كتاب “رحّالة”

هنالك دومًا عناوين جذابة ترمز لمواضيع تُشبع فضولًا كبيرًا لدى الإنسان، ودائمًا ما نجد أن الرحلة ومشتقاتها الاسمية تبرز في المقدمة و بمسافة كبيرة عن أقرب منافسيها، إذًا كان من السهل علي أن انجذب لكتابِ يحمل عنوان “الرحالة”.

بعبارة شيقة طُبعت بأناقة على غلاف الكتاب قائلةً “الكتاب الحائز على جائزة مان بوكر والكاتبة الحاصلة على جائزة نوبل”، ازداد معها ارتفاع سقف التوقعات ناحية الرواية، وعادةً ما يرتبط سقف التوقعات بعلاقة عكسية مع مدى الرضا عن المنتج أي كان صيغته. 

وجدت نفسي بعد قراءة الصفحات الأولى من الكتاب أمام قطعِ قصصية لا رابط بينها بالمعنى الحرفي، إلا أن هنالك وِثاق خفي تشعر به عند قرائتها. مثل هذه الكتب القادرة على إيصال شعور يصعب وصفه هي حتمًا كتبُ عظيمة، ولعل هذا الكتاب إحداها. لا أُخفي على الجميع تذكري لإدواردو غاليانو وظهور روحه نوعًا ما داخل صفحات الرواية، إلا أن الاختلاف الوحيد بينهما، أن هناك كان لدينا إدواردو غاليانو واحد أما هنا فنحن أمام قبيلة من إدواردو غاليانو. هنالك أيضًا استراتيجية متبعة في الكتاب، فهناك قصص قصيرة تبدأ وتظن أنها أنتهت لتتفاجئ مع تقدم الصفحات بإكمالها بصيغة قد تكون مختلفة، أو بإسناد المهمة لراوي آخر. وهنالك أيضاً قصصٌ تاريخية حدثت بالفعل لكنها رُويت بطريقة سردية خيالية.

 هذا الكتاب كُتب بلغة عصرنا، عصر السرعة. والذي يعد التنقل فيه من موضوع إلى آخر أسهل من رمشة العين، ناهيك عن اهتماماتنا المختلفة جذريًا عن بعضها البعض ومع ذلك نجد لها متسعًا داخل أرواحنا، هذا الكتاب هو الوصفة التعريفية لطريقة عمل عقول أبناء هذا العصر، أبناء القرن الحادي والعشرين والمرتبط كليًا بإشارات الأنترنت الهوائية. الأمر أشبه بالتنقل من مقطع فيديو داخل يوتيوب لمقطع فيديو آخر لا علاقة واضحة تربط بينهما، لتظل مستمرًا في التنقل من مقطع إلى آخر حتى تجد نفسك وقد أُنهكت برحلة افتراضية أشبعت فضولًا داخلك ظل مشتعلًا لزمن بسيط.

قد يذكر البعض أن الأمر مشتت نوعًا ما فما ان اندمج مع أحداث قصة حتى أجد نفسي قد انتقلت على متن بساط ريح لزمنِ مختلف ومكان متخيل لن يتسنى لي الوصول له بوسائل النقل التقليدية المعلوم مواعيد انطلاقها ووصولها. إلا أن الأمر كان ممتعًا، فتلك الوقفات الاضطرارية العديدة كانت قادرة على شحن روحي بطاقة جديدة مكنتني من إكمال رحلة الخيال والواقع دون ملل يذكر.

كتاب “الرحالة” للكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك سيبقى من أروع الكتب التي قرأت ولا أعلم كم من الزمن سينقضي حتى يتبادر إلى ذهني اسمه عند ذكر “ما هو أروع كتابًا قد قرأته”، لكن أنا متأكدة بأنه سيظل زمنًا طويلاً ضاربًا بقوانين سرعة عصرنا عرض الحائط، ليحتل تلك المكانة فترة أطول من رمشة عين.

القراءة المختصة

من محاسن 2020 القليلة هو عودة شهيتي للقراءة، أصبح لزامًا علي شراء 5 كتب دفعة واحدة ثم قراءتها جميعًا لتبدأ بعدها رحلة البحث عن خمسة كتب أخرى، تزيد أو تنقص لا يهم المغزى هنا هو امتلاك نسخ ورقية. طريقة نجحت معي بشكل كبير وتعتبر أفضل مقارنةً بالتكديس من خلال شراء عدد كبير من الكتب وانطفاء الحماس بعد مرور الوقت. 

الكتب القديمة والتي لم تُقرأ بعد كُتب لها الوداع وعما قريب سأحاول التخلص منها ولكن مازال التفكير مشغولًا بكيفية الطريقة. شعرت بالحماسة أكبر عند امتلاك كتاب جديد وقراءته في حينها على عكس ما قد يحصل من كتاب قد مضى على شرائه سنوات لتتسائل وقتها لماذا هو موجود هنا؟. فكما يعلم جميع القراء هنالك مراحل في حياة القارئ تتنقل اهتماماته من مجالات عدة تقل حينًا وتزيد أحيانًا أخرى، تجتمع جميعها لتشكل رحلته القرائية في هذه الحياة.

العلامة الفارقة في هذا السنة القرائية هو عودة قراءة كتب متعلقه بتخصص الجامعة أو ما يدور في فلكها، فمع مرور الأيام سينسى الإنسان لا محالة ما تم تداوله داخل قاعات الدراسة خصوصًا إذا أرتبط بعمل لا يتعلق كثيرًا بما تم دراسته، من سيكون المنقذ هنا؟ الكتب طبعًا. سعادتي لا توصف وأنا أقرأ تلك الأسطر فقد انتابني شعور جميل وممتع مليء بالاكتشاف والحماسة وكل ما دار في ذهني حينها هو تساؤل كبير يطرح مرارًا” لماذا ابتعدت؟.”

الجواب على هذا السؤال سيبقى غير معلوم، لكن سأذكر بعض الأمور التي حفزتني على الإبحار أكثر داخل الكتب المتخصصة، الكتاب الأول كان تحت عنوان “أينشتاين، بيكاسو المكان والزمان والجمال” كان الكتاب يقع في قسمين قسم عن حياة أينشتاين وإبداعاته وقسم عن بيكاسو وتحفه الفنية. حماستي عند شراء الكتاب كانت متجهة نحو بيكاسو إلا أن ما حدث كان على العكس تمامًا وجدت نفسي أقرأ صفحات أينشتاين بسرعة كبيرة متنقلة بحماسه بين الأسطر بينما على الطرف الآخر استثقلت صفحات بيكاسو لدرجة بدأت أشك في استطاعتي على إنهائها. كان هذا الكتاب كمنبه أراد مني الاستيقاظ والانتباه عن ما ترغب فيه نفسي وما يوده عقلي أن يستقبله، فقد مرت سنوات عديدة على سماع تلك المصطلحات، وكأني أتخيل خلايا دماغي تتراقص فرحًا بعودة ضيف قديم طال انتظاره. 

الأبتعاد طوال تلك السنوات لم يكن كليًا فقد تنقلت بين صفحات مجلات تعتبر علمية ناهيك عن مشاهدة وثائقيات تقع ضمن ذات التصنيف، لكن جميعها لا يعادل المتعة في قراءة كتاب علمي. كتاب “أينشتاين وبيكاسو” دفعني للبحث أكثر عن نوعية تلك الكتب ومنذ زمن وأنا على إطلاع بإصدارات مشروع كلمة للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للتراث والثقافة، ويلتزم المشروع بترجمة العديد من الكتب حول العالم تقع ضمن تصنيفات تم اختيارها من قِبلهم ولحسن الحظ تم إيجاد تصنيف يعنى بالعلوم والمعارف. بدأت في تصفح العناوين العديدة والمتنوعة في موقعهم الألكتروني ليتم جذبي إلى عنوان يذكر فيه “تاريخ الطاقة والحضارة”. ذلك العنوان لم يلفتني فقط كونه يقع ضمن الكتب العلمية لكنه أيضًا جمع جانبًا آخر لطالما استمتعت به واقتنيت العديد من الكتب ضمن عالمه إلا وهو التاريخ، اقتنيت الكتاب بسرعة رغم سعره المبالغ فيه ولكنه أمر ستعتادونه عند شرائكم لكتب من إصدارهم. حماسي لم يخيب رغم كبر حجم الكتاب وغزارة المعلومات الموجودة بداخله، فما أن أنهي 10 صفحات حتى أشعر بالأمتلاء والرغبة بالتوقف لاستيعاب ما قرأت، ولعل هذا السبب الذي جعل رحلتي مع الكتاب تطول شهرًا كاملًا. وهنا أضع اقتباسًا لمراجعتي للكتاب والتي كتبت عنها في موقع Goodreads:

خلاصة الأمر هو توصلي لأمور قد تكون مرت على كل عاشق للقراءة والتي تجعل منه ممتلئًا بالشغف والبحث بين فترة وأخرى، قد لا يتحدث كثيرًا عما قرأ أو ماذا أستفاد من تلك الكتب التي قرأها لكن حتمًا كان هنالك متعة هو الوحيد الذي يعلم عن مدى روعتها، ولا يعلم ماذا يخبئ له القدر في قادم الأيام أن أستعمل ما تم قرائته في مشاريع وخطط مستقبلية تفتح له أبواب كانت مغلقة، دعونا نتمنى جميعًا أن نجد تلك الفائدة وفي أثنائها لنستمتع معًا بالرحلة.