفهومة والغير مبررة بل على العكس تمامًا ذكر لك بأن الحرب العالمية الأولى حصلت من دون معرفة سبب واحد بعينه، هي هكذا ببساطة حدثت

لأكون أكثر صدقًا في وصف هذا الكتاب سأكتب عبارة معبرة لعلها تكون دافعًا لاقتناء هذا الكتاب وقراءته، لم أستعمل في حياتي قلمهاي لايتبهذه الكثرة كما أستعملتها خلال قرائتي لهذا الكتاب، قد تكون تلك المعلومات المهمة وقد تكون عبارات لها وقع جميل يكاد ينطبق على أيامنا هذه وعلى حالتي الشخصية أيضًا. الكتاب سيلامسك شخصيًا من خلال كل ما مر به ستيفاين تسفايج، تشعر بالقهر أحيانًا وبجمال الحياة أحيانًا أخرى، فهو في أوقات معينة كان متفائلًا جدًا لحاله وأحيانًا أخرى الحياة تصبح سوداوية لا نجاة منها مهما حاول. هي درس من دروس الحياة ستخرج به بعد انتهائك من الكتاب بأن لا شيئ دائم وحاول قدر المستطاع عيش اللحظة دون تفكير مبالغ في مستقبل قريب أو تعلق بماضي قد رحل دون عودة.

كرة صفراء

في أكتوبر الماضي تم الإعلان عن اقامة بطولة استعراضية للتنس في الدرعية  لتصبح بذلك أول بطولة دولية في هذه اللعبة تقام في السعودية، يستحيل جدًا تمكني من وصف الشعور عند سماعي للخبر، كان مزيجًا من فرح وجنون في آن وعدم تصديق للخبر في آن آخر،  كيف لا وهو شعور التجربة الأولى والتي دائمًا ما نظل متمسكين بها لتعطينا متعة الحياة قبل الانغماس في روتينات الأيام المتلاحقة. أول ما خطر على بالي هو من سيكون مشاركًا من اللاعبين الكبار؟ أو كما يحب أن يطلق عليهم عشاق التنس “الكبار الثلاثة” والمقصود هنا المصنفين الثلاثة الأوائل للعبة طوال العقد الماضي: فيدرير، و نادال، وجوكوفيتش.  تم الأعلان عن أربعة منهم و أنا على معرفة قوية بأثنين وهما: فافرينكا و فونيني، وكنوع من التشويق تم التحفظ على الأربعة أسماء الأخرى. لم أطق صبرًا حتى يتم الأعلان عن الأسماء المتبقية فقمت بشراء تذاكر النصف نهائي على أن ألحقها بالنهائي حينها وكلي أمل أن يكون فيدرير من ضمنهم.

في أحد الأيام ركضت زوجة الكاتب الأميركي ديفيد فوستر والس مسرعةً إلى غرفة المعيشة بعد سماعها صرخة مدوية قادمة من زوجها، ظنت بأن سوءًا قد حل به، عند وصولها للغرفة وجدت حبات فشار متناثرة على قطع الأثاث والأرضية ولمحت معها الزوج جالسًا على ركبتيه وقد بدأت عيناه بالتجحظ من هول ما قد رأى، ردة الفعل تلك كانت للقطة قام بها فيدرير ضد اللاعب المخضرم أجاسي في نهائي بطولة أمريكا المفتوحة عام 2005، المعلق الرياضي واللاعب السابق الشهير جون ماكنرو وصف تلك اللقطة قائلًا “كيف يمكن للاعب أن يحرز نقطة فوز من وضعية صعبة يستحيل معها رد كورة ناهيك عن إحراز نقطة التقدم منها”. يطلق والاس عبارة “لحظات فيدرير” وهو وصف للقطات يقوم بها فيدرير تشعرك بأنه قد قَدم من خارج المجرة، وبالإمكان اعتبار تلك اللحظة واحدةً منها. لطالما كان والاس مغرمًا بالتنس ففي صغره مارس هذه اللعبة حتى فهم تفاصيلها وخباياها ومع مرور السنين وتعمقه في الأدب ظل ذلك العشق لتلك الكرة الصفراء لم يخبت فحرص على مراقبة الأحداث وتحليلها وكتابة مقالات مفصلة لكبرى الصحف والمجلات. كانت أعظم مقالاته تتحدث عن لاعب التنس المميز فيدرير. والاس لخص عظمة فيدرير في عام 2006 بكلمات وجمل كانت سابقة لعصرها كأنها تنبأت مبكرًا بمكانة اللاعب التي سيحتلها فيما بعد، كأكثر رياضي من رياضيي الكرة الصفراء تحقيقًا لبطولات الجراند سلام الكبرى.  

يقول والاس “فيدرير هو أحد أولئك الأساطير واللذين لا تنطبق عليهم قوانين الفيزياء، كمثال آخر على هؤلاء لدينا لاعب كرة السلة مايكل جوردن والذي بإمكانه القفز عاليًا لارتفاعات لم يصل إليها إنسان من قبله والبقاء هناك معلقًا لمدة زمنية ضاربًا بقوانين الجاذبية الأرضية عرض الحائط”. تحركات فيدرير رشيقة تظهر لك بمظهر عدم الأعياء أو بمعنى آخر يقوم بتحريك جسده من دون بذل مجهود، يصفه والاس هنا بالخارق للعادة. وفي أحيان كثيرة يظهر فيدرير بمظهر الأقل أو الأضعف قبل مواجهة الخصم لكن الأمور تسير في عكس الأتجاه دائمًا لصالحه. فيدرير في حديثه القصير مع والاس، ومع المعرفة المسبقة بمشاكل فيدرير الكبيرة منذ الصغر مع الخجل وضعف الشخصية، يبدو غريبًا نوعًا ما أن يتحدث عن نفسه لكنه على الرغم من كل هذا عبر عن طريقة لعبه بكل ثقة بأنها “الجميلة”، يضيف فيدرير: “بعض اللاعبين يمكن اعتبارهم الأقوى وبعضهم الآخر الأسرع وآخرون المهتم بنوعية ضرباته، أما أنا فيمكن التعبير عن أدائي بالأجمل”.

انطلقت البطولة وتم الإعلان عن الأسماء المتبقية للأسف فيدرير ليس من ضمنهم ولا حتى زميليه في المنافسة نادال و جوكوفيتش.هناللك أسماء واعدة يتنبأ لها بمستقبل باهر في التنس مثل ميدفيديف صاحب التصنيف الخامس والصغير في العمر نسبيًا فمن يعلم قد تتاح له فرصة الأنتصار ببطولات جراند سلام كثيرة وبالتالي أكون قد حضرت لأحد أبطال اللعبة القادمين من المستقبل. بالإضافة لكل هذا تظل فكرة مشاهدة مباراة تنس من أرض الملعب جميلة. تم الأخبار عن مواقف محددة لحاضري بطولة التنس والتي يستلزم استخراج تصريح لها في مكان يبعد عن الملعب 17 كيلو، لا بأس لأن المقيم في مدينة الرياض يعلم أن هذه المسافات لا تمثل شيئًا هي جزء من روتين الرحلات اليومية. ذهبت قبل بدء مباريات نصف النهائي بساعة ونصف وعلى امتداد طريق الملك خالد جنوبًا موقع تسليم التصريح ثم امتداد طريق الملك خالد شمالًا حيث موقع المباراة، مسافة الطريق كانت محتملة لكن وكما هو معلوم ضرورة الذهاب للمكان المخصص لمواقف السيارات حتى يتسنى لنا ركوب حافلات نقل تنقلنا لموقع الفعالية، هنا استهلكت طاقتي وصبري. لم أكن أعلم بأن صبري قليل وطاقتي ذو نفاذية صغيرة إلا عند مواجهة هذا الوضع الكارثي، السيارات متراكمة فوق بعضها لم يسألني أحد عن التصريح الذي استهلك وقتًا كان من الممكن استغلاله. تبين لي فيما بعد أن المواقف لم تكن مخصصة فقط لحضور كأس الدرعية فبالإضافة لهم كان هناك حضور الحفل الموسيقي المصاحب وزوار واحة الدرعية، اعتقدت بأن يتواجدوا في مواقف أخرى حتى لا يحصل هذا الازدحام لكن تحليلاتي كانت خاطئة. هذا الخطأ الكبير كلفني فرصة مشاهدة مباراة النصف النهائي الأولى بين مونفيس وفونيني فبمجرد دخولي للملعب، بدأ ميدفيديف وغوفين في عمليات الاحماء. خاب أملي قليلًا ففرصة جعل يومي كاملًا لمشاهدة مباريات التنس تقلص إلى نصفها مع مزاج متعكر. كانت المقاعد غير ممتلئة مجموعة من الناس متناثرين بين أرجاء الملعب، مع أغلبية طاغية للحضور الأجنبي على المحلي، يبدو أن اللعبة ما زالت تعاني من قلة شعبية أو من الممكن أنها لم تتلقى الحملة الإعلانية المناسبة لها.

أعلن حكم الكرسي عن بدأ المباراة، عم السكون المكان أخذ ميدفيديف بالاستعداد لضرب كرته من خلال رميها إلى أعلى بعدها بدأت عملية تبادل الضربات بين اللاعبين. سرعة الكرات المتبادلة من الأشياء التي لا يمكن استشعارها عن طريق التلفاز، هذه المتعة جعلتني أنسى قليلًا شعور التعكير الذي صاحب هذا اليوم لكن ميدفيديف كان مسيطرًا تمامًا على مجريات اللعبة لم يجعل غوفين يتنفس ولو قليلًا خصوصًا إذا أخذنا بعين الأعتبار أن البطولة استعراضية الهدف الأساسي منها هو امتاع الجمهور إلا أن اللاعب الروسي كان حاضرًا بصلابة ذهنية عالية جعلته ينهي المباراة سريعًا ومن دون تبادل طويل للكرات، وفي عرف مباريات التنس تعتبر مباراة غير جيدة ومملة. 

“إذا كنت ممن يشاهد مباريات التنس من خلال شاشة التلفاز، فأنت ببساطة لا تملك أدنى فكرة عن قوة ضربات اللاعبين للكرة وسرعة انتقالها من مكان إلى آخر، والوقت القليل المعطى لهم للحاق بها والتمكن من الوصول إليها والالتفاف بأجسادهم لضربها بقوة ليحرزوا من خلالها نقطة تحسب لصالحهم” 

اقتبس هذا الكلام من حديث والاس عند حضوره نهائي ويمبلدون 2006 بين فيدرير ونادال من أجل إجراء حديث صغير مع فيدرير حتى يساهم في مقالته عن هذا اللاعب والتي ستصدر بعدها بشهر. أقتبس هذه الكلمات وأنا مستشعرة تلك الحروف ومدى جمالية مشاهدة مباراة تنس حيّة من الملعب رغم أن المباراة لم تكن ممتعة والبطولة لم تكن رسمية والخصمان المتقابلان في هذه المباراة لا يعتبرون من الأفضل، ومع كل تلك المعوقات كان الشعور جميلًا. كل هذا يجعلني أتسائل كيف سيكون الأحساس عند حضور نهائي بطولة ويمبلدون؟

مراجع:

كتاب String Theory David Foster Wallace on Tennis

من يقول الحقيقة؟

في الصف أقوم بطرح بعض الأسئلة على طالباتي أحدى هذه الأسئلة يقوم على أساس أن يقرر الطالب ما إذا كانت العبارة الموجودة أمامه حقيقة أم رأي. ويكمن الاختلاف بينهما أن الحقيقة معلومة علمية تم التثبت من صحتها مع ذكرها أثناء … إقرأ المزيد